النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٤)
عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها؛ لانتسابهم
إليها، والتخلُّق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته وأصحابه، ومجانبة
من ابتدَعَ في سنته، أو تَعَرَّض لأحد من أصحابه، ونحو ذلك(١).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وأما النصيحة للرسول وَليق في
حياته، فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته، وبذل المال إذا أراده،
والمسارعة إلى محبته، وأما بعد وفاته فالعناية بطلب سنته، والبحث عن أخلاقه
وآدابه، وتعظيم أمره، ولزوم القيام به، وشدة الغضب له، والإعراض عمن
يَدِين بخلاف سنته، والغضب على من ضيّعها لأثرة دنيا، وإن كان متديناً بها،
وحبُّ مَن كان منه بسبيل، من قرابة، أو صهر، أو هِجرة، أو نصرة، أو صحبة
ساعة من ليل أو نهار على الإسلام، والتشبهُ به في زِيِّه ولباسه. انتهى(٢).
(وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ) معنى النصيحة لهم معاونتهم على الحقّ، وطاعتهم فيه،
وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفقٍ ولطفٍ، وإعلامهم بما غَفَلوا عنه، ولم يبلغهم
من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتأليف قلوب الناس لطاعتهم، قال
الخطابيّ رحمه الله تعالى: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم، والجهاد معهم،
وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم خَيْفٌ، أو سُوءُ
عشرة، وأن لا يُغَرُّوا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يُدْعَى لهم بالصلاح.
وهذا كله على أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور
المسلمين، من أصحاب الولايات، وهذا هو المشهور، وحكاه أيضاً الخطابيّ،
ثم قال: وقد يتأول ذلك على الأئمة الذين هم علماء الدين، وأن من نصيحتهم
قبول ما رووه، وتقليدهم في الأحكام، وإحسان الظن بهم. انتهى.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وأما النصيحة لأئمة المسلمين:
فحبُّ صلاحهم ورشدهم وعدلهم، وحبُّ اجتماع الأمة عليهم، وكراهة افتراق
الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة الله ريك، والبغض لمن رأى الخروج
عليهم، وحبُّ إعزازهم في طاعة الله رك. انتهى.
(١) ((شرح النوويّ على مسلم)) ٣٨/٢.
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٢١/١ - ٢٢٢.

٣٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(وَعَامَّتِهِمْ))) معنى النصيحة لهم، وهم مَن عدا ولاة الأمر، فإرشادهم
لمصالحهم، في آخرتهم ودنياهم، وكَفُّ الأذى عنهم، فيُعلمهم ما يجهلونه من
دينهم، ويُعينهم عليه بالقول والفعل، وسترُ عوراتهم، وسَدُّ خَلَّاتهم، ودفعُ
المضارّ عنهم، وجلبُ المنافع لهم، وأمرُهم بالمعروف، ونهيُهم عن المنكر
برفق وإخلاص، والشفقةُ عليهم، وتوقيرُ صغيرهم، وتخوُّلهم بالموعظة الحسنة،
وتركُ غَشِّهم وحَسَدهم، وأن يُحِبّ لهم ما يجب لنفسه من الخير، ويَكره لهم ما
يكره لنفسه من المكروه، والذّبُّ عن أموالهم وأعراضهم، وغير ذلك من
أحوالهم بالقول والفعل، وحثُّهم على التخلُّق بجميع ما ذكرناه، من أنواع
النصيحة، وتنشيطُ هممهم إلى الطاعات، وقد كان في السلف
مَن تبلغ به
النصيحة إلى الإضرار بدنياه(١).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وأما النصيحة للمسلمين: فأن
يحبّ لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويُشفِق عليهم، ويَرْحَم
صغيرهم، ويُوقِّر كبيرهم، ويَحْزَنْ لِحُزْنهم، ويَفْرَحِ لِفَرَحهم، وإن ضرّه ذلك في
دنياه، كرُخَص أسعارهم، وإن كان في ذلك فوات ربح ما يبيع في تجارته،
وكذلك جميع ما يَضُرُّهم عامة، ويحب صلاحهم، وأُلفتهم، ودوام النعم
عليهم، ونصرهم على عدوهم، ودفع كل أذى ومكروه عنهم.
ومن أنواع نصحهم دفع الأذى والمكروه عنهم، وإيثار فقيرهم، وتعليمُ
جاهلهم، وردُّ من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل بالتلطف في ردهم إلى
الحق، والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحبة إزالة
فسادهم، ولو بحصول ضرر له في دنياه، كما قال بعض السلف: وَدِدتُ أن
هذا الخلق أطاعوا الله، وأن لحمي قُرِض بالمقاريض، وكان عمر بن عبد العزيز
يقول: يا ليتني عَمِلتُ فيكم بكتاب الله، وعملتم به، فكلما عَمِلتُ بسنّة وقع
منِّي عضو، حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي. انتهى(٢)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) راجع: (شرح النوويّ)) على هذا الكتاب ٣٧/٢ - ٣٩.
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٢٣/١.

