النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ (٢٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْسِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٨٥) وأما قوله: ((فقد قضى ما عليه))، ففيه تصريح بالإنكار أيضاً من أبي سعيد. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى(١). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((فقام إليه رجل ... إلخ)): مقتضى هذا السياق أن المنكر على مروان رجلٌ غير أبي سعيد، وأن أبا سعيد مُصوّبٌ للإنكار، مستدلّ على صحّته، وفي الرواية الأخرى أن أبا سعيد هو المنكر، والمستدلّ، ووجه التوفيق بينهما أن يقال: إن كلّ واحد من الرجل وأبي سعيد أنكر على مروان، فرأى بعض الرواة إنكار الرجل، ورأى بعضهم إنكار أبي سعيد، وقيل: هما واقعتان في وقتين، وفيه بُعْدٌ. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي استبعده القرطبيّ من حمله على تعدد الواقعة، قد قوّاه الحافظ في ((الفتح))، وذكر أيضاً أن يكون الرجل هو أبا مسعود الأنصاريّ نظبه؛ لأنه كان حاضراً تلك الواقعة، كما بيّه عبد الرزاق في روايته . والحاصل أن الحمل على تعدد الواقعة أقرب الاحتمالات، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) الرجل منكراً على مروان في تغييره السنّة (الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) أي إن السنّة أن تقدّم صلاة العيد على خطبته؛ لأنه ◌َ ل# كان يفعل ذلك، فقد أخرج الشيخان من حديث أبي سعيد الخدريّ به قال: ((كان رسول الله ◌َلا يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأوّلُ شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيقوم مُقَابِلَ الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم، ويوصيهم، ويأمرهم، فإن كان يريد أن يَقْطَعِ بَعْثاً قطعه، أو يأمر بشيء أَمَر به، ثم ينصرف ... )) الحديث. (فَقَالَ) أي مروان ردّاً على الرجل (قَدْ تُرِلَكَ) بالبناء للمفعول (مَا) موصولة أي استقرّ (هُنَالِكَ) في ذلك الزمان من تقديم الصلاة على الخطبة. [تنبيه]: قوله: ((هنالك)) ظرف زمان، فإنها وإن كان الغالب أن تُستعمل ظرف مكان، كما قال في ((الخلاصة)): (١) ((شرح مسلم)) ٢١/٢ - ٢٢. (٢) ((المفهم)) ١/ ٢٣٢. ٢٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان دَانِي الْمَكَانِ وَبِهِ الْكَافَ صِلَا وَبِـ((هُنَا)) أَوْ ((هَهُنَا)) أَشِرْ إِلَى وَبِـ (هُنَالِكَ)) انْطِقَنْ أَوْ ((هِنَّا)) فِي الْبُعْدِ أَوْ بِثَمَّ)) فُهْ أَوْ ((هَنَّا)» إلا أنها تأتي أيضاً للزمان، فقد ذكر ابن مالك في ((التسهيل)) أن ((هناك))، و((هنالك))، و(هَنَّا)) بالتشديد قد يشار بها للزمان، نحو قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠]، أي في يوم نحشرهم، وقوله [من الكامل]: فَهُنَاكَ يَعْتَرِفُونَ أَيْنَ الْمَفْزَعُ وَإِذَا الأُمُورُ تَشَابَهَتْ أي في وقت تشابه الأمور، وقوله: حَنَّتْ نَوَارٍ وَلَاتَ هَنَّا حَنَّتِ أي ولات في ذلك الوقت حنين. انتهى(١). (فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ ◌َهُ (أَمَّا) حرف شرط وتوكيد، وتفصيل (هَذَا) أي الرجل المنكر على مروان (فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ) أي الذي وجب القيام به عليه، وهو الإنكار بلسانه، حيث لا يستطيع الإنكار بيده؛ لكون مروان هو الأمير، ثم ذكر أبو سعيد رَّه قوله، فقال: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: (مَنْ) شرطيّة، ويحتمل أن تكون موصولةً، دخلت الفاء في خبرها؛ لشبهها بالشرط في العموم، وغيره، كما هو موضّح في محلّه (رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ) إذا كان مما يَحتاج في تغييره إلى اليد، مثل كسر أواني الخمر، وآلات اللهو؛ كالمزامير، والأوتار، والطبل، وكمنع الظالم من الضرب، والقتل، وغير ذلك، (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ) أي إن لم يستطع تغييره بيده، فليُنكره بلسانه، بأن يقول ما يُرْتجَى نفعه، من لِين، أو إغلاظ، حسبما يكون أنفع، فقد يُبْلَغ بالرفق، والسياسة، ما لا يُبْلَغ بالسيف والرياسة، (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ) أي فليُغيره بقلبه، ومعناه أن يكره ذلك الفعل بقلبه، ويَعْزِم على أن لو قدر على تغييره لغيّره (وَذَلِكَ) أي الاكتفاء بالكراهة بالقلب (أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) أي أضعف خصال الإيمان. يعني أن تغيير المنكر بقلبه، وهو إنكاره آخر خصلة من الخصال المتعيّنة على المؤمن في تغيير المنكر، فلم يبق بعدها للمؤمن مرتبة أخرى في تغييره، (١) راجع: ((حاشية الخضري على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة)) ٩٣/١ - ٩٤. ٢٠٣ (٢٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْبِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٨٥) ولذلك قال في الرواية الأخرى: ((وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل))(١)، أي لم يبق وراء هذه المرتبة رتبة أخرى. أفاده القرطبيّ رحمه الله تعالى(٢). وقال