النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(٤٧) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ - حديث رقم (٢٩٧)
فهو نمّام، والاسم النميمة، ونَمَّ الحديثُ: إذا ظهرَ، فهو متعدٍّ ولازمٌ. انتهى
بتصرّف يسير(١).
وقال الفيّوميّ: نَمَّ الرجلُ الحديث نَمّاً، من بابي قَتَلَ، وضَرَبَ: سَعَى به
لِيُوقع فِتْنَةً، أو وَحْشَةً، فالرجلُ نَمُّ - بالفتح - تسميةً بالمصدر، ونَمّامٌ مبالغةً،
والاسم النميمة، والنَّمِيم أيضاً. انتهى(٢) .
وقال النوويّ: قال العلماء: النميمةُ نَقْلُ كلام الناس بعضِهم إلى بعض
على جهة الإفساد بينهم. انتهى(٣).
وفي رواية همّام بن الحارث التالية: ((قال: كان رجلٌ ينقُلُ الحديث إلى
الأمير، فكنّا جلوساً في المسجد، فقال القوم: هذا ممن ينقل الحديث إلى
الأمير ... )) الحديث، وفي رواية: ((إن هذا يرفع إلى السلطان أشياء ... ))،
وفي رواية البخاريّ عن همّام: ((قال: كنّا مع حذيفة، فقيل له: إن رجلاً يرفع
الحديث إلى عثمان ... )) الحديث، وعثمان: هو ابن عفّان الخليفة
.
ـبه
الراشد
(فَقَالَ حُذَيْفَةُ) ◌َبه، وفي رواية همّام الآتية: ((فقال حذيفة إرادة أن
يُسمعه: سمعت رسول الله وَلجر ... )) الحديث، يعني: إنما ذكر حذيفة .
الحديث؛ لأجل أن يسمع الرجل النمّام الوعيد، فينزجر عن نميمته (سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَلِهِ يَقُولُ: (لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها، وهو (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ)
أي في أوّل وَهْلَة، أو إن استحلّه، كما مرّ في نظائره.
وقال النوويّ: فيه التأويلان المتقدمان في نظائره:
[أحدهما]: أن يُحْمَل على المستحلّ بغير تأويل، مع العلم بالتحريم.
[والثاني]: أنه لا يدخلها دخولَ الفائزين، والله تعالى أعلم(٤).
(نَمَّامٌ))) بفتح النون، وتشديد الميم، تقدّم أنه للمبالغة، وفي الرواية
التالية: ((قَّات)) - بقاف، ومثناة ثقيلة، وبعد الألف مثناة أخرى -: هو النّمّام،
وقيل: الفرق بين ((القَّات))، و((النّمّام)) أن النّمام الذي يَحْضُر القصة، فينقلها،
(١) ((النهاية)) ١٢٠/٥.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١١٢/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٢٦/٢.
(٤) (شرح النوويّ)) ١١٣/٢.

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
و((القتات)) الذي يتسمع من حيث لا يُعْلَم به، ثم ينقل ما سمعه.
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: اعلم أن النميمة إنما تُظْلَق في
الأكثر على مَن يَنِمُّ قولَ الغير إلى المقول فيه، كما تقول: فلانٌ يتكلم فيك
بكذا، قال: وليست النميمة مخصوصة بهذا، بل حَدُّ النميمة كَشْفُ ما يُكْرَهُ
كشفُهُ، سواءٌ كَرِهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو ثالثٌ، وسواءٌ كان
الكشف بالكناية، أو بالرَّمْز، أو بالإيماء، فحقيقةُ النميمة: إفشاء السرّ، وهَتْكُ
السَّتْرِ عما يُكْرَهُ كشفُهُ، فلو رآه يُخْفِي مالاً لنفسه، فذكره، فهو نميمة.
انتھی
(١).
[تنبيه]: اختُلِفَ في الغيبة والنميمة، هل هما متغايرتان، أو متحدتان؟
والراجح التغاير، وأن بينهما عموماً وخصوصاً وَجْهِيّاً، وذلك لأن النميمة نَقْلُ
حال الشخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه، سواءُ كان بعلمه أم بغير
علمه، والغيبة ذِكْرُه في غيبته بما لا يُرضيه، فامتازت النميمة بقصد الإفساد،
ولا يُشتَرط ذلك في الغيبة، وامتازت الغيبة بكونها في غَيْبَة المقول فيه،
واشتركتا فيما عَدَا ذلك، ومن العلماء من لم يشترط في الغيبة أن يكون المقول
فيه غائباً(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّقُ بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حُذيفة بنظُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٩٧/٤٧ و٢٩٨ و٢٩٩] (١٠٥)،
و(البخاريّ) في ((الأدب)) (٦٠٥٦)، وفي ((الأدب المفرد)) (٣٢٢)، و(أبو داود)
في ((الأدب)) (٤٨٧١)، و(الترمذيّ) في ((البرّ والصِّلَة)) (٢٠٢٦)، و(أبو داود
الطيالسيّ) في («مسنده)) (٤٢١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٤٣)، و(أحمد) في
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١١٢/٢ - ١١٣.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٤٨٨/١٠ ((كتاب الأدب)) رقم الحديث (٦٠٥٦).

