النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٩٠) وقال الفيّوميّ: اليمن إقليم معروف، سُمّي بذلك لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليه يَمَنيّ على القياس، ويَمَانٍ بالألف على غير قياس، وعلى هذا في الياء مذهبان: [أحدهما]: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم يُنكر التثقيل، ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء؛ لتكون عوضاً عن التثقيل، فلا يُثقّل؛ لئلا يُجمع بين العوض والمعوّض عنه. [والثاني]: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدالّ على النسبة؛ تنبيهاً على جواز حذفها. انتهى(١). (وَالْفِقْهُ يَمَانٍ) مبتدأ وخبره أيضاً، و((الفقه)) هنا عبارة عن الفهم في الدين، واصْطَلَحَ بعد ذلك الفقهاء، وأصحاب الأصول على تخصيص الفقه بإدراك الأحكام الشرعية العملية بالاستدلال على أعيانها، قاله ابن الصلاح (٢). وقال ابن الأثير: الفقه في الأصل: الفهم، واشتقاقه من الشَّقِّ والفتح، يقال: فَقِهِ الرجلُ بالكسر يَفْقَهُ فِقْهاً: إذا فَهِمَ وعَلِم، وفَقُهَ بالضمّ يَفْقُهُ: إذا صار فقيهاً عالِمَاً، وقد جعله الْعُرف خاصّاً بعلم الشريعة، وتخصيصاً بعلم الفروع (٣) منها. انتهى(٣) . وقال الفيّوميّ: ((الفقه)): فهم الشيء، قال ابن فارس: وكلُّ علم لشيء فهو فقهٌ، والفقهُ على لسان حَمَلَة الشرع علمٌ خاصٌّ، وفَقِهَ فَقَهاً، من باب تَعِبَ: إذا عَلِمَ، وفَقُّهَ بالضمّ مثلُهُ، وقيل: بالضمّ إذا صار الفقه له سَجِيّةً، قال أبو زيد: رجلٌ فَقُّةٌ بضمّ القاف وكسرها، وامرأةٌ فَقُهَةٌ بالضمّ، ويتعدّى بالألف، فيقال: أَفقهتُكَ الشيءَ، وهو يتفقّه في العلم مثلُ يتعلّم. انتهى (٤). (وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ) مبتدأ وخبره أيضاً، قال القاضي عياضُ رحمه الله تعالى: ((الحكمة)) عند العرب ما منع من الجهل، والحكيم من منعه عقله وحلمه من الجهل، حكاه ابن عرفة، مأخوذ من حَكَمَة الدّابّة، وهي الحديدة (١) ((المصباح المنير)) ٦٨٢/٢. (٢) ((الصيانة)) ص٢١٤، و((شرح مسلم)) للنوويّ ٣٣/٢. (٣) ((النهاية في غريب الحديث)) ٤٦٥/٣. (٤) ((المصباح)) ٤٧٩/٢. ٢٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان التي تُجعَل في لجامها؛ لمنعها إياها، وهذه الأحرف ح ك م حيثما تصرّفت فيها معنى المنع، قال الشاعر [من الكامل]: أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ إِنِّي خَشِيتُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَغْضَبَا وقيل في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٩]: إنها الإصابة في القول، والفهم، وقيل: الحكمة: طاعة الله، والاتّباع له، والفقه في الدين، وقيل: الحكمة: الفهم عن الله رَمت في أمره ونهيه، وقال مالك في الحكمة: الفقهُ في الدين يُدخله الله في القلوب، وقيل غير هذا. انتهى (١). وقال ابن الأثير: ((الحكمة)) عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يُحسن دقائق الصناعات، ويُتقنها: حكيم، ومنه في صفة القرآن ((الذكر الحكيم)): أي الحاكم لكم، وعليكم، أو هو المحكم الذي لا اختلاف فيه، ولا اضطراب، فَعِيلٌ بمعنى مُفْعَل، أي أُحكم، فهو مُحْكُم. انتھی(٢). وقال الفيّوميّ: الْحُكْمُ: القضاء، وأصله المنع، يقال: حَكَمتُ عليه بكذا: إذا منعته من خلافه، فلم يقدر على الخروج من ذلك، وحَكَمتُ بين القوم: فَصَلتُ بينهم، فأنا حاكمٌ، وحَكَمٌ بفتحتين، والجمع حُكّامٌ، ويجوز بالواو والنون، و((الْحَكَمَةُ)): وِزانُ قَصَبَةٍ للدّابّة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تُذلّلُها لراكبها حتى تمنعها الْجِمَاحَ ونحوَهُ، ومنه اشتقاق ((الْحِكْمَةِ))؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل. انتهى (٣). وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى(٤): وأما ((الحكمة)) ففيها أقوال كثيرةٌ مضطربةٌ، قد اقتَصَرَ كلٌّ من قائليها على بعض صفات الحكمة، وقد صَفًا لنا منها أن الحكمة: عبارة عن العلم المتَّصِفِ بالأحكام المشتمل على المعرفة بالله تبارك وتعالى، المصحوب بنَفَاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحقّ، والعمل به، والصَّدِّ عن اتباع الهوى والباطل، والحكيمُ مَن له ذلك، (١) ((إكمال المعلم)) ٣٢١/١ - ٣٢٢ بزيادة من ((المفهم)) ٢٤٠/١. (٢) ((النهاية)) ٤١٩/١. (٤) راجع: ((الصيانة)) ص٢١٤ - ٢١٥. (٣) ((المصباح المنير)) ١٤٤/١ - ١٤٥. ٢٦٣ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٩٠) وقال أبو بكر بن دُرَيد: كلُّ كلمة وَعَظتك وزَجَرتك، أو دعتك إلى مَكْرَمَة، أو نَهَتك عن قبيح، فهي حكمة، وحُكْمٌ، ومنه قول النبيّ وَّه: ((إن من الشعر حِكْمَةً))(١)، وفي بعض الروايات: ((حُكْماً)(٢). وقال القاري: أراد بالحكمة الفقه في الدين، وقيل: كلّ كلمة صالحة تمنع صاحبها عن الوقوع في الْهَلَكَة، ولَمّا كانت قلوبهم معادن الإيمان، وينابيع الحكمة، وكانت الخصلتان منتهى هممهم، نُسِب الإيمان والحكمة إلى معادن نفوسهم، ومساقط رؤوسهم نسبةَ الشيء إلى مقرّه. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [١٩٠/٢٣ و١٩١ و١٩٢ و١٩٣ و١٩٤ و ١٩٥ و١٩٦ و١٩٧ و١٩٨ و١٩٩ و٢٠٠] (٥٢)، و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٣٠١)، و((المناقب)) (٣٤٩٩)، و((المغازي)) (٤٣٨٨ و٤٣٨٩ و٤٣٩٠)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (١٩٨٨٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٤٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٥/٢ و٢٦٧ و٢٧٧ و٤٧٤ و ٤٨٨ و٥٤١)، وفي (الفضائل)) (١٦١٨ و١٦٥٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٣ و١٦٤ و١٦٥ و١٦٦ و١٦٧)، و(أبو نعيم) في ((المستخرج)) (١٧٩ و١٨٠ و١٨١ و١٨٢ و١٨٣ و١٨٤ و١٨٥ و١٨٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧٤٤ و٧٢٩٧ و٧٢٩٩ و٧٣٠٠)، والله تعالى أعلم. وفوائد الحديث تقدّمت في حديث أبي مسعود نظُّّه الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: (١) رواه البخاريّ ٤٤٥/١٠ - ٤٤٦، وأبو داود (٥٠١٠). (٢) رواه الترمذيّ (٢٨٤٨)، وأبو داود (٥٠١١). (٣) ((المرقاة)) ٦٣٦/١٠. ٢٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [١٩١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ (ح) وحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦. ٣ - (عَمْرٌو النَّقِدُ) هو عمرو بن محمد البغداديّ المذكور في الباب الماضي. ٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ) هو: إسحاق بن يوسف بن مِرْداس المخزوميّ الواسطيّ المعروف بالأزرق، ثقة [٩]. رَوَى عن ابن عون، والأعمش، وشريك، والثوري، ومسعر، وعُمَر بن ذَرّ، وعوف، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، ودُحَيم، وقتيبة، وعمرو الناقد، ويحيى بن معين، وجماعة، آخرهم سَعْدَان بن نصر البزاز. قيل لأحمد: إسحاق الأزرق ثقة؟ فقال: إِيْ والله ثقة، وقال ابن معين والعجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: صحيح الحديث صدوق، لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: كان من أعلمهم بحديث شريك، وقال الخطيب: كان من الثقات المأمونين، وقال ابن سعد: كان ثقة، وربما غَلِطَ، وذكر ابن حبان في ((الثقات)) أنه رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وقال البزار: كان ثقة. وقال وهب بن بقية: وُلِد سنة (١١٧)، وقال خليفة ومحمد بن سعد وغير واحد: مات سنة (١٩٥). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث رقم(١) (١٥٨): ((ثلاثٌ إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها ... ))، و(٦١٣): ((صلّ معنا هذين اليومين ... )) و(١١٤٩): ((وجب (١) المراد رقم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، فتنبه. ٢٦٥ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٩٢) أجركِ وردّها عليكِ الميراث ... )) و(١٣٠٩): ((أين صلّى الظهر يوم التروية ... )) و(١٦٦٠): ((من قذف مملوكه بالزنا ... )) و(٢٧٣٤): ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة ... )). ٥ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطَبان المزني مولاهم، أبو عون الْخَزّاز البصري، ثقة ثبتٌ، فاضل، من أقران أيوب في العلم، والعمل، والسنّ [٥](١) (ت١٥١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٨، والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (بمثله) يعني أن محمد بن المثنّى، وعمراً الناقد حدّثاني بمثل حديث أبي الربيع الزهرانيّ، ويحتمل أن يكون المراد حديث ابن عون، يعني حديث ابن عون بمثل حديث أيوب، وحديث ابن عون قد أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٢٣٥/٢) من رواية ابن أبي عديّ عنه، فقال: حدثنا محمد بن أبي عديّ، عن ابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((أتاكم أهل اليمن، هم أرقُّ أفئدة، الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانيةٌ، والفقه یمانٍ)). انتهى. وكذا ساقها أبو نعيم في ((المستخرج)) (١٨٠) عن محمد بن المثنّى، عن ابن أبي عديّ به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمَّ أَضْعَفُ قُلُوباً، وَأَرَقُّ أَفْتِدَةً، الْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ بَمَانِيَةٌ)). (١) وجعله في ((التقريب)) من السادسة، وما هنا أولى؛ لأنه ثبت أنه لقي أنس بن مالك نظُبه، فيكون من الخامسة، كأيوب، والأعمش، ونحوهما. والله تعالى