النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيمٍ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ) - حديث رقم (٢٨١)
قتلته مستحلاً لقتله، فأنت مثله في الكفر، وقيل: المراد بالمثلية أنه مغفور له
بشهادة التوحيد، وأنت مغفور لك بشهود بدر.
ونَقَل ابن التين أيضاً عن الداوديّ أنه أوّله على وجه آخر، فقال: يفسره
حديث ابن عباس الذي في آخر الباب(١)، ومعناه: أنه يجوز أن يكون اللائذ
بالشجرة القاطعُ لليد مؤمناً يكتم إيمانه، مع قوم كُفّار، غَلَبوه على نفسه، فإن
قتلته فأنت شاّ في قتلك إياه أنى ينزله الله من العمد والخطأ، كما كان هو
مشكوكاً في إيمانه؛ لجواز أن يكون يَكْتُم إيمانه.
ثم قال: فإن قيل: كيف قَطَع يد المؤمن، وهو ممن يكتم إيمانه؟.
فالجواب: أنه دَفَع عن نفسه من يريد قتله، فجاز له ذلك، كما جاز
للمؤمن أن يدفع عن نفسه مَن يريد قتله، ولو أفضى إلى قتل من يريد قتله، فإن
دمه يكون هَدَراً، فلذلك لم يُقِد النبيّ وَ له من يد المقداد؛ لأنه قَطَعها مُتأوّلاً .
وتعقّبه الحافظ: فقال: وعليه مؤاخذات:
منها: الجمع بين القصتين بهذا التكلّف، مع ظهور اختلافهما، وإنما
الذي ينطبق على حديث ابن عباس قصة أسامة الآتية بعد هذا، حيث حَمَلَ
على رجل أراد قتله، فقال: إني مسلم، فقتله ظنّاً أنه قال ذلك مُتَعَوِّذاً من
القتل، وكان الرجل في الأصل مُسلماً، فالذي وقع للمقداد نحو ذلك، كما
سأبيّنه، وأما قصة قطع اليد فإنما قالها مستفتياً على تقدير أن لو وقعت، كما
تَقَدَّم تقريره، وإنما تَضَمَّن الجواب النهي عن قتله؛ لكونه أظهر الإسلام، فحُقِن
دمه، وصار ما وقع منه قبل الإسلام عَقْواً .
ومنها: أن في جوابه عن الاستشكال نظراً؛ لأنه كان يمكنه أن يَدفع
بالقول، بأن يقول له عند إرادة المسلم قتله: إني مسلم، فيكُفّ عنه، وليس له
أن يبادر لقطع يده مع القدرة على القول المذكور ونحوه. انتهى (٢).
(١) أراد ما أورده البخاريّ تعليقاً، فقال: وقال حبيب بن أبي عَمْرة، عن سعيد، عن
ابن عباس، قال: قال النبيّ وَ﴿ للمقداد: ((إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه، مع
قوم كُفّار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت أنت تُخفي إيمانك بمكة من قبل)).
(٢) ((الفتح)) ١٩٧/١٢ - ١٩٨ رقم الحديث (٦٨٦٥).

١٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ليس بين أكثر هذه التأويلات تعارضٌ،
وأولاها وأقربها في نظري ما تقدّم عن الشافعيّ رحمه الله تعالى.
قال الحافظ أبو عوانة في ((مسنده)) بعد إخراجه الحديث، ما نصّه:
سمعت الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعيّ يقول: معناه: أن يصير مباح
الدم، لا أنه يصير مشركاً، كما كان مباح الدم قبل الإقرار. انتهى(١).
وحاصله أنه معصوم الدم، مُحرَّمٌ قتله بعد قوله: لا إله إلا الله، كما كنت
أنت كذلك قبل أن تقتله، وأنك بعد قتله غير معصوم الدم، ولا محرّم القتل،
كما كان هو قبل قوله: لا إله إلا الله، وهذا معنى واضحٌ، فتأملّه، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث المقداد بن الأسود به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [٢٨١/٤٣ و٢٨٢ و٢٨٣] (٩٥)،
و(البخاريّ) في ((المغازي)) (٤٠١٩)، و((الديات)) (٦٨٦٥)، و(أبو داود) في
((الجهاد)) (٢٦٤٤)، و(النسائيّ) في ((السير)) من ((الكبرى)) (٨٥٣٧)، و(عبد
الرزاق) في ((مصنّفه)) (١٨٧١٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٢٦/١٠
و٣٧٨/١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/٦ و٤ و٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١٨٧ و١٨٨ و١٨٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٧٢ و٢٧٣ ٢٧٤ و٢٧٥)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٦٤)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٥٥ و٥٦ و٥٧
و٥٨ و٥٩ و٦٠)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٤٠٧/١)، و(البيهقيّ) في
(الكبرى)) (١٩٥/٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم قتل الكافر بعد قوله: لا إله إلا الله.
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٦٧/١ رقم (١٨٩).

١٦٣
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ الله) - حديث رقم (٢٨١)
٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على صحة قول مَن قال: أسلمت الله، ولم
يزد على ذلك، هكذا قيل: لكن فيه نظر؛ لأن ذلك كافٍ في الكفّ، على أنه
ورد في بعض الروايات الإشارة إلى أنه قال: لا إله إلا الله، وهي رواية معمر،
عن الزهريّ الآتية بعد هذا.
٣ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على جواز السؤال عن النوازل قبل وقوعها؛
بناءً على ما تقدم ترجيحه من أن المقداد رؤيته إنما سأل عمّا لم يقع له، وأما
ما نُقِل عن بعض السلف من كراهة ذلك فمحمول على ما يَنْدُر وقوعه، وأما ما
يمكن وقوعه عادةً، فيُشْرَع السؤال عنه؛ ليُعْلَم حکمه إذا وقع.
٤ - (ومنها): بيان فضل كلمة التوحيد؛ إذ بقولها عُصِم دم من كان كافراً
طول حياته.
٥ - (ومنها): بيان فضل الصحابة ◌ّ حيث إنهم كانوا حريصين على
التفقّه في دين الله تعالى، فكانوا يسألون النبيّ وَّر حتى عما لم يقع؛ ليعلموا
حكمه إذا وقع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: أورد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بعد هذا
الحديث، ما نصّه:
وقال حبيب بن أبي عَمْرة، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: قال
النبيّ ◌َّ للمقداد: ((إذا كان رجل مؤمنٌ، يُخفي إيمانه، مع قوم كفار، فأظهر
إيمانه، فقتلته، فكذلك كنت أنت تُخفي إيمانك بمكة من قبل)).
فقال في ((الفتح)): قوله: ((وقال حبيب بن أبي عمرة)): هو القَصّاب
الكوفيّ، لا يعرف اسم أبيه، وهذا التعليق وصله البزّار، والدارقطنيّ في
((الأفراد))، والطبراني في ((الكبير)) من رواية أبي بكر بن عليّ بن عَطَاء بن مُقَدَّم،
والد محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّمَيّ، عن حبيب، وفي أوّله: بعث رسول الله وَخيه
سَرِيَّةً فيها المقداد، فلما أَتَوهم وجدوهم تفرَّقوا، وفيهم رجل له مالٌ كثيرٌ، لم
يَبْرَح، فقال: ((أشهد أن لا إله إلا الله، فأهوى إليه المقداد فقتله ... ))
الحديث، وفيه: فذكروا ذلك لرسول الله وَالر، فقال: ((يا مقداد، قتلت رجلاً
قال: لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله؟)) فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ

١٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ءَمَنُوَاْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾ الآية [النساء: ٩٤]، فقال النبيّ وَّو للمقداد:
((كان رجلاً مؤمناً يُخفي إيمانه ... )) إلخ.
قال الدارقطنيّ: تفرد به حبيب، وتفرد به أبو بكر عنه.
قال الحافظ: قد تابع أبا بكر سفيان الثوريّ، لكنه أرسله، أخرجه ابن أبي شيبة،
عن وكيع، عنه، وأخرجه الطبريّ، من طريق أبي إسحاق الفزاريّ، عن الثوريّ كذلك،
ولفظ وكيع بسنده، عن سعيد بن جبير: ((خَرَج المقداد بن الأسود في سرية ... )»، فذكر
الحديث مختصراً إلى قوله: فنزلت، ولم يذكر الخبر الْمُعَلَّق. انتهى (١). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٨٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا
الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيَّج، جَمِيعاً عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا الْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ جُرَيْج
فَفِي حَدِيثِهِمَا: قَالَ: أَسْلَمْتُ للهِ، كَمَا قَالَ اللَّيْثُ فِي حَدِيثِهِ، وَأَمَّا مَعْمَرٌ فَفِيَ
حَدِيثِهِ: فَلَمَّا أَهْوَيْتُ لِأَقْتُلَهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن راهويه المروزيّ الحافظ الإمام [١٠]
(ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نَصْر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه
عبد الرحمن، ثقة حافظ [١١] (٢٤٩) (خت مت) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣١.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ
حافظ مصنّفٌ عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ١٨/٤.
(١) ((الفتح)) ١٩٨/١٢ ((كتاب الديات)) رقم الحديث (٦٨٦٦).

١٦٥
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُه - حديث رقم (٢٨٢)
٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ) هو: إسحاق بن موسى بن عبد الله بن
موسى بن عبد الله بن يزيد الأنصاريّ الْخَطميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي
نيسابور، ثقةٌ مُتقنٌ [١٠]. رَوَى عن ابن عيينة، والوليد بن مسلم، وجرير بن
عبد الحميد، وأبي ضَمْرة، وابن وهب، ومعاذ بن معاذ، ومَعْن بن عيسى
الْقَزَّاز، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وابنه موسى بن
إسحاق الحافظ القاضي، وابن خزيمة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وصالح جَزَرة،
وموسى بن هارون، وبَقِيّ بن مَخْلَد، والحسين القبانيّ، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: كان أبي يُطْنِب القول فيه في صدقه وإتقانه، وقال
النسائيّ: أصله كوفيّ، وكان في العسكر، ثقةٌ، وقال الخطيب: وَرَدَ بغداد،
وحَدّث بها، وكان ثقةً، وقال ابن عساكر: وَلِيَ القضاء بنيسابور، وقال يحيى بن
محمد الذهليّ: هو من أهل السنة، قال البغويّ: مات سنة (٢٤٤) بحمص،
وقال أبو الحسن محمد بن أحمد الْقَوّاس الْوَرّاق: مات بِجُوسِيَةَ راجعاً من
دمشق، وقال الحاكم: قَدِمَ نيسابور أوّلاً على القضاء في حياة يحيى بن يحيى،
ثم وَرَدَ ثانياً سنة (٤٠)، وذكره ابن حِبّان في ((الثقات)).
وله في هذا الكتاب (١٤) حديثاً.
٦ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه
كثير التدليس والتسوية [٨] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٨.
٧ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه
الدمشقيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٨ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ) القشيريّ النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (٢٤٥) (خ م
د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٩ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ
مولاهم المكيّ، ثقةٌ فَقيه فاضل، يدلّس، ويُرسل [٦] (ت١٥٠) (ع) تقدم في
(الإيمان)) ١٢٩/٦، والزهريّ تقدّم في السند الماضي.

١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقوله: (جَمِيعاً عَنِ الزُّهْرِيِّ) يعني أن معمراً، والأوزاعيّ، وابن جريج
كلهم رووا هذا الحديث عن الزهريّ.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أشار به إلى الإسناد الماضي، وهو إسناد الليث،
عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عديّ بن الخيار، عن
المقداد بن الأسود.
وقوله: (أَمَّا الْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ جُرَيْج فَفِي حَدِيثِهِمَا) هكذا وقع في كثير من
النسخ بلفظ: ((ففي حديثهما)) بفاءين، وهذا هو الأصل، والجيِّد؛ لأن جواب
((أما)) يجب اقترانه بالفاء، كما قال في ((الخلاصة)):
(أَمَّا)) كَـ((مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيْءٍ)) وَفَا لِتِلْوٍ تِلْوِهَا وُجُوباً أُلِّفَا
ووقع في أكثر الأصول بلفظ: ((في حديثهما)) بفاء واحدة، وهذا أيضاً له
وجه؛ لأنه قد تُحذف الفاء من جواب ((أما)) قليلاً، وإن قُدّر القول فلا يكون
قليلاً، بل هو كثير، كما قال في ((الخلاصة)) أيضاً:
وَحَذْفُ ذِي الْفَا قَلَّ فِي نَثْرٍ إِذَا لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا
فالأولى هنا تقدير القول معها، فيكون تقدير الكلام: أما الأوزاعيّ، وابنُ
جريج، فقالا في حديثهما: كذا، ومثل هذا في القرآن العزيز، وكلام العرب
کثیر، فمنه في القرآن قوله رچين :
﴿فَمَّا الَّذِينَ أُسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾، أي فيقال لهم: أكفرتم؟،
وقوله رَك: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِ تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١]، ومنه قول
الشاعر [من الطويل]:
فَأَمَّا الْقِتَالُ لَا قِتَالُ لَدَيْكُمُ وَلَكِنَّ سَيْراً فِي عِرَاضِ الْمَوَاكِبِ
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية الأوزاعيّ التي أشار إليها المصنّف هنا، أخرجها ابن منده
في ((الإيمان)) (٢٠٣/١)، فقال:
(٥٩) أنبأ أحمد بن محمد بن إسماعيل بن مهران النيسابوريّ، حدثني
أبي، ثنا دُحَيم، وهشام قالا: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، عن
الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عَديّ بن الخيار، عن