٢٦٣
(٤٧) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ الثَّمِيمَةِ - حديث رقم (٢٩٧)
((مسنده)) (٣٨٢/٥ و٣٨٩ و٣٩١ و٣٩٢ و٣٩٦ و٣٩٧ و٣٩٩ و٤٠٢ و٤٠٤)،
و(النسائيّ) في ((التفسير)) (١١٥٥٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٨٦ و٨٧)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٧٦٥)، وفي ((روضة العقلاء)) (ص١٧٦)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٠٢١)، وفي ((الصغير)) (٥٦١)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٤٧/١٠)، وفي ((الأدب)) (١٣٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٣٥٦٩ و٣٥٧٠)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (٨٧٦)، و(ابن أبي الدنيا)
في ((الصمت)) (٢٥٢ و٢٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان غِلَظ تحريم النميمة، وأنه ينافي كمال الإيمان، وهو
وجه المطابقة لإيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): حرص الشريعة على إبعاد المسلمين من أن يضُرّ بعضهم
بعضاً؛ إذ النميمة فيها ما لا يخفى من إفساد المجتمع.
٣ - (ومنها): فضل حذيفة ظُه حيث سلك في الدعوة مسلك الحكمة،
فإنه لما عَلِم أن الرجل له وجاهة عند الأمير خشي أن لا يقبل نصيحته لو
واجهه بها، وبيّن له حديث النبيّ وَ لَ﴿ أَنَفَةً وتكبّراً، فأراد نصيحته، وإبلاغه
الحديث من غير أن يُعلمه أنه المعنيّ به، رفع صوته بالحديث حتى يسمع،
وينزجر عن غيّه، وهذا هو عين ما أمر الله تعالى به نبيه وَ لّ في قوله: ﴿أَدْعُ إِلَ
سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الآية، فكان من هديه وَّ إذا
رأى منكراً من شخصه أن لا يواجهه بالإنكار عليه، بل ينصحه من غير مباشرة،
فيقول: ((أما بعد، فما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟)).
٤ - (ومنها): أن نقل الحديث للمصلحة جائز، ففي الرواية التالية: ((فَقَالَ
الْقَوْمُ: هَذَا مِمَّنْ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الْأَمِيرِ)) يعني: أنهم شكوه إلى حذيفة ◌ُه
لينصحه، حتى يترك النميمة، فأقرّهم حذيفة رظته على ذلك، مع أن قولهم هذا
نميمة أيضاً؛ لما يترتّب على ذلك من مصلحة نصح حذيفة نظراته له، وزجره عن
نمیمته .
٥ - (ومنها): ما قاله الغزاليّ رحمه الله تعالى: كلُّ مَن حُمِلت إليه
نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك، أو يفعل فيك كذا، فعليه ستة أمور:

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[الأول]: أن لا يُصَدِّقه؛ لأن النَّمّام فاسقٌ.
[الثاني]: أن ينهاه عن ذلك، ويَنْصَحِه، ويُقَبِّح له فعله.
[الثالث]: أن يُبغِضه في الله تعالى، فإنه بَغِيض عند الله تعالى، ويجب
بُغْض مَن أبغضه الله تعالی.
[الرابع]: أن لا يَظُنَّ بأخيه الغائب السوء.
[الخامس]: أن لا يَحْمِله ما حُكِي له على التجَسُّس، والبحث عن ذلك.
[السادس]: أن لا يَرْضَى لنفسه ما نَهَى النّمّامَ عنه، فلا يَحْكِي نميمته
عنه، فيقول: فلان حَكَى كذا، فيصير به نَمّاماً، ويكون آتياً ما نَهَى عنه. انتهى
كلام الغزاليّ رحمه الله تعالى.
قال النوويّ رحمه الله تعالى بعد نقله كلام الغزاليّ هذا، ما نصّهُ: وكلُّ
هذا المذكور في النميمة إذا لم يكن فيها مصلحةٌ شرعيةٌ، فإن دَعَت الحاجة
إليها، فلا منع منها، وذلك كما إذا أخبره بأن إنساناً يريد الْفَتْك به، أو بأهله،
أو بماله، أو أخبر الإمام، أو مَن له ولاية بأن إنساناً يَفعَلُ كذا، ويَسْعَى بما فيه
مفسدةٌ، ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك وإزالته، فكل هذا وما
أشبهه ليس بحرام، وقد يكون بعضه واجباً، وبعضه مستحبّاً على حسب
المواطن. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّاً، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٩٨] (.) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ
إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ:
كَانَ رَجُلٌ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الْأَمِيرِ، فَكُنَّا جُلُوساً فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا
مِمَّنْ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الْأَمِيرِ، قَالَ: فَجَاءَ، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مَرْو، ثقةٌ

٢٦٥
(٤٧) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ الثَّمِيمَةِ - حديث رقم (٢٩٨)
حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س)
تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٢٠ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة حافظ
إمام [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل
الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦]
(ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ، يُرسل
كثيراً [٥] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٦ - (هَمَّامُ بْنُ الْحَارِثِ) بن قيس بن عمرو بن ربيعة بن حارثة النخعيّ
الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٢].
رَوَى عن عمر، وحذيفة، والمقداد بن الأسود، وأبي مسعود، وعمار بن
ياسر، وعديّ بن حاتم، وجرير، وعائشة.
ورَوَى عنه إبراهيم النخعيّ، ووَبَرَةُ بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ،
وذكره أبو الحسن المدائنيّ في عُبّاد أهل الكوفة، وذكر ابن سعد أنه مات في
ولاية الحجاج، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، قال: وكان من الْعُبّاد، وكان لا
ينام إلا قاعداً، وقال مات في إمارة يزيد بن معاوية سنة ثلاث، وقد قيل: مات
في إمارة عبد الله بن يزيد الْخَطْميّ على الكوفة سنة خمس وستين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث: هذا، وأعاده
بعده، وحديث (٢٧٢): ((بال، ثم توضّأ، ومسح على خفّيه))، و(٢٨٨): ((كنت
أفرُكه من ثوب رسول الله وَ لَه))، و(١٩٢٩): ((إذا أرسلتَ كلبك المعلّم،
وذكرتَ اسم الله ... ))، و(٣٠٠٢): ((إذا رأيتم المدّاحين، فاحثوا في وجوههم
التراب)).

