النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٨٩) ٦ - (ومنها): أن قيساً هو التابعيّ الذي تفرّد بالرواية عن العشرة المبشرين بالجنة كلِّهم على الصحيح، وإليه أشار السيوطيّ في ((ألفية الحديث)) بقوله : وَذَاكَ قَيْسٌ مَالَهُ نَظِيرُ وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ كَثِيرُ ٧ - (ومنها): كتابة (ح) ثلاث مرّات إشارة إلى التحويل، وقد سبق تمام البحث فيها، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) اختُلف في اسم أبيه، فقيل: هُرْمُز، وقيل: سعد، وقيل: كثير، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ قَيْساً) أي ابن أبي حازم، واختُلف في اسم أبيه، فقيل: حُصين، وقيل: عوف، وقيل: عبد عوف، وهو صحابيّ له حديث (يَرْوِي) جملة في محل نصب على الحال، من ((قيساً))، أي حال كونه راوياً (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ، واختُلف في نسبته إلى بدر، فقيل: لشهوده وقعة بدر، وقيل: إنه لم يشهدها، ولكنه سكن بدراً، والأول هو الأصح، وهو قول البخاريّ رحمه الله تعالى، فقد عدّه في ((صحيحه)) من البدريين، أنه (قَالَ: أَشَارَ النَّبِيُّ وَلِهِ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ) أي إلى جهة اليمن، فيه ردّ على من زعم أن المراد بقوله: ((يمان)) الأنصار؛ لكون أصلهم من أهل اليمن؛ لأن في إشارته إلى جهة اليمن ما يدلّ على أن المراد به أهلها حينئذ، لا الذين كان أصلهم منها، وسبب الثناء على أهل اليمن إسراعهم إلى الإيمان، وقبولهم(١). [فائدة]: قال البخاريّ في ((صحيحه)): سُمّيت اليمن؛ لأنها عن يمين الكعبة، والشام عن يسار الكعبة، والمشأمة الميسرة، واليد اليُسرى الشُّؤْمَى، والجانب الأيسر الأشأم. انتهى (٢). قال في ((الفتح)): هو قول أبي عُبيدة، وروي عن قُطرب قال: إنما سُمّيت (١) ((فتح)) ٦/ ٤٢٤ - ٤٢٥ كتاب بدء الخلق رقم (٣٣٠٠). (٢) راجع: ((صحيح البخاري)) ٦/ ٦٤٤ بنسخة ((الفتح)). ٢٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان يمناً؛ ليمنه، والشام شأماً؛ لشؤمه، وقال الهمدانيّ في ((الأنساب)): لَمّا ظَعَنت العرب العاربة، أقبل بنو قطن بن عامر، فتيامنوا، فقالت العرب: تيامنت بنو قطن، فسمّوا اليمن، وتشاءم الآخرون، فسُمّوا شاماً، وقيل: إن الناس لَمّا تفرّقت ألسنتهم حين تبلبلت ببابل أخذ بعضهم عن يمين الكعبة، فسُمّوا يمناً، وأخذ بعضهم عن شمالها، فسُمّوا شأماً، وقيل: إنما سُمّيت اليمن بيمن بن قحطان، وسُمّيت الشام بسام بن نوح، وأصله شام بالمعجمة، ثم عُرّب بالمهملة. انتھی(١) . (فَقَالَ: ((أَلَا إِنَّ الْإِيمَانَ هَهُنَا) قال القرطبيّ: قيل: هذه الإشارة صدرت منه ◌َ﴾، وهو بتبوك، وبينه وبين اليمن مكة والمدينة، ويؤيّد هذا قوله في حديث جابر ظته: ((الإيمان في أهل الحجاز))، أخرجه مسلم، فعلى هذا يكون المراد بأهل اليمن أهل المدينة ومن يليهم إلى أوائل اليمن، وقيل: كان بالمدينة، ويؤيّده أنه كونه بالمدينة كان غالب أحواله، وعلى هذا فتكون الإشارة إلى سُبّاق اليمن، أو إلى القبائل اليمنيّة الذين وفدوا على أبي بكر لفتح الشام، وأوائل العراق، وإليهم الإشارة بقوله وَّه: ((إني لأجد نَفَسَ الرحمن من قبل اليمن))(٢)، أي نصره في حياته وتنفيسه عنه فيها وبعد مماته. انتهى(٣). (١) راجع: ((الفتح)) ٦٥١/٦ ((كتاب المناقب)) رقم (٣٤٨٩ - ٣٤٩٩). (٢) قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في ((المسند)) (١٠٥٥٥): حدثنا عصام بن خالد، حدثنا حَرِيز، عن شَبِيب، أبي رَوْح، أن أعرابياً أتى أبا هريرة، فقال: يا أبا هريرة، حدثنا عن النبيّ وَله ... ، فذكر الحديث، فقال: قال النبيّ مَ : ((ألا إن الإيمان يمان، والحكمة يمانية، وأجد نفس ربكم من قبل اليمن))، وقال أبو المغيرة: ((من قبل المغرب، ألا إن الكفر والفسوق، وقسوة القلب في الفدادين، أصحاب الشعر والوبر، الذين يغتال الشياطين على أعجاز الإبل)). وهذا حديث رجال إسناده ثقات، فشبيب روى عنه جماعة، وهو من شيوخ حريز بن عثمان، وقد قال أبو داود: شيوخ حريز ثقات، ووثقه ابن حبّان، وعصام من شيوخ البخاريّ في ((صحيحه))، وقال عنه النسائي: ليس به بأس. (٣) ((المفهم)) ٢٣٦/١ - ٢٣٧. ٢٤٣ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٨٩) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الثاني هو الصواب، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى. وأما حديث: ((إني لأجد نفس الرحمن إلخ)) فقد أخرجه أحمد في ((مسنده))، بسند رجاله ثقات، كما قال الحافظ العراقيّ(١)، بلفظ: ((وأجد نَفَسَ ربكم من قِبَلِ اليمن)). (وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: القسوة، وغِلَظ القلوب اسمان لمسمّى واحد، وهو نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَنِّى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، والْبَثُّ هو الْحُزن. ويحتمل أن يقال: إن القسوة يُراد بها أن تلك القلوب لا تلين لموعظة، ولا تخشع لتذكار، وغِلَظها أن لا تفهم، ولا تعقل، وهذا أولى من الأول. انتهى (٢). (فِي الْفَدَّادِينَ) زعم أبو عمرو الشيبانيّ أنه بتخفيف الدال، وهو جمع فَدّان، بتشديد الدال، وهو عبارة عن البقر التي يُحْرَث عليها، حكاه عنه أبو عبيد، وأنكره عليه، وعلى هذا فالمراد بذلك أصحابها، فحُذف المضاف، والصواب: ((الْفَدّادون)) بتشديد الدال، جمع فَدّادٍ بدالين، أولاهما مشدّدة، وهذا قول أهل الحديث، وجمهور أهل اللغة الأصمعيّ وغيره، وهو من الْفَدِيد، وهو الصوت الشديد، فهم الذين تعلو أصواتهم في إبلهم وخيلهم وحروثهم، ونحو ذلك. وقال أبو عبيدة، معمر بن المثنى: هم المكثرون من الإبل الذين يملك أحدهم المائتين منها، إلى الألف، قاله ابن الصلاح رحمه الله تعالى(٣). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((الفذّادون)) مشدّد الدال: جمع فَدّاد، قال أبو عبيدة: هم المكثرون من الإبل، وهم جُفَاةُ أهل الخيلاء، واحدهم فدّاد، وهو الذي يملك من المائتين إلى الألف، وقال أبو العبّاس: هم الْجَمَّالُون، والبقّارون، والحمّارُون، والرّعيان، وقال الأصمعيّ: هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم، وأموالهم، ومواشيهم، قال: والفَدِيدُ الصوت، وقد فَدَّ الرجلُ يَفِدُّ فَدِيداً، وأنشد [من الطويل]: (١) ((تخريج أحاديث الإحياء)) ٢٥٣/١. (٣) ((الصيانة)) ص٢١٧. (٢) ((المفهم)) ١/ ٢٣٧. ٢٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أَعَاذِلَ مَا يُدْرِيكِ أَنْ رُبَّ هَجْمَةٍ لِأَخْفَافِهَا فَوْقَ الْمِتَانِ(١) فَدِيدُ ورجلٌ فَدّادٌ: شديد الصوت، وأما الْفَدَادينُ بتخفيف الدال: فهي البقر التي تَحْرُثُ، واحدها فَدَّان بالتشديد، عن أبي عمرو الشيبانيّ. قال القرطبيّ: وأما الحديث فليس فيه إلا رواية التشديد، وهو الصحيح، على ما قاله الأصمعيّ وغيره. انتهى(٢). (عِنْدَ أُصُولٍ أَذْنَابِ الْإِبِلِ) ((عند)) متعلّق بـ((الفذّادين))، يعني الذين لهم جَلَبَةٌ، وصِيَاحٌ عند أذناب إبلهم في حال سوقهم لها، قاله ابن الصلاح(٣). وقال القرطبيّ: المراد به - والله أعلم - الملازمون للإبل السائقون لها، ويظهر لي أن الفدّاد هو العامل في غير مكانه المصوّت عند أذناب الإبل سوقاً لها، وحدواً بها. انتهى (٤). (حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ) ((حيثُ)) ظرف متعلّق بـ(الفدّادين)) أيضاً، و (يطلُع)) بضم اللام، يقال: طلعت الشمس طُلُوعاً، من باب قَعَدَ، ومَطْلِعاً بفتح اللام، وكسرها، وكلُّ ما بدا لك من عُلْوٍ، فقد طَلَعَ عليك، قاله الفيّومي(٥). وقوله: ((قرنا الشيطان)) تثنية قَرْن، ومعناه: جانبا رأسه، وقيل: هما جَمْعَاه اللذان يُغْرِيهما بإضلال الناس، وقيل: شيعتاه من الكفار. والمراد بذلك اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان، ومن الكفر، كما قال ◌َّ في الحديث الآخر: ((رأسُ الكفر نحو المشرق))، وكان ذلك في عهده وَّر حين قال ذلك، ويكون حين يَخرُج الدجال من المشرق، وهو فيما بين ذلك منشأ الفتن العظيمة، ومثار الْكَفَرَة الترك الغاشمة العاتية الشديدة البأس، قاله ابن الصلاح(٦). وقال القرطبيّ: هذا تعيين لمواضعهم، كما قال في الرواية الأخرى: ((رأس الكفر قبل المشرق)). واختلف في قرني الشيطان، فقيل: هما ناحيتا رأسه العليا، وهذا أصل (١) «الْمِتَانُ)): الفلاة. (٣) ((الصيانة)) ص٢١٨. (٥) ((المصباح المنير)) ٣٧٥/٢. (٢) ((المفهم)) ٢٣٧/١ - ٢٣٨. (٤) ((المفهم)) ٢٣٨/١. (٦) ((الصيانة)) ص٢١٨. ٢٤٥ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٨٩) هذا اللفظ وظاهره، فإن قَرْن الشيء أعلاه في اللغة، فيكون معناه على هذا أن الشيطان ينتصب قائماً مع طلوع الشمس لمن يسجد؛ ليسجد له، ويُعْبَد بعبادتها، ويفعل هذا في الوقت الذي يَسجُد لها الكفّار، كما قال وَ لّ: ((إن الشمس تطلع، ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، ثم إذا قاربت الغروب قارنها، ثم إذا غربت فارقها)»(١) . وقيل: القرن: الجماعة من الناس والأمة، ومنه قوله وَله: ((خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... )) الحديث(٢)، وعلى هذا فيكون معنى قرني الشيطان في الحديث أنهما أمتان عظيمتان يعبدون غير الله، ولعلهم في ذلك ربيعة ومضر المذكوران في الحديث، أو أمتان من الفرس يعبدون الشمس، ويسجدون لها من دون الله، كما جاء في الحديث: ((وحينئذ يسجد لها الكفّار». وقال الخطابيّ: قرن الشيطان ضُرب به المثل فيما لا يُحمَد من الأمور. وقيل: المراد بهذا الحديث ما ظهر بالعراق من الفتن العظيمة، والحروب الهائلة، كوقعة الجمل، وحروب صفّين، وحروراء، وفِتَن بني أميّة، وخروج الخوارج، فإن ذلك كان أصله ومنبعه العراق، ومشرق نجد، وتلك مساكن ربيعة ومضر إذ ذاك، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ(٣). وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقوله: ((قرنا الشيطان)) القرنان ناحيتا الرأس، وهو مثل ما تقول: يتحرّك بحركتهم، ويتسلّط كالمعين لهم، وهذا على تأويل الحربيّ في أن الشمس تطلُع بين قرني شيطان، وقد يكون القرنان ها هنا ربيعة ومضر، وأضافهما إلى الشيطان؛ لاتّباعهما له، ويكون القرن أيضاً هنا يعني الجماعة الناجمة، والفئة الطالعة، كما قال في الحديث الآخر: ((هذا قرنٌ قد طلع)) (٤): أي أصحاب بدعة حَدَثُوا . (١) رواه مالك في ((الموطأ)) ٢١٩/١، والنسائيّ ٢٧٥/١. (٣) ((المفهم)) ٢٣٨/١ - ٢٣٩. (٢) متفق عليه. (٤) هذا أثر موقوف على خبّاب بن الأرتّ ◌ُبه، أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح = ٢٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ويكون القرن القوّة، فيكون معناه هنا إضافة قوّتهما إلى الشيطان، وعونهما له على ما يهمّ به، وقال الخطابيّ: القرن يُضرَب به المثل فيما لا يُحمد من الأمور، وقد ذهب بعض المتكلّمين على الحديث أن المراد بهذا ما طلع من جهة المشرق ببلاد العراق، من الفِتَن المبيرة في صدر الإسلام، من وقعة الجَمَل، وصِفّين، وحَرُوراء، وقُتون بني أميّة، وكلّ ذلك كان بمشرق نجد والعراق، وقد جاء في حديث الخوارج: ((يخرج ناس من المشرق)) (١)، ثم خروج دُعاة بني العباس من أقصى المشرق، وارتجاج الأرض فتنةً، ويكون الكفر ها هنا كفر النعم، وأكثر الفِتن والأحداث والبدع إنما كانت من قبل المشرق، قال: وقد يكون الكفر على وجهه، والمراد برأس الكفر الدجّال؛ لأن خروجه من قبل المشرق(٢)، أو يكون على ما ذكره من قدّمنا من أهل فارس، وقد جاء في الحديث المتّفق عليه، بمعنى ما تقدّم أن النبيّ وَّ قال وهو يشير إلى المشرق: ((إن الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان))، أو قال: ((قرن الشمس))، وهو محمول على ما تقدّم من الوجوه كلّها، ويدلّ على صحّة هذا التأويل أيضاً دعاء النبيّ وَّر على مضر في غير موطن، وقوله في حديث حُذيفة رَُّه: ((لا تَدَعُ مُضر عبداً لله رَ مؤمناً إلا فتنوه، أو قتلوه))، وقد بيّنه حذيفة ظُه حين دخلوا عليه عند قتل عثمان رظبه، حتى ملأوا حُجرته وبيته من عنه أنه رأى ابنه عند قاصّ، فلما رجع اتّزر، وأخذ السوط، وقال: ((أمع العمالقة؟ = هذا قرنٌ قد طلع)) ((المصنف)) ٥٥٩/٨ - ٥٦٠. (١) أخرجه الشيخان، من حديث أبي سعيد الخدري ظه، عن النبيّ وَّل قال: ((يخرج ناس من قبل المشرق، ويقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرُقُون من الدين كما يمرُق السهم من الرَّمِيَّة، ثم لا يعودون فيه، حتى يعود السهم إلى فُوقه))، قيل: ما سيماهم؟ قال: ((سيماهم التحليق))، أو قال: ((التسبيد)). (٢) يشير إلى ما أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه بإسناد صحيح، من حديث أبي بكر الصديق رضيه قال: حدثنا رسول الله وَ﴾ قال: ((الدجال يخرج من أرض بالمشرق، يقال لها: خُرَاسان، يتبعه أقوام، كأنّ وجوههم الْمَجَانّ الْمُطْرقة))، قال أبو عيسى: حديث حسن غريب. ٢٤٧ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٨٩) ربيعة ومُضر، فقال: ولا تبرح ظلمة مضر كلّ عبد مؤمن تفتنه، أو تقتله(١). قال الطحاويّ: المراد بمضر هنا بعضهم، كما بيّنه حذيفة، والعرب تقول مثل هذا في الأشياء الواسعة، تُضيف ما كان من بعضها إلى جملتها، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ، قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقٌ﴾ [الأنعام: ٦٦]، ولم يُرد الجميع، وكذلك يُحمل على هذا ما ورد في الحديث المتقدّم، والأحاديث يُصدّق بعضها بعضاً على ما رجحناه من التأويل. انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى(٢). وقال في ((الفتح)): وأما قوله: ((قرن الشمس)): فقال الداوديّ: للشمس قرن حقيقةً، ويحتمل أن يريد بالقرن قُوّةً الشيطان، وما يستعين به على الإضلال، وهذا أَوْجَه، وقيل: إن الشيطانَ يَقْرُن رأسه بالشمس عند طلوعها؛ ليقع سجود عَبَدَتها له، قيل: ويحتمل أن يكون للشمس شيطانٌ تَطْلُع الشمس بین قرنیه. وقال الخطابيّ: القرن الأمة من الناس، يَحْدُثون بعد فناء آخرين، وقَرْنُ الحية يضرب به المثل فيما لا يُحْمَد من الأمور، وقال غيره: كان أهل المشرق يومئذ أهلَ كفر، فأخبر ◌َّر أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أَخْبَر، وأولُ الفتن كان من قِبَل المشرق، فكان ذلك سبباً للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يُحِبُّه الشيطان، ويفرح به، وكذلك الْبِدَع نشأت من تلك الجهة. وقال الخطابيّ: نَجْدٌ من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مَشْرِق أهل المدينة، وأصل النجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور، فإنه ما انخفض منها، وتِهَامةُ كلَّها من الغَوْر، ومكة من تهامة. انتهى. وعُرِفَ بهذا وَهَاءُ ما قاله الداوديّ: إن نجداً من ناحية العراق، فإنه تَوَهَّم أن نجداً موضع مخصوص، وليس كذلك، بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما (١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٤/ ٤٧٠، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبيّ. (٢) ((إكمال المعلم)) ٣١٢/١ - ٣١٧. ٢٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان يليه يُسَمَّى المرتفع نجداً، والمنخفض غوراً. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو تحقیق نفیسٌ . وقوله: (فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)) بدل من قوله: ((في الفدّادين))، أي القسوة في ربيعة ومضر الفدّادين(٢)، أي الذين يرفعون أصواتهم عند سوق إبلهم، قاله ابن الصلاح(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مسعود عق به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [١٨٩/٢٣] (٥١)، و(البخاريّ) في (٣٣٠٢ و ٣٤٩٨ و٤٣٨٧ و٥٣٠٣)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٥٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٨/٤ و٢٧٣/٥) (١٨٢/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦١ و١٦٢)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٦٤/١٧ - ٥٦٩)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٤٢٦ و٤٢٧)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٨٠٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تفاضل أهل الإيمان فيه. ٢ - (ومنها): بيان فضل أهل اليمن؛ لرجحانهم في قوّة الإيمان. ٣ - (ومنها): ذمّ أهل المشرق، وبيان تسلّط الشيطان عليهم، ثم إن ذمٌ هؤلاء، ومدح أهل اليمن محمول في ذلك الوقت، حيث استجاب أهل اليمن لدعوة الإسلام، وتمرّد أهل المشرق من ربيعة ومضر، وليس عامّاً في كلّ زمان، فقد ظهر في كلّ منهما ما يخالف وصفهم المذكور، كما لا يخفى على من تتبع التواريخ. ٤ - (ومنها): ذمّ قسوة القلوب وغِلَظِها، وأن سبب ذلك هو الانهماك في (١) ((الفتح)) ٥٩/١٣ ((كتاب الفتن)) رقم الحديث (٧٠٩٢ - ٧٠٩٣). (٢) ((الصيانة)) ص٢١٨. (٣) ((الصيانة)) ص٢١٨. ٢٤٩ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٨٩) الشهوات، واستيلاء حبّ الدنيا على القلوب، فينبغي للمسلم أن يبتعد مما يكون سبباً لقسوة قلبه، ويكثر من ذكر الله تعالى، وذكر الموت والبلى، فإن ذلك يخرج حبّ الدنيا منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في إتمام ما وعدنا من استيفاء ما قاله أهل العلم في نسبته ﴿ الإيمان إلى أهل اليمن: قد أجاد الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى في ذلك، حيث قال: أما ما ذُكِر من نسبة الإيمان إلى أهل اليمن، فقد صَرَفُوه عن ظاهره، من حيث إن مبدأ الإيمان من مكة، ثم من المدينة - حرسهما الله تعالى - فحَكَی أبو عبيد، إمام الغريب، ثم مَن بعده في ذلك أقوالاً: [أحدها]: أنه أراد بذلك مكة، فإنه يقال: إن مكة من تهامة، وتهامة من أرض اليمن. [والثاني]: أن المراد مكة والمدينة، فإنه يروى في الحديث أن النبيّ ◌َّة قال هذا الكلام، وهو بتبوك، ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن، وهو يريد مكة والمدينة، فقال: ((الإيمان يمانٍ))، ونسبهما إلى اليمن؛ لكونهما حينئذ من ناحية اليمن، كما قالوا: الركن اليماني وهو بمكة، لكونه إلى ناحية اليمن. [والثالث]: ما ذهب إليه كثير من الناس، وهو أحسنها عند أبي عبيد، أن المراد بذلك الأنصار؛ لأنهم يمانون في الأصل، فنسب الإيمان إليهم؛ لكونهم أنصاره. قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: وأنا أقول: لو جَمَعَ أبو عبيد، ومَن سَلَك سبيله طُرُق الحديث بألفاظه، كما جمعها مسلم وغيره، وتأمّلوها، لصاروا إلى غير ما ذكروه، ولَمَا تركوا الظاهر، ولَقَضَوا بأن المراد الیمن، وأهل اليمن على ما هو المفهوم من إطلاق ذلك؛ إذ مِنْ ألفاظه: ((أتاكم أهل اليمن))، والأنصارُ من جملة المخاطبين بذلك، فهم إذن غيرهم. وكذلك قوله وسفير: ((جاء أهل اليمن))، وإنما جاء حينئذ غير الأنصار، ثم إنه رَّهُ وَصَفَهم بما يَقضي بكمال إيمانهم، ورَتَّبَ عليه: ((الإيمانُ يَمَانٍ))، فكان ذلك نسبةً للإيمان إلى من أتاهم من أهل اليمن، لا إلى مكة والمدينة. ٢٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره وحملِهِ على أهل اليمن حقيقةً؛ لأن مَنِ اتصف بشيء، وقَوِي قيامه به، وتأكّد اضطلاعه به، نُسِبَ ذلك الشيءُ إليه؛ إشعاراً بتميُّزه به، وكمال حاله فيه، وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان، وحال الوافدين منهم في حياة رسول الله وَير، وفي أعقاب موته، كأَوْيس القَرَنيّ، وأبي مسلم الْخَوْلانِيّ ر﴿ّ، وشبههما ممن سلم قلبه، وقَوِيَ إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم لذلك؛ إشعاراً بكمال إيمانهم، من غير أن يكون في ذلك نَفْيٌ لذلك عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله وَلجر: ((الإيمان في أهل الحجاز)). ثم إنّ المراد بذلك الموجودون منهم حينئذ، لا كلُّ أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه، هذا هو الحقّ في ذلك، ونشكر الله ◌ُعَلَ على هدايتنا له. انتهى كلام ابن الصلاح رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. وقد أحسن الإمام الطحاويّ رحمه الله تعالى الكلام في هذا أيضاً في كتابه ((شرح مشكل الآثار)) (٢٦٨/٢ - ٢٧٨) حيث قال: باب بيان مشكل ما روي عنه و لر من قوله: ((أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوباً، وأرَقّ أفئدةً، الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية))، ثم أورده بأسانيده، وألفاظه المختلفة. ثم قال: ففيما روينا عن رسول الله وَ ل﴿ ذِكرُهُ أهل اليمن بما ذكرهم به في هذا الحديث، فذهب قوم إلى أنه إنما عَنَى به أهل تهامة، منهم سفيان بن عيينة، فنظرنا فيما قالوا من ذلك، هل هو كما قالوه، أم لا؟ ثم أخرج بسنده حديث أبي مسعود ظُبه قال: أشار رسول الله وَ ل بيده نحو اليمن، فقال: ((الإيمان ها هنا، ألا وأن القَسْوَة وغِلَظ القلوب في الفدادين، أصحاب الإبل، حيث يطلع قرن الشيطان، في ربيعة ومضر)). قال: فأضاف القسوة وغِلَظ القلوب إلى الفذّادين من ربيعة ومضر، فكان في ذلك ما قد دَلّ على أن المضاف إليهم من الإيمان، والحكمة، والفقه، أضدادهم الذين ليسوا من ربيعة، ولا من مضر. (١) ((صيانة صحيح مسلم)) ص ٢١٢ - ٢١٤. ٢٥١ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٨٩) وفي ذلك ما ينبغي أن يكون أراد بما في الآثار التي في الفصل الأول أهلَ تهامة؛ لأن أولئك، أو أكثرهم من مضر. ثم وجدنا عنه ◌َ ﴿ في هذا المعنى ما هو أكشف من هذا الحديث. ثم أخرج بسنده عن عمرو بن عَبَسة، قال: عُرِضت الخيل على رسول الله وَخلال، وعنده عيينة بن بدر، فقال رسول الله وَ له العيينة: ((أنا أفرسُ بالخيل منك))، فقال عيينة: إن تكن أفرس بالخيل مني، فأنا أفرس بالرجال منك، قال: ((وكيف؟)) قال: إن خير رجال لَبِسُوا البرود، ووضعوا سيوفهم على عواتقهم، وعَرَضُوا الرِّماح على مناسج خيولهم(١) رجال نجد، فقال ◌َّ: ((كذبت، بل هم أهل اليمن، الإيمان يمانٍ، إلى لَخْم وجُذَام، وعاملةَ، ومأكول حِمير خير من آكلها، وحضرموت خير من بني الحارث)»، وسَمّى الأقيال الأنكال(٢). (١) المنسج: ما برز من فروع الكتفين إلى أصل العنق. (٢) هو حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) ٣٨٧/٤، فقال: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني شريح بن عبيد، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، عن عمرو بن عَبَسَة السلمي، قال: كان رسول اللهِوَ ﴿ يَعْرِضُ يوماً خيلاً، وعنده عُيينة بن حِصْن بن بَدْر الفزاري، فقال له رسول الله وَله: ((أنا أفرس بالخيل منك)»، فقال عيينة: وأنا أفرس بالرجال منك، فقال له النبي ◌َّار: ((وكيف ذاك؟)) قال: خير الرجال رجال يَحمِلون سيوفهم على عواتقهم، جاعلين رماحهم على مناسج خيولهم، لابسو البرود، من أهل نجد، فقال رسول الله وَله: ((كَذَبتَ، بل خير الرجال رجال أهل اليمن، والإيمان يمان، إلى لخم، وجُذام، وعاملةَ، ومأكول حمير خير من آكلها، وحضرموت خير من بني الحارث، وقبيلة خير من قبيلة، وقبيلة شر من قبيلة، والله ما أبالي أن يهلك الحارثان كلاهما، لعن الله الملوك الأربعة: جمداء، ومخوساء، ومشرخاء، وأبضعة، وأختهم العمردة))، ثم قال: ((أمرني ربي ◌َ أن ألعن قريشاً مرتين، فلعنتهم، وأمرني أن أصلي عليهم، فصليت عليهم مرتين))، ثم قال: ((عُصَيّة عصت الله ورسوله، غير قيس، وجعدة، وعصية))، ثم قال: (لَأَسلمُ، وغفار، ومزينة، وأخلاطهم من جهينة، خير من بني أسد، وتميم، وغطفان، وهوازن، عند الله 8 يوم القيامة))، ثم قال: ((شر قبيلتين في العرب نجران وبنو تغلب، وأكثر القبائل في الجنة مَذْحِج، ومأكول))، قال: قال أبو المغيرة: قال صفوان: حَمير حِمير خير من آكلها، قال: من مضى خير ممن بقي. انتهى. = ٢٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال: ففيما روينا في هذا الحديث عن رسول الله وَ 38 تبيانه أهل اليمن الذين أرادهم بما في الآثار الأُوَل(١) وأنهم أهل هذه القبائل اليمانية، لا من سواهم. ثم أخرج بسنده عن أبي سعيد الخدريّ رَظُّه قال: خرجنا مع رسول الله ﴿ عام الحديبية، فذكر حديثاً طويلاً، فيه: أن رسول الله رح لته قال: (لَيَأْتِيَنَ أقوام، تَحْقِرون أعمالكم مع أعمالهم))، قلنا: من هم يا رسول الله، أقريش؟ قال: ((لا، أهل اليمن، هم أرَقّ أفئدةً، وألين قلوباً))، فقلنا: هم خير منا يا رسول الله؟ فقال: ((لو كان لأحدهم جبلٌ من ذهب، فأنفقه ما أدرك مُدّ أحدكم، ولا نصيفه، وإن فصل ما بيننا وبين الناس هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ﴾ الآية [الحديد: ١٠]»(٢) . قال: فكان في هذا ما قد دَلّ على حقيقة أهل اليمن الذين أرادهم رسول الله وَّ في الفصل الأول مَنْ هم؟ وأنهم خلاف أهل تهامة على ما ذكره ابن عيينة . ثم أخرج بسند صحيح عن أنس عظته أن رسول الله وَلَه قال: ((يَقْدَمُ قوم، هم أرَقَّ منكم أفئدة))، فقَدِمَ الأشعريون، فيهم أبو موسى، فجعلوا يرتجزون، ويقولون : غَداً نَلْقَى الْأَحِبَّهْ مُحَمَّداً وَحِزْبَهْ قال: ففي ذلك ما قد دَلّ أيضاً على أن أهل اليمن المرادين هم = والحاصل أن الحديث صحيح الإسناد، انظر: ما كتبه محقق ((شرح مشكل الآثار)) في هامشه ٢٧٤/٢ - ٢٧٥. (١) هي الأحاديث التي أوردها الإمام مسلم رحمه الله تعالى في هذا الباب في مدح أهل اليمن. (٢) هذا حديث رجاله رجال الصحيح، غیر هشام بن سعد، فهو وإن روی له مسلم، إلا أنه مختلف فيه، وقال في ((التقريب)): صدوقٌ له أوهام، وقال ابن كثير في ((تفسيره)) ٣٨/٨ بعد أن أورده عن ابن جرير، وابن أبي حاتم ما نصّه: وهذا الحديث غريب بهذا السياق، والذي في ((الصحيحين)) من رواية جماعة عن عطاء بن يسار، عن أبي سعد ذكر الخوارج: ((تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ... )) الحديث. ٢٥٣ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٩٠) الأشعريون، وأمثالهم القادمون من حقيقة اليمن، دون من سواهم. ثم أخرج بسند صحيح أيضاً عن أنس عظ اته قال: لَمّا قَدِمَ أهل اليمن، قال