١٦٧
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ) - حديث رقم (٢٨٢)
المقداد بن الأسود، قال: قلت: يا رسول الله، رجلٌ قَطَع يدي، ثم لاذ مِنِّي
بشجرة، أأقتله؟ .. فذكر الحديث. انتهى.
ثم قال: هذا حديث وَهَمِّ من حديث الأوزاعيّ، وتفرَّد به الوليد، وعنه
مشهور، وأخرجه مسلم من هذا الوجه، والصواب من حديث الأوزاعيّ، عن
إبراهيم بن مُرَّة، عن الزهريّ، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عديّ.
انتھی .
قال الجامع: سيأتي قريباً تمام البحث في رواية الأوزاعيّ هذه - إن
شاء الله تعالى -.
وأما رواية ابن جريج، فقد أخرجها الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال:
(٢٢٧١٣) حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن
عطاء بن يزيد الليثيّ، عن عبيد الله بن عَديّ بن الخيار، أنه قال: أخبرني أن
المقداد أخبره، أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار،
فقاتلني، فاختلفنا ضربتين، فضرب إحدى يديَّ بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مني
بشجرة، فقال: أسلمت لله، أقاتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال
رسول الله وَله: ((لا تقتله))، قلت: يا رسول الله، إنه قَطَع إحدى يديّ، ثم قال
ذلك بعدما قطعها، أقاتله؟ فقال رسول الله وَ له: ((لا تقتله، فإن قتلته، فإنه
بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)).
وكذا أخرجها أبو عوانة في («مسنده)) (٦٦/١ - ٦٧) رقم (١٨٧).
وقوله: (وَأَمَّا مَعْمَرٌ فَفِي حَدِيثِهِ ... إلخ) يعني رواية معمر بن راشد عن
الزهريّ بلفظ: ((فَلَمَّا أَهْوَيْتُ لِأَقْتُلَهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله)) بدل رواية
الأوزاعيّ، وابن جريج عنه بلفظ: ((أَسْلَمْتُ له))، وقد تقدّم أنه بمعناه.
وقوله: (فَلَمَّا أَهْوَيْتُ لِأَقْتُلَهُ ... إلخ) معناه: مِلْتُ لقتله، قال الجوهريّ:
أهوى إليه بيده ليأخذه، وقال الأصمعيّ: أهويتُ بالشيء: إذا أومأت إليه،
ويقال: أهويتُ له بالسيف، فأما هَوَى: فمعناه: سَقَطَ إلى أسفل، ويقال:
انهوى بمعناه، فهو مُنْهَوٍ، قاله في ((المفهم)»(١) .
(١) ((المفهم)) ٢٩٣/١ - ٢٩٤.

١٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال في ((الإكمال)): قال الخليل: أهوى إليه بيده، وقال أبو بكر بن
الْقُطّة: هَوَى إليه بالسيف، والشيُّ هُوِيّاً، وأهويته: أي أملته، وقال أبو زيد:
والإهواء: التناول باليد والضرب. انتهى(١).
وفي ((المصباح)): وأهوى إلى سيفه بالألف: تناوله بيده، وأهوى إلى
الشيء بيده: مدّها ليأخذه إذا كان عن قُرْبٍ، فإن كان عن بُعد قيل: هَوَى إليه
بغير ألف، وأهويتُ بالشيء بالألف: أومأتُّ به. انتهى (٢).
[تنبيه]: رواية معمر هذه، أخرجها أبو عوانة في ((مسنده)) (٦٧/١)،
فقال :
(١٩٠) حدثنا السّلميّ، ومحمد بن مهل الصنعانيّ، قالا: ثنا عبد الرزاق،
قال: أنبا معمر، عن الزهريّ، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، ثم الْجُنْدَعيّ، عن
عبيد الله بن عديّ بن الخيار أن المقداد بن الأسود حدثه، قال: قلت: يا
رسول الله، أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من المشركين ضربتين بالسيف، فقَطَع
يدي، فلما أهويت إليه لأضربه، قال: لا إله إلا الله، أقتله، أم أَدَعُه؟ قال:
((لا، بل دَعْهُ))، قلت: وإن قطع يدي؟ قال: ((وإن فعل))، فراجعته مرتين أو
ثلاثاً، قال النبيّ وَله: ((إن قتلته بعد أن يقول: لا إله إلا الله، فأنت مثله قبل
أن يقولها، وهو مثلك قبل أن تقتله)). انتهى.
[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى: (اعلم): أن في إسناد بعض
روايات هذا الحديث ما أنكره الدارقطنيّ وغيره، وهو قول مسلم:
((حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حُميد قالا: أنبأ عبد الرزاق، أنبأ
معمر (ح) وحدثنا إسحاق بن موسى، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ
(ح) وحدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج جميعاً عن
الزهريّ بهذا الإسناد)).
فهكذا وقع هذا الإسناد في رواية الْجُلُوديّ، قال القاضي عياض: ولم
يقع هذا الإسناد عند ابن ماهان - يعني رفيقَ الْجُلُوديّ - قال القاضي: قال أبو
مسعود الدمشقيّ: هذا ليس بمعروف عن الوليد بهذا الإسناد، عن عطاء بن
(١) ((إكمال المعلم)) ١/ ٤٤٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٤٣/٢ - ٦٤٤.

