النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ (٤٠) - بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ، وَبَيَانِ أَكْبَرِهَا - حديث رقم (٢٧٠) لأنه ذريعة إلى تحريك النفوس والتشبه، وقد لا يكون عند الرجل مَن يُغنيه من الحلال، فيتخطى إلى الحرام، ومن هذا كان المجاهرون خارجين من عافية الله، وهم المتحدِّثون بما فعلوه من المعاصي، فإن السامع تتحرك نفسه إلى التشبه، وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعلمه إلا الله. (الوجه الثالث والثمانون): أنه نَهَى عن البول في الماء الدائم، وما ذاك إلا أن تواتر البول فيه ذريعة إلى تنجيسه، وعلى هذا، فلا فرق بين القليل والكثير، وبول الواحد والعدد، وهذا أولى من تفسيره بما دون القلتين، أو بما يمكن نزحه، فإن الشارع الحكيم لا يأذن للناس أن يبولوا في المياه الدائمة، إذا جاوزت القلتين، أو لم يُمكن نزحها، فإن في ذلك من إفساد مياه الناس، ومواردهم ما لا تأتي به شريعة، فحكمة شريعته اقتضت المنع من البول فيه قَلَّ أو كثر؛ سدّاً لذريعة إفساده. (الوجه الرابع والثمانون): أنه نَهَى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ، فإنه ذريعة إلى أن تناله أيديهم، كما عَلَّل به في نفس الحديث. (الوجه الخامس والثمانون): أنه نَهَى عن الاحتكار، وقال: ((لا يحتكر إلا خاطئ))، فإنه ذريعة إلى أن يُضَيِّق على الناس أقواتهم، ولهذا لا يُمنَع من احتكار ما لا يَضُرُّ الناس. (الوجه السادس والثمانون): أنه نَهى عن منع فضل الماء؛ لئلا يكون ذريعةً إلى منع فضل الكلأ، كما عَلَّل به في نفس الحديث، فجعله بمنعه من الماء مانعاً من الكلأ؛ لأن صاحب المواشي إذا لم يُمَكِّنه الشرب من ذلك الماء، لم يتمكن من المرعى الذي حوله. (الوجه السابع والثمانون): أنه نَهَى عن إقامة حدّ الزنا على الحامل حتى تضع؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى قتل ما في بطنها، كما قال في الحديث الآخر: ((لولا ما في البيوت من النساء والذرية، لأمرت فتياني أن يحملوا معهم حُزَماً من حَطَب، فأخالفَ إلى قوم لا يشهدون الصلاة في الجماعة، فأُحَرِّق عليهم بيوتهم بالنار))، فمنعه من تحريق بيوتهم التي عَصُوا الله فيها بتخلفهم عن الجماعة، كون ذلك ذريعةً إلى عقوبة مَن لم يجب عليه حضور الجماعة من النساء والأطفال. ٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (الوجه الثامن والثمانون): أنه نَهَى عن إدامة النظر إلى المجذومين، وهذا - والله أعلم - لأنه ذريعة إلى أن يصابوا بإيذائهم، وهي من ألطف الذرائع، وأهلُ الطبيعة يعترفون به، وهو جارٍ على قاعدة الأسباب، وأخبرني رجل من علمائهم أنه أجلس قرابة له، يكحل الناس، فَرَمِدَ، ثم برئ، فجلس یکحلهم، فَرَمِد مراراً، قال: فعلمت أن الطبيعة تنتقل، وأنه من كثرة ما يفتح عينيه في أعين الرمِدِ نقلت الطبيعة الرَّمَدَ إلى عينيه، وهذا لا بد معه من نوع استعداد، وقد ◌ُبِلَت الطبيعة والنفس على التشبه والمحاكاة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مسألة العدوى قد حقّقت القول فيها في شرح النسائيّ، ورجّحت أن حديث: ((لا عدوى)) على ظاهره، بدليل حديث: ((فمن أعدى الأول))، وأما حديث: ((فِرّ من المجذوم فرارك من الأسد)) فمؤوّل بأوجه من التأويلات، منها: أن يحدث له ذلك الجذام فيسيء الظنّ بأنه إنما حصل له بسبب مخالطته له، فقطع الشارع عِرْق ذلك الظنّ بالأمر بالفرار عنه، وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى -، فما ذكره ابن القيّم من قصّة أهل الطبيعة فظاهر في ميله إلى ترجيح القول بالعدوى، وأن ذلك من باب الأسباب، لكن الأرجح ما ذكرته لك، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. (الوجه التاسع والثمانون): أن النبيّ وَّ نَهَى الرجل أن ينحني للرجل، إذا لقيه كما يفعله كثير من المنتسبين إلى العلم، ممن لا علم له بالسنة، بل يبالغون إلى أقصى حدّ الانحناء مبالغة في خلاف السنة؛ جهلاً حتى يصير أحدهم بصورة الراكع لأخيه، ثم يرفع رأسه من الركوع، كما يفعل إخوانهم من السجود بين يدي شيوخهم الأحياء والأموات، أخذوا من الصلاة سجودها، وأولئك ركوعها، وطائفة ثالثة قيامها يقوم عليهم الناس، وهم قعود، كما يقومون في الصلاة، فقاسمت الفِرَقُ الثلاث أجزاء الصلاة، والمقصود أن النبيّ وَّ نَهَى عن انحناء الرجل لأخيه سدّاً لذريعة الشرك، كما نَهَى عن السجود لغير الله، وكما نَهاهم أن يقوموا في الصلاة على رأس الإمام، وهو جالس، مع أن قيامهم عبادة لله تعالى، فما الظن إذا كان القيام تعظيماً للمخلوق، وعبودية له فالله المستعان. (الوجه التسعون): أنه حَرَّم التفرُّق في الصرف، وبيع الربوي بمثله قبل ٨٣ (٤٠) - بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ، وَبَيَانِ أَكْبَرِهَا - حديث رقم (٢٧٠) القبض؛ لئلا يتخذ ذريعةً إلى التأجيل الذي هو أصل باب الربا، فحماهم من قربانه، باشتراط التقابض في الحال، ثم أوجب عليهم فيه التماثل، وأن لا يزيد أحد العوضين على الآخر، إذا كانا من جنس واحد، حتى لايباع مُدٌّ جيدٌ بمدّين رديئين، وإن كانا يساويانه؛ سدّاً لذريعة ربا النساء الذي هو حقيقة الربا، وأنه إذا منعهم من الزيادة مع الحلول، حيث تكون الزيادة في مقابلة جودة، أو صفة، أو سكة، أو نحوهما، فَمَنْعُهُم منها حيث لا مقابل لها إلا مجرد الأجل أولى، فهذه هي حكمة تحريم ربا الفضل التي خَفِيت على كثير من الناس، حتى قال بعض المتأخرين: لا يتبين لي حكمة تحريم ربا الفضل، وقد ذكر الشارع هذه الحكمة بعينها، فإنه حَرَّمه سدّاً لذريعة ربا النَّسَاء، فقال في حديث تحريم ربا الفضل: ((فإني أخاف عليكم الرَّمَا))، والرَّمَا (١) هو الربا، فتحريم الربا نوعان: نوع حُرِّم لما فيه من المفسدة، وهو ربا النسيئة، ونوع حُرِّم تحريم الوسائل، وسدّاً للذرائع، فظهرت حكمة الشارع الحكيم، وكمال شريعته الباهرة في تحريم النوعين، ويلزم مَن لم يعتبر الذرائع، ولم يأمر بسدها أن يجعل تحريم ربا الفضل تعبداً محضاً، لا يُعْقَل معناه، كما صرح بذلك كثير منهم. (الوجه الحادي والتسعون): أنه أبطل أنواعاً من النكاح الذي يتراضى به الزوجان؛ سدّاً لذريعة الزنا: فمنها: النكاح بلا وليّ، فإنه أبطله سدّاً لذريعة الزنا، فإن الزاني لا يَعجِز أن يقول للمرأة: أنكحيني نفسك بعشرة دراهم، ويُشهِد عليها رجلين من أصحابه، أو غيرهم، فمنعها من ذلك سدّاً لذريعة الزنا. ومن هذا تحريم نكاح التحليل الذي لا رغبة للنفس فيه، في إمساك المرأة، واتخاذها زوجة، بل له وَطَرٌ فيما يقضيه بمنزلة الزاني في الحقيقة، وإن اختلفت الصورة. ومن ذلك تحريم نكاح المتعة الذي يَعقِد فيه المتمتع على المرأة مُدّةً، يقضي وطره منها فيها، فحَرَّم هذه الأنواع كلها سدّاً لذريعة السفاح، ولم يُبحِ إلا عَقْداً مؤبداً، يَقْصِد فيه كل من الزوجين المقام مع صاحبه، ويكون بإذن (١) قال في ((القاموس)): ((الرَّمَاءُ)) كسماء: الربا اهـ ٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الوليّ، وحضور الشاهدين، أو ما يقوم مقامهما من الإعلان، فإذا تدبرت حكمة الشريعة، وتأملتها حقَّ التأمل، رأيت تحريم هذه الأنواع من باب سدّ الذرائع، وهي من محاسن الشريعة وكمالها . (الوجه الثاني والتسعون): أنه منع المتصدق من شراء صدقته، ولو وجدها تباع في السوق سدّاً لذريعة العَوْد فيما خَرَج عنه، ولو بعوضه، فإن المتصدق إذا مُنِع من تملك صدقته بعوضها، فتملكه إياها بغير عوض أشدّ منعاً، وأفطم للنفوس عن تعلقها بما خَرَجت عنه لله، والصواب ما حَكَم به النبيّ ◌َّ من المنع من شرائها مطلقاً، ولا ريب أن في تجويز ذلك ذريعةً إلى التحَيُّل على الفقير، بأن يَدفع إليه صدقة ماله، ثم يشتريها منه بأقل من قيمتها، ويَرَى المسكين أنه قد حصل له شيء مع حاجته، فتسمح نفسه بالبيع، والله عالم بالأسرار، فمن محاسن هذه الشريعة الكاملة سدُّ الذريعة، ومنع المتصدق من شراء صدقته، وبالله التوفيق. (الوجه الثالث والتسعون): أنه نَهَى عن بيع الثمار قبل بُدُوّ صلاحها؛ لئلا يكون ذريعةً إلى أكل مال المشتري بغير حقّ، إذا كانت مُعَرَّضةً للتلف، وقد يمنعها الله، وأكد هذا الغرض، بأن حَكّم للمشتري بالجائحة، إذا تلفت بعد الشراء الجائز، وكلُّ هذا لئلا يُظلَم المشتري، ويُؤكَل ماله بغير حقّ. (الوجه الرابع والتسعون): أنه نَهَى الرجل بعد إصابة ما قُدِّر له أن يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، وأخبر أن ذلك ذريعة إلى عمل الشيطان، فإنه لا يُجْدِي عليه إلا الحزن والندم، وضيقة الصدر، والسخط على المقدور، واعتقاد أنه كان يمكنه دفع المقدور لو فعل ذلك، وذلك يُضْعِف رضاه، وتسليمه، وتفويضه، وتصديقه بالمقدور، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وإذا أعرض القلب عن هذا، انفتح له عَمَلُ الشيطان، وما ذاك لمجرد لفظ (لو))، بل لِمَا قارنها من الأمور القائمة بقلبه، المنافية لكمال الإيمان، الفاتحة لعمل الشيطان، بل أرشد العبد في هذه الحال إلى ما هو أنفع له، وهو الإيمان بالقدر، والتفويض والتسليم المشيئة الإلهية، وأنه ما شاء الله كان، ولا بُدَّ، فمن رضي فله الرضى، ومن سَخِط فله السُّخْط، فصلوات الله وسلامه على مَن كلامه شفاءٌ للصدور، ونور للبصائر، وحياة للقلوب، وغذاء للأرواح، ٨٥ (٤٠) - بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ، وَبَيَانِ أَكْبَرِهَا - حديث رقم (٢٧٠) وعلى آله، فلقد أنعم به على عباده أتم نعمة، ومنّ عليهم به أعظم مِنّة، فلله النعمة وله المنة، وله الفضل، وله الثناء الحسن. (الوجه الخامس والتسعون): أنه بَّ نَهَى عن طعام المتباريين، وهما الرجلان يَقصِد كل منهما مباراة الآخر، ومباهاته، إما في التبرعات، كالرجلين يَصْنَع كل منهما دعوةً يفتخر بها على الآخر، ويباريه بها، وإما في المعاوضات، كالبائعين يُرَخِّص كلٌّ منهما سلعته لمنع الناس من الشراء من صاحبه، ونَصَّ الإمام أحمد على كراهية الشراء من هؤلاء، وهذا النهي يتضمن سدّ الذريعة من وجهين: [أحدهما]: أن تسليط النفوس على الشراء منهما، وأكل طعامهما تفريجٌ لهما، وتقوية لقلوبهما، وإغراء لهما على فعل ما كرهه الله تعالى ورسوله وَله . [والثاني]: أن ترك الأكل من طعامهما ذريعةٌ إلى امتناعهما، وكَفِّهما عن ذلك. (الوجه السادس والتسعون): أنه تعالى عاقب الذين حَفَروا الحفائر يوم الجمعة، فوقع فيها السمك يوم السبت، فأخذوه يوم الأحد، ومسخهم الله قردةً وخنازير، وقيل: إنهم نصبوا الشِّبَاك يوم الجمعة، وأخذوا الصيد يوم الأحد، وصورة الفعل الذي فَعَلُوه مخالفٌ لما نُهُوا عنه، ولكنهم لَمّا جعلوا الشِّبَاك والحفائر ذريعةً إلى أخذ ما يقع فيها من الصيد يوم السبت نُزِّلوا منزلة مَن اصطاد فيه؛ إذ صورة الفعل لا اعتبار بها، بل بحقيقته، وقصد فاعله، ويلزم مَن لم يسُدَّ الذرائع أن لا يُحَرِّم مثل هذا، كما صَرَّحوا به في نظيره سواءً، وهو لو نَصَب قبل الإحرام شبكةً، فوقع فيها صيدٌ، وهو محرمٌ جاز له أخذه بعد الحلّ، وهذا جارٍ على قواعد مَن لم يعتبر المقاصد، ولم يسد الذرائع. (الوجه السابع والتسعون): قال الإمام أحمد: نَهَى رسول الله بَّر عن بيع السلاح في الفتنة، ولا ريب أن هذا سدٌّ لذريعة الإعانة على المعصية، ويلزم مَن لم يَسُدَّ الذرائع أن يُجَوِّز هذا البيع، كما صَرَّحوا به، ومن المعلوم أن هذا البيع يتضمن الإعانة على الإثم والعدوان، وفي معنى هذا كلُّ بيع، أو إجارة، أو معاوضة، تُعِين على معصية الله، كبيع السلاح للكفار والبغاة وقطاع الطريق، وبيع الرقيق لمن يَفْسُق به، أو يؤاجره لذلك، أو إجارة داره، أو حانوته، أو ٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان خانه لمن يُقيم فيها سوق المعصية، وبيع الشَّمَع، أو إجارته لمن يَعصِي الله عليه، ونحو ذلك مما هو إعانة على ما يُبغضه الله، ويسخطه. ومن هذا عَصْرُ العنب لمن يتخذه خمراً، وقد لعنه رسول الله وَالاول هو، والمعتصر معاً، ويلزم مَن لم يَسُدَّ الذرائع أن لا يَلْعَن العاصر، وأن يُجَوِّز له أن يعصر العنب لكل أحد، ويقول: القصد غير معتبر في العقد، والذرائع غير معتبرة، ونحن مطالَبُون في الظواهر، والله يتولى السرائر، وقد صَرَّحُوا بهذا، ولا ريب في التنافي بين هذا وبين سنة رسول الله وَله. (الوجه الثامن والتسعون): نهيه ولار عن قتال الأمراء، والخروج على الأئمة، وإن ظلموا أو جاروا، ما أقاموا الصلاة؛ سدّاً لذريعة الفساد العظيم، والشر الكثير بقتالهم، كما هو الواقع، فإنه حصل بسبب قتالهم، والخروج عليهم أضعاف أضعاف ما هم عليه، والأمة في بقايا تلك الشرور إلى الآن، وقال: ((إذا بويع الخليفتان، فاقتلوا الآخِر منهما))؛ سدّاً لذريعة الفتنة. (الوجه التاسع والتسعون): جمع عثمان رُّه المصحف على حرف واحد من الأحرف السبعة؛ لئلا يكون ذريعةً إلى اختلافهم في القرآن، ووافقه على ذلك الصحابة قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: ولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافق لأسماء الله الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة؛ تفاؤلاً بأنه من أحصى هذه الوجوه، وعَلِم أنها من الدين، وعمل بها دخل الجنة؛ إذ قد يكون قد اجتمع له معرفة أسماء الرب تعالى، ومعرفة أحكامه، ولله وراء ذلك أسماءٌ وأحكام. قال رحمه الله تعالى: وباب سدّ الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما مقصود لنفسه، والثاني وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما ما يكون المنهيّ عنه مفسدة في نفسه، والثاني ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سدّ الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين. انتهى كلام ابن القيم (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ، لا تجده مجموعاً (١) راجع: ((إعلام الموقّعين عن رب العالمين)) ١٨٠/٣ - ٢٠٨. ٨٧ (٤٠) - بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ، وَبَيَانِ أَكْبَرِهَا - حديث رقم (٢٧١) عند غيره، فتمسّك به تُرشد، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدٍ بْنٍ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ (ح)، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعْدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهَذًا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى) بن عُبيد، أبو موسى العَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقة حافظ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار المعروف ببندار المذكور قبل باب. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر المذكور قبل باب أيضاً. ٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج المذكور قبل حدیثین. ٦ ۔ (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن میمون المعروف بالسمین، المروزيّ، نزیل بغداد، صدوقٌ ربّما وَهِمَ، وكان فَّاضلاً [١٠] (ت٢٣٥) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤. ٧ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، الثقة المتقنُ الحافظُ، الإمامُ القدوةُ، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥. ٨ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، الثقة الثبت الحجة الفقيه، من كبار [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٩ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المذكور في السند السابق. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بالإسناد الذي قبله، وهو: عن عبد الله بن عمرو. وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل حديث قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن ابن الهاد، عن سعد . ٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [تنبيه]: أما رواية شعبة التي أحالها هنا، فقد ساقها الإمام أحمد، في ((مسنده))، فقال: حدثنا محمد بن جعفر، وحجاج، قالا: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد، قال حجاج: سمعت حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ وَ﴾ قال: ((إن من أكبر الذنب، أن يسب الرجل والديه))، قالوا: وكيف يَسُبّ الرجل والديه؟ قال: ((يَسُبُّ أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)). وأما رواية سفيان، فساقها الإمام أحمد أيضاً، فقال: حدثنا وكيع، حدثنا مسعر، وسفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الله بن عمرو، رفعه سفيان، ووقفه مسعر، قال: ((من الكبائر أن يشتم الرجل والديه))، قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: ((يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه))، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٤١) - (بَابُ تَحْرِيم الْكِبْرِ، وَبَيَانِ مَعْنَاهُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [٢٧٢] (٩١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّاٍ، قَالَ ابْنُ الْمُؤَنَّى: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ فُضَيْلِ الْفُقَيْمِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ))، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ))). ٨٩ (٤١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِبْرِ، وَبَيَانِ مَعْنَاهُ - حديث رقم (٢٧٢) رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) التّمّار، أبو إسحاق البغداديّ، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن إسماعيل بن علية، وابن عيينة، وهشيم، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو زرعة، وموسى بن حماد، وأبو يعلى، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وعدة. قال أبو زرعة، ومحمد بن إبراهيم بن جُنَادة: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو القاسم البغويّ: مات سنة (٢٣٢). قال الحافظ: وذكر ابن خلفون أن أبا داود رَوَى أيضاً عنه، نقلته من خط مغلطاي، وفرَّق ابن حبّان بين شيخ أبي زرعة، وشيخ أبي يعلى. وله في هذا الكتاب (١٤) حديثاً. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) بن أبي زياد الشيبانيّ مولاهم، أبو بكر، ويقال: أبو محمد البصريّ، خَتَنُ أبي عَوَانة، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩]. رَوَى عن أبي عوانة، وعكرمة بن عمار، وشعبة، وحماد بن سلمة، وهمام بن يحيى، وجرير بن حازم، وجويرية بن أسماء، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، وروى هو أيضاً والباقون له بواسطة إسحاق بن راهويه، وإبراهيم بن دينار، والحسن بن مُدْرِك الطحان، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وإبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجانيّ، وأحمد بن إسحاق السُّرْمَاريّ، وحُميد بن زَنْجويه، وأبي داود الحرانيّ، وأبي موسى محمد بن المثنى، وبُندار، وأبي قدامة السرخسيّ، ومحمد بن مَعْمَر البحرانيّ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، والذهليّ، وآخرين، وآخر مَن حَدَّث عنه أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجيّ. قال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال محمد بن النعمان بن عبد السلام: لم أر أعبد منه، وقال العجليّ: بصريّ ثقة، وكان من أروى الناس عن أبي عوانة. وقال البخاريّ، عن الحسن بن مُدْرِك: مات سنة خمس عشرة ومائتين. روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في ((الناسخ والمنسوخ))، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط: هذا ٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الحديث، وحديث (١٥٣٦): ((من كانت له أرض، فليهبها ... ))، و(١٥٤٩): (نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة ... ))، و(١٧٠٧): ((جلَدَ النبيّ وَّل أربعين ... ))، و(٢٠٤٢): ((اللهمّ بارك لهم فيما رزقتهم ... ))، و(٢٣٠١): ((إني لَبِعُقْر حوضي أذود الناس ... )). ٣ - (أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ) - بفتح المثنّاة، وسكون المعجمة، وكسر اللام - الرَّبَعَيّ، أبو سعد الكوفيّ، ثقةٌ، تُكُلِّم فيه للتشيّع [٧]. رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، والحكم بن عُتيبة، وفُضَيل بن عَمرو الْفُقَيميّ، وأبي جعفر الباقر، وغيرهم. ورَوَى عنه موسى بن عقبة، وشعبة، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وجماعة. قال أحمد، ويحيى، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، زاد أبو حاتم: صالح، وقال الْجُوزجانيّ: زائغ، مذموم المذهب، مُجاهر، وقال ابن عديّ: له نُسَخٌ عامتها مستقيمة، إذا رَوَى عنه ثقة، وهو من أهل الصدق في الروايات، وإن كان مذهبه مذهب الشيعة، وهو في الرواية صالح، لا بأس به. قال الحافظ: هذا قولُ مُنصف، وأما الجوزجاني، فلا عبرة بحطه على الكوفيين، فالتشيع في عرف المتقدمين، هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان، وأن علياً كان مصيباً في حروبه، وأن مخالفه مخطئ، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما، وربما اعتَقَد بعضهم أن علياً أفضل الخلق بعد رسول الله وَله، وإذا كان مُعتقد ذلك ورِعاً دَيِّناً صادقاً مجتهداً، فلا تُرَدُّ روايته بهذا، لا سيما إن كان غير داعية. وأما التشيع في عُرْف المتأخرين، فهو الرفض المحض، فلا تُقْبَل رواية الرافضي الغالي، ولا كرامةً. وقال ابن عجلان: ثنا أبان بن تغلب، رجل من أهل العراق من النُّسّاك ثقة، ولَمّا خَرَّج الحاكم حديث أبان في ((مستدركه)) قال: كان قاصّ الشيعة، وهو ثقة، ومَدَحَه ابن عيينة بالفصاحة والبيان، وقال العقيليّ: سمعت أبا عبد الله يذكر عنه عقلاً وأدباً وصحةً حديث، إلا أنه كان غالياً في التشيع، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأَرَّخ وفاته، ومنه نقل ابن ٩١ (٤١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِبْرِ، وَبَيَانِ مَعْنَاهُ - حديث رقم (٢٧٢) منجويه، وقال الأزديّ: كان غالياً في التشيع، وما أعلم به في الحديث بأساً. وقال أبو نعيم في ((تاريخه)): مات سنة (٢٤٠)، وكان غاية من الغايات، وقال أحمد بن سَيّار: مات بعد سنة (٢٤١)، وقال أبو بكر بن منجويه: مات سنة (٢٤١). أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا الحديث، وأعاده بعده، وحديث (١٢٤): ((ليس هو كما تظنّون ... ))، و(٤٧٤): ((كنا مع النبيّ ◌َّو لا يحنو أحد منا ظهره ... )). [تنبيه]: قد تقدّم أن أبان يجوز صرفه، وترك صرفه، وأن الصرف أفصح، وأما (تَغْلب)) فهو بفتح التاء الفوقانيّة، وسكون المعجمة، وكسر اللام(١). ٤ - (فُضَيْلٌ الْفُقَيْمِيُّ) هو: فُضيل بن عَمْرو الْفُقَيميّ - بالفاء، والقاف، مصغّراً - التميميّ، أبو النضر الكوفيّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، وإبراهيم النخعيّ، وثابت البنانيّ، وعامر الشعبيّ، وسعيد بن جبير، وأبي جَهْمَة زياد بن الحصين، وعائشة بنت طلحة، وإياس بن الظُّفَيل، ومجاهد بن جَبْر، ويحيى بن الجزّار، وغيرهم. ورَوَى عنه أخوه الحسن بن عمرو، والعلاء بن المسيِّب، والأعمش، ومنصور، والحجاج بن أرطاة، وأبو إسرائيل الْمُلائيّ، وأبان بن تَغْلِب، وعُبيد بن مِهْران المكتب، وغيرهم. قال أحمد بن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ، حجةٌ، وقال العجليّ: كوفي ثقةٌ، وأخوه حسن كوفيّ ثقةٌ، وهو أصغر من فُضيل، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وهو من كبار أصحاب إبراهيم، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة عشر ومائة، يخطئ، وكذا قال ابن منده في تاريخ وفاته، وفيها أرّخَه أبو موسى محمد بن المثنى وغيره، قال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحادیث. أخرج له المصنّف، وأبو داود في ((القدر))، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث، وأعاده بعده، (١) راجع: ((شرح النوويّ)) ٨٩/٢. ٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وحديث (٢٦٦٢): ((إن الله خلق الجنة، وخلق النار، فخلق لهذه ... ))، و(٢٩٦٩): ((يا رب ألم تُجرني من الظلم ... )). وله عند الترمذيّ حديث الباب فقط، وعند ابن ماجه حديثان: أحدهما في الطهارة، والثاني في الحجّ. ٥ - (إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ) هو: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة، يرسل كثيراً [٥] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢. ٦ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ، فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وكذا الصحابيّ تقدّم قبل باب، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من ثُمانيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والإخبار، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه إبراهيم، فإنه من أفراده، وقيل: روى عنه أبو داود، وغير يحيى بن حماد، فأخرج له أبو داود في ((الناسخ والمنسوخ))، وأبان بن تغلب، فما أخرج له البخاريّ، وكذا فضيل بن عمرو لم يُخرج له البخاريّ، وأخرج له أبو داود في ((القدر)). ٣ - (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشّار من الشيوخ التسعة الذين اتّفق بالرواية عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد سبق بيانهم غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: إبراهيم، عن علقمة، وهو خاله؛ لأن أمه مليكة بنت قيس أخت علقمة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) رَبُهُ (عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنه (قَالَ: (لَا) نافية، ولذا رفع الفعل بعدها (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ) اسم موصول فاعل ((يدخل)) (كَانَ فِي قَلْبِهِ ٩٣ (٤١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِبْرِ، وَبَيَانِ مَعْنَاهُ - حديث رقم (٢٧٢) مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) برفع ((مثقال)) على أنه اسم ((كان)) مؤخّراً، وخبرها الجارّ والمجرور قبله . [تنبيه]: قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: قوله: ((من كان في قلبه مثقال ذرّة)) كذا رويناه من أصل الحافظ أبي القاسم العساكريّ، ومن أصل أبي عامر الْعَبْديّ، وهو في أصل أبي حازم الْعَبْديّ، والأصل المأخوذ عن الْجُلُوديّ: ((لا يدخل الجنّة مثقالُ ذَرَّة من كبر))، وهو بمعنى الأول، أي لا يدخلها صاحب مثقال ذرّة من كبر. انتهى(١). ومِثْقَالُ الشيء بكسر فسكون: ميزانُهُ من مثله، ويقال: أعطِهِ ثِقْله وزانَ حِمْلٍ: أي وزنه. أفاده الفيّوميّ (٢). وقال القرطبيّ: المثقال مِفْعالٌ من الثِّقْل، ومثقالُ الشيء: وزنه، يقال: هذا على مثقال هذا: أي على وزنه. انتهى (٣). ((والذرّة)): واحد الذّرّ، وهي صغار النمل، ومائة منها زِنَة حبّة شعير، قاله في (القاموس))(٤). وقوله: (مِنْ كِبْرٍ) بيان لـ((مثقال))، قال أبو العبّاس القرطبيّ تَظُّهُ: الكِبْر والكبرياء في اللغة: هو العَظَمَة، يقال فيه: كَبُر الشيء بضمّ الباء، أي عَظُم، فهو كبير وكِبَار، فإذا أفرط قيل: كُبّار بالتشديد، وعلى هذا فيكون الكبر والعظمة اسمين لمسمّى واحد، وقد جاء في الحديث ما يُشْعِر بالفرق بينهما، وذلك أن الله تعالى قال: ((الكبرياء