٣٠٣
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٤)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث تميم الداريّ ظُه هذا تفرّد به المصنّف
رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٠٤/٢٥ و٢٠٥ و٢٠٦] (٥٥)،
و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٩٤٤)، و(النسائيّ) في ((البيعة)) (١٥٦/٧ - ١٥٧)،
وفي ((الكبرى)) (٧٨٢٠ و٧٨٢١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٨٣٧)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (١٠٢/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٦/١ و٣٧)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (١٩٢ و١٩٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٥٧٤ و٤٥٧٥)،
و(الطبرانيّ) (١٢٦٠ و١٢٦١ و١٢٦٢ و١٢٦٣ و١٢٦٤ و١٢٦٥ و١٢٦٧)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٥١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هذا الحديث
خرّجه مسلم من رواية سُهيل بن أبي صالح، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن
تميم الداري قائه .
وقد رُوي عن سهيل وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ◌َظُه، عن
النبي ◌َّ، وخرّجه الترمذي من هذا الوجه، فمن العلماء من صححه من
الطريقين جميعاً، ومنهم من قال: إن الصحيح حديث تميم، والإسناد الآخر
وَهَمْ.
وقد رُوِي هذا الحديث عن النبي ◌َّ من حديث ابن عمر، وثوبان، وابن
عباس، وغيرهم
وخرّجه الطبراني من حديث حذيفة بن اليمان ﴿ه، عن النبي وَلّ قال:
((من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لم يُمْسِ ويُصْبِحْ ناصحاً لله
ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين، فليس منهم))(١).
وخرّج الإمام أحمد، من حديث أبي أمامة ظُه عن النبي ◌َّ قال:
(١) رواه الطبرانيّ في ((الصغير))، و((الأوسط)) كما في ((مجمع الزوائد)) ٨٧/١، وفي
سنده عبد الله بن أبي جعفر الرازيّ، وفيه ضعف، وكذلك أبوه.

٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
((قال الله رَك: أحب ما تَعَبَّدني به عبدي النصح لي))(١).
وقد وَرَد في أحاديث كثيرة النصح للمسلمين عموماً، وفي بعضها النصح
لولاة أمورهم، وفي بعضها نصح ولاة الأمور لرعاياهم.
فأما الأول - وهو النصح للمسلمين عموماً - ففي ((الصحيحين)) عن
جرير بن عبد الله به قال: ((بايعت النبي وَّر على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة،
والنصح لكل مسلم))(٢).
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة ظه، عن النبيِ وَ ﴿ قال: ((حَقّ
المؤمن على المؤمن ست))، فذكر منها: ((وإذا استنصحك فانصح له))(٣)، ورُوي
هذا الحديث من وجوه أُخر، عن النبي ◌َّ.
وفي ((المسند)) عن حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه، عن النبيّ وَ لّ قال: ((إذا
استنصح أحدكم أخاه فلينصح له)) (٤).
وأما الثاني - وهو النصح لولاة الأمور، ونصحهم لرعاياهم - ففي
((صحيح مسلم) عن أبي هريرة ظه، عن النبي وَ لّ قال: ((إن الله يرضى لكم
ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله
جميعاً، ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من وَلّاء الله أمركم)) (٥).
وفي ((المسند)) وغيره، عن جبير بن مُطعِم ◌َلُهُ أن النبي ◌َّ قال في
خطبته بالْخَيْف من منى: ((ثلاثٌ لا يُغِلُّ عليهنّ قلب امرئ مسلم: إخلاص
العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين)) (٦).
(١) رواه أحمد في («مسنده)) ٢٥٤/٥ وفي سنده علي بن يزيد الألهانيّ، وهو ضعيف.
(٢) هو الحديث الآتي للمصنّف بعد هذا.
(٣) يأتي للمصنّف برقم (٢١٦٢) ترقيم محمد فؤاد.
(٤) رواه أحمد ٤١٨/٣ و٢٥٩/٤ ولفظه: ((دعوا الناس فليُصب بعضهم من بعض، فإذا
استنصح رجل أخاه، فلينصح له))، وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط، وحكيم بن
أبي يزيد لم يوثّقه غير ابن حبّان، ولم يرو عنه غير عطاء، لكن يشهد لحديثه
حديث أبي هريرة حظوته المذكور، والله تعالى أعلم.
(٥) ((صحيح مسلم)) (١٧١٥).
(٦) رواه أحمد ٨٠/٤ و٨٢، والدارميّ ٧٤/١ وسنده قويّ، وله شاهد من حديث=

٣٠٥
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٤)
◌ُته .
وقد رَوَى هذه الخطبة عن النبي ◌َّر جماعة منهم أبو سعيد الخدريّ
وقد رُوي من حديث أبي سعيد ظُبه بلفظ آخر، خرّجه الدارقطنيّ في
(الأفراد)) بإسناد جيد، ولفظه: أن النبي وَ ل﴿ قال: ((ثلاثٌ لا يُغِلّ عليهنّ قلب
امرئ مسلم: النصيحة لله، ولرسوله، ولكتابه، ولعامة المسلمين)).
وفي ((الصحيحين)) عن معقل بن يسار رظ ◌ُه، عن النبي وَلّ قال: ((ما من
عبد يسترعيه الله رعيةً، ثم لم يُحِظْها بنصحه، إلا لم يدخل الجنة)). انتهى (١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الدين النصيحة، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح
رحمه الله تعالى: هذا لفظ يفيد الحصر، فكأنه قال: ليس الدين إلا
النصيحة لله، ولكتابه، وسائر ما ذُكر، أي لا يكمل الدين إلا بذلك، كما سبق
بيانه في أمثال ذلك، وفيه إشعارٌ بعظم موقع النصيحة من الدين، وهكذا مثله
في أمثال ذلك. انتهى(٢).
٢ - (ومنها): أن الدين يُطلق على العمل؛ لكونه سَمَّى النصيحة ديناً.
٣ - (ومنها): جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، حيث أخّره هنا من
قوله: ((قلنا: لمن؟)).
٤ - (ومنها): رغبة السلف في طلب علوّ الإسناد، وهو مستفاد من قصّة
سفیان مع سهیل .
٥ - (ومنها): أن هذا الحديث حديث عظيم الشأن، وعليه مدار الإسلام،
كما تبيّن تحقيق ذلك من خلال شرحه السابق، وقد حُكي عن أبي داود
رحمه الله تعالى أن هذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور عليها الفقه، وقال
= زيد بن ثابت ظه، صححه ابن حبّان (٦٧).
ومعنى ((لا يُغلّ)): لا يخون، أي إن هذه الخصال الثلاث تُستصلح بها القلوب،
فمن تمسّك بها طهر قلبه من الخيانة والدغَل، والشرّ.
(١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢١٥/١ - ٢١٨.
(٢) ((الصيانة)) ص٢٢٣.