١٦٩
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُه - حديث رقم (٢٨٢)
يزيد، عن عُبيد الله، قال: وفيه خلاف على الوليد، وعلى الأوزاعيّ.
وقد بَيَّن الدارقطنيّ في ((كتاب العلل)) الخلاف فيه، وذكر أن الأوزاعيّ
يرويه عن إبراهيم بن مُرّة، واختُلِف عنه، فرواه أبو إسحاق الفزاريّ، ومحمد بن
شعيب، ومحمد بن حِمْير (١)، والوليد بن مَزْيَد، عن الأوزاعيّ، عن إبراهيم بن
مُرّة، عن الزهريّ، عن عُبيد الله بن الْخِيَار، عن المقداد، لم يذكروا فيه
عطاء بن یزید.
واختُلِف عن الوليد بن مسلم، فرواه أبو الوليد (٢) القرشيّ، عن الوليد،
عن الأوزاعيّ، والليث بن سعد، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن الخيار، عن
المقداد، لم يذكر فيه عطاء، وأسقط إبراهيم بن مُرّة.
وخالفه عيسى بن مُسَاوِر، فرواه عن الوليد، عن الأوزاعيّ، عن حميد بن
عبد الرحمن، عن عبيد الله بن الخيار، عن المقداد، لم يذكر فيه إبراهيم بن
مُرّة، وجَعَل مكان عطاء بن يزيد حميدَ بنَ عبد الرحمن.
ورواه الفريابيّ، عن الأوزاعيّ، عن إبراهيم بن مُرّة، عن الزهريّ
مرسلاً، عن المقداد.
قال أبو عليّ الجيانيّ(٣): الصحيح في إسناد هذا الحديث ما ذكره مسلم
أوّلاً، من رواية الليث، ومعمر، ويونس، وابن جريج، وتابعهم صالح بن
كيسان. هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى (٤).
قال النوويّ: وحاصل هذا الخلاف والاضطراب، إنما هو في رواية
الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، وأما رواية الليث، ومعمر، ويونس، وابن جريج،
فلا شَكّ في صحّتها، وهذه الروايات هي المستقلّة بالعمل، وعليها الاعتماد، وأما
رواية الأوزاعيّ، فذكرها متابعةً، وقد تقرر عندهم أن المتابعات يُحْتَمَل فيها ما فيه
نوعُ ضَعْف؛ لكونها لا اعتماد عليها، وإنما هي لمجرد الاستئناس.
(١) وقع في شرح النوويّ: ((محمد بن حُميد)) بالدال، وهو غلط، فتنبّه.
(٢) وقع في شرح النووي: ((فرواه الوليد ... إلخ)) وهو غلط، فتنبّه.
(٣) راجع: ((تقييد المهمل)) ٧٧٧/٣ - ٧٧٩.
(٤) راجع: ((إكمال المعلم)) ٤٤٢/١ - ٤٤٥.

١٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فالحاصل أن هذا الاضطراب الذي في رواية الوليد، عن الأوزاعيّ، لا
يَقْدَح في صحّة أصل هذا الحديث، فلا خلاف في صحّته، وقد قدمنا أن أكثر
استدراكات الدارقطني من هذا النحو، ولا يُؤَثِّر ذلك في صحّة المتون، وقدمنا
أيضاً اعتذار مسلم رحمه الله تعالى عن نحو هذا بأنه ليس الاعتماد عليه، والله
تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٨٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْشِيُّ، ثُمَّ
الْجُنْدَعِيُّ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو ابْنَ
الْأَسْوَدِ الْكِنْدَِّ، وَكَانَ حَلِيفاً لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلول
أَنَّهُ قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الْكُفَّارِ ... »، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ
حَدِيثِ اللَّيْثِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٢٤٣) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد
المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم،
ثقة ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣، والباقون
تقدّموا في الحديثِ الماضي.
وقوله: (اللَّيْشِيُّ، ثُمَّ الْجُنْدَعِيُّ) فبضم الجيم، وإسكان النون، وبعدها
دال، ثم عين مهملتان، وتفتح الدال، وتضمّ لغتين، و((جُنْدُع)) بطنٌ من ليث،
(١) ((شرح مسلم)) ١٠٥/٢ - ١٠٦.

١٧١
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ) - حديث رقم (٢٨٣)
فلهذا قال: الليثيّ، ثم الجندعيّ، فبدأ بالعامّ، وهو ليث، ثم الخاصّ، وهو
جُندع، ولو عُكِس هذا، فقيل: الجندعيّ، ثمّ الليثيّ، لكان خطأً من حيث إنه
لا فائدة في قوله: ((الليثيّ)) بعد الجندعيّ، ولأنه أيضاً يقتضي أن ليثاً بطن من
جندع، وهو خطأ، قاله النوويّ رحمه الله تعالى(١).
وقوله: (أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرِو ابْنَ الْأَسْوَدِ) هو المقداد ابن الأسود الذي
سبق في السند الماضي، قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): قد يُغْلَط في
ضبطه، وقراءته، والصواب فيه أن يُقْرَأ ((عمرو)) مجروراً منوناً، و((ابنَ الأسود))
بنصب النون، ويُكتب بالألف؛ لأنه صفة للمقداد، وهو منصوبٌ، فينصب،
وليس ((ابن)) ها هنا واقعاً بين علمين متناسلين، فلهذا قلنا: تتعين كتابته
بالألف، ولو قُرِئ ((ابن الأسود)) بجر ((ابن)) لفسد المعنى، وصار عمرو بن
الأسود، وذلك غَلَطٌ صريحٌ، ولهذا الاسم نظائر، منها: ((عبد الله بنُ عمرٍو ابنُ
أم مكتوم))، كذا رواه مسلم تَخَّتُهُ آخر الكتاب، في حديث الْجَسّاسة،
و((عبد الله بن أُبيِّ ابنُ سَلُولَ))، و((عبد الله بنُ مالكِ ابنُ بُحَينة))، و((محمد بن
عليٍّ ابْنُ الْحَنَفِيَّة))، و((إسماعيل بنُ إبراهيمَ ابنُ عُلَيَة))، و((إسحاق بنُ ابراهيمَ ابنُ
راهويه))، و((محمد بنُ يزيد ابنُ ماجه))، فكل هؤلاء ليس الأب فيهم ابناً لمن
بعده، فيتعين أن يُكتَب ((ابن)) بالألف، وأن يُعْرَب بإعراب الابن المذكور أوّلاً،
فـ(أمُّ مكتوم)) زوجة عمرو، و((سَلُول)) زوجة أُبَيّ، وقيل غير ذلك مما سنذكره
في موضعه - إن شاء الله تعالى - و((بُحَينة)) زوجة مالك، وأمُّ عبد الله، وكذلك
((الحنفية))، زوجة عليّ رَُّه، و((عُلَيَّةُ)) زوجة إبراهيم، و((راهويه))، هو إبراهيم،
والد إسحاق، وكذلك ((ماجه)) هو يزيد (٢)، فهما لقبان، والله تعالى أعلم.
ومرادهم في هذا كله تعريفُ الشخص بوصفيه؛ ليَكْمُل تعريفه، فقد يكون
الإنسان عارفاً بأحد وصفيه دون الآخر، فيجمعون بينهما؛ ليتم التعريف لكل
أحد، وقُدِّم هنا نسبته إلى عمرو على نسبته إلى الأسود؛ لكون عمرو هو
الأصل، وهذا من المستحسنات النفيسة، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٣/٢.
(٢) هذا فيه اختلاف بين العلماء، وقد حقّقته في مقدمة ((شرح سنن ابن ماجه))، فارجع
إلیه، تستفد.