السنديّ رحمه الله تعالى: قوله: ((أضعف الإيمان)): أي أضعف أعمال الإيمان المتعلّقة بإنكار المنكر في ذاته، لا بالنظر إلى غير المستطيع، فإنه بالنظر إليه تمام الوسع والطاقة، وليس عليه غيره. انتهى. [تنبيه]: قال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: فيه سؤالان: (الأول): ما العامل في المجرورين الأخيرين؟. (الثاني): قوله: أضعف الإيمان مشكلٌ؛ لأنه يُذمّ فاعله، وأيضاً فقد يعظم إيمان الشخص، وهو لا يستطيع التغيير بيده، فلا يلزم من العجز عن التغيير ضعف الإيمان، لكنه قد جعله أضعف الإيمان، فما الجواب؟. قال: الجواب عن الأول أنه لا يجوز أن يكون العامل ((يُغَيِّرْه)) المنطوق به؛ لأنه لو كان كذلك، لكان المعنى: فليغيّره بلسانه، وقلبه، لكن التغيير لا يتأتّى باللسان، ولا بالقلب، فيتعيّن أن يكون العامل فليُنكره بلسانه، وليكرهه بقلبه، فيثبت لكلّ واحد من الأعضاء ما يناسبه. وعن الثاني: أن المراد بالإيمان هنا الإيمان المجازيّ(٣) الذي هو الأعمال، ولا شكّ أن التقرّب بالكراهة، ليس كالتقرّب بالذي ذكره قبله، ولم يُذكر ذلك للذمّ، وذُكر ليعلَم المكلّف حَقَارة ما حصل في هذا القسم، فيرتقي إلى غيره. انتهى كلام ابن عبد السلام. نقله السيوطيّ في شرح النسائيّ(٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد المصنّف، فلم يُخرجه البخاريّ. هذا من أفراد رضي (١) هو في حديث ابن مسعود ظه الآتي بعد هذا. (٢) ((المفهم)) ٢٣٤/١. (٣) التعبير بالإيمان المجازيّ فيه نظر لا يخفى، فتبصّر. (٤) راجع: (زَهْرِ الرُّبَى في شرح المجتبى)) ١١٢/٨ - ١١٣. ٢٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [١٨٥/٢٢ و١٨٦] (٤٩) بهذه الأسانيد فقط . و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١١٤٠) و((الملاحم)) (٤٣٤٠)، و(الترمذيّ) في (الفتن)) (٢١٧٢)، و(النسائيّ) في ((الإيمان)) (١١١/٨)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (١٢٧٥) و((الفتن)) (٤٠١٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢١٩٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠/٣ و٥٢/٣)، و(أبو نُعيم) في ((المسند المستخرج)) (١٧٥ و١٧٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٠٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٠/١٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون تغيير المنكر من الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان أن الإيمان يزيد وينقص، ووجه الاستدلال به أنه وعَل جعل الإنكار بالقلب أضعف الإيمان، فهو يدلّ على ما قبله، وهو الإنكار بالقول، قويّ الإيمان، والذي قبله، وهو الإنكار باليد أقوى منه، وهذا هو التفاوت. ٣ - (ومنها): أن قوله وَ له: ((فليغيّره)) أمر، وهو للوجوب، فالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من واجبات الإيمان، ودعائم الإسلام، بالكتاب، والسنّة، وإجماع الأمة، ولا يُعتدّ بخلاف الرافضة في ذلك؛ لأنهم إما مكفَّرون، وإما مبدَّعون، فلا يُعتدّ بخلافهم؛ لظهور فسقهم. قاله القرطبيّ. ٤ - (ومنها): أن وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على الكفاية؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغُرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، فقد عبّر بـ((من)) التبعيضيّة، إشارة إلى أنه واجب كفائيّ، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن شرط وجوبه أمران: (أحدهما): العلم بكون ذلك الفعل معروفاً، أو منكراً؛ لأن ذلك لا يتأتّى للجاهل. (والثاني): القدرة عليه؛ لأنه قال: ((فإن لم يستطع ... إلخ))، فدلّ على ٢٠٥ (٢٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْسِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٨٥) أن غير المستطيع لا يجب عليه، وإنما عليه أن ينكر بقلبه. والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أنه يدلّ على مراتب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فأوّلها الإنكار باليد، والثاني الإنكار باللسان، والثالث، وهو الأخير الإنكار بالقلب. ٧ - (ومنها): أنه يدلّ على أن من خاف على نفسه القتل، أو الضرب سقط عنه تغيير المنكر، وهو مذهب المحقّقين سلفاً وخلفاً، وذهبت طائفة من الغُلاة إلى أنه لا يسقط، وإن خاف ذلك(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد تكلّم النوويّ رحمه الله تعالى على هذا الحديث في ((شرحه)) بكلام نفيسٍ، ملخّص مما قاله المحقّقون، أحببت إيراده هنا، وإن كان بعضه تقدّم، إلا أن ذكره مجموعاً في موضع واحد أعون على استيعابه، وأسرع لاستحضاره: قال رحمه الله تعالى: وأما قوله وَله: ((فليغيره)): فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تَطَابق على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، وهو أيضاً من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يُعتَدّ بخلافهم، كما قال الإمام أبو المعالي، إمام الحرمين: لا يُكتَرث بخلافهم في هذا، فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبغ هؤلاء. ووجوبه