٣٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الحافظ أبو نعيم: هذا الحديث له شأن عظيم وذكر محمد بن أسلم الطوسي أنه
أحد أرباع الدين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تعقّب النوويّ رحمه الله تعالى هذا
الذي حكي عن أبي داود، والطوسيّ، فقال: وأما ما قاله جماعات من العلماء
أنه أحد أرباع الإسلام، أي أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام،
فليس كما قالوا، بل المدار على هذا وحده. انتهى (١)، وهو تعقّب جيّدٌ، فمن
تأمل هذا الحديث حقّ التأمّل أدرك ذلك لا محالة، والله تعالى الهادي إلى
سواء السبيل.
٦ - (ومنها): أن النبي ( أخبر في هذا الحديث أن الدين النصيحة،
فهذا يدلّ على أن النصيحة تَشْمَل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي
ذُكِرت في حديث جبريل عليّ وسُمِّي ذلك كلَّه ديناً، فإن النصح لله تعالى
يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهها، وهو مقام الإحسان، فلا يَكمُل
النصح لله بدون ذلك، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة،
ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه، وترك
المحرمات والمكروهات على هذا الوجه أيضاً.
وفي مراسيل الحسن رحمه الله تعالى، عن النبي وسلم قال: ((أرأيتم لو كان
لأحدكم عبدان، فكان أحدهما يُطيعه إذا أمره، ويؤدِّي إليه إذا ائتمنه، وينصح
له إذا غاب عنه؛ وكان الآخر يَعصيه إذا أمره، ويخونه إذا ائتمنه، ويَغُشُّه إذا
غاب عنه؛ كانا سواء؟)) قالوا: لا، قال: ((فكذا أنتم عند الله رَ)). خرّجه ابن
أبي الدنيا، وخرّج الإمام أحمد معناه، من حديث أبي الأحوص، عن
أبيه رَظُه، عن النبي وَليَ(٢).
(١) ((شرح مسلم)) ٣٧/٢.
(٢) حديث صحيحٌ، رواه أحمد في ((المسند)) ١٣٧/٤، والطبراني في ((الكبير)) ١٩/
٦٢٢ من طريق أحمد، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى:
حدثنا سفيان بن عيينة مرتين، قال: حدثنا أبو الزَّعْرَاء، عمرو بن عمرو، عن عمه
أبي الأحوص، عن أبيه، قال: أتيت النبي ◌َّهِ، فصَعّد فيّ النظر، وصَوّب، وقال : =

٣٠٧
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٤)
وقال الفضيل بن عياض: الحب أفضل من الخوف، ألا ترى إذا كان لك
عبدان: أحدهما يحبك، والآخر يخافك، فالذي يحبك منهما ينصحك شاهداً
كنت أو غائباً لحبه إياك، والذي يخافك عسى أن ينصحك إذا شهدت لما
يخافك، ويَغُشّك إذا غبت، ولا ينصحك.
قال عبد العزيز بن رفيع: قال الحواريون لعيسى - عليه الصلاة والسلام -:
ما الخالص من العمل؟ قال: ما لا تُحِبُّ أن يَحْمَدك الناس عليه، قالوا: فما
النصح لله؟ قال: أن تبدأ بحق الله قبل حق الناس، وإن عَرَض لك أمران،
أحدهما لله تعالى والآخر للدنيا، بدأت بحق الله تعالى.
وقد ذكر الله وَلَ في كتابه عن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أنهم
نصحوا لأممهم، كما أخبر الله بذلك عن نوح لعل*، وعن صالح الَّلهُ.
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا
يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِةٍ﴾ [التوبة: ٩١] يعني أن من تخلف
عن الجهاد لعذر، فلا حرج عليه، بشرط أن يكون ناصحاً لله ورسوله في
تخلفه، فإن المنافقين كانوا يُظهرون الأعذار كاذبين، ويتخلفون عن الجهاد من
غير نصح لله تعالى ورسوله ◌َل﴾(١).
٧ - (ومنها): بل من أهمّها ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:
من أنواع النصح لله تعالى، وكتابه، ورسوله وَّر، وهو مما يختص به العلماءُ
((أَرَبُّ إبل أنت أو رب غنم؟)) قال: من كل قد آتاني الله، فأكثر وأطيب، قال:
=
((فتنتجها وافية أعينها وآذانها، فتجدع هذه، فتقول صرماء)) - ثم تكلم سفيان بكلمة
لم أفهمها ـ ((وتقول بحيرة الله، فساعد الله أشدُّ، وموساه أحدُّ، ولو شاء أن يأتيك
بها صرماء أتاك))، قلت: إلى ما تدعو؟ قال: ((إلى الله، وإلى الرحم)) قلت: يأتيني
الرجل من بني عمي، فأحلف أن لا أعطيه، ثم أعطيه، قال: ((فكفّر عن يمينك،
وأُتِ الذي هو خير، أرأيت لو كان لك عبدان: أحدهما يطيعك، ولا يخونك،
ولا يكذبك، والآخر يخونك، ويكذبك، هل هما سواء؟)) قال: قلت: لا، بل
الذي لا يخونني، ولا يكذبني، ويصدقني الحديث أحب إلي، قال: ((كذاكم أنتم
عند ربكم ◌َك))، ورجاله كلهم ثقات.
(١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢١٧/١ - ٢١٩.