١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقوله: (الْكِنْدِيَّ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه إشكال من حيث إن
أهل النسب قالوا: إنه بَهْرَانيّ صُلْبِيَّةً من بَهْراء بن الْحَاف - بالحاء المهملة،
وبالفاء - ابن قُضَاعة، لا خلاف بينهم في هذا، وممن نقل الإجماع عليه
القاضي عياض وغيره - رحمهم الله تعالى -.
وجوابه: أن أحمد بن صالح الإمام الحافظ المصريّ، كاتب الليث بن
سعد - رحمه الله تعالى - قال: إن والد المقداد حالف كِنْدَة، فنسب إليها،
ورَوَينا عن ابن شِمَاسة، عن سفيان، عن صُهَابة - بضم الصاد المهملة، وتخفيف
الهاء، وبالباء الموحدة - الْمَهْريّ، قال: كنت صاحب المقداد ابن الأسود في
الجاهلية، وكان رجلاً من بَهْراء، فأصاب فيهم دماً، فَهَرَب إلى كِندة،
فحالفهم، ثم أصاب فيهم دماً، فَهَرَب إلى مكة، فحالف الأسود بن عبد يغوث،
فعلى هذا تَصِحُّ نسبته إلى بهراء؛ لكونه الأصل، وكذلك إلى قُضَاعة، وتصحّ
نسبته إلى كندة؛ لِحِلْفه، أو لِحِلف أبيه، وتصح إلى زُهْرة؛ لِحِلفه مع الأسود.
انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَكَانَ حَلِيفاً لِبَنِي زُهْرَةَ) أي لمحالفته الأسودَ بن عبد يغوث
الزهريَّ، فقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن الأسود حالفه أيضاً، مع تبنيه إياه،
كما أسلفنا هذا كلّه قريباً.
وقوله: (أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو ابْنَ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيَّ - إلى قوله: أَنَّهُ قَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ ... إلخ).
فأعاد لفظة ((أَنَّهُ))؛ لطول الكلام، ولو لم يذكرها لكان صحيحاً، بل هو الأصل،
ولكن لَمّا طال الكلام جاز، أو حَسُنَ ذكرها، ونظيره في كلام العرب كثيرٌ، وقد جاء
مثله في القرآن العزيز، والأحاديث الشريفة، ومما جاء في القرآن قوله رَى حكايةً عن
[المؤمنون: ٣٥]،
١٣٥
الكفار: ﴿أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُمْ تُرَبًا وَعِظَمًا أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ
فأعاد ﴿أَنَّكُمْ﴾؛ للطول، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبُ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا
مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُوا بِةٍّ، فَلَعْنَةُ
اَللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ (٨٩ بِسَمَا أَشْتَّرَوْاْ بِهِة أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُواْ﴾ [البقرة: ٨٩، ٩٠]، فأعاد
﴿فَلَمَّا جَآءَهُم﴾، وقد تقدّم تحقيق نظير هذه المسألة، فلا تكن من الغافلين.
[تنبيه]: رواية يونس التي أحالها المصنف على رواية الليث ساقها

١٧٣
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيمٍ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُه - حديث رقم (٢٨٤)
البخاري رحمه الله في ((صحيحه)) فقال: (٦٨٦٥) حدّثنا عبدان، حدّثنا عبد الله،
حدّثنا يونس عن الزهريّ، حدّثنا عطاء بن يزيد، أنّ عبيد الله بن عديّ حدّثه أن
المقداد بن عمرو الكنديّ حليف بني زهرة حدّثه، وكان شهد بدراً مع النبيّ وَله
أنه قال: يا رسول الله إني لقيتُ كافراً، فاقتتلنا، فضرب يدي بالسيف،
فقطعها، ثم لاذ منِّي بشجرة، وقال: أسلمت لله، آقتله بعد أن قالها؟ قال
رسول الله وَل: ((لا تقتله))، قال: يا رسول الله، فإنه طرح إحدى يديّ، ثم قال
ذلك بعدما قطعها، آقتله؟ قال: ((لا تقتله، فإن قتلته، فإنه بمنزلتك قبل أن
تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)). انتهى.
وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما في الحديث الماضي، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٨٤] (٩٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ (ح)
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ،
عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهَذَا حَدِيثُ ابْنٍ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: بَعَثَنَا
رَسُولُ اللهِنَّهِ فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلاً، فَقَالَ: لَا إِلَهَ
إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَِّّ نَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ:
(أَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَقَتَلْتَهُ؟))، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفاً مِنَ
السَّلاَحِ، قَالَ: ((أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ، حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟))، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا
عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: وَأَنَا وَاللهِ لَا أَقْتُلُ مُسْلِماً
حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ - يَعْنِي أُسَامَةَ - قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿وَقَائِلُوهُمْ
حَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّمُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]؟، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ
قَاتَلْنَا حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونُ فِتْنَةٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور
في الباب الماضي.

١٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) هو: سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ
يُخطئ [٨] (ت١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور في الباب الماضي.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن راهويه المذكور قبل حديث.
٥ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير المذكور في الباب الماضي.
٦ - (الْأَعْمَشُ) هو: سليمان بن مِهْران المذكور في الباب الماضي.
٧ - (أَبُو ظَبْيَانَ) - بفتح الظاء المعجمة، وسكون الموحّدة ــ هو:
حُصين بن جُندب بن الحارث بن وَحْشِيّ بن مالك الْجَنْبِيّ - بفتح الجيم،
وسكون النون، ثم موحّدة - الكوفيّ، ثقة [٢].
رَوَى عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وسلمان، وأسامة بن زيد،
وعمار، وحذيفة، وأبي موسى، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وغيرهم،
ومن التابعين عن علقمة، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، ومحمد بن سعد بن
أبي وقاص، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه قابوس، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وسلمة بن كُهيل،
والأعمش، وحصين بن عبد الرحمن، وأبو حَصِين، وعطاء بن السائب،
وسِمَاك بن حَرْب، وجماعة.
قال ابن معين، والعجليّ، وأبو زرعة، والنسائيّ، والدار قطنيّ: ثقة،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وقال
أحمد بن حنبل: كان شعبة يُنكر أن يكون سَمِع من سلمان، وقال أبو حاتم: قد
أدرك ابن مسعود، ولا أظنُّهُ سمع منه، ولا أظنه سمع من سلمان حديثَ العَرَب،
ولا يثبت له سماع من عليّ، والذي ثبت له ابنُ عباس، وجرير، وقال ابن حزم:
لم يَلْقَ معاذاً، ولا أدركه، وسئل الدارقطنيّ: ألقي أبو ظبيان عُمَر وعليّاً؟ قال:
نعم، وقال عَبّاس الدُّوريّ: سألت يحيى عن حديث الأعمش، عن أبي ظَبْيان،
قال لي عمر: يا أبا ظبيان أَتَجِد مالاً؟ فقال يحيى: ليس هذا أبو ظبيان الذي
يَروِي عن عليّ، ورَوَى عنه سلمة بن كُهَيل، ذاك أبو ظبيان آخر، هو القرشي.
قال ابن أبي عاصم: مات سنة (٨٩) وقال ابن سعد وغيره: مات سنة
(٩٠)، وقيل: غير ذلك.

١٧٥
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُه - حديث رقم (٢٨٤)
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث،
وأعاده بعده، وحديث (٢٣١٩): ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ريات)).
[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): وأما قوله: ((عن أبي
ظبيان)): فهو بفتح الظاء المعجمة، وكسرها، فأهل اللغة يفتحونها، ويُلَحِّنون مَن
يكسرها، وأهلُ الحديث يكسرونها، وكذلك قَيَّده ابن ماكولا وغيره. انتهى(١).
٨ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْد) بن حارثة بن شَرَاحيل بن عبد الْعُزَّى بن زيد بن
امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد وَدّ بن عوف بن كِنانة بن
بكر بن عَوف بن عُذْرة بن زيد اللات بن رُفَيدة بن ثَوْر بن كَلْب بن وبرة
الكلبيّ، أبو محمد، ويقال: أبو زيد، وقيل غير ذلك في كنيته، الْحِبُّ ابن
الْحِبِّ، مولى رسول الله وَلّة، وأمه أم أيمن حاضنة النبيّ
رَوَى عن النبيّ وَّ، وعن أبيه، وأم سلمة.
ورَوَى عنه ابْنَاه: الحسن ومحمد، وابنُ عباس، وأبو هريرة، وكُرَيب،
وأبو عثمان النَّهْديّ، وعمرو بن عثمان بن عفان، وأبو وائل، وعامر بن سعد،
وعروة بن الزبير، والزِّبْرِقان بن عمرو بن أمية الضَّمْريّ، وقيل: لم يلقه،
والحسن البصريّ على خلاف فيه، فقد قال ابن المدينيّ، وأبو حاتم: إن
الحسن البصريّ لم يسمع منه شيئاً، وجماعةٌ.
استعْمَلَه رسول الله وَّر على جيشٍ فيه أبو بكر وعمر ﴿ّه، فلم يَنفُذ حتى
تُوُفِّي النبيّ ◌َِّز، فبعثه أبو بكر إلى الشام.
وكان عمر رَظُهُ يُجِلُّه ويُكرمه، وفَضَّله في العطاء على ولده عبد الله بن
عمر، واعتزل أسامة الْفِتَن بعد قتل عثمان رَؤُبه إلى أن مات في أواخر خلافة
معاوية، وكان قد سَكَن الْمِزَّة من عَمَلِ دِمَشْق، ثم رجع، فسكن وادي القرى،
ثم نزل إلى المدينة، فمات بها بالْجُرُف، وصَحَّح ابن عبد البر أنه مات سنة
أربع وخمسين، وهو ابن (٧٥)، وقال ابن حبان: مات سيدنا رسول الله وَلآل،
ولأسامة عشرون سنة، زاد ابن سعد: ولم يَعْرِف إلا الإسلام، ولم يَدِنْ بغيره،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٣/٢.

١٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وذكر ابن أبي خيثمة أن النبيّ وََّ: تُوُقِّي، وله (١٨) سنةً، وقال مصعب
الزبيريّ: تُوُفي آخر أيام معاوية بن أبي سفيان، سنة (٨) أو (٥٩)(١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٣) حديثاً(٢)، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه من صيغ
الأداء: التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر،
وإسحاق، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى التحويل، فله إلى الأعمش
إسنادان: الأول: أبو بكر، عن أبي حيّان، عن الأعمش، والثاني: أبو كريب،
وإسحاق كلاهما عن أبي معاوية، عن الأعمش.
٤ - (ومنها): أنه له فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بين اثنين منهما، وأبو
كريب هو من التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة،
وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن أبا معاوية أثبت من روى عن الأعمش.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي ظبيان.
٧ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب الستة من يُكنى بأبي ظبيان غير
هذا، وأما أبو ظبيان القرشيّ الذي يروي عن عمر، وعنه سلمة بن كُهيل، وهو
مجهول من الطبقة الثالثة، فليس من رجالها، وإنما يُذكر في كتب الرجال
للتمييز فقط، فتنبّه.
وتقدّم أيضاً أن هذا الباب أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وتقدّم عدد
(١) راجع: ((الإصابة)) ٢٠٢/١ - ٢٠٣، و((تهذيب التهذيب)) ١٠٧/١ - ١٠٨.
(٢) هكذا في برنامج الحديث (صخر)، والذي ذكرته في ((قرّة العين)) نقلاً عن ابن
الجوزيّ: أنه روى من الأحاديث (١٢٨) حديثاً، اتفق الشيخان على (١٥) حديثاً،
وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بحديثين، ولا اختلاف بين هذا وبين ما في
البرنامج؛ لأن ما في البرنامج بالمكرّرات، فتأمله، والله تعالى أعلم.
٠

١٧٧
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيمٍ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا الله) - حديث رقم (٢٨٤)
مرويّاته، وأن اسمه حصين بن جُندب، ولا يوجد في هذا الكتاب ممن اسمه
حُصين إلا ثلاثة: هذا أحدهم، والثاني حُصين بن عبد الرحمن، أبو الهذيل
الكوفيّ الثقة من الطبقة الخامسة، والثالث: حُصين محمد الأنصاريّ السالميّ
المدنيّ من الطبقة الثانية، ويزيد البخاريّ على هؤلاء حُصين بن نُمير الواسطيّ
من الطبقة الثامنة.
٨ - (ومنها): أن صحابيّه حبّ رسول الله وَ ﴿، وابن حبّه، فقد أخرج
البخاريّ في ((صحيحه)) عن أسامة بن زيد ه، عن النبيّ وَّ: أنه كان يأخذه
والحسن، ويقول: ((اللهم إني أحبهما فأحبهما))، أو كما قال، ومناقبه كثيرة،
وفضائله شهيرة، وأن هذا الباب أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وتقدّم عدد
مرويّاته فيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ) بظاء معجمة مفتوحة، ثم موحدة ساكنة، ثم ياء آخر
الحروف (عَنْ أَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) ﴿ّ، وقوله: (وَهَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةً) يعني
أن المتن الذي ساقه هو لفظ شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأما شيخاه: أبو
كُ (بَعَثْنَا رَسُولُ اللهِ وَهُ
كريب، وإسحاق بن إبراهيم، فروياه بمعناه (قَالَ) أسامة
فِي سَرِيَّةٍ) بفتح السين المهملة، وكسر الراء، وتشديد الياء: القطعة من الجيش،
فعيلة بمعنى فاعلة، والجمع سرايا، وسَرِيّات، مثلُ عَطِيّة وعَطَايَا وعَطِيَّات. قاله
الفيّوميّ، وقال ابن الأثير: السَّرِيّة: طائفة من الجيش، يَبلُغ أقصاها أربعمائة
تُبْعَثُ إلى العدوّ، سُمّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خُلاصة الْعَسكر وخيارهم، من
الشيء السّرِيّ، أي النفيس، وقيل: سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يَنفُذون سِرّاً وخُفَيَةً،
وليس بالوجه؛ لأن لام السرّ راءٌ، وهذه ياء. انتهى(١).
(فَصَبَّحْنَا) بتشديد الباء الموحّدة، ويجوز تخفيفها، يقال: صَبَحه،
كمنَعَهُ، وصَبّحه بالتشديد: إذا أتاه وقت الصبح(٢)، أي أتيناهم، وهَجَمْنَا
عليهم صباحاً بغتةً قبل أن يَشْعُروا بنا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بَكْرَةً
(١) ((النهاية)) ٣٦٣/٢.
(٢) راجع: ((القاموس)) ص ٢٠٧.

١٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
﴾ [القمر: ٣٨] (الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْئَةَ) ((الْحُرَقات)) - بضم
عَذَابٌ مُسْتَقِرّ
المهملة، وفتح الراء، ثم قاف -: هم بطن من جُهَينة، ولذا قال: ((من
جهينة))، وسُمُّوا بذلك؛ لوقعة كانت بينهم وبين بني مُرَّة بن عوف بن سَعْد بن
ذُبْيَان، فأحرقوهم بالسهام؛ لكثرة من قَتَلُوا منهم، ذكره في ((الفتح)) (١)، وذكر
في موضع آخر، فقال: نسبة إلى الحرقة، واسمه جُهيش بن عامر بن ثعلبة بن
مودعة بن جُهينة، تَسَمّى الْحُرَقة؛ لأنه حرّق قوماً بالقتل، فبالغ في ذلك، ذكره
ابن الكلبيّ. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((الْحُرقات)) رَوَيناه بضمّ الراء، وفتحها،
وهو موضع معروفٌ من بلاد جُهينة، يُسمّى بجمع المؤنّث السالم، كعرفات،
وأذرعات. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما ذكره القرطبيّ، ومما سبق
عن ((الفتح)): أن ((الحرقات)) تُطلق على قبيلة، وعلى بلدة، وقد جمع بينهما في
((لُبّ اللباب))، حيث قال ما حاصله: الْحُرَقيّ بضم الحاء، وفتح الراء، وفي
آخره قاف: هذه النسبة إلى الْحُرقات من جُهينة، وبطنٌ من غافق، وناحيةٌ
(٤)
بِعُمَان. انتهى (٤) .
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): هذه السرية يقال لها سَريّة غالب بن عبيد الله
الليثيّ، وكانت في رمضان سنة سبع، فيما ذكره ابن سعد، عن شيخه، وكذا
ذكره ابن إسحاق في ((المغازي)): حدثني شيخ من أسلم، عن رجال من قومه،
قالوا: بعث رسول الله وَّلر غالب بن عبيد الله الكلبيّ، ثم الليثيّ إلى أرض بني
مُرّة، وبها مِرْداس بن نَهِيك حليف لهم من بني الْحُرَقة، فقتله أسامة، فهذا يُبَيِّن
السبب في قول أسامة: ((بعثنا إلى الحرقات من جهينة))، والذي يظهر أن قصة
الذي قَتَل، ثم مات فدُفن، ولفظته الأرض غير قصة أسامة؛ لأن أسامة عاش
بعد ذلك دهراً طويلاً، وترجم البخاري في ((المغازي)): ((بَعْتُ النبيّ ◌َّ
(١) ((الفتح)) ٢٠٢/١٢ ((كتاب المغازي)) رقم الحديث (٦٨٧٢ - ٦٨٧٥).
(٢) ((الفتح)) ٧/ ٥٩١ ((كتاب المغازي)) رقم الحديث (٤٢٧٢ - ٤٢٧٣).
(٣) ((المفهم)) ٢٩٦/١.
(٤) ((لبّ اللباب)) ٢٤٣/١.