بالشرع، لا بالعقل، خلافاً للمعتزلة، وأما قول الله ريق: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ الآية [المائدة: ١٠٥]، فليس مخالفاً لما ذكرناه؛ لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية: إنكم إذا فعلتم ما كُلِّفتم به، فلا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا كان كذلك، فمما كُلِّف به الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإذا فعله، ولم يمتثل المخاطَب، فلا عَتْبَ بعد ذلك على الفاعل؛ لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر والنهي، لا القبول، والله أعلم. (١) راجع: ((المفهم)) ٢٣٤/١. ٢٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ثم إن الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به بعض الناس، سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه، بلا عذر، ولا خوف. ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يَعْلَم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يَرَى زوجته، أو ولده، أو غلامه على منكر، أو تقصير في المعروف. قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وقد قدمنا أن الذي عليه الأمر والنهي، لا القبول، وكما قال الله رَى: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَلَغُ﴾ [العنكبوت: ١٨]، ومَثَّل العلماء هذا بمن يرى إنساناً في الحمام، أو غيره، مكشوف بعض العورة، ونحو ذلك، والله أعلم. قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كاملَ الحال، ممتثلاً ما يأمر به، مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه الأمر، وإن كان مُخِلّاً بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبساً بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه، وينهاها ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخلّ بأحدهما، كيف يباح له الإخلال بالآخر؟. قال العلماء: ولا يختص الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين، فإن غير الولاة في الصدر الأول، والعصر الذي يليه، كانوا يأمرون الولاة بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من غير ولاية، والله أعلم. ثم إنه إنما يأمر وينهى، من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة، والمحرمات المشهورة، كالصلاة، والصيام، والزنا، والخمر، ونحوها، فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال، والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد، لم ٢٠٧ (٢٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْسِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٨٥) يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء، ثم العلماء إنما ينكرون ما أُجمع عليه، أما المختلف فيه، فلا إنكار فيه؛ لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين(١)، أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه، لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف، فهو حسن محبوب، مندوب إلى فعله برفق، فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بسنّة، أو وقوع فى خلاف آخر. وذكر أقضى القضاة، أبو الحسن الماورديّ البصري الشافعيّ في كتابه ((الأحكام السلطانية)) خلافاً بين العلماء في أن من قّده السلطان الْحِسْبة، هل له أن يَحمِل الناس على مذهبه، فيما اختَلَف فيه الفقهاء، إذا كان المحتسِب من أهل الاجتهاد، أم لا يغيّر ما كان على مذهب غيره؟ والأصح أنه لا يغير لما ذكرناه، ولم يزل الخلاف في الفروع، بين الصحابة والتابعين، فمن بعدهم رضي الله عنهم أجمعين، ولا ينكر محتسِب، ولا غيره على غيره، وكذلك قالوا: ليس للمفتي، ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه، إذا لم يخالف نصّاً، أو إجماعاً، أو قياساً جلياً، والله أعلم. (واعلم): أن هذا الباب أعني باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قد ضُيِّع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذه الأزمان، إلا رسوم قليلة جدّاً، وهو باب عظيم، به قوام الأمر ومِلاكه، وإذا كثر الخبث عَمّ العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم، أوشك أن يعمّهم الله تعالى بعقابه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَبِرُ﴾ [النور: ٦٣]. فينبغي لطالب الآخرة، والساعي في تحصيل رضا الله رَمت، أن يعتني بهذا الباب، فإن نفعه عظيم، لا سيما وقد ذهب معظمه، ويُخلِص نيته، ولا (١) بل المحققون على أن هذه المسألة فيها تفصيل، وقد حققته في ((التحفة المرضيّة))، وشرحها ((المنحة الرضيّة)) في الأصول، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٢٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان يهابَنّ من ينكر عليه؛ لارتفاع مرتبته، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحجّ: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْنَصِمِ بِلَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَطٍ مُسْنَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهَدِيَنَّهُمْ سُبُلَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُوَاْ ءَمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ ﴾﴾ [العنكبوت: ٢ -٣]. (واعلم): أن الأجر على قدر النَّصَب، ولا يتاركه أيضاً لصداقته ومودّته، ومداهنته، وطلب الوجاهة عنده، ودوام المنزلة لديه، فإن صداقته ومودته، توجب له حرمةً وحقّاً، ومن حقه أن ينصحه، ويَهديه إلى مصالح آخرته، وينقذه من مضارّها، وصديق الإنسان ومحبه، هو من سعى في عمارة آخرته، وإن أدّى ذلك إلى نقص في دنياه، وعدُوُّه من يسعى في ذهابٍ، أو نقص آخرته، وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه، وإنما كان إبليس عدواً لنا لهذا، وكانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أولياء للمؤمنين؛ لسعيهم في مصالح آخرتهم، وهدايتهم إليها، ونسأل الله الكريم توفيقنا، وأحبابنا، وسائر المسلمين لمرضاته، وأن يعمّنا بجوده ورحمته، والله أعلم. وينبغي للآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، أن يَرفُقَ؛ ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب، فقد قال الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى: من وعظ أخاه سرّاً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. ومما يتساهل أكثر الناس فيه من هذا الباب: ما إذا رأى إنساناً يبيع متاعاً معيباً، أو نحوه، فإنهم لا ينكرون ذلك، ولا يُعَرِّفون المشتري بعيبه، وهذا خطأ ظاهر، وقد نصّ العلماء على أنه يجب على من عَلِم ذلك، أن ينكر على البائع، وأن يُعلم المشتري به، والله أعلم. وأما صفة النهي، ومراتبه، فقد قال النبيّ ◌َ له في هذا الحديث الصحيح: («فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه))، فقوله ◌َلّ: ((فبقلبه)) معناه: فليكرهه بقلبه، وليس ذلك بإزالة، وتغيير منه للمنكر، ولكنه هو الذي في وسعه، وقوله مَّل: ((وذلك أضعف الإيمان))، معناه - والله أعلم - أقله ثمرة. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: هذا الحديث أصلٌ في صفة التغيير، فَحَقُّ المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به، قولاً كان أو فعلاً، ٢٠٩ (٢٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْسِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٨٥) فيكسر آلات الباطل، ويُريق المسكر بنفسه، أو يأمر من يفعله، ويَنزع الغُصوب، ويَرُدُها إلى أصحابها بنفسه، أو يأمر بذلك إذا أمكنه، ويرفق في التغيير جهده بالجاهل، وبذي العزة الظالم الْمَخُوف شرّه؛ إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله، كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل؛ لهذا المعنى، ويُغلظ على المتمادي في غيه، والمسرف في بطالته، إذا أمن أن يؤثّر إغلاظُهُ منكراً أشدَّ مما غَيَّرَهُ؛ لكون جانبه محمياً عن سطوة الظالم، فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده، يسبب منكراً أشد منه، من قتله، أو قتل غيره، بسببه، كَفَّ يده، واقتصر على القول باللسان، والوعظ، والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك، غَيَّر بقلبه، وكان في سعة، وهذا هو المراد بالحديث - إن شاء الله تعالى - وإن وَجَد من يستعين به على ذلك، استعان ما لم يؤدّ ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، ولْيَرْفع ذلك إلى من له الأمر، إن كان الْمُنْكَر من غيره، أو يقتصر على تغييره بقلبه، هذا هو فقه المسألة، وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين، خلافاً لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حال، وإن قُتل ونيل منه كل أَذَّى، هذا آخر كلام القاضي رحمه الله تعالى. قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى: ويسوغ لآحاد الرعية، أن يَصُدّ مرتكب الكبيرة، إن لم يندفع عنها بقوله، ما لم ينته الأمر إلى نصب قتال، وشَهْر سلاح، فإن انتهى الأمر إلى ذلك، ربط الأمر بالسلطان، قال: وإذا جار والي الوقت، وظهر ظلمه وغشمه، ولم ينزجر حين زُجر عن سوء صنيعه بالقول، فلأهل الحلّ والعقد التواطؤ على خلعه، ولو بشهر الأسلحة، ونصب الحروب، هذا كلام إمام الحرمين، وهذا الذي ذكره من خلعه غريب، ومع هذا فهو محمول على ما إذا لم يُخَف منه إثارة مفسدة أعظم منه. قال: وليس للآمر بالمعروف البحث، والتنقير، والتجسس، واقتحام الدُّور بالظنون، بل إن عَثَرَ على منكر غَيّره جهده، هذا كلام إمام الحرمين. وقال أقضى القضاة الماورديّ: ليس للمحتسِب أن يبحث عما لم يَظْهَر من المحرَّمات، فإن غلب على الظن استسرار قوم بها؛ لأمَارَة، وآثار ظهرت، فذلك ضربان : [أحدهما]: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة، يفوت استدراكها، مثل أن ٢١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان يُخبره من يثق بصدقه أن رجلاً خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له فى مثل هذا الحال أن يتجسَّس، ويُقدِم على الكشف، والبحث حَذَراً من فوات ما لا يُستدْرَكُ، وكذا لو عَرَف ذلك غير المحتسِب من المتطوعة، جاز لهم الإقدام على