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه شيخان
قرن بينهما، وفيه من صيغ الأداء: التحديث، والإخبار، والعنعنة، والسماع.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، سوى شيخيه: فالأول: ما
أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني: ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه، فمروزيّان، والصحابيّ
مدائنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: إبراهيم، عن همام، وعلى
قول من يقول بأن منصوراً تابعيّ صغير، ففيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم
عن بعض، والله تعالى أعلم.
وقوله : (كَانَ رَجُلٌ) تقدّم أنه لا يُعرف اسمه.
وقوله: (يَنْقُلُ الْحَدِيثَ) هو معنى قوله في الحديث الماضي: ((ينِمٌ
الحدیث)) .
وقوله: (إِلَى الْأَمِيرِ) تقدّم أنه عثمان بن عفّان أمير المؤمنين نظريته، ففي
رواية البخاريّ: ((إن رجلاً يرفع الحديث إلى عثمان)).
وقوله: (فِي الْمَسْجِدِ) أي المسجد النبويّ.
وقوله: (فَجَاءَ) أي ذلك الرجل النمّام.
وقوله: (حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنًا) أي معنا، وتمام شرح الحديث، ومسائله
تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام الحافظ الحجة مسلم بن الحجاج
رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ،
عَنِ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّام بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً مَعَ
حُذَيْفَةَ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ رَجُلٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: إِنَّ هَذَا يَرْفَعُ

٢٦٧
(٤٧) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ الثَّمِيمَةِ - حديث رقم (٢٩٩)
إِلَى السُّلْطَانِ أَشْيَاءَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ؛ إِرَادَةَ أَنْ يُسْمِعَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَل
يَقُولُ: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مِنْجَابُ(١) بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]
(٢٣١) (م فق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٣/٤١.
٢ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو: عليّ بن مُسْهِر القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل،
ثقةٌ، له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
وأما ((أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً)))، واسمه عبد الله بن محمد بن أبي شيبة،
و((أَبُو مُعَاوِيَةَ))، واسمه محمد بن خازم، و((وَكِيع)) بن الجرّاحِ، و((الْأَعْمَشُ))
سليمان بن مهران، فقد تقدّموا في الباب الماضي، والباقون ذُكروا في السند
الماضي.
وقوله: (إِلَى السُّلْطَانِ) تقدّم أنه عثمان بن عقّان ◌ُبه.
وقوله: (إِرَادَةَ أَنْ يُسْمِعَهُ) بنصب إرادة على أنه مفعول لأجله، كما قال
في ((الخلاصة)):
يُنْصَبُ مَفْعُولاً لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ أَبَانَ تَعْلِيلاً كَـ«جُدْ شُكْراً وَدِنْ))
وقوله: ((قَتَّاتٌ))) بوزن نَمَّام، ومعناه. قال ابن الأثير: الْقَتَّاتُ: هو
النّمّام، يقال: قَتَّ الحديثَ يقُتُّهُ - أي من باب نصر -: إذا زوّره، وهيّأه،
وسَوّاهُ، وقيل: النّمّام: الذي يكون مع القوم يتحدّثون، فيَنِمُّ عليهم، والْقَتَّاتُ:
الذي يَتَسَمَّعُ على القوم، وهم لا يعلمون، ثم يَنِمُّ، والْقَسَّاسُ: الذي يَسْأَلُ عن
الأخبار، ثم يَنُمُّها. انتهى(٢).
وقال في ((القاموس)): ((الْقَتُّ)): نَمُّ الحديث، كالتَّقْتِيتِ، والْقَتْقَتَةِ
والْقِتِيتَى، وقال أيضاً: ورجلٌ قَتَّاتٌ وقَتُوتٌ، وقِتِّيَتَى: نَمَّامٌ، أو يَسَّمَّعُ أحاديث
الناس من حيثُ لا يعلمون، سواءٌ نَمَّهَا، أم لم يَنُمَّها. انتهى(٣)، وتمام شرح
(١) بكسر الميم، وسكون النون، ثم جيم، ثم ألف، ثم موحّدة.
(٢) ((النهاية)) ١١/٤.
(٣) ((القاموس المحيط)).

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ .
(٤٨) - (بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيم إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ،
وَتَنْفِيقِ السِّلْعَةِ بِالْحَلِفِ، وَبَيَانِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام الحافظ الحجة مسلم بن الحجاج المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠] (١٠٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ
بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي
زُرْعَةَ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّنَ قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) قَالَ: فَقَرَأَهَا
رَسُولُ اللهِ ثَلَاثَ مِرَاراً، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا، وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: ((الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِنِ، تقدّم قريباً.
٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار المعروف بـ«بُنْدار))، أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بـ((غُنْدَر))، أبو عبد الله البصريّ، ربیب
شُعبة، ثقة حافظ [٩] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور المذكور قبل باب.
٦ - (عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ) النخعيّ، أبو مُدْرك الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٢٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٠/٣١.

٢٦٩
(٤٨) - بَابُ بَيّانِ غِلَظِ تَحْرِيم ◌ِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ) ... إلخ - حديث رقم (٣٠٠)
٧ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ، قيل: اسمه هَرِم،
وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل غير ذلك، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان))
١٠٦/١.
٨ - (خَرَشَةُ - بفتحات، والشين المعجمة - ابْنُ الْحُرِّ) - بضمّ الحاء المهملة،
وتشديد الراء - الْفَزَاريّ، قيل: له صحبة، وقيل: ثقةٌ من كبار التابعين [٢].
كان يتيماً في حِجْر عمر بن الخطاب ظُهِ، رَوَى عنه، وعن أبي ذَرّ،
وحُذيفة، وعبد الله بن سلام.
ورَوَى عنه رِبْعيّ بن حِرَاش، وسليمان بن مُسهِر، والمسيَّب بن رافع،
وأبو زرعة بن عمرو بن جرير، وأبو حَصِين، عثمان بن عاصم، وغيرهم.
قال الآجريّ، عن أبي داود: خَرَشة بن الْحُرّ له صحبة، وأخته سلامة
بنت الْحُرّ لها صحبة، وقال ابن سعد: تُؤُفّي في ولاية بشر بن مروان على
الكوفة، وقال خليفة: مات سنة (٧٤)، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) في
التابعين، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ من كبار التابعين، وذكره ابن عبد البرّ،
وأبو نعيم، وابن منده في ((الصحابة))، وقال أبو موسى المدينيّ: خَلَط أبو
عبد الله - يعني: ابن منده - بينه وبين خَرَشَة المراديّ، والظاهر أنهما اثنان.
انتھی .
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث،
وأعاده بعده، وحديث (٢٤٨٤): ((أما الطريق التي رأيت عن يسارك فهي طرق
أصحاب الشمال ... )).
٩ - (أَبُو ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة الصحابيّ الشهير ظُه تقدّم قريباً، والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه ثلاثة
مشايخ قرن بينهم، وفيه من صيغ الأداء: التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشّار من مشايخ الأئمة السّة
بلا واسطة.