النبيّ وَّه: ((قد أقبل أهل اليمن، هم ألين قلوباً منكم، وهم أول من جاء بالمصافحة)». قال: وما في هذا الباب من الآثار، فكثير، اكتفينا منها بما جئنا به منها في هذا الباب، مما قد وضح به ما قد ذكرناه من حقيقة أهل اليمن المرادين بما فيها، وأنهم ليسوا أهل تهامة، كما قال ابن عيينة. انتهى كلام الطحاويّ رحمه الله تعالى باختصار(١)، وهو كلام نفيس، وبحثٌ أنيس. حاصله أن المراد بأحاديث الباب هم أهل اليمن حقيقةً، وأن من فسّرهم بغيرهم فقد أخطأ، يردّه ما سبق من الأدلة التي لا يَرتاب من تأملها أنها لا يمكن تأويلها على غير ظواهرها، فتبصر بالإنصاف، ولا تَحِد عن الصواب بالاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٠] (٥٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْتِدَةً، الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ بَمَانِيَةٌ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ الحافظ، نزيل بغداد، ثقة، لم يَتكلّم فيه أحدٌ بحجة [١٠]. رَوَى عن مالك حديثاً واحداً، وحماد بن زيد، وإسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن زكريا، وجرير بن حازم، وفُلَيح بن سليمان، ويزيد بن زريع، وغيرهم. (١) ((شرح مشكل الآثار)) ٢٦٨/٢ - ٢٧٨. ٢٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وروى له النسائي بواسطة علي بن سعيد بن جرير، والحسن بن أحمد بن حبيب الكرمانيّ، وحدث عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والذُّهْليّ، وموسى بن هارون، ويعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، وقال الآجريّ: سألت أبا داود، عن أبي الربيع، والْحَجَبِيّ: أيهما أثبت في حماد بن زيد؟ فقال: أبو الربيع أشهرهما، والحجبي ثقة، وقال ابن خِرَاش: تكلم الناس فيه، وهو صدوق، وقال ابن قانع: ثقةٌ، صدوقٌ، وقال الساجيّ: سمعت عبد القدوس بن محمد يقول: قال لي عبد الله بن داود الْخُرَيبيّ: اقرأ على أبي الربيع، فإنه موضعٌ يُقْرَأُ عليه، وقال مسلمة بن قاسم: بصريّ ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال الحافظ: ولا أعلم أحداً تَكَلَّم فيه، بخلاف ما زَعَمَ ابن خِرَاش. (١) . انتھی وقال الحضرميّ وغيره: مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. وله في هذا الكتاب (١٣٩) حديثاً. ٢ - (حَمَّادٌ) بن زيد بن درهم الأزديّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. [تنبيه]: كون حماد هنا هو ابن زيد هو الذي صرّح به الإمام ابن حبّان في ((صحيحه)) ٢٨٩/١٦ (٧٣٠٠) قال: أخبرنا أحمد بن عليّ بن المثنّى، حدّثنا أبو الربيع الزهرانيّ، حدّثنا حمّاد بن زيد، عن أيوب إلخ، وهو الذي اقتضاه صنيع الحافظ المزّيّ في ((تحفة الأشراف)) ١٦٤/١٠ حيث أورده في ترجمة حمّاد بن زيد، عن أيوب السختيانيّ، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة لكن الذي صرّح به أبو نعيم في «المسند المستخرج)) ١٣٨/١ (١٧٩) أنه حماد بن سلمة، والذي يظهر لي أن الأول هو الصواب؛ لأنهم ذكروا أن أبا (١) ((تهذيب التهذيب)) ٢/ ٩٤. ٢٥٥ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٩٠) الربيع الزهرانيّ لم يروٍ عن ابن سلمة، وإنما يروي عن ابن زيد فقط، فقد ذكر الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى في ترجمة حماد بن زيد من ((سير أعلام النبلاء)) فصلاً بيّن فيه ما اختصّ بكل من الحمادين من الرواة، فذكر ممن اختصّ بحماد بن زيد، ولم يلق حماد بن سلمة: أبا الربيع الزهرانيّ، وكذلك صرّح في (تهذيب الكمال)) ٤٢٣/١١، و((تهذيب التهذيب)) ٩٤/٢ بأنه يروي عن ابن زيد، وكذا الخطيب البغداديّ في ((تاريخه)) ٤٠/٩ صرّح بذلك. والحاصل أن الذي يترجّح عندي أن حمّاداً هنا هو ابن زيد، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قد عقد الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى في ((سير أعلام النبلاء)) في آخر ترجمة حماد بن زيد فصلاً مهمّا يتعلّق بالتمييز بين الحمّادين إذا وقعا في السند مهملين، فقال: (فصل): اشترك الحمادان في الرواية عن كثير من المشايخ، ورَوَى عنهما جميعاً جماعة من المحدثين، فربما رَوَى الرجل منهم عن حماد لم ينسبه، فلا يُعْرَف أيّ الحمادين هو، إلا بقرينة، فإن عَرِيَ السند من القرائن، وذلك قليل لم نقطع بأنه ابن زيد، ولا أنه ابن سلمة، بل نتردد، أو نقدِّره ابن سلمة، ونقول: هذا الحديث على شرط مسلم؛ إذ مسلم قد احتجّ بهما جميعاً. فمن شيوخهما معاً أنس بن سيرين، وأيوب، والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سُويد، وبُرْد بن سِنَان، وبشر بن حرب، وبَهْز بن حكيم، وثابت، والجعد أبو عثمان، وحميد الطويل، وخالد الحذّاء، وداود بن أبي هند، والْجُريريّ، وشعيب بن الحبحاب، وعاصم بن أبي النَّجُود، وابن عون، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس، وعبيد الله بن عمر، وعطاء بن السائب، وعلي بن زيد، وعمرو بن دينار، ومحمد بن زياد، ومحمد بن واسع، ومَطَرٌ الوراق، وأبو جمرة الضُّبَعيّ، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويحيى بن عتيق، ويونس بن عبيد. وحَدّث عن الحمادين: عبد الرحمن