الكشف، والإنكار. [الضرب الثاني]: ما قَصُر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه، ولا كشف الأستار عنه، فإن سَمِع أصوات الملاهي المنكرة من دار، أنكرها خارج الدار، لم يَهُجم عليها بالدخول؛ لأن المنكر ظاهر، وليس عليه أن يكشف عن الباطن. وقد ذكر الماوردي في آخر ((الأحكام السلطانية)) باباً حسناً في الحسبة، مشتملاً على جُمَل من قواعد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقد أشرنا هنا إلى مقاصده، وبسطت الكلام في هذا الباب؛ لعظم فائدته، وكثرة الحاجة إليه، وكونه من أعظم قواعد الإسلام، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى(١)، وهو كلام نفيسٌ جدّاً، ولنفاسته نقلته برمّته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وقد شرح الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى هذا الحديث شرحاً واسعاً استوعب فيه فوائد جمّة، وقواعد مهمّة، وإن كان كثير منها سبق في كلام النوويّ، والقرطبيّ، وغيرهما، إلا أن تحقيقات ابن رجب رحمه الله تعالى مما لا يخفى على اللبيب حسنها، وغزارتها، ولذلك أحببت إيرادها هنا؛ لأن الكتاب موضوع لاستيفاء ما يمكن إدخاله في شرح أحاديث الكتاب، إذ أصل وضعه لذلك؛ لأن ((صحيح مسلم)) قد سبق له شروح كثيرة، إلا أنه لم يقع له شرح جامع يحتوي على فوائده الإسناديّة، والمتنيّة، فقمت بقدر طاقتي لسدّ هذا الباب - بعون الله تعالى، وحسن توفيقه، ﴿وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ۔۔ قال رحمه الله تعالى في كتابه ((جامع العلوم والحكم)) (٣١٩/١): هذا الحديث خرّجه مسلم، من رواية قيس بن مسلم، عن طارق بن (١) ((شرح صحيح مسلم)) ٢١/٢ - ٢٦. ٢١١ (٢٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْبِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٨٥) شهاب، عن أبي سعيد بنظُه، ومن رواية إسماعيل بن رَجَاء، عن أبيه، عن أبي رضى عنه . سعید قال: وقد رُوِي معناه من وجه آخر، فخرّجه مسلم، من حديث ابن مسعود نظُه، عن النبيّ وَّر قال: ((ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب .... )) الحديث. ورَوَى سالم المرادي، عن عمرو بن هَرِم، عن جابر بن زيد، عن عمر بن الخطاب ظُه عن النبي وَّ قال: ((سيصيب أمتي في آخر الزمان بلاءٌ شديدٌ من سلطانهم، لا ينجو منه إلا رجلٌ عَرَف دين الله، فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه، فذلك الذي سبقت له السوابق، ورجل عرف دين الله، فصدّق به وللأوّل عليه سابقةٌ، ورجلٌ عرف دين الله، فسكت عليه، فإن رأى من يعمل بخير أحبه عليه، وإن رأى من يعمل بباطل أبغضه عليه، فذلك الذي ينجو على إبطائه))، وهذا غريب، وإسناده منقطع. وخرّج الإسماعيلي من حديث أبي هارون العبدي، وهو ضعيف جدّاً، عن مولى لعمر، عن عمر نظُه، عن النبي وَلو قال: ((توشك هذه الأمة أن تهلك إلا ثلاثة نفر: رجل أنكر بيده وبلسانه وبقلبه، فإن جَبُن بيده فبلسانه وقلبه، فإن جبن بلسانه وبيده فبقلبه)). وخرّج أيضاً من رواية الأوزاعي، عن عمير بن هانئ، عن عليّ ظُله أنه سمع النبي ◌َّ يقول: ((سيكون بعدي فِتَنٌ لا يستطيع المؤمن فيها أن يغير بيده ولا بلسانه))، قلت: يا رسول الله، وكيف ذلك؟ قال: ((ينكرونه بقلوبهم)»، قلت: يا رسول الله، وهل ينقص ذلك إيمانهم شيئاً؟ قال: ((لا، إلا كما ينقص القطر من الصَّفَا))، وهذا الإسناد منقطع. وخرّج الطبراني معناه من حديث عبادة بن الصامت ظه، عن النبي بإسناد ضعيف. فدَلَّت هذه الأحاديث كلُّها على وجوب إنكار المنكر بحسب وَّـ القدرة عليه، وأما إنكاره بالقلب فلا بد منه، فمن لم يُنكر قلبه المنكر دلّ على ذهاب الإيمان من قلبه. وقد رُوِي عن أبي جحيفة ظُ قال: قال علي ◌َّ ◌ُله: ((إن أول ما تُغلبون عليه من الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فمن لم ٢١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان يَعْرِف قلبه المعروف، وينكر قلبه المنكر نُكِسَ، فجعل أعلاه أسفله)). وسَمِعَ ابن مسعود ظُه رجلاً يقول: هلك من لم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر، فقال ابن مسعود: هَلَكَ من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر. يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرضٌ لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك. وأما الإنكار باللسان واليد، فإنما يجب بحسب الطاقة، وقال ابن مسعود ظه: يوشك من عاش منكم أن يَرَى منكراً لا يستطيع له، غير أن يَعْلَمَ الله من قلبه أنه له كاره. وفي ((سنن أبي داود)) عن الْعُرْس بن عَمِيرة ◌َبه، عن النبي ◌ِّ قال: ((إذا عُمِلت الخطيئة في الأرض، كان من شَهِدها فكرهها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها))(١). فمن شَهِد الخطيئة فكرهها في قلبه، كان كمن لم يشهدها، إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها؛ لأن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات، ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب، وهو فرض على كل مسلم، لا يسقط عن أحد في كل حال من