٢٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٣ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما
أخرج له الترمذيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، غير أبي بكر، فكوفيّ،
كالباقين، والصحابيّ مدنيّ، ثم رَبَديّ
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عليّ بن
مدرك، عن أبي زرعة، عن خَرَشَة.
٦ - (ومنها): خَرَشَة بن الْحُرّ من الأفراد، فليس في الرواة من يشاركه في
هذا الاسم، وهذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وليس له في الكتاب إلا
حديثان، كما أسلفت بيانهما آنفاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ نَِّ) أنه (قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ﴾ وَيَتْ،
(عَنْ أَبِي ذَرِّ)
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي بكلام مَن رَضِيَ عنه، ويجوز أن يُكلِّمهم بما
يُكلّم به من سَخِطَ عليه، كما جاء في ((صحيح البخاريّ)) من حديث أبي
هريرة ربه مرفوعاً: ((يقول الله لمانع الماء: اليوم أمنعُك فضلي، كما منعت
فَضْلَ ما لم تَعْمَل يداك))، وقد حَكَى الله تعالى أنه يقول للكافرين: ﴿أُخْسَثُواْ فِيهَا
وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقيل: معناه: لا يكلّمهم بغير واسطة؛ استهانةً
بهم، وقيل: معنى ذلك الإعراض عنهم، والغضب عليهم. انتهى(١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: ((ثلاثة لا يكلّمهم الله ... إلخ)) هو
على لفظ الآية الكريمة، قيل: معنى ((لا يكلمهم)): أي لا يُكَلِّمهم تكليم أهل
الخيرات، وبإظهار الرِّضًا، بل بكلام أهل السخط والغضب، وقيل: المراد
الإعراض عنهم، وقال جمهور المفسرين: لا يكلِّمهم كلاماً ينفعهم ويَسرُّهم،
وقيل: لا يُرسِل إليهم الملائكة بالتحية. انتهى(٢).
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قيّده به إشارة إلى أنه محلّ الرحمة المستمرّة بخلاف رحمة
الدنيا، فإنها قد تنقطع بما يتجدّد من الحوادث، قاله في ((الفتح))(٣).
(١) ((المفهم)) ٣٠٢/١.
(٣) راجع: ((الفتح)) ٤٣٠/١١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١٦/٢.

٢٧١
(٤٨) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٠)
(وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) قال النوويّ: معناه: أنه يُعْرِض عنهم، ونظره تَّلَ لعباده
رحمته، ولطفه بهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تفسيره النظر بالرحمة واللطف غير
صحيح، بل النظر على ظاهره ثابتٌ لله ◌ُعَلَ، كما ثبت اللطف والرحمة، فتنبّه،
ولا تكن أسير التقلید.
وقال في ((الفتح)): معنى: ((لا ينظر الله إليهم)): أي لا يرحمهم، فالنظر
إذا أُضيف إلى الله تعالى كان مجازاً، وإذا أُضيف إلى المخلوق كان كنايةً،
ويحتمل أن يكون المراد: لا ينظر الله إليهم نظرَ رحمةٍ.
قال: وقال شيخنا - يعني: الحافظ العراقيّ - في ((شرح الترمذيّ)): عَبَّرَ
عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر؛ لأن مَن نَظَر إلى متواضع رَحِمَه، ومَن نَظَر
إلى مُتَكَبِّر مَقَته، فالرحمة والمقت متسبيان عن النظر.
وقال الكرمانيّ: نسبة النظر لمن يجوز عليه النظر كنايةٌ؛ لأن مَن اعتَدَّ
بالشخص التفتَ إليه، ثم كَثُر حتى صار عبارةً عن الإحسان، وإن لم يكن هناك
نظر، ولمن لا يجوز عليه حقيقةُ النظر، وهو تقليب الحدقة، والله مُنَزَّه عن
ذلك، فهو بمعنى الإحسان، مجازاً عما وقع في حق غيره كنايةً.
قال: ويؤيد ما ذُكِر من حمل النظر على الرحمة، أو المقت، ما أخرجه
الطبرانيّ، وأصله في ((سنن أبي داود))، من حديث أبي جُرَيّ: ((إن رجلاً ممن
كان قبلكم، لَبِسَ بُرْدةً، فَتَبَخْتر فيها، فنظر الله إليه فمقته، فأمر الأرض
فأخذته ... )) الحديث. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكروه من نفي نظر الله تَعَالَ
حقيقةً، وأنه ليس له نظرٌ، وإنما هو مجازٌ عن الرحمة غير صحيح، وإنما
حَمَلهم على ذلك أنهم ظنّوا أن النظر لا معنى له إلا تقليب الحدقة، وهذا
خطأ؛ لأن هذا معنى النظر المضاف إلى المخلوقين، وأما نظر الخالق، فهو
نظرٌ يليق بجلاله وَالَّ، لا نعلم كيفيّته، كما لا نعلم حقيقة ذاته العليّة؛ لأن
الصفة فرع عن الذات.
(١) راجع: ((الفتح)) ١٠/ ٢٧٠.