بن مهديّ، ووكيع، وعَفّان، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب، وشيبان، والقعنبيّ، وعبد الله بن معاوية الْجُمَحيّ، وعبد الأعلى بن حماد، وأبو النعمان عارم، وموسى بن إسماعيل، لكن ما له عن حماد بن زيد سوى حديث واحد، ومؤمل بن ٢٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان إسماعيل، وهُذْبة، ويحيى بن حسان، ويونس بن محمد المؤدِّب، وغيرهم. والحفاظ المختصون بالإكثار، وبالرواية عن حماد بن سلمة: بهز بن أسد، وحَبّان بن هلال، والحسن الأشيب، وعمر بن عاصم. وأما المختصون بحماد بن زيد الذين ما لَحِقُوا ابن سلمة، فهم أكثر، وأوضح، كعلي بن المديني، وأحمد بن عبدة، وأحمد بن المقدام، وبشر بن معاذ العَقَدي، وخالد بن خِدَاش، وخَلَف بن هشام، وزكريا بن عدي، وسعيد بن منصور، وأبي الربيع الزهراني، والقواريريّ، وعمرو بن عون، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن أبي بكر الْمُقَدَّميّ، ولُوَين، ومحمد بن عيسى بن الطَّاع، ومحمد بن عُبيد بن حِسَاب، ومسدد، ويحيى بن حبيب، ويحيى بن يحيى التميميّ، وعِدّة من أقرانهم. فإذا رأيت الرجل من هؤلاء الطبقة، قد رَوَى عن حماد وأبهمه، عَلِمتَ أنه ابن زيد، وأن هذا لم يُدرك حماد بن سلمة، وكذا إذا رَوَى رجل ممن لقيهما، فقال: حدثنا حماد، وسكت نُظِر في شيخ حماد من هو؟ فإن رأيته من شيوخهما على الاشتراك ترددت، وإن رأيته من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد، عرفته بشيوخه المختصين به. ثم عادةُ عفّان لا يروي عن حماد بن زيد إلا وينسبه، وربما رَوَى عن حماد بن سلمة، فلا ينسبه، وكذلك يفعل حجاج بن منهال، وهُذْبة بن خالد، فأما سليمان بن حرب فعلى العكس من ذلك، وكذلك عارم يفعل، فإذا قالا : حدثنا حماد، فهو ابن زيد، ومتى قال موسى التبوذكي: حدثنا حماد، فهو ابن سلمة، فهو راويته. انتهى كلام الذهبيّ رحمه الله تعالى(١)، وهو بحث نفيسٌ ومفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبتٌ حجة، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٠٥. ٤ - (مُحَمَّدٌ) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة (١) راجع: ((سير أعلام النبلاء)) ٧/ ٤٦٤ - ٤٦٦. ٢٥٧ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٩٠) البصريّ، ثقة ثبتٌ عابدٌ كبير القدر [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٨. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) لَبه تقدّم في تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فلم يرو عنه الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن شيخه هذا أولُ محلّ ذكره من هذا الكتاب، وجملة ما رواه عنه المصنّف فيه (١٣٩) حديثاً، كما أسلفته آنفاً. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أيوب عن محمد. ٥ - (ومنها): أن أبا هريرة له رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌ََّهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ) هذا يردّ قول من قال: إن الذين نُسب إليهم الإيمان هم الأنصار؛ لأن من جملة المخاطبين الأنصار، فالذين جاءوا غيرهم، فالحقّ أن المراد بهم أهل البلد المعروف (هُمْ أَرَقَّ أَفْئِدَةً) المشهور أن الفؤاد هو القلب، فعلى هذا يكون كرر لفظ القلب في الرواية التالية بلفظين، وهو أولى من تكريره بلفظ واحد، وقيل: الفؤاد غير القلب، وهو عين القلب، وقيل: باطن القلب، وقيل: غشاء القلب، وأما وصفها باللين والرِّقّة والضعف، فمعناه أنها ذات خشية، واستكانة، سريعة الاستجابة، والتأثر بقوارع التذكير، سالمة من الغِلَظ والشدة والقسوة التي وَصَفَ بها قلوب الآخرين. انتهى(١). وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ومعنى ((أرقّ أفئدةً))، و((ألين قلوباً))، و((أضعف)) متقاربة، وكلّها راجع إلى ضدّ القسوة والغلظ، وذلك أن من (١) ((شرح مسلم)) ٣٣/٢ - ٣٤. ٢٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان رقّ قلبه ولان قَبِل المواعظ، وخضع للزواجر، وسارع إلى الخير، وصفاء الإيمان والفقه والحكمة، بخلاف من قسا قلبه، وغلظ، وكَثُفَت حُجُبُ الكبر والفخر والعجب عليه. وقد يكون ذكر القلوب والأفئدة ها هنا بمعنى واحد، تكرّرت باختلاف اللفظ، كما اختلف اللفظ الذي قبلها، وقد يكون بينهما فرقٌ؛ إذ قيل: إن الفؤاد داخل القلب، فوصف القلب باللين والضعف، والفؤاد بالرّقّة، أي إن قلوبهم أسرع انعطافاً وتقبّلاً للإيمان من غيرها؛ إذ أفئدتها أرقّ وأصفى لقبول الإيمان والحكمة، وأقلّ حُجُباً، وأغشيةً من غيرها. وقد تكون الإشارة بلين القلب إلى خفض الْجَنَاحِ، ولين الجانب، والانقياد، والاستسلام، وترك الغلوّ، وهذه صفة الظاهر، والإشارة برقّة الأفئدة إلى الشفقة على الخلق، والعطف عليهم، والنصح لهم، وهذه صفة الباطن، فكأنه أشار إلى أنهم أحسن أخلاقاً ظاهراً وباطناً . وقد تكون الإشارة بلين القلوب، ورقّة الأفئدة إلى كثرة الخوف، والانزعاج للمواعظ والأذكار. انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأَوْلى حمل رقّة الأفئدة، ولين القلوب، وضعفها على ظاهرها، وأن ما ذكره القاضي من الاحتمالات هي نتائج الرقّة