الأحوال. وخرَّج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة ظ به، عن النبي وَّ قال: ((مَن حَضَر معصية فكرهها، فكأنه غاب عنها، ومن غاب عنها فأحبها، فكأنه حضرها))(٢)، وهذا مثل الذي قبله. فتَبَيَّن بهذا أن الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم، في كل حال، وأما الإنكار باليد واللسان، فبحسب القدرة، كما في حديث أبي بكر الصديق عن النبيِ وَ ﴿ قال: ((ما من قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا، فلا يُغَيِّروا إلا يوشك الله أن يعمهم بعقابه))، أخرجه أبو داود بهذا (١) حديث حسن رواه أبو داود (٤٣٤٥) ... (٢) رواه البيهقيّ ٢٦٦/٧، وابن عديّ في ((الكامل)) ٢٦٨٦/٧، وفيه يحيى بن أبي سليمان، وهو ليّن الحديث، لكن يشهد له حديث العُرْس ◌ُه المذكور قبله. ٢١٣ (٢٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْسِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٨٥) اللفظ، وقال: قال شعبة فيه: ((ما من قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، هم أكثر ممن يعمله))(١). وخرّج أيضاً من حديث جرير عظاته سمعت النبي ◌َّ يقول: ((ما من رجل يكون في قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يغيروا عليه، فلم يغيروا إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا))، وخرّجه الإمام أحمد، ولفظه: ((ما من قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، هم أعزّ، وأكثر ممن يعمله، فلم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب))(٢). وخرّج أيضاً من حديث عَدِيّ بن عَمِيرة رَُّه قال: سمعت رسول الله يقول: ((إن الله لا يعذب العامّة بعمل الخاصّة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عَذّب الله العامة والخاصة))(٣). وخرّج أيضاً هو وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري رُه قال: سمعت النبي ◌ّ﴾ يقول: ((إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تُنْكِره؟ فإذا لَقَّنَ الله عبداً حجته قال: يا رب رَجَوتك، وفَرِقْتُ من الناس)»(٤). فأما ما أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد رضيالله أيضاً، عن النبي ◌ّله أنه قال في خطبته: ((ألا لا يَمْنَعَنَّ رجلاً هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه))، وبَكَى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا، وخرّجه الإمام أحمد، وزاد فيه: «فإنه لا يُقَرِّب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يُقال بحق، أو يذكّر بعظيم))(٥) . (١) صححه ابن حبان (٣٠٤ و٣٠٥). (٢) صححه ابن حبّان أيضاً (٣٠٠ و٣٠٢). (٣) رواه أحمد ١٩٢/٤ وفي إسناده رجل مجهول، وحسّنه الحافظ في ((الفتح)) ٤/١٣، وله شاهد من حديث العُرْس بن عميرة نظُه، ورواه الطبرانيّ في ((الكبير)) ١٧/ ٣٤٣. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٦٨/٧: رجاله ثقات. (٤) صححه ابن حبان (٧٣٦٨). (٥) رواه أحمد ٢٩/٣، وابن ماجه (٤٠١٧)، وصححه ابن حبان (٧٣٦٨). ٢١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وكذلك خرّج الإمام أحمد، وابن ماجه، من حديث أبي سعيد نَظُه عن النبي وّ قال: ((لا يَحْقِرْ أحدكم نفسه))، قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: ((يرى أمراً لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله له: ما منعك أن تقول في كذا وكذا، فيقول: خشيتُ الناس، فيقول الله: إياي كنت أحقَّ أن تخشى))(١) . فهذان الحديثان محمولان على أن يكون المانع له من الإنكار مجرد الهيبة، دون الخوف المسقط للإنكار. قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: آمر السلطان بالمعروف، وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن خِفْتَ أن يقتلك فلا، ثم عُدت، فقال لي مثل ذلك، ثم عُدت، فقال لي مثل ذلك، وقال: إن كنت لا بُدّ فاعلاً ففيما بينك وبينه. وقال طاوس: أتى رجل ابن عباس، فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان، فآمره وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة، قال: أفرأيت إن أمرني بمعصية الله؟ قال: ذلك الذي تريد، فكن حينئذ رجلاً. وقد ذكرنا حديث ابن مسعود نظافته الذي فيه: ((يَخْلُف من بعدهم خُلُوف، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ... ))(٢) الحديث، وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد. وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود، وقال: هو خلاف الأحاديث التي أَمَرَ رسول الله وَّ فيها بالصبر على جور الأئمة. وقد يجاب عن ذلك بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال، وقد نَصّ على ذلك أحمد أيضاً في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح، فحينئذ جهاد الأمراء باليد، أن يزيل بيده ما فَعَلُوه من المنكرات، مثل أن يُريق خمورهم، أو يكسر آلات اللهو التي لهم، أو نحو ذلك، أو يُبطل بيده ما أمروا به من الظلم، إن كان له قدرة على ذلك، وكلُّ ذلك جائز، وليس هو من (١) رواه أحمد ٣٠/٣ و٤٧ و٧٣، وابن ماجه (٤٠٠٨)، وفي سنده انقطاع، أبو البختري