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فالحقّ أن النظر ثابتٌ لله تعالى حقيقةً، لا مجازاً، وأما تفسير نظره هنا
بأنه نظر رحمة وإحسان، فلا يتنافى مع تفسيرنا المذكور؛ لأن هذا بيان
للمقصود هنا بقرينة الأدلّة الأخرى؛ لأن نظر الله تعالى محيط بجميع مخلوقاته،
لا يخفى عليه شيء، فكان المراد هنا نظراً خاصّاً، وهو الذي يكون لأوليائه
تعالى، وهو نظر الرحمة واللطف والإحسان، والفرق بين إثبات النظر، وكون
المراد نظراً خاصّاً، وهو نظر الرحمة وبين نفي النظر، وكونه بمعنى الرحمة
واضحٌ، لا يخفى لمن تأمّله بالإنصاف، ولم يسلك سبيل التقليد والاعتساف.
وأما الحديث الذي ذكره صاحب ((الفتح)) عن الطبرانيّ، وادّعَى أنه يؤيّد
ما ذُكر من حَمْل النظر على الرحمة، أو المقت، فليس كما ادّعاه، بل هو
موضّحُ لما قلناه، فإنه أثبت أوّلاً النظر لله ◌ُعَلَ، ثم رتّب المقتَ عليه بالفاء
التعقيبيّة، فقال: ((فمقته، فأمر الأرض ... إلخ))، فإن هذا واضحٌ في إثبات
النظر الله تعالى، وهو الذي قلناه، وقد أوضحت المسألة في غير هذا المحلّ من
(شرح النسائيّ))، وغيره، فتأمله بالإنصاف، ولا تسلك مسلك التقليد
والاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يُطَهِّرهم من دنس ذنوبهم؛ لِعِظَم جُرْمهم؛ وقال
الزجاج وغيره: معناه: لا يُثْنِي عليهم خيراً، ومن لم يُثْنِ عليه خيراً عذّبه (١).
(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ))) أي شديد الألم الموجِعُ، قال الواحديّ: هو العذاب
الذي يَخْلُص إلى قلوبهم وَجَعُهُ، قال: والعذابُ كلُّ ما يُعْبِي الإنسان، ويَشُقُّ
عليه، قال: وأصل العذاب في كلام العرب مِنَ الْعَذْب، وهو المنع، يقال
عَذَبْتُهُ عَذْباً: إذا منعته، وعَذَبَ عُذُوباً: أي امتنع، وسُمِّي الماء عَذْباً؛ لأنه يمنع
الْعَطَش، فسُمِّيَ العذاب عذاباً؛ لأنه يَمْنَع الْمُعَاقَبَ من مُعاودة مثل جُرْمه،
ویمنع غيره من مثل فعله. انتهى(٢).
وقال الراغب الأصفهانيّ في ((مفرداته)): اختُلِف في أصل العذاب، فقال
بعضهم: هو من قولهم: عَذَبَ الرجلُ: إذا ترك المأكل والنوم، فهو عاذبٌ،
وعَذُوبٌ، فالتعذيب في الأصل: حملُ الإنسان أن يَعْذِب: أي يَجُوعَ ويَسْهَرَ،
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٥٥/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١٦/٢.

٢٧٣
(٤٨) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٠)
وقيل: أصله من الْعَذْبِ، فعذّبتُهُ: أي أزلتُ عَذْبَ حياته على بناء مرَّضْتُهُ،
وقَذَّيْتُهُ، وقيل: أصل التعذيب إكثار الضرب بعَذَبَةِ السوط: أي طَرَفها، وقد قال
بعض أهل اللغة: التعذيب هو الضرب، وقيل: هو من قولهم: ماءٌ عَذْبٌ: إذا
كان فيه قَذَّى وكَدَرٌ، فيكون عذّبتُهُ كقولك: كدّرت عيشه، وزَلَّقْتُ حياته، وعَذَبَةُ
السوط واللسان والشجر: أطرافها. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ: عَذَبته تعذيباً: عاقبته، والاسم: الْعَذَابُ، وأصله في كلام
العرب: الضربُ، ثم استُعْمِل في كلّ عقوبة مُؤْلمةٍ، واستُعِير للأمور الشاقّة،
فقيل: السفر قطعة من العذاب، وعَذَبَةُ اللسان: طَرَفُهُ، والجمع عَذَباتٌ، مثلُ
قَصَبَةٍ وقَصَبَات، ويقال: لا يكون النطقُ إلا بعَذَبَةِ اللسان، وعَذَبَةُ السَّوْطِ:
طَرَفُهُ، وعَذَبَةُ الشجر: غُصْنُهَا، وعَذَبَةُ الميزان: الخَيْطُ الذي تُرْفَعُ به.
(٢)
انتھی
.
(قَالَ) أبو ذرّ رَظُه (فَقَرَأَهَا) أي هذه الْجُمَل المذكورة (رَسُولُ اللهِ وَّ-
ثَلَاثَ مِرَاراً) يعني: أنه ◌َلّ كرّر هذا الحديث الذي هو بمعنى الآية الكريمة
ثلاث مرّات تأكيداً للأمر (قَالَ أَبُو ذَرٍّ) ◌َه (خَابُوا) أي لم يظفروا بمرادهم،
والكلام يحتمل أن يكون دعاءً عليهم بالخيبة، وأن يكون إخباراً بخيبتهم،
يقال: يَخِيب خيبةً: إذا لم يظفر بما طَلَبَ، وخيّبه الله تعالى - بالتشديد -:
جعله خائباً، أفاده الفيّوميّ(٣) (وَخَسِرُوا) أي هَلَكُوا، والكلام عليه كسابقه،
ووقع عند النسائيّ: ((فقال أبو ذرّ: خابوا وخسروا، خابوا وخسروا))، مكرّراً
(مَنْ) استفهاميةٌ (هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي من هؤلاء الذين وُصفوا بهذه الأوصاف
الْمُخْزِية، والبلايا المحزنة؟ (قَالَ) وَ ((الْمُسْبِلُ) خبر لمحذوف: أي أحدهم:
((المسبل))، اسم فاعل من الإسبال، وهو إرخاء الإزار عن الحدّ الذي ينبغي
الوقوف عنده.
يعني: أنّ أحد الثلاثة الذين لهم هذا الوعيد الشديد: هو الرجل الذي
يُرخِي إزاره، ويجرّ طَرَفه خُيَلاءً، كما جاء مفسّراً في حديث ابن عمر رضي الله
(١) ((مفردات ألفاظ القرآن)) ص٥٥٥.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٨٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٩٨/٢.