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رَدُّ الأهواء المضلة بالكتاب والسنة، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء
كلها، وكذلك رَدّ الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان دلالة الكتاب
والسنة على رَدّها، ومن ذلك بيان ما صَحّ من حديث النبي ◌َّ، وما لم يَصِحّ
منه، بتبيين حال رواته، ومَن تُقْبَل رواياته منهم، ومن لا تُقبل، وبيان غلط مَن
غَلِط من ثقاتهم الذين تُقْبَل روايتهم.
٨ - (ومنها): أن يَنصَح لمن استشاره في أمره، كما قال ◌َله: ((إذا
استنصح أحدكم أخاه فلينصح له))، وفي بعض الأحاديث: ((إن من حقّ المسلم
على المسلم أن ينصح له إذا غاب)).
ومعنى ذلك أنه إذا ذُكِر في غَيْبَتهِ بالسوء أن ينصره ويرد عنه، وإذا رأى
من يُريد أذاه في غيبته كفّه عن ذلك، فإن النصح في الغيب يدلّ على صدق
الناصح، فإنه قد يُظْهِر النصح في حضوره تَمَلُّقاً، ويغشه في غيبته.
وقال الحسن: إنك لن تَبلُغ حقّ نصيحتك لأخيك حتى تأمره بما تَعْجِز عنه.
قال الحسن: وقال بعض أصحاب النبي وَ﴾: والذي نفسي بيده، إن
شئتم لأُقسِمَنَّ لكم بالله إن أحب عباد الله إلى الله الذين يُحَبِّبُون الله إلى عباده،
ويحببون عباد الله إلى الله، ويَسْعَون في الأرض بالنصيحة.
وقال فَرْقَدُ السَّبَخِيّ: قرأت في بعض الكتب: المحبُّ الله وَت أميرٌ مؤمرٌ
على الأمراء، زمرته أول الزمر يوم القيامة، ومجلسه أقرب المجالس فيما
هناك، والمحبة منتهى القربة والاجتهاد، ولن يسأم المحبون من طول
اجتهادهم الله ، ويحبونه، ويحبون ذكره، ويحببونه إلى خلقه، يمشون بين
خلقه بالنصائح، ويخافون عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح، أولئك
أولياء الله وأحباؤه وأهل صفوته، أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه.
وقال ابن علية في قول أبي بكر المزني: ما فاق أبو بكر رَظ ◌ُبه أصحاب
محمد رَّ بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء كان في قلبه، قال: الذي كان في
قلبه: الحب لله رب، والنصيحة في خلقه.
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة
الصلاة والصيام، وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصح
للأمة.

(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٥)
٣٠٩
وسئل ابن المبارك: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: النصح لله.
وقال معمر: كان يقال: أنصح الناس لك من خاف الله فيك.
وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سِرّاً، حتى قال بعضهم: مَن
وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وَبَّخَهُ.
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: المؤمن يستُرُ وينصح، والفاجر
يَهْتِك ويَعَيْرِ .
وقال عبد العزيز بن أبي رَوّاد: كان مَن كان قبلكم إذا رأى الرجلُ من
أخيه شيئاً يأمره في رفق، فيؤجر في أمره ونهيه، وإنّ أحد هؤلاء يَخرق
بصاحبه، فیستغضب أخاه ویهتك ستره.
وسئل ابن عباس ثتها عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر،
فقال: إن كنت فاعلاً ولا بدَّ، ففيما بينك وبينه.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ليس على المسلم نصح الذميّ،
وعليه نصح المسلم، وقال النبي ◌ُّر: ((والنصح لكل مسلم))، و((أن تنصح
لجماعة المسلمين وعامتهم))، ذكر هذا الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى(١)،
وهي فوائد عظيمة، وعوائد جسيمة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج، المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٥] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيَّدَ اللَّيْئِيِّ، عَنْ تَمِيم الدَّارِيِّ، عَنْ
النَّبِّ ◌ِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون المعروف بالسمين، مروزي الأصل،
نزيل بغداد، صدوقٌ ربّماً وَهِم، وكان فاضلاً [١٠] (ت٢٣٥) (م د) تقدم في
((الإيمان)) ١٠٤/١.
(١) راجع: ((جامع العلوم والحكم)) ٢١٥/١ - ٢٢٥.

٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٢ - (ابْنُ مَهْدِيٍّ) هو: عبد الرحمن الإمام الحافظ الحجة الثبت [٩]
(ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ
الإمام الحجة الفقيه الثبت [٧] (١٦١) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ١ ص ٣٨٣.
[تنبيه]: سفيان هنا هو الثوريّ، بخلافه في السند الماضي، فإنه ابن عيينة،
وقد صرّح به أبو نعيم في ((المستخرج)) ١/ ١٤٢ (١٩٣)، حيث قال: ((عن سفيان بن
سعيد إلخ))، وكذلك صرّح به الحافظ المزّيّ في ((تحفة الأشراف)) (١٣٩/١).
ومما يؤيّد هذا أن الراوي عن سفيان هو عبد الرحمن بن مهديّ، وهو
من الطبقة التاسعة، من أكابر من يروي عن الثوريّ، فإذا أطلق مثله سفيان يُعلم
أنه الثوريّ.
قال الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى مبيّناً هذه القاعدة: أصحاب سفيان
الثوري كبارٌ قدماء، وأصحاب ابن عيينة صغار، لم يدركوا الثوريّ، وذلك
أبين، فمتى رأيت القديم قد رَوَى، فقال: ((حدثنا سفيان)) وأبهم فهو الثوريّ،
وهم: كوكيع، وابن مهديّ، والفريابيّ، وأبي نعيم، فإن روى واحد منهم عن
ابن عيينة بيّنه، فأما الذي لم يَلحق الثوريّ، وأدرك ابن عيينة، فلا يحتاج أن
ينسُبه؛ لعدم الإلباس، فعليك بمعرفة طبقات الناس. انتهى كلام الذهبيّ
رحمه الله تعالى(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً.
وحاصله: أن أهل الطبقة التاسعة إذا أطلقوا سفيان، فهو الثوريّ،
وهؤلاء كأبي نعيم، وابن مهديّ، ويحيى القطان، وقبيصة بن عقبة، وأبي
عاصم، ووكيع، وغيرهم؛ لأنهم من كبار أصحابه، وكذا بعض كبار الطبقة
العاشرة، كمحمد بن كثير، فإنه إذا أطلق فهو الثوريّ أيضاً.
وأما أهل الطبقة العاشرة، إذا أطلقوا سفيان، فإنه ابن عيينة؛ لأنهم لم
يلحقوا الثوريّ، فلا التباس عندهم، وهؤلاء كأحمد، وابن المدينيّ، وقتيبة،
ومسدد، وغيرهم، فتبصّر لهذه الدقائق، والله تعالى وليّ التوفيق.
وأما الباقون فقد تقدّموا في السند الماضي.
(١) راجع: ((سير أعلام النبلاء)) ٧/ ٤٦٤ - ٤٦٦.