١٧٩
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ الله) - حديث رقم (٢٨٤)
أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة))، فجرى الداودي في ((شرحه)) على
ظاهره، فقال: ((تأمیر مَن لم يبلغ)).
وتُعُقِّب من وجهين:
[أحدهما]: أنه ليس فيه تصريح بأن أسامة كان الأمير؛ إذ يَحتمل أن
يكون جَعَل الترجمة باسمه؛ لكونه وقعت له تلك الواقعة، لا لكونه كان
الأمير.
[والثاني]: أنها إن كانت سنة سبع أو ثمان فما كان أسامة يومئذ إلا
بالغاً؛ لأنهم ذكروا أنه كان له لما مات النبيّ وَل ثمانية عشر عاماً. انتهى(١).
(فَأَدْرَكْتُ رَجُلاً) وفي الرواية التالية: ((فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ
أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَجُلاً مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَّهَ إِلَّ اللهُ، فَكَفَّ عَنْهُ
الْأَنْصَارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي، حَتَّى قَتَلْتُهُ)).
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى: اسمه - يعني: الرجل المقتول -
مِرْداس بن عمرو الْفَدَكيّ، ويقال: مِرداس بن نَهِيك الْفَزَارِيّ، وهو قول ابن
الكلبيّ، قتله أسامة، وساق القصة.
وقال صاحب ((التنبيه)): هو مِرْداس بن نَهِيك، قاله ابن بشكوال، وجزم به
ابن القيّم في ((الهدي))، وذكره الطبريّ، ويقال: مِرداس بن عمرو بن نَهِيك،
وقال ابن طاهر: هو مِرداس بن عُمَر الفَدَكيّ. انتهى. نقله عنه الحافظ وليّ
الدين العراقيّ، والظاهر أنه تحريفٌ من الكاتب، وإنما هو ابن عَمْرو بالواو في
آخره، وهذا الرجل يقال فيه: مِرداس بن عمرو، ويقال: مِرداس بن نَهِيك،
قاله الذهبيّ في ((التجريد)). انتهى(٢).
وذكر ابن منده أن أبا سعيد الخدريّ رَُّه قال: بعث رسول الله وَّهُ سَرِيّةً
فيها أسامة إلى بني ضَمْرة، فذكر قتل أسامة الرجل.
وقال ابن أبي عاصم في ((الديات)): حدثنا يعقوب بن حُميد، حدثنا
يحيى بن سُليم، عن هشام بن حسان، عن الحسن، أن رسول الله وَلال بعث
(١) ((الفتح)) ٢٠٣/١٢.
(٢) راجع: ((تنبيه المعلم بمهمات صحيح مسلم)) ص٦١.

١٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
خيلاً إلى فَدَك، فأغاروا عليهم، وكان مِرْداس الْفَدَكيّ قد خرج من الليل، وقال
لأصحابه: إني لاحق بمحمد وأصحابه، فبَصُرَ به رجل، فحَمَل عليه، فقال:
إني مؤمن، فقتله، فقال النبيّ وَلِّ: ((هلا شَقَقت عن قلبه؟))، قال: فقال
أنس رُّه: إن قاتل مِرداس مات، فدفنوه، فأصبح فوق القبر، فأعادوه،
فأصبح فوق القبر مراراً، فذكروا ذلك للنبيّ وََّ، فَأَمَر أن يُطْرَح في واد بين
جبلين، ثم قال: ((إن الأرض لَتَقْبَلُ مَن هو شرٌّ منه، ولكن الله وَعَظَكم)).
قال الحافظ: إن ثبت هذا فهو مِرداس آخر، وقتيل أسامة لا يُسَمَّى
مِرداساً، وقد وقع مثل هذا عند الطبريّ في قتل مُحَلِّم بن جَّامةَ عامرَ بنَ
الأضبط، وأن مُحَلِّماً لَمّا مات، ودُفِن لفظته الأرض، فذكر نحوه. انتهى(١).
(فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، فَطَعَنْتُهُ) أي بالرمح، ففي الرواية الآتية: ((فأدركت
رجلاً، فطعنته برمحي حتى قتلته))، وفي حديث جندب الآتي أيضاً: «فلما رَفَع
عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله)).
ويُمكن الجمع بأنه رَفَع عليه السيف أوّلاً، فلما لم يتمكن من ضربه
بالسيف طعنه بالرمح، قاله في ((الفتح)).
(فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ وََّ) وفي الرواية التالية: ((فلما
قدمنا المدينة بلغ ذلك النبيّ وَ﴿))، ولا منافاة بينهما؛ لأنه يُحْمَل على أن ذلك
بلغ النبيّ وَّليه من أسامة، لا من غيره، فيكون تقدير الثاني: بلغ ذلك النبيّ
مني، أفاده في (الفتح)).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قول أسامة في الرواية الأولى:
((فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبيّ وَّ)، وفي الرواية الأخرى:
((فلما قَدِمنا بلغ ذلك النبيّ وَّر، فقال لي: يا أسامة، أقتلته؟))، وفي الرواية
الأخرى: ((فجاء البشير إلى النبيّ وَّر، فسأله، فأخبره حتى أخبره خبر الرجل،
فدعاه - يعني: أسامة - فسأله))، فيحتمل أن يُجمَع بينها بأن أسامة وقع في نفسه
من ذلك شيءٌ بعد قتله، ونَوَى أن يسأل عنه، فجاء البشير، فَأَخبَر به قبل مَقْدَم
أسامة، وبلغ النبيّ ◌َ﴿ أيضاً بعد قدومهم، فسأل أسامةَ، فذكره، وليس في
(١) المصدر السابق.