أعلم. ٢٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذليّ، أبو عليّ الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد المذكور في الباب الماضي. ٣ - (أَبُوهُ) إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المذكور في الباب الماضي أيضاً. ٤ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ المذكور في الباب الماضي. ٥ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ثقة ثبتٌ عالم بالأنساب والعربيّة [٣]. روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وعبد الله بن مالك بن بُحينة، وابن عباس، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومعاوية بن أبي سفيان، وخلق كثير. وروى عنه زيد بن أسلم، وصالح بن كيسان، والزهري، وأبو الزبير، ويحيى بن سعيد، وربيعة، وموسى بن عقبة، وعمرو بن أبي عمرو، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وأيوب، وجعفر بن ربيعة، وسعد بن إبراهيم، ومحمد بن یحیی بن حبّان، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وقال الْمُقَدَّميُّ: سئل ابن المديني عن أعلى أصحاب أبي هريرة، فبدأ بابن المسيب، وذكر جماعة، قيل له: فالأعرج؟ قال: دون هؤلاء، وهو ثقة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال أبو زرعة، وابن خِرَاش: ثقة، وقال ابن عيينة: قال أبو إسحاق: قال أبو صالح، والأعرج: ليس أحد يُحدّث عن أبي هريرة إلا علمنا أصادق هو أم كاذب، وقال ابن حبان في ((الثقات)): كنيته أبو داود، وقد قيل: أبو حازم، وقد قيل: إن اسم أبيه كيسان، فقال غندر: ثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، ثنا عبد الرحمن بن كيسان الأعرج، وقال الحاكم أبو أحمد: عبد الرحمن بن هُرْمز، ويقال: كيسان، وقال الداني: رَوَى عنه القراءة عَرْضاً نافع بن أبي نُعَيم. وقال ابن ◌َهِيعة عن أبي النضر: كان الأعرج عالماً بالأنساب والعربية. ٢٦٧ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٩٣) قال ابن يونس وغير واحد: مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة، وقال الفلاس وغيره: مات سنة (١١) وهو وَهَمٌ، والأصح الأول. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤٠) حديثاً . والباقيان ذُكرَا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِ الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُکَیر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. والباقيان تقدّما في الذي قبله، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فلم يرو عنه أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٢٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبي الزناد، عن الأعرج، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَظُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ) أي في جهة المشرق، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: ((رأس الكفر إلخ)) إشارة إلى من نبّه عليه من أهل نجد، وربيعة، ومُضر؛ لأنهم الذين عاندوا النبوّة، وقَسَوْا عن إجابة الحقّ، وقبول الدعوة، وهم بالصفة التي وَصَفَ أهلُ خيل وإبل، وأصحابُ وَبَر، ونجدٌ مشرقٌ من المدينة، أو من تبوك على ما ذُكِر أنه قال بعض هذا الحديث بتبوك. والمراد برأس الكفر مُعظمه وشرّه، وقد تأوّل بعضهم أنه قال ذلك، وأهل المشرق يومئذ أهل كفر، وأن مراده بقوله: ((رأس الكفر نحو المشرق)) فارس، وما ذكرناه أولى لقوله في الحديث: ((أهل الوبر قبل مطلع الشمس))، وفارس ليسوا أهل وَبَر، وقوله: ((من ربيعة ومضر))، وأن الموصوفين بعد ذلك بالجفاء والخيلاء هم أولئك لا غيرهم، ويؤيّده قوله في الحديث الآخر: ((اللهم اشدُد وطأتك على مضر))، قال في الحديث: ((وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له))، ويكون هذا الكفر ما كانوا عليه من عداوة الدين والتعصّب عليه، ويعضده حديث ابن عمر ظًّا عنه وَهر حيث قال: ((اللهم بارك لنا في يمننا، وفي شامنا))، قالوا: يا رسول الله: وفي نجدنا، فأظنه قال في الثالثة: ((هنالك الزلازل، والطاعون، وبها يطلع قرن الشيطان))، رواه البخاريّ. انتهى كلام القاضي(١)، وهو بحث نفيسٌ. وقال في ((الفتح)): وفي ذلك إشارة إلى شدّة كفر المجوس؛ لأن مملكة الفُرْس، ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة، وكانوا في غاية القسوة والتكبّر والتجبّر حتى مزّق مَلِكُهُمْ كتاب النبيّ وََّ، فدعا عليهم أن يُمزقوا كلَّ مُمَزَّق، فمزّق الله تعالى ملكهم(٢). (١) ((إكمال المعلم)) ٣١١/١ - ٣١٢. (٢) راجع: ((الفتح)) ٤٢٤/٦ (كتاب بدء الخلق)) رقم (٣٣٠٠). ٢٦٩ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٩٣) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما سبق عن القاضي أقرب وأحسن من