٣١١
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٦)
[تنبيه]: وقوله: (بمثله) يعني حديث سفيان الثوريّ مثل حديث سفيان بن
عيينة. لفظ سفيان الثوريّ هذا ساقه أبو نعيم في ((المسند المستخرج))، فقال
(١٤٢/١) :
(١٩٣) حدثنا أحمد بن يوسف، ثنا الحارث، ثنا أبو عبيد القاسم بن
سلام، ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان بن سعيد، عن سهيل بن أبي
صالح، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن تميم الداريّ، عن النبيّ وَّ: ((الدين
النصيحة))، قالها ثلاثاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٢٠٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ زُرَيْع -
حَدَّثَنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِم - حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعَهُ وَهُوَ
يُحَدِّثُ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ تَمِيم الدَّارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ) الْعَيشيّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣١)
(خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
[تنبيه]: تقدّم في ((شرح المقدمة)) بيان الخلاف في أنه هل يُصْرَف
((بسطام)) أو لا يُصْرَف؟ وفي أن الباء مكسورة، وهو المشهور، وقد حَكَى
صاحب ((المطالع)) أيضاً فتحها، والله تعالى أعلم.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) - مصغّراً - العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم فّي ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢.
٣ - (رَوٌْ بْنُ الْقَاسِم) التميميّ الْعَنْبريّ، أبو غِيَاث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[٦] (ت١٤١) (خ م د س ◌َق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
والباقيان تقدّما قريباً .
وقوله: (بمثله) أي إن حدیث رَوْح بمثل حديث سفيان.
[تنبيه]: لفظ حديث رَوْح هذا ساقه أبو نعيم في ((مستخرجه))، فقال
(١٤٣/١):

٣١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(١٩٧) حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن محمد الجذوعي القاضي،
ثنا أمية بن بسطام، ثنا يزيد بن زريع، ثنا رَوح بن القاسم (ح) وحدثنا محمد بن
أبي إسحاق، ثنا الحسين بن محمد الحراني، ثنا الحسن بن يحيى الرازيّ، ثنا
أمية بن بسطام، ثنا يزيد بن زريع، ثنا رَوْح بن القاسم، ثنا سُهيل، عن عطاء بن
يزيد سمعه، وهو يحدث أبا صالح، عن تميم الداريّ، عن رسول الله وَالقيل أنه
قال: ((الدين النصيحة، الدين النصيحة)) قالوا: لمن يا رسول الله، قال:
(لله، (١) ولكتابه، ولأئمة المسلمين - أو المؤمنين -، ولعامتهم))، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧] (٥٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرِ،
وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: (بَايَعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّضْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد المذكور في الباب
الماضي.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ، صاحب
حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ، ثبتٌ
ربّما دلّس، وكان بآخره يُحدّث من كتب غيره، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٦/ ٥١.
٤ - (إِسْمَاعِيلَ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٤]
(ت١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٩.
(١) هكذا النسخة لم يُذكر فيها لفظ ((ولرسوله))، والظاهر أنه سقط من النسّاخ؛ لأن
قول المصنّف: ((بمثله)) ظاهر في ذكرها، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٣١٣
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٧)
٥ - (قَيْس) بن أبي حازم البجليّ الأحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ
مخضرم [٢] مات بعد (٩٠) أو بعدها، وقد جاوز المائة، وتغيّر (ع) تقدّم في
((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٧٥.
٦ - (جَرِير) بن عبد الله بن جابر، وهو السَّلِيل بن مالك بن نَصْر بن
ثَعْلبة بن جُشَم بن عُويف بن خزيمة بن حرب بن علي بن مالك بن نَذير بن
قيس الْبَجلي الصحابي الشهير، يُكنى أبا عمرو، وقيل: يُكنى أبا عبد الله،
اختلف في وقت إسلامه، ففي الطبراني ((الأوسط)) من طريق حُصين بن عمر
الأحمسي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير،
قال: لَمّا بُعِث النبي ◌ِ ل﴿ أتيته، فقال: ((ما جاء بك؟))، قلت: جئت لأسلم،
فألقى إلَيَّ كساءه، وقال: ((إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه))، حصين فيه ضعف،
ولو صح لَحُمِل على المجاز، أي لَمّا بلغنا خبر بعث النبي ◌ِّر، أو على
الحذف، أي لما بُعِث النبي ◌َّه، ثم دعا إلى الله، ثم قدم المدينة، ثم حارب
قريشاً وغيرهم، ثم فَتَحَ مكة، ثم وَفَدت عليه الوفود.
وجزم ابنُ عبد البر عنه بأنه أسلم قبل وفاة النبي وَلّر بأربعين يوماً، وهو
غلط، ففي (الصحيحين)) عنه أن النبي ◌َّ﴿ قال له: ((استَنْصِتِ الناسَ)) في حجة
الوداع، وجزم الواقدي بأنه وَفَد على النبي ◌َ ﴿ في شهر رمضان سنة عشر، وأن
بعثه إلى ذي الْخَلَصَة كان بعد ذلك، وأنه وافى مع النبي ◌َّ حجة الوداع من عامه.
قال الحافظ: وفيه عندي نظر؛ لأن شريكاً حدّث عن الشيباني، عن
الشعبي، عن جرير قال: قال لنا رسول الله وَ له: ((إن أخاكم النجاشي قد
مات ... )) الحديث، أخرجه الطبراني، فهذا يدلّ على أن إسلام جرير كان قبل
سنة عشر؛ لأن النجاشي مات قبل ذلك. قاله في ((الإصابة)).
وقال في ((الفتح)): والصحيح أنه أسلم سنة الوفود سنة تسع، ووَهِمَ من
قال: إنه أسلم قبل موت النبيّ ◌َ ل﴿ بأربعين يوماً؛ لما ثبت في ((الصحيح)) أن
النبيّ ◌َّ﴿ قال له: (استَنْصِتِ الناس)) في حجة الوداع، وذلك قبل موته تَّل
بأكثر من ثمانين يوماً. انتهى(١).
(١) ((الفتح)) ٧/ ١٦٤.