٢٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
تعالى عنهما المتّفق عليه: ((لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خيلاء)). والخيلاء:
الكبر، والعجب.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا التقييد بالجرّ خيلاءً يُخصّص عموم
المسبل إزاره، ويدلّ على أن المراد بالوعيد من جرّ خُيَلَاءً، وقد رَخّص
النبيّ وَّر في ذلك لأبي بكر الصدّيق ◌ُه، فقد أخرج الشيخان، من حديث
عبد الله بن عمر ◌ًا، قال: قال رسول الله وَله: ((مَن جَرَّ ثوبه خيلاء، لم
ينظر الله إليه يوم القيامة))، فقال أبو بكر: إنّ أحد شقي ثوبي يسترخي، إلا أن
أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله ويلقول: ((إنك لست تصنع ذلك خيلاء))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الوعيد المذكور خاصّ بمن
جرّه خُيلاء، وأما جرّه بغير الخيلاء، فحرامٌ؛ لما أخرجه البخاريّ، من حديث
أبي هريرة ﴿لله، عن النبيِ وَّ، قال: ((ما أسفَلَ من الكعبين، من الإزار ففي
النار)).
[تنبيه]: يستثنى من ذلك النساء؛ لما أخرجه الترمذيّ، وصحّحه، من
طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، متّصلاً بحديثه
المذكور في قصّة أبي بكر ظه: فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهنّ؟
فقال: (يُرخين شِبْراً))، فقالت: إذاً تنكشف أقدامهنّ، قال: ((فَيُرخينه ذراعاً، لا
يَزِدن عليه)). لفظ الترمذيّ.
قال الحافظ: وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم، فَوَهِمَ، فإنها ليست
عنده، وكأنّ مسلماً أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع، فقد
أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وغيرهما، من طريق عبيد الله بن عمر، عن
سليمان بن يسار، عن أم سلمة.
وأخرجه أبو داود من طريق أبي بكر بن نافع، والنسائيّ، من طريق
أيوب بن موسى، ومحمد بن إسحاق، ثلاثتهم، عن نافع، عن صفيّة بنت أبي
عبيد، عن أم سلمة.
وأخرجه النسائيّ من رواية يحيى بن أبي كثير، عن نافع، عن أم سلمة
(١) سيأتي للمصنف برقم ٢٠٨٥.

٢٧٥
(٤٨) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٠)
نفسها، وفيه اختلاف آخر، ومع ذلك فله شاهد من حديث ابن عمر رضي الله
تعالى عنهما، أخرجه أبو داود من رواية أبي الصّدّيق، عن ابن عمر، قال:
((رخّص رسول الله وَ﴿ لأمهات المؤمنين شبراً، ثم استزدنه، فزادهنّ شبراً، فكن
يُرْسِلن إلينا، فنذرع لهنّ ذراعاً)).
وأفادت هذه الرواية قدر الذراع المأذون فيه، وأنّه شبران بشبر اليد
المعتدلة .
قال الحافظ: ويستفاد من هذا الفهم التعقّب على من قال: إن الأحاديث
المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيّدة بالأحاديث الأخرى المصرّحة بمن فعله
خيلاء .
وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة في محلّه من (كتاب اللباس)) - إن
شاء الله تعالى.
[تنبيه]: قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، وغيره: وذَكَر
إسبال الإزار وحده؛ لأنه كان عامّة لباسهم، وحكم غيره من القميص وغيره
حكمه .
قال النوويّ: وقد جاء ذلك مبيّناً منصوصاً عليه من كلام رسول الله وَّه
من رواية سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي وَّل، قال: ((الإسبال في
الإزار، والقميص، والعمامة، مَنْ جَرَّ منها شيئا، خُيَلاء، لم ينظر الله إليه يوم
القيامة))، رواه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه بإسناد حسن. انتهى (١).
وسيأتي تمام البحث في ذلك في ((كتاب اللباس)) - إن شاء الله تعالى -.
(وَالْمَنَّانُ) زاد في الرواية التالية: ((الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئاً، إِلَّا مَنَّهُ».
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((المنّان)): فَعّالُ من الْمَنّ، وقد فسّره في
الحديث، فقال: ((هو الذي لا يُعطي شيئاً إلا مّنّه)): أي إلا امتنّ به على المعطى
له، ولا شكّ في أنّ الامتنان بالعطاء مبطلٌ لأجر الصدقة والعطاء، مؤذٍ للمعطَى
له، ولذلك قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَاَلْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
وإنما كان المنّ كذلك؛ لأنّه لا يكون غالباً إلا عن البخل، والعجب،
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٦/٢.