ردائي، والعَظَمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار))(٥) . فقد فرّق بينهما، بأن عبّر عن أحدهما بالإزار، وعن الآخر بالرداء، وهما (١) ((الصيانة)) ص٢٧٣. (٣) ((المفهم)) ٢٨٩/١. (٢) ((المصباح)) ٨٣/١، ((ق)) ص٨٧٥. (٤) ((القاموس المحيط)) ص٣٥٧. (٥) رواه مسلم (٢٦٢٠)، وأبو داود (٤٠٩٠)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة ﴿ه، وهذا اللفظ لأبي داود، وابن ماجه، ولفظ مسلم عن أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله صل: ((العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته)). ٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان مختلفان، ويدلّ أيضاً على ذلك قوله: ((فمن نازعني واحداً منهما))، إذ لو كانا واحداً لقال: فمن نازعنيه، فالصحيح إذن الفرق. ووجهه أن جهة الكبرياء تستدعي مُتَكَبَّراً عليه، ولذلك لَمّا فسّر الكبر قال: ((الكبر: بَطَرُ الحقّ، وغَمْطُ الناس))، وهو احتقارهم، فذكر المتكبِّر عليه، وهو الحقّ أو الخلق، والعظمة لا تقتضي ذلك، فالمتكبّر يلاحظ ترفّع نفسه على غيره بسبب مزيّة كمالها، فيما يراه، والمعظّم يلاحظ كمال نفسه من غير ترفّع لها على غيره، وهذا التعظيم هو المعبّر عنه بالعُجْب في حقّنا إذا انضاف إليه نسيانُ منّة الله تعالى علينا فيما خصّنا به من ذلك الكمال. وإذا تقرّر هذا، فالكبرياء والعظمة من أوصاف كمال الله تعالى، واجبان له؛ إذ ليست أوصاف كمال الله وجلاله مستفادة من غيره، بل هي واجبة الوجود لذواتها بحيث لا يجوز عليه العدم، ولا النقص، ولا يجوز عليه تعالى نقيض شيء من ذلك، فكماله وجلاله حقيقة له بخلاف كمالنا، فإنه مستفاد من الله تعالى، ويجوز عليه العدم، وطروء النقيض والنقص، وإذا كان هذا فالتكبّر والتعاظم خَرَقٌ منّا، ومستحيلٌ في حقّنا، ولذا حرّمهما الشرع، وجعلهما من الكبائر؛ لأن من لاحظ كمالَ نفسه ناسياً منّة الله تعالى عليه فيما خصّه به كان جاهلاً بنفسه وبربّه، مغترّاً بما لا أصل له، وهي صفة إبليس الحاملة له على قوله وَل: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، وصفة فرعون الحاملة له على قوله ريال: ﴿أَنَاْ رَّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، ولا أقبح مما صارا إليه، فلا جَرَمَ كان فرعون وإبليس أشدّ أهل النار عذاباً، نعوذ بالله من الكبر والكفر. وأما مَن لاحظ من نفسه كمالاً، وكان ذاكراً فيه منّة الله تعالی علیه به، وأن ذلك من تفضّله تعالى ولطفه، فليس من الكبر المذموم في شيء، ولا من التعاظم المذموم، بل هو اعترافٌ بالنعمة، وشكرٌ على المنّة. والتحقيق في هذا أن الخلق كلهم قوالِب وأشباحٌ، تَجرِي عليهم أحكام القُدْرة، فمن خصّه الله تعالى بكمال، فذلك الكمال يرجع للمكمّل الجاعل، لا للقالب القابل، ومع ذلك فقد كَمَّل الله الكمالَ بالجزاء، والثناء عليه، كما قد نقص النقص بالذمّ والعقوبة عليه، فهو الْمُعْطِي، والْمُثْنِي، والْمُبْلِي، والْمُعافِي، كيف لا وقد قال العليّ الأعلى: ((أنا الله خالق الخير والشرّ، فطوبى لمن خلقته ٩٥ (٤١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِبْرِ، وَبَيَانِ مَعْنَاهُ - حديث رقم (٢٧٢) للخير، وقدّرته عليه، والويل لمن خلقته للشرّ، وقدّرته عليه))(١). فلا حيلة تَعْمَل [الأنبياء: ٢٣]. مع قَهْرٍ، ﴿لَا يُسْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ (® ولَمّا تقرّر أن الكبر يستدعي متكَبَّراً عليه، فالمتكبّرُ عليه إن كان هو الله تعالى، أو رسوله وَ له، أو الحقّ الذي جاء به رسوله، فذلك الكبر كفرٌ، وإن كان غير ذلك، فذلك الكبر معصيةٌ وكبيرة، يُخاف على المتلبّس بها المصرّ عليها أن تُفضي به إلى الكفر، فلا يدخل الجنّة أبداً، فإن سلم من ذلك، ونَفَذ عليه الوعيد عوقب بالإذلال والصّغَار، أو بما شاء الله من عذاب النار، حتى لا يبقى في قلبه من ذلك الكبر مثقال ذرّة، وخُلِّص من خُبْث كبره حتى يصير كالذرّة، فحينئذ يتداركه الله برحمته، ويُخلّصه بإيمانه وبركته، وقد نصّ على هذا المعنى النبيّ وََّ في المحبوسين على الصراط لَمّا قال: ((حتى إذا هُذِّبُوا، ونُقّوا، أُذن لهم في دخول الجنّة))(٢)، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(٣). وقال النوويّ كَّتُهُ: وأما قوله وَّله: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذَرَّة من كِبْر))، فقد اختُلِف في تأويله، فذكر الخطابيّ فيه وجهين: [أحدهما]: أن المراد التكبر عن الإيمان، فصاحبه لا يدخل الجنة أصلاً إذا مات عليه. [والثاني]: أنه لا يكون في قلبه كبر حال دخوله الجنة، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وهذان التأويلان فيهما بُعْدٌ، فإن هذا الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف، وهو الارتفاع على الناس، واحتقارهم، ودفع الحقّ، فلا ينبغي أن يُحمَل على هذين التأويلين الْمُخرِجين له عن المطلوب، بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين، أنه لا يدخل الجنة دون مجازاة إن جازاه، وقيل: هذا جزاؤه لو جازاه، وقد يتكرم بأنه لا يجازيه، بل لا بُدّ أن يدخل كلُّ الموحدين الجنة، إمّا (١) أخرجه ابن شاهين في ((شرح السنّة)) عن أبي أمامة، بإسناد ضعيف. (٢) رواه البخاريّ في ((صحيحه)) (٦٥٣٥)، وأحمد في ((مسنده)) ١٣/٣ و٦٣ و٧٤. (٣) ((المفهم)) ٢٨٦/١ - ٢٨٨. ٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أوّلاً وإمّا ثانياً، بعد تعذيب بعض أصحاب الكبائر الذين ماتوا مُصِرّين عليها، وقيل: لا يدخلها مع المتقين أَوّلَ وَهْلَة. انتهى(١). وسئل شيخ الإسلام ابن تيميّة تَخْلَتُ عن معنى هذا الحديث، فقيل له: قوله ◌َ﴾: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر))، هل هذا الحديث مخصوص بالمؤمنين، أم بالكفار؟ فإن قلنا: مخصوص بالمؤمنين، فقولنا ليس بشيء؛ لأن المؤمنين يدخلون الجنة بالإيمان، وإن قلنا : مخصوص بالكافرين، فما فائدة الحديث؟. فأجاب ◌َّتُ تعالى بأن لفظ الحديث في ((الصحيح)): ((لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان)). فالكبر المباين للإيمان لا يدخل صاحبه الجنة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، ومن هذا كبر إبليس، وكبر فرعون، وغيرهما ممن كان كبره منافياً للإيمان، وكذلك كبر اليهود، والذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَ أَنفُسُكُمُ أُسْتَكْبَرُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَفْئُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، والكبر كله مباين للإيمان الواجب، فمن في قلبه مثقال ذرة من كبر، لا يفعل ما أوجب الله عليه، ويترك ما حَرَّم عليه، بل كبره يوجب له جَحْدَ الحقّ، واحتقار الخلق، وهذا هو الكبر الذي فَسَّرَه النبيّ وَّ حيث سئل في تمام الحديث، فقيل: يا رسول الله، الرجل يُحِبّ أن يكون ثوبه حَسَناً، ونعلُهُ حسناً، فمن الكبر ذاك؟ فقال: ((لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَرُ الحقّ، وغَمْطُ الناس)). و(بَطَرُ الحقّ)): جحده، ودفعه، و((غَمْطُ الناس)): ازدراؤهم، واحتقارهم، فمن في قلبه مثقال ذرة من هذا، يوجب له أن يَجْحَد الحقّ الذي يَجِب عليه أن يُقِرّ به، وأن يحتقر الناس، فيكون ظالِماً لهم، مُعتدياً عليهم، فمن كان مُضَيِّعاً للحق الواجب ظالِماً للخلق، لم يكن من أهل الجنة، ولا مُسْتَحِقّاً لها، بل یکون من أهل الوعيد. فقوله وَله: ((لا يدخل الجنة)) متضمن لكونه ليس من أهلها، ولا مستحقّاً (١) راجع: ((شرح مسلم)) ٢/ ٩١. ٩٧ (٤١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِبْرِ، وَبَيَانِ مَعْنَاهُ - حديث رقم (٢٧٢) لها، لكن إن تاب، أو كانت له حسنات ماحية لذنبه، أو ابتلاه الله بمصائب، كَفَّر بها خطاياه، ونحو ذلك، زالت ثمرة هذا الكبر المانع له من الجنة، فيدخلها، أو غَفَرَ الله له بفضل رحمته من ذلك الكبر من نفسه، فلا يدخلها، ومعه شيء من الكبر، ولهذا قال مَن قال في هذا الحديث وغيره: إن المنفيّ هو الدخول المطلق الذي لا يكون معه عذاب، لا الدخول المقيَّد الذي يَحْصُل لمن دخل النار، ثم دخل الجنة، فإنه إذا أُطلق في الحديث: فلانٌ في الجنة، أو فلان من أهل الجنة، كان المفهوم أنه يدخل الجنة، ولا يدخل النار. فإذا تبين هذا كان معناه: أن من كان في قلبه مثقالُ ذَرَّة من كبر ليس هو من أهل الجنة، ولا يدخلها بلا عذاب، بل هو مُسْتَحِقٌّ للعذاب؛ لكبره، كما يستحقها غيره من أهل الكبائر، ولكن قد يُعَذَّب في النار ما شاء الله، فإنه لا يُخَلَّد في النار أحد من أهل التوحيد، وهذا كقوله وَّ: ((لا يدخل الجنة قاطعُ رَحِم))، وقوله: ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، ألا أدلكم على شيء، إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم))، وأمثال هذا من أحاديث الوعيد، وعلى هذا، فالحديث عامٌّ في الكفار، وفي المسلمين. وقول القائل: إن المسلمين يدخلون الجنة بالإسلام، فيقال له: ليس كلُّ المسلمين يدخلون الجنة بلا عذاب، بل أهل الوعيد يدخلون النار، ويمكثون فيها ما شاء الله، مع كونهم ليسوا كفّاراً، فالرجل الذي معه شيء من الإيمان، وله كبائر، قد يدخل النار، ثم يخرج منها إما بشفاعة النبيّ بَّ، وإما بغير ذلك، كما قال ◌َله: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي))، وكما في ((الصحيح)) أنه قال: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان))، وهكذا الوعيد في قاتل النفس، والزاني وشارب الخمر، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وغير هؤلاء من أهل الكبائر، فإن هؤلاء، وإن لم يكونوا كفّاراً، لكنهم ليسوا من المستحقين للجنة الموعودين بها بلا عقاب. ومذهب أهل السنة والجماعة أن فُسّاق أهل الملة ليسوا مخلدين في النار، كما قالت الخوارج، والمعتزلة، وليسوا كاملين في الدين والإيمان والطاعة، بل لهم حسنات وسيئات، يستحقون بهذا العقاب، وبهذا الثواب، وهذا مبسوط في موضعه، والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله ٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان تعالى(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وهو الذي سبق اختيار النوويّ له تبعاً للقاضي عياض، وغيره من المحققين، فتأملّه بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. (قَالَ رَجُلٌ) هو مالك بن مُرارة الرُّهَاويُّ، قاله القاضي عياض، وأشار إليه أبو عمر بن عبد البر رحمهما الله تعالى، وقد جمع أبو القاسم خَلَف بن عبد الملك بن بشكوال الحافظ في اسمه أقوالاً من جهات، فقال: هو أبو رَيْحانة، واسمه شمعون، ذكره ابن الأعرابيّ، وقال عليّ ابن المدينيّ في ((الطبقات)): اسمه ربيعة بن عامر، وقيل: سَوَاد - بالتخفيف - بن عمرو، ذكره ابن السكن، وقيل: معاذ بن جبل، ذكره ابن أبي الدنيا في ((كتاب الخمول والتواضع))، وقيل: مالك بن مُرَارة الرّهَاويّ، ذكره أبو عبيد في ((غريب الحديث))، وقيل: عبد الله بن عمرو بن العاصي، ذكره معمر في ((جامعه))، وقيل: خُرَيم بن فاتك، هذا ما ذكره ابن بشكوال. وقولهم: ((ابن مُرَارة الرُّهاويّ)): هو مُرارة - بضم الميم، وبراء مكررة، وآخره هاء - و((الرّهَاويّ)): هنا نسبة إلى قبيلة، ذكره الحافظ عبد الغنيّ بن سعيد المصريّ بفتح الراء، ولم يذكره ابن ماكولا، وذكر الجوهريّ في ((صحاحه)): أن الرّهَاويّ نسبة إلى رُهَا بضم الراء، حيّ من مَذْحِج. وأما ((شمعون)): فبالعين المهملة، وبالمعجمة، والشين معجمة فيهما. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى(٢). (إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً) إنما أنّث الصفة؛ لأن النعل مؤنّثة، قال الفيّوميّ: النَّعْلُ: الْحِذَاءُ، وهي مؤنّئةٌ، وتُظْلَق على التاسومة، والجمع أنعُلٌ، ونِعَال، مثلُ سَهْمِ وأَسْهُم، وسِهَام. انتهى(٣). (قَالَ) وَّهِ مجيباً عن سؤال الرجلَ ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ) أي الْحُسْنِ، قال في ((القاموس)): الجمال: الْحُسْنُ في الْخُلُقِ والْخَلْقِ، جَمُلَ ككَرُمَ، فهو جَميلٌ، كأميرٍ، وغُرَابٍ، ورُمّان. انتهى. وقال في ((المصباح)): جَمِلَ الرجلُ بالضمّ والكسر - يعني: من بابي كَرُم، (١) ((مجموع الفتاوى)) ٧ / ٦٧٧ - ٦٧٩. (٣) ((المصباح المنير)) ٦١٣/٢. (٢) ((شرح مقدّمة مسلم)) ٢/ ٩٢. ٩٩ (٤١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِبْرِ، وَبَيَانِ مَعْنَاهُ - حديث رقم (٢٧٢) وتَعِبَ - جَمَالاً، فهو جَميلٌ، وامرأة جميلةٌ، قال سيبويه: الجمالُ رِقَّةُ الحسن، والأصل جَمَالَةٌ بالهاء، مثلُ صَبُحَ صَبَاحَةً، لكنهم حذفوا الهاء؛ تخفيفاً؛ لكثرة الاستعمال، وتجمّل تجمُّلاً بمعنى تزيّن، وتحسّن: إذا اجتلب البهاءَ والإضاءةَ. انتھی(١). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الجمال لغةً: هو الْحُسْن، يقال: جَمُل الرجل، يَجمُلُ بالضمّ جَمَالاً فهو جميلٌ، والمرأة جميلة، ويقال: جَمْلاءُ عن الكسائيّ. وهذا الحديث يدلّ على أن الجميل من أسماء الله تعالى، وقال بذلك جماعة من أهل العلم، إلا أنهم اختلفوا في معناه، فقيل: معناه معنى الجليل، قاله القشيريّ. وقيل: معناه ذو النور والبهجة: أي مالكهما، قاله الخطابيّ. وقيل: جميل الأفعال بكم، والنظر إليكم، فهو يُحبّ التجمّل منكم في قلّة إظهار الحاجة إلى غيره، قاله الصيرفيّ، وقال: الجميل: الْمُنَزَّه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال، الآمر بالتجمّل له بنظافة الثياب والأبدان، والنَّزَاهة عن الرذائل والطغيان. انتهى (٢). وقال النوويّ في (شرحه)): اختلفوا في معناه، فقيل: إن معناه أن كل أمره ثَال حَسَنٌ جميل، وله الأسماء الحسنى، وصفات الجمال والكمال، وقيل: جميل بمعنى مُجْمِل، ككريم وسميع، بمعنى مُكْرِم، ومُسْمِع، وقال الإمام أبو القاسم القُشَيريّ رحمه الله تعالى: معناه جليل، وحَكَى الإمام أبو سليمان الخطابيّ أنه بمعنى ذي النور والبهجة: أي مالكهما، وقيل: معناه: جميل الأفعال بكم، باللطف والنظر إليكم، يُكَلِّفكم اليسير من العمل، ويُعين عليه، ويثيب عليه الجزيل، ويشكر عليه. انتهى(٣). وسيأتي تمام البحث في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ) مبتدأ وخبره، ومعناه: دفع الحقّ، وإنكاره؛ ترفعاً وتجبراً (٤)، قال في ((القاموس)): ((الْبَطَرُ)) محرَّكةً: النَّشاطُ، والأَشَرُ، وقلّةُ (٢) ((المفهم)) ٢٨٨/١. (١) ((المصباح المنير)) ١١٠/١. (٣) ((شرح مسلم)) ٢ / ٩٠. (٤) ((شرح مسلم)) ٢/ ٩٠، و((المفهم)) ٢٨٩/١. ١٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان احتمال النِّعْمَة، والدَّهَشُ، والْحَيْرَةُ، أو الظُّغيانُ بالنعمة، وكَرَاهيةُ الشيء من غير أن يَستَحِقَّ الكراهةَ، فِعْلُ الكلِّ كفَرِحَ، وبَطَرُ الحقِّ: أن يتكبّر عنه، فلا یقبله. انتھی(١) . وقال في ((النهاية)): ((بَطَرُ الحقّ)): هو أن يجعل ما جعله الله حقّاً من توحيده، وعبادته باطلاً، وقيل: هو أن يتجبّر عند الحقّ، فلا يراه حقّاً، وقيل: هو أن يتكبّر عن الحقّ، فلا يقبله. انتهى(٢). (وَغَمْطُ النَّاسِ))) أي احتقارهم، وهو بفتح الغين المعجمة، وإسكان الميم، وبالطاء المهملة، قال في ((النهاية)): ((الغَمْطُ)): الاستهانة، والاستحقار، وهو مثلُ الْغَمْصِ - بالصاد -، يقال: غَمِطَ يَغْمَطُ - بالكسر في الماضي، والفتح في المضارع -، وغَمَطَ يَغْمِطُ - بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع -. انتھی (٣) . وقال في ((القاموس)): غَمَطَ الناسَ: كضرب، وسَمِعَ: استحقرهم، والعافيةَ لم يَشْكُرها، والنعمةَ بَطِرَهَا، وحَقَرها. انتهى (٤). وقال النوويّ في ((شرحه)): هكذا هو في نسخ ((صحيح مسلم)) رَّتُهُ، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: لم نرو هذا الحديث عن جميع شيوخنا هنا، وفي البخاريّ إلا بطاء، قال: وبالطاء ذكره أبو داود في ((مصنفه))، وذكره أبو عيسى الترمذيّ وغيره ((غَمْص)) بالصاد، وهما بمعنى واحد، ومعناه: احتقارهم واستصغارهم؛ لما يَرَى من رِفْعته عليهم، يقال في الفعل منه: غَمَطَهُ بفتح الميم يَغْمِطه بكسرها، وغَمِطَهُ بكسر الميم يَغْمَطُهُ بفتحها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديثُ عبدِ الله بن مسعود ظُه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى. (١) ((القاموس المحيط)) ص٣١٧. (٣) ((النهاية)) ٣٨٧/٣. (٢) ((النهاية)) ١٣٥/١. (٤) ((القاموس المحيط)) ص ٦١٢.