٣١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وكان جرير جَمِيلاً، قال عمر: هو يوسف هذه الأمة، وقَدَّمه عمر في
حروب العراق على جميع بَجِيلة، وكان لهم أثرٌ عظيمٌ في فتح القادسية، ثم
سكن جرير الكوفة، وأرسله عليٍّ رسولاً إلى معاوية، ثم اعتزل الفريقين،
وسكن قرقيسيا حتى مات سنة إحدى، وقيل: أربع وخمسين.
وفي (الصحيح)) أنه رَّر بعثه إلى ذي الْخَلَصة فهدمها، وفيه عنه قال: ما
حجبني رسول الله ورسوله منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم.
وروى البغوي من طريق قيس، عن جرير قال: رآني عمر مُتَجَرِّداً، فقال:
ما أرى أحداً من الناس صُوِّر صورة هذا إلا ما ذُكر من يوسف.
ومن طريق إبراهيم بن إسماعيل الكهيليّ، قال: كان طول جرير ستة
أذرع.
وروى الطبراني من حديث عليّ مرفوعاً: ((جرير منا أهل البيت ... ).
وروى عنه من الصحابة أنسُ بن مالك، قال: كان جرير يَخدُمني، وهو
أكبر مني، أخرجه الشيخان(١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٥) حديثاً (٢)، والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ .
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: إسماعيل عن قيس.
٥ - (ومنها): أن قيساً هو التابعيّ الذي اجتمع له الرواية عن العشرة
المبشرين بالجنة، ولا مشارك له في ذلك، كما سبق قريباً.
(١) راجع: ((الإصابة)) ١/ ٥٨١ - ٥٨٣.
(٢) الذي ذكره ابن الجوزيّ في ((المجتبى)) أن له مائة حديث، اتفقا على ثمانية، وانفرد
البخاريّ بحديث، ومسلم بستة أحاديث، فليُحرّرْ.

٣١٥
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٧)
٦ - (ومنها): أن ثلاثة منهم، وهم: إسماعيل، وقيس، وجرير مكنيّون
بأبي عبد الله، وكلهم بجليّون أحمسيّون.
٧ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى بجرير في الكتب الستة نحو تسعة،
منهم عند الشيخين أربعة: صاحب الترجمة هذا، وجرير بن حازم، وجرير بن
زيد عمّ جرير بن حازم، وجرير بن عبد الحميد، فجرير بن زيد تفرّد به
الشيخان، والنسائيّ، والباقون أخرج لهم الجماعة.
٨ - (ومنها): أن صحابيّه ◌َُّله هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وجملة
ما روى له المصنّف من الأحاديث (٢٥) حديثاً، كما أسلفناه في ترجمته آنفاً .
٩ - (ومنها): ما قاله النوويّ: ومما يتعلق بحديث جرير منقبةٌ ومَكْرَمَةٌ
لجرير نظبه رواها الحافظ أبو القاسم الطبرانيّ بإسناده، اختصارُها: أن
جريراً نظله أمر مولاه أن يشتري له فرساً، فاشترى بثلثمائة درهم، وجاء به
وبصاحبه؛ لينقُده الثمنَ، فقال جرير رَُّه لصاحب الفرس: فرسُك خيرٌ من
ثلثمائة درهم، أتبيعه بأربعمائة درهم؟، قال: ذلك إليك يا أبا عبد الله، فقال:
فرسك خير من ذلك، أتبيعه بخمسمائة درهم؟، ثم لم يزل يزيده مائة فمائة
وصاحبه يَرْضَى، وجرير يقول: فرسُك خير إلى أن بلغ ثمانمائة درهم، فاشتراه
بها، فقيل له في ذلك، فقال: إني بايعت رسول الله مطلة على النصح لكل
مسلم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَرِير) بن عبد الله ظُبِّهِ، أنه (قَالَ: بَايَعْتُ) من المبايعة، وهي عقد
العهد، وهو فعل وفاعل، ومفعوله قوله: (رَسُولَ اللهِ وَ لّ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ) أصله
إقامة، وإنما حُذفت التاء لقيام المضاف إليه مقامها، أي أدائها على الوجه
المطلوب، من مراعاة واجباتها، ومستحبّاتها، وآدابها (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي إعطائها
لمستحقّيها المذكورين في آية ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ ... ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية.
وإنما اقتصر على الصلاة والزكاة لكونهما قرينتين في كتاب الله تعالى،
(١) راجع: ((شرح النووي على مسلم)) ٢/ ٤٠، و((فتح الباري)) ١٦٨/١.