٢٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
والكبر، ونسيان منّة الله تعالى فيما أنعم به عليه، فالبخيل يُعظّم في نفسه
العطيّةَ، وإن كانت حقيرةً في نفسها، والعُجْبُ يحمله على النظر لنفسه بعين
العظمة، وأنّه مُنعِمٌ بماله على الْمُعطَى له، ومتفضِّلٌ عليه، وإن كان له عليه حقّ
يجب عليه مراعاته، والكبر يحمله على أن يَحْتَقِر المعطَى له، وإن كان في نفسه
فاضلاً، ومُوجِب ذلك كلّه الجهل، ونسيان منّة الله تعالى فيما أنعم به عليه؛ إذ
قد أنعم عليه مما يُعطي، ولم يَحْرِمه ذلك، وجعله ممن يُعطِي، ولم يجعله ممن
يَسْأَل، ولو نظر ببصيرته لعلم أنّ المنّة للآخذ؛ لما يُزيل عن المعطي من إثم
المنع، وذمّ المانع، ومن الذنوب، ولما يحصل له من الأجر الجزيل، والثناء
الجمیل .
وقيل: المنّان في هذا الحديث هو من المنّ الذي هو القطع، كما قال الله
تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُّ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]: أي غير مقطوع، فيكون معناه:
البخيل بقطعه عطاءَ ما يجب عليه للمستحقّ، كما جاء في حديث آخر: ((البخيل
المنّان))(١)، فنعته به .
والتأويل الأول أظهر، أفاده القرطبيّ رحمه الله تعالى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل التأويل الثاني ضعيفٌ جدّاً، ومما
يُضعفه ما في الرواية التالية بلفظ: ((والمنان الذي لا يُعطي شيئاً إلا منّه))، فإنه
ظاهر في المعنى الأول، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: الحديث الذي أشار إليه القرطبيّ أخرجه أحمد في ((مسنده))،
فقال :
(٢١٠٢٠) حدثنا يزيد، أخبرنا الأسود بن شيبان، عن يزيد أبي العلاء،
عن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، قال: بلغني عن أبي ذرّ حديث، فكنت
أُحِبُّ أن ألقاه، فلقيته، فقلت له: يا أبا ذر، بلغني عنك حديث، فكنتُ أحبّ
أن ألقاك، فأسألَكَ عنه، فقال: قد لقيتَ، فاسأل، قال: قلت: بلغني أنك
تقول: سمعت رسول الله وَله، يقول: ((ثلاثة يحبهم الله ريخ، وثلاثة
(١) رواه أحمد من حديث أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح
(٢) راجع: ((المفهم)) ٣٠٤/١ - ٣٠٥.

٢٧٧
(٤٨) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٠)
يبغضهم الله ))، قال: نعم، فما إخالني، أَكْذِب على خليلي محمد وَّل،
ثلاثاً، يقولها، قال: قلت: مَن الثلاثة الذين يحبهم الله رب؟، قال: ((رجل غزا
في سبيل الله، فلقي العدوَّ، مجاهداً محتسباً، فقاتل حتى قُتِل))، وأنتم تجدون في
كتاب الله وَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]،
((ورجل له جار يؤذيه، فيصبر على أذاه، ويحتسبه، حتى يكفيه الله إياه بموت، أو
حياة، ورجل يكون مع قوم، فيسيرون حتى يَشُقّ عليهم ((الْكَرَى))، أو ((النعاس))،
فَيَنْزِلون في آخر الليل، فيقوم إلى وُضوئه، وصلاته))، قال: قلت: مَن الثلاثة
الذين يبغضهم الله؟ قال: ((الفَخُور المختال، وأنتم تجدون في كتاب الله رَ:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]، والبخيل الْمَنّان، والتاجر،
والبَيّاعِ الْحَلّف))، قال: قلت: يا أبا ذر، ما المال؟ قال: فرق لنا، وذَوْدٌ - يعني
بالفرق: غنماً يسيرة - قال: قلت: لست عن هذا أسأل، إنما أسألك عن صامت
المال، قال: ما أصبح لا أمسى، وما أمسى لا أصبح، قال: قلت: يا أبا ذر،
ما لك ولإخوتك قريش؟ قال: والله لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين الله
تبارك وتعالى، حتى ألقى الله ورسوله ثلاثاً يقولها. انتهى(١).
(وَالْمُنَفِّقُ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الرواية في (الْمُنَفِّق)) بفتح
النون، والفاء مشدّدةٌ، وهي مضاعَفُ نَفَقَ البيعُ يَنْفُقُ : - أي من باب نصر -
نَفَاقاً: إذا خرج، ونَفِدَ، وهو ضدّ كَسَدَ، غير أن نَفَقَ المخفَّفُ لازم، فإذا شُدِّدَ
عُدِّيَ إلى المفعول، ومفعوله هنا ((سِلْعَتَهُ)). انتهى(٢).
(سِلْعَتَهُ) بكسر السين المهملة، وسكون اللام: البِضَاعة، جمعها سِلَعٌ،
مثلُ سدر وسِدَرٍ. ومثله سِلْعة الجسد (٣)، وهي الْغُدَّة، وأما السَّلْعَة بالفتح، فهي
(١) الحديث رجاله رجال الصحيح، ويزيد هو ابن هارون. والله تعالى أعلم.
(٢) ((المفهم)) ٣٠٩/١.
(٣) قال في ((المصباح)): السِّلْعة - أي بكسر، فسكون -: خُرَاجٌ كهيئة الغُدّة، تتحرّك
بالتحريك، قال الأطبّاء: هي وَرَمٌ غير ملتزق باللحم، يتحرّك عند تحريكه، وله
غلاف، وتقبل التزيّد، لأنها خارجة عن اللحم، ولهذا قال الفقهاء: يجوز قطعها
عند الأمن. انتهى. ((المصباح)) في مادّة سلع.