واللين، فلا تنافي بينها، فتأمله، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((هم أرقّ أفئدة)) يعني من أهل المشرق، لا من أهل الحجاز؛ لأنه * قد قال في الحديث الآخر: ((الإيمان في أهل الحجاز))، واليمن من الحجاز، وقد وَصَفَ أهل اليمن في هذا الحديث بضدّ ما وَصَفَ به أهل العراق، فإنه قابل وصفي القسوة والغِلَظ بوصفي الرقّة والضعف، والرقّة في مقابلة القسوة، والضعف يقابل الغلظ، فمعنى أرقّ: أخشع، ومعنى أضعف: أسرع فهماً، وانفعالاً للخير. و((الأفئدة)): جمع فُؤاد، وهو القلب، وقيل: الفؤاد داخل القلب، أي اللطيفة القابلة للمعاني من العلوم وغيرها. انتهى (٢). (١) ((إكمال المعلم)) ٣٢٠/١ - ٣٢١. (٢) ((المفهم)) ٢٣٩/١ - ٢٤٠. ٢٥٩ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (١٩٠) ونقل الطيبيّ عن المظهر، قال: وَصَفَ الأفئدة بالرقّة، والقلوب باللين، وذلك أنه يقال: إن الفؤاد غشاء القلب، وإذا رقّ نَفَذَ القول، وخلص إلى ما وراءه، وإذا غلظ تعذّر الوصول إلى داخله، فإذا صادف القلب ليّناً عَلِقَ به، ونَجَعَ فیه(١) . وقال القاضي البيضاويّ: الرقّة ضدّ الغلظة والصفاقة، واللين مقابل للقساوة، فاستُعير في أحوال القلب، فإذا نَبَا عن الحقّ، وأعرض عن قبوله، ولم يتأثّر عن الآيات والُّذُر يوصف بالغلظة، فكان شغافه صَفِيقاً لا ينفذ فيه الحقّ، وجرمه صلب لا يؤثّر فيه الوعظ، وإذا كان بعكس ذلك يوصف بالرّقّة واللين، فكان حجابه رقيقاً، لا يأبى نفوذ الحقّ، وجوهره ليّن يتأثّر بالنصح. ويحتمل أن يكون المراد بالرقّة جَوْدَةُ الفهم، وباللين قبول الحقّ، فإن رقّة الفؤاد تعين على قبول الحقّ بسهولة، واللين يقتضي عدم الممانعة والانفعال عن المؤثّر بيسر، ولعله لذلك أضاف الرقّة إلى الفؤاد، واللين إلى القلب، فإنه وإن كان الفؤاد والقلب واحداً، لكن الفؤاد فيه معنى النفاذ، وهو التوقّد، يقال: فَأَدتُ اللحمَ، أي شويته، والقلب فيه معنى التقلّب، يتقلّب حيث حاله بسبب ما يعتريه . ثم لَمّا وصفهم بذلك أتبعه ما هو كالنتيجة والغاية، وهو قوله: ((الإيمان يمان، والحكمة يمانية))، فإن صفاء القلب، ورقّته، ولين جوهره يؤدّي إلى عرفان الحقّ والتصديق به، وهو الإيمان، والانقياد لما يوجبه ويقتضيه، والتيقّظ والإيقان فيما يذره ويأتيه، وهو الحكمة، فتكون قلوبهم معادن الإيمان، وينابيع الحكمة، وهي قلوب منشؤها اليمن، نُسب إليه الإيمان والحكمة معاً؛ لانتسابهما إليه؛ تنويهاً بذكرهما، وتعظيماً لشأنهما. وقال الطيبيّ: يمكن أن يراد بالقلب والفؤاد ما عليه أهل اللغة في كونهما مترادفين، فكُرّر ليُنَاط به معنى غير المعنى السابق، فإن الرقّة مقابلة للغلظة، واللين مقابل للشدّة والقسوة، فوصفت أوّلاً بالرقّة؛ ليشير إلى التخلّق مع الناس، وحسن المعاشرة مع الأهل والإخوان، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا (١) أي أثّر فيه. ٢٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وثانياً باللين؛ ليؤذن بأن الآيات النازلة، والدلائل المنصوبة ناجعةٌ فيها، وصاحبها مقيمٌ على التعظيم لأمر الله تعالى، فقوله: ((الإيمان يمان، والحكمة يمانية))، يشمل حسن المعاملة مع الله تعالى، والمعاشرة مع الناس، فلشدّة شكيمة اليهود، وعنادهم قيل فيهم: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنُ بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِىَ كَلِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ [البقرة: ٧٤]، وللين جانب المؤمنين وُصفوا بقوله: ﴿ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. انتهى بتغيير يسير (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (الْإِيمَانُ يَمَانٍ) مبتدأ وخبره، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أي معظم أهله يمانون، والقائمون به يمانون، والناصرون له، أو مُستقرّه إن كان المراد الأنصار(٢)، أو مبتدؤه، وظهوره عندهم على ما أشار إليه من قال: إن المراد به مكة والمدينة، وقيل: معناه أهل اليمن أكمل الناس إيماناً. انتهى(٣). [تنبيه]: قوله: ((يَمَانٍ)) بتخفيف الياء عند جماهير أهل العربية؛ لأن الألف المزيدة فيه عِوَضٌ من ياء النسب المشددة، فلا يُجْمَع بينهما، وقال ابن السَّيد في كتابه ((الاقتضاب في شرح أدب الكاتب)): حَكَى أبو العباس المبرد وغيره أن التشديد لغة، قال ابن الصلاح: وهذا غريب، وإن كان هو المشهور المستعمل عند من لا عناية له بعلم العربيّة. انتهى(٤). وقال الجوهريّ في ((صحاحه)): اليمن بلاد للعرب، والنسبة إليها يمنيّ، ويمانٍ مخفّفةً، والألف عوض من ياء النسب، فلا يجتمعان، قال سيبويه: وبعضهم يقول: يمانيٍّ بالتشديد، قال أمية بن خلف [من الوافر]: يَمَانِيّاً يَظَلُّ يَشُبُّ كِيراً وَيَنْفُخُ دَائِماً لَهَبَ الشُّوَاظِ وقوم يمانيةٌ، ويمانون، مثلُ ثمانية وثمانون، وامرأة يمانية أيضاً. انتھی(٥). . (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٩٥٦/٢ - ٣٩٥٧. (٢) قد تقدّم أن الأولى حمله على أهل اليمن على ظاهره، لا على الأنصار، ولا على أهل مكة والمدينة، فتنبّه. (٣) ((إكمال المعلم)) ٣٢١/١. (٥) ((الصحاح)) ١٧٧٨/٥. (٤) ((الصيانة)) ص٢١٦.