٣١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وهما أهمّ أركان الإسلام بعد الشهادتين وأظهرها، ولم يذكر الصوم وغيره؛
لدخول ذلك في السمع والطاعة في الرواية التالية، فإنه فيها: ((بايعت النبيّ وَال
على السمع والطاعة)).
وقوله: (وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِم) بجرّ ((النصح)) عطفاً على ((إقام الصلاة))،
وفي التالية: ((بايعت النبيّ وَّر علىَّ السمع والطاعة، فلقّنني: ((فيما استطعت))،
والنصح لكل مسلم))، وفي رواية النسائيّ (٤١٧٦/١٦) من طريق أبي وائل،
والشعبيّ كلاهما، عنه: ((أتيت النبيّ وَل﴿، فقلت له: أبايعك على السمع
والطاعة فيما أحببتُ، وفيما كرهتُ، قال النبيّ ◌ٍَّ: ((أَوَ تستطيع ذلك يا جرير؟
أوَ تطيق ذلك؟ قال: ((قل: فيما استطعتُ)) فبايعني، ((والنصح لكلّ مسلم))، وفي
رواية له (٤١٧٩/١٧) من طريق أبي وائل، عنه: ((أتيت النبيّ ◌َّر وهو يبايع،
فقلت: يا رسول الله، ابسط يدك حتى أبايعك، واشتَرِظْ عليّ فأنت أعلم،
قال: أُبَايعك على أن تعبدَ الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح
المسلمين، وتفارق المشركين)).
ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) من طريق أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير،
عن جدّه، وزاد فيه: ((فكان جرير إذا اشترى شيئاً، أو باع يقول لصاحبه: اعلم
أن ما أخذنا منك أحبّ إلينا مما أعطيناكه، فاختر»، وقد سبق في اللطائف ما
فعله مع صاحب الفرس، اشتراه له مولاه بثلثمائة، فلما رآه قال لصاحبه: ((إن
فرسك خير من ثلاثمائة، فلم يزل يزيده حتى أعطاه ثمانمائة)) ظ ته، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جرير رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) (٢٠٧/٢٥ و٢٠٨ و٢٠٩) (٥٦)،
و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (٥٧ و٥٨)، و((مواقيت الصلاة)) (٥٢٤)، و((الزكاة))
(١٠٤١)، و((البيوع)) (٢١٥٧)، و((الشروط)) (٢٧١٤ و٢٧١٥)، و((الأحكام))
(٧٢٠٤)، و(أبو داود) في ((كتاب الأدب)) (٤٩٤٥)، و(الترمذيّ) في ((البرّ

٣١٧
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٧)
والصلة)) (١٩٢٢٥)، و(النسائيّ) في ((كتاب البيعة)) (٤١٥٨/٦ و٤١٥٩ و١٦/
٤١٧٦ و٤١٧٧/١٧ و٤١٧٩ و٤١٨٠/٢٤ و٤١٩١)، وفي ((الكبرى)) (٧٧٧٧/٦
و٧٧٧٨ و٧٧٩٧/١٩ و٧٧٩٨/٢٠ و٧٨٠٠ و٧٨١٢/٢٨)، و(الحميديّ) في
((مسنده)) (٧٩٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٦٧١ و٨٦٨٠ و١٨٧٠٠ و١٨٧٣٤
و١٨٧٥٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) ((البيوع)) (٢٥٤٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(٢٣٠٣ و٢٣١٧ و٢٣٤٢ و٢٣٥١ و٢٣٥٤ و٢٣٥٦)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٤٥٤٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٠٤ و١٠٥ و١٠٦ و١٠٧)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٤ و١٩٥ و١٩٦ و١٩٧ و١٩٨)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٤٥/٨ - ١٤٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة البيعة على النصح لكلّ مسلم.
٢ - (ومنها): وجوب النصيحة لكلّ مسلم.
٣ - (ومنها): تحريم الغشّ والخديعة، بل يجب على الإنسان أن يُعامل
الآخرین بما يحبّ أن يعاملوه به.
٤ - (ومنها): بيان مكانة النصح في الإسلام، حيث اعتنى به الشارع،
فكان يبايع عليه، وأنه ملاك الأمر كلّه، حيث قال بَ لّ فيما سبق من حديث
تميم الداريّ ◌َظُله: ((الدين النصيحة))، فجعله عين الدين كلّه.
٥ - (ومنها): أن الوفاء بالمبايعة إنما يجب على الإنسان فيما استطاع،
حيث قال النبيّ وَّرَ: ((فيما استطعتَ))، فلا يُكَلَّف غير طاقته، كما نفاه الله
تعالى في قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ الآية [البقرة: ٢٨٦].
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَله من شدّة الرأفة والحرص على
أمته، فإن جريراً لَمّا قال: ((أبايعك على السمع والطاعة فيما أحببتُ وكرهتُ))،
وفي رواية قال له: ((واشترط عليّ، فأنت أعلم)) لقّنه: ((قل: فيما استطعتُ))،
فهذا هو غاية الرأفة والرحمة، وهو مصداق قوله رغمت: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ
مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
٢٨
[التوبة: ١٢٨]، وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم: ٤] صلى الله
تعالى وسلّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