هذا، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((رأس الكفر نحو المشرق)): نحو قوله: ((رأسُ الأمر الإسلام))، أي ظهور الكفر من قبل المشرق، والمراد باختصاص المشرق به مزيد تسلّط الشيطان على أهل المشرق، وكان ذلك في عهده وَلّ، ويكون حين يخرج الدجّال من المشرق؛ فإنه منشأ الفتن العظيمة، ومثار الْكَفَرة التُّرْك. انتهى. (وَالْفَخْرُ) بالخاء المعجمة: هو الافتخار، وعَدُّ المآثر القديمة تعظيماً، ومنه الإعجاب بالنفس (وَالْخُيَلَاءُ) بضم الخاء المعجمة، وفتح التحتانيّة، والمدّ: أي الكبر، واحتقار الغير، وقال الراغب: ((الْخُيلاء)): التكبّر عن تخيّل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه، ومنها يُتأوّل لفظ الخيل؛ لما قيل: إنه لا يركب أحدٌ فرساً إلا وَجَد في نفسه نخوة، والخيل في الأصل اسم للأفراس والفُرسان جميعاً. انتهى. (فِي أَهْلِ الْخَيْلِ، وَالْإِبِلِ، الْفَدَّادِينَ) أي الذين يُعلون أصواتهم في حروثهم، ومواشيهم، وقد تقدّم أقوال أهل العلم فيه فلا تغفل. وقال الخطابيّ: إنما ذُمّ هؤلاء لاشتغالهم بمعالجة ما هم فيه عن أمور دينهم، وذلك يقتضي قساوة القلب. انتهى(١). وقوله: (أَهْلِ الْوَبَرِ) بالجرّ بدل من ((أهل الخيل))، وهو بفتحتين: للبعير كالصوف للغنم، وهو في الأصل مصدرٌ، من باب تَعِبَ، وبعيرٌ وَبِرٌ بالكسر: كثير الْوَبَر، وناقَةٌ وَبِرَةٌ، والجمع أوبار، مثلُ سبب وأسباب، قاله الفيّوميّ(٢). وقال أبو عمرو بن الصلاح: فالوَبَرُ، وإن كان من الإبل دون الخيل، فلا يمتنع أن يكون قد وَصَفَهم بكونهم جامعين بين الخيل والإبل والوبر. انتهى (٣). وقال الحافظ في ((الفتح)): قوله: ((أهل الوبر)): أي ليسوا من أهل المدر؛ لأن العرب تعبّر عن أهل الحضر بأهل المدر، وعن أهل البادية بأهل الوبر، واستشكَلَ بعضهم ذكر الوبر بعد ذكر الخيل، وقال: إن الخيل لا وبر لها، ولا (١) ((فتح)) ٤٢٤/٦. (٣) ((الصيانة)) ص٢١٩. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٤٦/٢. ٢٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان إشكال فيه؛ لأن المراد ما بيّنته. انتهى (١). (وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَم))) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ((السكينة)): السكون، والطمأنينةَ، والوقار كما جاء في الحديث نفسه، وهي ضدّ معنى ((الفذّادين))، و((أهل الخيلاء))، وقد تكون السكينة بمعنى الرحمة، حكاه شَمِر، فتكون ضدّ ((القسوة))، و((الجفاء))، و((الغلظ)) في وصف الآخرين. انتھی(٢) . وقال الفيّوميّ: ((السَّكِينَةُ)) بالتخفيف: المهابة، والرَّزَانة، والوَقَار، وحَكَى في ((النوادر)) تشديد الكاف، قال: ولا يُعرَف في كلام العرب فَعِّيلَةٌ مثقَّلُ العين إلا هذا الحرف شاذّاً، قاله في ((المصباح))(٣). وقال في ((الفتح)): (السكينة)): تُطلق على الطمأنينة، والسكون، والوقار، والتواضع، قال: وإنما خصّ أهل الغنم بذلك؛ لأنهم غالباً دون أهل الإبل في التوسّع والكثرة، وهما من سبب الفخر والخيلاء، وقيل: أراد بأهل الغنم أهل اليمن؛ لأن غالب مواشيهم الغنم، بخلاف ربيعة ومُضَر، فإنهم أصحاب إبل، وروى ابن ماجه من حديث أم هانئ ؤُّا أن النبيّ وَلّ قال لها: ((اتّخذي الغنم، فإن فيها بركة))(٤). انتهى(٥). وأما تخريج الحديث، فقد تقدّم قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٩٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنِ الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْكُفْرُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ، أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْوَبَرِ))). (١) ((فتح)) ٦/ ٤٢٤. (٢) ((إكمال المعلم)) ٣٢٥/١. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٨٣/١. (٤) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في (سننه)) برقم (٢٣٠٤). (٥) ((فتح)) ٤٢٤/٦. ٢٧١ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٩٥) رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) هو المقابريّ البغداديّ [١٠]. ٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ [١٠]. ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو علي بن حُجر السعديّ المروزيّ، من صغار [٩]. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ المدنيّ [٨]. ٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرّحمن الْجُهنيّ الْحُرَقِيّ المدنيّ [٥]. ٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ الْحُرَقِيّ المدنيّ [٣]. [تنبيه]: هذا الإسناد بنصّه قد تقدّم قريباً في ١٨٠/٢٠، ومن لطائفه أن فيه قوله: ((قال ابن أيوب: حدّثنا إسماعيل))، إشارة إلى اختلاف شيوخه في صيغ الأداء، فصرّح يحيى بن أيوب بالتحديث، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من إسماعيل، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: العلاء عن أبيه. وأما شرح الحديث، ومسائله فقد تقدّمت قريباً أيضاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهَ يَقُولُ: ((الْفَخْرُ، وَالْخُيَلَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ، أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ)»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ [١١]. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو عبد الله الحافظ المصريّ [٩]. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ [٧]. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو محمد بن مسلم الإمام الحجة المدنيّ [٤]. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه [٣]. [تنبيه]: هذا الإسناد بنصّه قد تقدّم قريباً أيضاً بعد الإسناد الماضي في ٢٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٢١/ ١٨١، ومن لطائفه أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب، عن أبي سلمة، وفيه أبو سلمة بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. وأما شرح الحديث، ومسائله فقد تقدّمت قريباً أيضاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: ((الِإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ (١)) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهْرَام الدارميّ، أبو محمد السمرقنديّ، الحافظ، صاحب ((المسند)، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت٢٥٥) (م د ت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ - بفتح الموحّدة - مولاهم الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]. رَوَى عن شعيب بن أبي حمزة، وحَرِيز بن عثمان، وعَطّاف بن خالد، وسعيد بن عبد العزيز، وصفوان بن عمرو، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى له الباقون بواسطة إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، وعبد الله الدارميّ، وعمرو بن منصور، ورجاء بن مُرَجّا، وعمران بن بكار، وأبي علي محمد بن علي بن حمزة المروزيّ، ومحمد بن سهل بن عسكر، وعبيد الله بن فَضَالة، وعبد الوهاب بن نَجْدَة، والذَّهلي، ومحمد بن عوف الطائيّ، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم، ويحيى بن معين وآخرون. قال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن أبي اليمان؟ فقال: أما حديثه عن (١) منسوب إلى دارم جدّ قبيلة. ٢٧٣ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٩٦) صفوان وحَرِيز فصحيح، قال: وهو يقول: أخبرنا شعيب، واستَحَلّ ذلك بشيء عجيب، قال أبو عبد الله: كان أمر شعيب في الحديث عَسِراً جِدّاً، وكان علي بن عَّاش سمع منه، وذكر قصة لأهل حمص، أُراها أنهم سألوه أن يأذن لهم أن يرووا عنه، فقال لهم: لا، ثم كلموه، وحضر ذلك أبو اليمان، فقال لهم: ارْوُوا عني تلك الأحاديث، فقلت لأبي عبد الله: مناولة؟ قال: لو كان مناولة كان لم يعطهم كُتُباً ولا شيئاً، إنما سمع هذا فقط، فكان ابن شعيب يقول: إن أبا اليمان جاءني، فَأَخَذ كُتُب شُعيب مني بعدُ، وهو يقول: أخبرنا، وقال القاسم بن أبي صالح الهمداني، عن إبراهيم بن الحسين بن ديزيل: سمعت أبا اليمان الحكم بن نافع، يقول: قال لي أحمد بن حنبل: كيف سمعت الكتب من شعيب؟ قلت: قرأت عليه بعضه، وبعضه قرأ عليّ، وبعضه أجاز لي، وبعضه مناولة، فقال: قل في كله: أخبرنا شعيب، وقال المفضل ابن غَسّان، عن يحيى بن معين: سألت أبا اليمان عن حديث شعيب بن أبي حمزة فقال: ليس هو مناولة، المناولةُ لم أُخرجها لأحد، وقال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أبي اليمان: كان شعيب عَسِراً في الحديث، فدخلنا عليه حين حضرته الوفاة، فقال: هذه كتبي، وقد صححتها، فمن أراد أن يأخذها مني فليأخذها، ومن أراد أن يَعْرِض فليعرض، ومن أراد أن يسمعها من ابني، فإنه قد سمعها مني، وقال شعيب بن عمرو البردعيّ، عن أبي زرعة الرازيّ: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا حديثاً واحداً، والباقي إجازة، وقال البردعيّ : قلت لمحمد بن يحيى في حديث أنس، عن أم حبيبة - يعني حديث: ((أُريتُ ما تَلْقَى أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دماء بعض ... ))(١) - حدثكم به أبو (١) قال الإمام أحمد في ((مسنده)): (٢٦١٤٢) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة ... فذكر هذا الحديث، يتلو أحاديث ابن أبي حسين، وقال: أنا أنس بن مالك، عن أم حبيبة، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((رأيت ما تَلْقَى أمتي بعدي، وسفك بعضهم دماء بعض، وسبق ذلك من الله تعالى، كما سبق في الأمم، فسألته أن يُوَلِّيني شفاعةً يوم القيامة فيهم، ففعل))، قال عبد الله: قلت لأبي: ها هنا قوم يُحَدِّثون به عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، قال: ليس هذا من حديث الزهري، إنما هو من حديث ابن أبي حسين. ٢٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان اليمان؟ فقال: نعم حدثنا به من أصله، عن شعيب، عن ابن أبي حسين، فقلت: حدَّثنا غير واحد عن أبي اليمان، فقالوا: عن الزهري، قال: لَقَّنُوه ((عن الزهري))، قلت: قد رواه عنه يحيى بن معين، فقال: يحيى بن معين لقيه بعدي، وقال أبو زرعة الدمشقيّ عن أحمد، بعد أن رواه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن ابن أبي حسين: ليس لهذا أصل عن الزهري، وكان كتاب شعيب، عن ابن أبي حسين، مُلْصَقاً بكتاب الزهريّ، كأنه يذهب إلى أنه اختلط بكتاب الزهري، فكان يَعْذر أبا اليمان، ولا يَحمل عليه فيه، قال أبو زرعة: وقد سألت عنه أحمد بن صالح، فقال لي مثل قول أحمد بن حنبل، وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوريّ: قال لنا أبو اليمان: الحديث حديث الزهري، والذي حدثتكم به عن ابن أبي حسين، غَلِطتُ فيه بورقة قلبتها، وكذا قال يحيى بن معين عنه، وقال أبو حاتم: نبيلٌ ثقةٌ صدوقٌ، وقال ابن عمّار: ثقةٌ، وقال العجليّ: لا بأس به، وقال أبو بكر محمد بن عيسى الطَّرَسُوسيّ: سمعت أبا اليمان يقول: صِرْتُ إلى مالك، فرأيت ثَمَّ من الْحُجّاب والْفَرْش شيئاً عجيباً، فقلت: ليس هذا من أخلاق العلماء، فمضيت وتركته، ثم نَدِمتُ بعدُ. وقال الآجريّ عن أبي داود: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا كلمةً، وقال الأزديّ: سمعه من شعيب مشاركةً، وقال الخليليّ: نسخة شعيب رواها الأئمة عن الحكم، وتابع أبا اليمان عليّ بن عياش الحمصيّ، وهو ثقة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ساق هذه الأقوال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (١/ ٤٧٠ - ٤٧١) ولم يعلّق عليها شيئاً، مع أنها تحتاج إلى التعليق عليها؛ لأن أبا اليمان قد اعتمده الشيخان، لكنه قد أحسن في ((هدي الساري)) حيث قال (ص٥٦٧) بعد ذكره كلام أبي زرعة المذكور ما نصّه: قلت: إن صحّ ذلك، فهو حجة في صحّة الرواية بالإجازة، إلا أنه كان يقول في جميع ذلك: أخبرنا، ولا مشاحّة في ذلك إن كان اصطلاحاً له. انتهى. وقال الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى في ((سير أعلام النبلاء)) (١٠/ ٣٢٥): وبلغنا أن أبا اليمان كَتَب كُتُب إسماعيل بن عيّاش، ولم يَدَع منها شيئاً في القراطيس، وفي ((الصحيحين)) نحوٌ من أربعين حديثاً عند البخاريّ عن أبي اليمان قد أخرجها مسلم عن الدارميّ، عن أبي اليمان، وجميعها يقول فيها: ٢٧٥ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٩٦) أخبرنا شعيب، ما قال قطّ: حدّثنا، فهذا يوضّح لك أنها بالإجازة، وهي منقولة جزماً من خطّ شُعيب، وكان من أثبت أصحاب الزهريّ، والمقصود من الرواية إنما هو العلم الحاصل بأن هذا الخبر حدّث به فلان على أيّ صفة كان من صفات الأداء، وقد كان أبو اليمان عام وقته بحمص، استقدمه المأمون ليُولّيه قضاء حمص. انتهى كلام الذهبيّ رحمه الله تعالى. قد تبيّن بهذا أن أحاديث أبي اليمان، عن شعيب صحيحة، لا كلام فيها؛ لأنها وإن لم تكن سماعاً فقد ثبت كونها إجازةً أو مناولةً، وكلتاهما من الطرق الصحيحة المعمول بها عند جمهور المحدّثين، ولا اعتداد بقول من خالفها، وكيف يُعتدّ به، وقد خالف ما ثبت عن النبيّ وَلّ من مناولته وإجازته للصحابة ه ليبلغوه للناس؟ فمن ذلك حديث أمير السريّة، كما هو مشهور في (الصحيحين))، حيث ناوله النبيّ وَل كتابه وقال: ((لا تقرأه حتى تبلغ مكان وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس ... )) الحديث، وقد استدلّ به البخاريّ في ((الصحيح)) في ((كتاب العلم)) في ((باب ما يُذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان))، وكذا حديث إجازته رَّ لعليّ رضي الله أن يأخذ الكتاب من أبي بكر رظُه ويقرأه على الناس في الموسم، وغير ذلك. والحاصل أن الطعن في أبي اليمان بما ذُكر مما لا يُلتفت إليه، والله تعالى أعلم بالصواب. قال محمد بن مصفى وغيره: مات سنة (٢١١)، زاد أبو زرعة: وهو ابن (٨٣)، وقال البخاري وغيره: مات سنة (٢٢٢)، زاد محمد بن سعد: في ذي الحجة بِحِمْصَ، له في ابن ماجه حديث واحد في خطبة عليّ رَظُلّه بنتَ أبي جهل. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثاً. ٣ - (شُعَيْبٌ) بن أبي حمزة، واسم أبيه دينار الأموي مولاهم، أبو بِشْر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ [٧]. رَوَى عن الزهريّ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، وأبي الزناد، وابن المنكدر، ونافع، وهشام بن عروة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه بشر، وبقية بن الوليد، والوليد بن مسلم، ومسكين بن بُكير، وأبو اليمان، وعليّ بن عَيّاش الحمصيّ، وعِدّة. ٢٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أحمد: رأيت كُتُب شعيب، فرأيتها مضبوطةً مُقَيَّدةً، ورَفَع من ذكره، قلت: فأين هو من الزُّبَيديّ؟ قال: مثله، وقال الأثرم عن أحمد نحو ذلك، وقال محمد بن علي الْجُوزجانيّ عن أحمد: ثبتٌ صالح الحديث، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، مثلُ يونس وعُقيل، يعني في الزهري، وكَتَب عن الزهري إملاءً للسلطان، وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: شعيبٌ من أثبت الناس في الزهريّ، كان كاتباً له، وقال العجليّ، ويعقوب بن شيبة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال عليّ بن عيّاش: كان من كبار الناس، وكان ضَنِيناً بالحديث، وكان مِن صِنفٍ آخر في العبادة، وكان من كُتّاب هشام، وقال أبو اليمان: كان عَسِراً في الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن شعيب، وابن أبي الزناد؟ فقال: شعيب أشبه حديثاً، وأصحّ من ابن أبي الزناد، وقال العجليّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال الخليليّ: كان كاتب الزهريّ، وهو ثقةٌ مُتَّفَقٌ عليه، حافظً أثنى عليه الأئمة، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان أصحّ حديثاً عن الزهريّ بعد الزُّبيديّ. قال يزيد بن عبد ربه: مات سنة اثنتين وستين ومائة، وقال يحيى بن صالح وغيره: مات سنة ثلاث، وقال عليّ بن عيّاش: كان قَوِيّاً، قد جاوز السبعين، وقال ابن حبان في ((الثقات)): مات سنة اثنتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثاً . وقوله: (بهذا الإسناد) إشارة إلى الإسناد الذي قبله، وهو إسناد یونس، عن ابن شهاب، يعني أن سند شعيب بن أبي حمزة هو إسناد يونس، عن ابن شهاب، فالزهريّ يرويه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة په. وقوله: (مثله، وزاد إلخ) يعني أن لفظ شعيب مثل لفظ يونس، غير أنه زاد في الحديث قوله: ((الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية))، ولفظ شعيب ساقه البخاريّ في ((صحيحه))، فقال: (٣٤٩٩) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ظته قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((الفخر، والخيلاء في الفدادين أهلِ الوبر، والسكينةُ في أهل الغنم، والإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية)). انتهى. ٢٧٧ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٩٧) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْتِدَةً، وَأَضْعَفُ قُلُوباً، الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، السَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ، قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ»). رجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي، غير: ١ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات، الفقهاء الكبار، من كبار [٣] مات بعد (٩٠) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦. وقوله: (السَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَم) أي السكون، والوقار، والتواضع (وَالْفَخْرُ) أي التفاخر بالآباء الأشرافَ، وكثرة الأموال، والْخَوَل، والجاه، وغير ذلك من مراتب أهل الدنيا (وَالْخُيَلَاءُ) بالمدّ وزنه عند سيبويه فُعَلَاءُ، وهي التكبّر، والتعاظم، يقال: خال الرجل يخول، فهو خال، وذو خال، ومَخِيلة، ومنه قول طلحة لعمر ضه: إنا لا نخول عليك، أي لا نتكبّر، ويقال: اختال يختال، فهو مختالٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] (فِي الْفَدَّادِينَ) أي الصّاحين (أَهْلِ الْوَبَرِ) يعني به أهل ذات الوبر، وهي الإبل، والوبر للإبل كالصوف للغنم، والشعر للمعز، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَئًا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] (قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ) أي جهة محل طلوعها، وهذا منه وَّ إخبار عن أكثر حال أهل الغنم، وأهل الإبل، وأغلبه، قاله القرطبيّ(١). (١) ((المفهم)) ٢٤٠/١ - ٢٤١. ٢٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وبقية شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَلْيَنُ قُلُّوباً، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ))). رجال هذا الإسناد ستة، وكلهم تقدّموا قريباً، فأما أبو معاوية، محمد بن خازم الضرير، والأعمش سليمان بن مهران، فتقدّما في الباب الماضي، وأما الباقون ففي هذا الباب، وأبو بكر بن أبي شيبة، هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، إبراهيم بن عثمان، وأبو كريب هو محمد بن العلاء، وأبو صالح ذكوان السمّان، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدّمت أيضاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩] (.) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ))). رجال هذا الإسناد أربعة، وكلهم تقدّموا قريباً، غير: ١ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّي الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب، قيل: كان في آخره يَهِمُ من حفظه [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. وزهير بن حرب تقدّم قبل باب، والباقيان تقدّما في هذا الباب. وقوله: (بهذا الإسناد) الإشارة إلى إسناد أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ر ◌ُه. ٢٧٩ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (٢٠٠) وقوله: (ولم يذكر ... إلخ) يعني أن جريراً، وإن كان حديثه مثل حديث أبي معاوية، إلا أنه نقص منه قوله: ((رأس الكفر قبل المشرق)). [تنبيه]: لفظ حديث جرير ساقه ابن منده في ((الإيمان))، فقال (٥٢٨/١): (٤٣٩) أنبأنا أبو القاسم، حمزة بن محمد بن العباس، ثنا أحمد بن المثنى، ثنا زهير بن حرب، (ح) وأنبأنا حسان، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا قتيبة، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله بَّهِ: ((الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانيةٌ، أتاكم أهل اليمن، هم أَرَقُّ أفئدةً، وألين قلوباً)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ (ح) وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ وَزَادَ: ((وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابٍ الْإِبِلِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَصْحَابِ الشَّاءِ»). رجال هذا الإسناد ثمانية : ١ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) الْعَسْكريّ، أبو محمد الْفَرائضيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ، يُغْرِبُ [١٠]. رَوَى عن غندر، وأبي أسامة، وحسين الجعفي، وشبابة بن سَوّار، ويحيى بن آدم، ويزيد بن هارون، ويعلى بن عُبيد، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وابن خزيمة، وأبو عَرُوبة، وعبدان الأهوازيّ، ومحمد بن يحيى بن مَنْدَه، وابن صاعد، وابن أبي داود، وغيرهم. قال أبو حاتم: شيخٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يُغْرِب عن شعبة، عن الأعمش بأشياء، مات سنة (٢٥٥)، أو ٢٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان بعدها بقليل، أو قبلها بقليل، وقال إبراهيم بن محمد الكنديّ، أحدُ الرواة عنه: مات سنة (٥٣). وله في هذا الكتاب (١٨) حديثاً. والباقون تقدّموا قريباً، فأما محمد بن جعفر، وهو غندر، وشعبة بن الحجّاج فتقدّما في الباب الماضي، وأما الباقون ففي هذا الباب. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) الإشارة إلى إسناد جرير بن عبد الحميد، يعني أن إسناد شعبة كإسناد جرير، رواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وقوله: (مِثْلَ حَدِيثٍ جَرِيرٍ ... إلخ) يعني أن لفظ حديث شعبة مثل لفظ حديث جرير، غير أن شعبة زاد في حديثه قوله: ((وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابٍ الْإِلِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَصْحَابِ الشَّاءِ». [تنبيه]: لفظ حديث شعبة ساقه أبو نعيم في ((المسند المستخرج))، فقال (١٤٠/١) : (١٨٦) حدثنا أبو علي بن الصوّاف، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي (ح) وحدثنا أبو أحمد، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا محمد بن بشار، ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، سمعت ذكوان، يحدث عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّرِ أنه قال: ((أهل اليمن أَرَقُّ أفئدةَ، وألين قلوباً، والفقه يمانٍ، والإيمان يمان، والخيلاء والكبر في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أصحاب الشاء)). [فائدة]: ((الشاء)) بالهمزة: جمع شاة بالهاء، قال في ((القاموس)): الشاة: الواحدة من الغنم، للذكر والأنثى، أو يكون من الضأن، والمعز، والظباء، والبقر، والنعام، وحُمُر الوحش، والمرأةِ، جمعه: شاءٌ. انتهى باختصار(١). وقال في ((المصباح)): الشاة من الغنم يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هذا شاةٌ للذكر، وهذه شاةٌ للأنثى، وشاةٌ ذَكَرٌ، وشاةٌ أُنثى، وتصغيرها شُوَيهةٌ، والجمع شاء، وشِيَاهُ بالهاء رُجوعاً إلى الأصل، كما قيل: شَفَةٌ، وشِفَاءٌ، (١) ((القاموس المحيط)) ص١١٢٤.