٢٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الشجّة، وجمعها سَلَعات، مثل سجدة وسَجَدات، وقد نظم ذلك بعضهم بقوله
[من الرجز]:
كُلٌّ بِكَسْرِ السِّينِ هَكَذَا وَرَدْ
وَسِلْعَةُ الْمَتَاعِ سِلْعَةُ الْجَسَدْ
عِبَارَةُ ((الْمِصْبَاحِ)) فَاسْلُكْ نَهْجَهُ(١)
أَمَّا الَّتِي بِالْفَتْحِ فَهْيَ الشَّجَّهُ
(بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ))) هو معنى قوله في الرواية التالية: ((وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ
بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ))، و((الْحَلِفُ)): بكسر اللام، وإسكانها، وممن ذكر الإسكان ابنُ
السّكّيت في أول (إصلاح المنطق))، قاله النوويّ.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وَصَفَ ((الْحَلِف))، وهي مؤنّئةٌ
بـ((الكاذب))، وهو وصف مذكَّرٌ، وكأنه ذهب بالـ(الحلف)) مذهب ((القول))،
فذكّره، أو مذهب المصدر، وهو مثلُ قولهم: أتاني كتابه، فمزّقتُهَا، ذهب
بـ((الكتاب)) مذهب ((الصحيفة))(٢). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ تَظُله انفرد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٠٠/٤٨ و٣٠١] (١٠٦)، و(أبو
داود) في ((اللباس)) (٤٠٨٧ و٤٠٨٨)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٢١١)،
و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٢٥٦٣ و٢٥٦٤)، و((البيوع)) (٤٤٥٨ و٤٤٥٩)،
و((الزينة)) (٥٣٣٢ و٥٣٣٣)، وفي ((الكبرى)) في ((الزكاة)) (٢٣٤٤ و٢٣٤٥)
و((البيوع)) (٦٠٥٠ و٦٠٥١ و((الزينة)) (٩٧٠١ و٩٧٠٢)، و(ابن ماجه) في
((التجارات)) (٢٢٠٨)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٦٧)، و(ابن أبي شيبة) في
(مصنّفه)) (٩٢/٩ - ٩٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤٨/٥ و١٥٨ و١٦٢ و١٦٨
و١٧٧ و١٧٨)، و(الدارميّ) في ((البيوع)) (٢٦٠٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١) راجع: ((تحفة الحبيب حاشية إقناع الخطيب)) في الفقه الشافعيّ ١/ ١٢٢.
(٢) ((المفهم)) ٣٠٩/١.

٢٧٩
(٤٨) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠١)
(١١١ و١١٢ و١١٣ و١١٥ و١١٦ و١١٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٨٧
و٢٨٨)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٦١٦ و٦١٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(١٩١)، و((الأسماء والصفات)) (٣٥٤/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان غِلَظ تحريم هذه الأشياء المذكورة في الحديث، وأنها من
الكبائر التي تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة لإيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): أن الله ◌ُعَلَ ينظر إلى عباده المؤمنين المستقيمين، ويزكّيهم،
يوم القيامة، وينجيهم من عذابه، وأن من أجرم بالإسبال، وتنفيق السلعة باليمين
الكاذبة، والمنّان بما أعطى لا ينظر إليهم، ولا يزكّيهم، ولهم عذابٌ أليم.
٣ - (ومنها): أن هذه الأفعال المذكورة من الكبائر؛ لأنه تعالى لا يتوعّد
بهذا الوعيد الشديد إلا من ارتكب الذنوب الكبائر.
٤ - (ومنها): أن المنفّق لسلعته بالحلف الكاذب قد جمع بين الاستخفاف
بحقّ الله تعالى، والكذب فيما حَلَفَ عليه، وأخذ مال الآخر بغير حقّه،
وغُرُوره إياه بيمينه(١).
٥ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ رحمه الله تعالى: إنما جمع بين الثلاثة،
وقرنها؛ لأن المسبل هو المتكبّر المرتفع بنفسه على الناس، ويحتقرهم،
والمنّان إنما منّ بعطائه لما رأى من علوّه على الْمُعْطَى له، والحالف البائع
يُراعي غِبْطة نفسه، وهَضْمَ صاحب الحقّ، فتحصّل من المجموع احتقار الغير،
وإيثار النفس، ولذلك يجازيهم الله تعالى باحتقاره لهم، وعدم التفاته إليهم،
كما يُلوّح به قوله: (ولا يُكلّمهم)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٠١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادِ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا بَحْيَى، وَهُوَ
الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهٍِ، عَنْ
(١) راجع: ((إكمال المعلم)) ٤٥٨/١.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئاً، إِلَّا مَنَّهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ،
وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادِ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ،
ثقة [١٠] (ت٢٤٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٢ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ، أبو سعيد البصريّ الإمام
الحجة الثبت الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥.
٣ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ الإمام الحجة الثبت الفقيه
الكوفيّ [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٤ - (سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ) تقدم قريباً.
٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْهِرٍ) الْفَزَاريّ الكوفيّ، [٤]، ووهم من ذكره في
((الصحابة)).
رَوَى عن خَرَشة بن الْحُرّ، وعنه إبراهيم النخعيّ، وهو من أقرانه،
والأعمش.
قال النسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وذكره ابن منده في ((كتاب الصحابة))، وخَطّأه أبو نعيم، وقال: بل هو تابعيّ.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان
فقط، هذا، وحديث (٢٤٨٤): ((أما الطرق التي رأيتَ عن يسارك، فهي طرق
أصحاب الشمال ... )).
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (لَا يُعْطِي شَيْئاً) ببناء الفعل للفاعل.
وقوله: (إِلَّا مَنَّهُ) أي عدّده على الْمُعْطى له، يقال: مَنَنتُ عليه منّاً: إذا
عَدَّدتَ له ما فعلتَ له من الصنائع، مثلُ أن تقول: أعطيتك، وفعلتُ لك، وهو
تكديرٌ، وتغييرٌ تنكسر منه القلوب، فلهذا نَهَى الشارع عنه بقوله: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ
بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] الآية، ومن هنا يقال: الْمَنُّ أخو المنّ: أي الامتنان