٣١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
من قوة الإيمان وكمال الاتباع،
٧ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة
ويتمثّل ذلك في مَدَى التزام هذا الصحابيّ جرير بن عبد الله ظُّه لهذا العهد
العظيم، فقد أثّر في سلوكه حيَاتَهُ كلّها، فلا يبايع أحداً إلا واجتهد في بذل
النصح له، كما أوضحته رواية ابن حبان: ((فكان جرير إذا اشترى، أو باع
يقول: اعلم أن ما أخذنا منك أحبّ إلينا مما أعطيناك، فاختر))، جعلنا الله
تعالى ممن يستمعون القول، فيتبعون أحسنه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ
نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، سَمِعَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ:
بَايَعْتُ النَِّّ وَِّ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ) - بكسر العين المهملة، وبالقاف - الثعلبيّ - بالثاء المثلّثة،
والمهملة - أبو مالك الكوفيّ، ابن أخي قُطْبة بن مالك، ثقةٌ، رُمي بالنصب [٣].
رَوَى عن عمه، وأسامة بن شَرِيك، وجرير بن عبد الله، وجابر بن سمرة،
والمغيرة بن شعبة، وعُمَارة بن رُوَيبة، وعمرو بن ميمون، وأرسل عن سعد بن
أبي وقاص، وغيرهم.
ورَوَى عنه السفيانان، والأعمش، وسماك بن حرب، وزائدة، ومِسْعَر،
وزهير بن معاوية، وإسرائيل، وزيد بن أبي أنيسة، وشعبة، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوقُ الحديث، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال العجليّ: كان ثقةً، وهو في عِدَاد الشيوخ، وقال
يعقوب بن سفيان: كوفيّ ثقة، وقال الأزديّ: سيّئ المذهب، كان مُنحرفاً عن
أهل بيت النبيّ وَثّد.

٣١٩
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٨)
قال الحافظ في ((التهذيب)): ورأيت في ((تاريخ الطبري)) نقلاً عن هشام بن
الكلبيّ: أن زياداً أدرك الجاهلية، وهذا عندي غلط، والله أعلم. انتهى.
وقال الصَّرِيفينيُّ: تُوُفّي سنة خمس وثلاثين ومائة، وقد قارب المائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث، هذا الحديث،
وحديث (٤٥٧)(١): ((ق والقرآن المجيد ... ))، وكرّره ثلاث مرّات، وحديث
(٩١٥): ((إن الشمس والقمر آيتان ... ))، و(١١٠٦): ((كان رسول الله ◌َلا يقبّل
في شهر الصوم))، وكرّره مرّتين، وحديث (١٨٥٢): ((إنه ستكون هنات
وهنات ... ))، وحديث (٢٨١٩): ((أفلا أكون عبداً شكوراً))، وكرّره مرّتين.
والباقون كلهم تقدّموا قريباً .
[تنبيه]: ((سفيان)) في هذا السند هو ابن عيينة؛ لأن الذين رووا عنه كلهم
من الطبقة العاشرة، وقد رواه الثوريّ أيضاً عن زياد بن علاقة، أخرج روايته
البخاريّ في ((كتاب الشروط)) من ((صحيحه))، فقال:
(٢٧١٤) حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن زياد بن عِلاقة، قال:
سمعت جريراً به يقول: بايعت رسول الله وَّل، فاشتَرَطَ عليَّ: ((والنصح لكل
مسلم)). انتهى.
فـ(سفيان)) في هذا السند هو الثوريّ، وليس ابن عيينة، وقد سبق أن بيّنّا أنه
إذا كان الراوي عن سفيان من الطبقة التاسعة، وأطلقه، فهو الثوريّ؛ لأن هؤلاء
من أكابر أصحابه، فإذا رووا عن ابن عيينة بيّنوه، وإنما يبهمون الثوريّ لشهرتهم
بالرواية عنه، وأما ما اشتهر عن عوامّ الطلبة بأنه إن كان سفيان في ثاني السند فهو
ابن عيينة، وإن كان في الثالث فهو الثوريّ، فباطلٌ، يُبطله ما وقع هنا، فتفطّن
لهذه الدقيقة، فإنها من مزالّ الأقدام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه آخر]: هذا الإسناد من رباعيات المصنف كَّتُهُ، وهو (٦) من
رباعيات الكتاب.
وأما شرح الحديث ومسائله، فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي.

٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٢٠٩] (.) - (حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا
هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ عَلَى السَّمْعِ
وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّتَنِي: ((فِيمَا اسْتَطَعْتَ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)).
قَالَ يَعْقُوبُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (سُرَيْجُ(١) بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم البغداديّ، أبو الحارث العابد،
مَرْوذِيُّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠].
رَوَى عن هشيم، والوليد بن مسلم، وابن إدريس، ومروان بن معاوية،
ووكيع، وابن عيينة، وعباد بن عباد، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة،
وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وروى البخاريّ والنسائي له بواسطة صاعقة، وأبي بكر
المروزيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبد الله بن أحمد، وابن أبي الدنيا،
وموسی بن هارون، وغيرهم.
قال الميمونيّ، عن أحمد بن حنبل: رجلٌ صالحٌ، صاحب خيرٍ ما
عَلِمتُ، وقال أبو داود عن أحمد: ليس به بأس، وقال أبو داود في موضع
آخر: ثقة، سمعت أحمد يُثني عليه، وقال ابن أبي خيثمة وغيره: ليس به بأس،
كذا قال يعقوب بن شيبة، عن ابن معين، وزاد: وهو كَيِّسٌ، وقال الغلابيّ،
عن ابن معين: سُرَيج بن النعمان ثقة، وسُرَيج بن يونس أفضل منه، وقال أبو
حاتم: صدوقٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال محمد بن عوف: قال لي
أحمد: اكْتُب عنه، وقال إسحاق بن إبراهيم الْخُتَّلِيُّ: أنبأنا سُريج بن يونس
الشيخ الصالح الصدوق، وقال ابن سعد، وابن قانع: ثقةٌ ثبتٌ، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وقال حامد بن شعيب: سمعت سُريجاً يقول: كنت ليلةً
(١) بالسين المهملة، والجيم.