لم يسمع من أبي سعيد، وأخرجه في ٩١/٣ من طريق أبي البختري، عن رجل، عن أبي سعيد. (٢) أخرجه مسلم في ((صحيحه))، وهو الآتي بعد حديث أبي سعيد ه هذا. ٢١٥ (٢٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْسِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٨٥) باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم، الذي وَرَدَ النهي عنه، فإن هذا أكثر ما يُخشَى منه أن يقتله الأمراء وحده، وأما الخروج عليهم بالسيف، فيُخْشَى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين. نعم إن خَشِيَ في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله أو جيرانه، لم يَنْبَغ له التعرض لهم حينئذ؛ لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره، كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره، ومع هذا متى خاف على نفسه السيف، أو السوط، أو الحبس، أو القيد، أو النفي، أو أخذ المال، أو نحو ذلك من الأذى سَقَطَ أمرهم ونھیهم. وقد نَصَّ الأئمة على ذلك، منهم: مالك، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، قال أحمد: لا يتعرض إلى السلطان، فإن سيفه مسلول، وقال ابنُ شُبْرُمة: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كالجهاد يجب على الواحد أن يصابر فيه الاثنين، ويحرُم عليه الفرار منهما، ولا يجب عليه مصابرة أكثر من ذلك. فإن خاف السَّبَّ، أو سماع الكلام السيئ، لم يسقط عنه الإنكار بذلك، نَصَّ عليه الإمام أحمد، وإن احتمل الأذى، وقَوِيَ عليه، فهو أفضل، نَصَّ عليه أحمد أيضاً، وقيل له: أليس قد جاء عن النبي ◌َّ أنه قال: ((ليس للمؤمن أن يذل نفسه))(١)، أي يُعَرِّضها من البلاء ما لا طاقة له به؟ قال: ليس هذا من ذلك. ويَدُلّ على ما قاله ما خرّجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذيّ من حديث أبي سعيد نظُه، عن النبيّ وَلّ قال: ((أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر))(٢). (١) حديث صحيح أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٣٥٠٧) بلفظ: ((لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه))، قيل: يا رسول الله، وكيف يذلّ نفسه؟ قال: ((أن يتعرّض من البلاء لما ضيّه عند لا يُطيق))، قال الهيثميّ: سنده جيّد. انتهى، وله شاهد من حديث حذيفة أحمد ٤٠٥/٥، والترمذيّ (٢٢٥٤)، وابن ماجه (٤٠١٦)، وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو وإن كان ضعيف الحفظ، إلا أنه لا بأس به في الشواهد. (٢) حديث صحيح. ٢١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وخرّج ابن ماجه معناه، من حديث أبي أمامة وعظه(١). Ese وفي ((مسند البزار)) بإسناد فيه جهالة، عن أبي عبيدة بن الجرّاح قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الشهداء أكرم على الله؟ قال: ((رجل قام إلى إمام جائر، فأمره بمعروف، ونهاه عن منكر، فقتله))، وقد رُوِي معناه من وجوه أخرى كلها فيها ضعف. وأما حديث: ((لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه))، فإنما يَدُلّ على أنه إذا عَلِمَ أنه لا يطيق الأذى، ولا يصبر عليه، فإنه لا يتعرض حينئذ للأمراء، وهذا حقّ، وإنما الكلام فيمن عَلِمَ من نفسه الصبر لذلك. قاله الأئمة، كسفيان، وأحمد، والفضيل بن عياض، وغيرهم. وقد رُوِي عن أحمد ما يدل على الاكتفاء بالإنكار بالقلب، قال في رواية أبي داود: نحن نرجو إن أنكر بقلبه، فقد سَلِم، وإن أنكر بيده فهو أفضل. وهذا محمول على أنه يَخاف، كما صَرَّح بذلك في رواية غير واحد. وقد حَكَى القاضي أبو يعلى روايتين عن أحمد في وجوب إنكار المنكر على من يَعْلَم أنه لا يَقْبَل منه، وصَحَّحَ القول بوجوبه، وهذا قولُ أكثر العلماء، وقد قيل لبعض السلف في هذا، فقال: يكون لك معذرةً، وهذا كما أخبر الله تعالى عن الذين أنكروا على المعتدين في السبت أنهم قالوا لمن قال لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَيَّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَثَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤]. وقد وَرَدَ ما يُسْتَدَلُّ به على سقوط الأمر والنهي عند عدم القبول والانتفاع به، ففي سنن أبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي ثعلبة الخشني رَّ ◌ُله أنه قيل له: كيف تقول في هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اُهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]؟ قال: سألت عنها خبيراً، أما والله لقد سألت عنها رسول الله ◌َ﴾، فقال: ((بل ائتمروا بالمعروف وتَناهَوا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شُحّاً مطاعاً، وهَوَّى متبعاً، ودنيا مؤثرةً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام»(٢). (١) سنده حسن. (٢) صححه ابن حبان (٣٨٥)، ويشهد له حديث عبد الله بن عمرو الآتي بعده. ٢١٧ (٢٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْبِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٨٥) وفي ((سنن أبي داود))(١)، عن عبد الله بن عمرو، قال: بينما نحن جلوس حول رسول الله وَ﴿ إذ ذكر الفتنة، فقال: ((إذا رأيتم الناس مَرَجَت عهودهم، وخَفَّت أماناتهم، وكانوا هكذا))، وشبّك أصابعه، فقمت إليه، فقلت له: كيف أفعل عند ذلك، جعلني الله فداك؟ فقال: ((الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخُذْ بما تَعْرِف، ودَعْ ما تُنْكِرُ، وعليك بأمر خاصّة نفسك، ودع عنك أمر العامّة)». وكذلك رُوِي عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، قالوا: لم يأت تأويلها بعدُ، إنما تأويلها في آخر الزمان. وعن ابن مسعود ظُّه قال: إذا اختلفت القلوبُ والأهواءُ، وأُلْبِستُم شِيَعاً، وذاق بعضكم بأس بعض، فيأمر الإنسان حينئذ نفسه، فهو حينئذ تأويل هذه الآية. وعن ابن عمر قال: هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يُقْبَل منهم، وقال جُبير بن نفير، عن جماعة من الصحابة قالوا: إذا رأيت شُحّاً مطاعاً، وهَوىّ مُتَّبَعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك حينئذ بنفسك، لا يضرُّك من ضلّ إذا اهتديت. وعن مكحول قال: لم يأت تأويلها بعدُ، إذا هاب الواعظ، وأنكر الموعوظ، فعليك حينئذ بنفسك، لا يضرُّك من ضل إذا اهتديت. وعن الحسن أنه كان إذا تلا هذه الآية قال: يا لها من ثقةٍ ما أوثقها! ومن سعة ما أوسعها !. وهذا كُلُّهُ قد يُحْمَلُ على أن مَن عجز عن الأمر بالمعروف، أو خاف الضرر سقط عنه، وكلام ابن عمر يدُلُّ على أن من عَلِم أنه لا يُقْبَل منه لم يجب عليه، كما حُكِيَ روايةً عن أحمد، وكذا قال الأوزاعي: مُرْ مَن تَرَى أن يقبل منك. (١) رقم (٤٣٤٢)، ورواه أحمد ١٦٢/٢، وحسّن إسناده الحافظان: المنذريّ، والعراقيّ، وصححه الحاكم ٤٣٥/٤ و٥٢٥، ووافقه الذهبيّ. ٢١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقوله ﴿ في الذي ينكر بقلبه: ((وذلك أضعف الإيمان)) يدُلّ على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، من خصال الإيمان، ويدُلُّ على أن مَن قَدَر على خصلة من خصال الإيمان، وفَعَلَها، كان أفضل ممن تركها عجزاً. ويدل على ذلك أيضاً قوله وَ له في حقّ النساء: ((أما نقصان دينها؛ فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي))، يشير إلى أيام الحيض، مع أنها ممنوعة حينئذ من الصلاة، وقد جعل ذلك نقصاً في دينها، فدل على أن مَن قَدَر على واجب وفعله فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه، وإن كان معذوراً في تركه، والله تعالى أعلم. وقوله وَله: ((من رأى منكم منكراً)) يَدُلّ على أن الإنكار متعلق بالرؤية، فإن كان مستوراً فلم يره، ولكن عَلِمَ به، فالمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات أنه لا يَتَعَرَّض له، وأنه لا يُفَتِّش عما استراب به، وعنه رواية أخرى أنه يَكْشِف الْمُغَطَّى إذا تحقّقه، ولو سَمِعَ صوت غِنَاءِ محرّم، أو آلات الملاهي، وعَلِمَ المكان الذي هي فيه، فإنه ينكرها؛ لأنه قد تحقّق المنكر، وعَلِمَ موضعه، فهو كما رآه. نَصّ عليه أحمد، وقال: أمّا إذا لم يعلم مكانه، فلا شيء. وأما تَسَوُّر الجدران على مَن عَلِم اجتماعهم على منكر، فقد أنكره مثلُ سفيان الثوري وغيره، وهو داخل في التجسس المنهيّ عنه، وقد قيل لابن مسعود: إن فلاناً تَقْطُرُ لحيته خمراً؟ فقال: نهانا الله عن التجسس. وقال القاضي أبو يعلى في كتاب ((الأحكام السلطانية)): إن كان في المنكر الذي غَلَب على ظنه الاستسرار به بإخبار ثقة عنه انتهاكُ حرمةٍ يفوت استدراكها كالزنا والقتل، فله التجسس، والإقدام على الكشف والبحث، حَذَراً من فوات ما لا يُستَدْرَك من انتهاك المحارم، وإن كان دون ذلك في الرتبة، لم يجز التجسس عليه، ولا الكشف عنه. والمنكر الذي يجب إنكاره، ما كان مُجْمَعاً عليه، فأما المختلف فيه، فمن أصحابنا مَن قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهداً، أو مقلداً لمجتهد تقليداً سائغاً، واستثنى القاضي في ((الأحكام السلطانية)) ما ضَعُفَ فيه الخلاف، وإن كان ذَرِيعةً إلى محظور متفَقٍ عليه، كربا النقد، فالخلاف فيه ضعيف، وهو ٢١٩ (٢٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْسِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٨٥) ذريعة إلى ربا النَّساء المتفق على تحريمه، وكنكاح المتعة، فإنه ذريعة إلى الزنا، وذُكر عن إسحاق بن شاقلا أنّ ذَكَر أن المتعة هي الزنا صراحاً. وعن ابن بطة قال: لا يُفسَخ نكاحٌ حَكُم به قاضٍ، إن كان قد تأوَّل فيه تأويلاً، إلا أن يكون قَضَى لرجل بعقد متعة، أو طَلَّقَ ثلاثاً في لفظ واحد، وحَكَم بالمراجعة من غير زوج، فحكمه مردود، وعلى فاعله العقوبة والنكال. والمنصوصُ عن أحمد الإنكار على الملاعب بالشطرنج، وتأوله القاضي على مَن لَعِب بها بغير اجتهاد، أو تقليدٍ سائغ، وفيه نظر، فإن المنصوص عنه أنه يُحَدُّ شارب النبيذ المختلف فيه، وإقامة الحدّ أبلغ مراتب الإنكار، مع أنه لا يَفسُقُ عنده بذلك، فَدَلَّ على أنه يُنْكَرُ كل مختلف فيه ضَعُفَ الخلاف فيه؛ لدلالة السنة على تحريمه، ولا يَخرُج فاعلُهُ المتأوِّل من العدالة بذلك، والله تعالى أعلم. وكذلك نَصَّ أحمد على الإنكار على من لا يُتِمُّ صلاته، ولا يقيم صلبه من الركوع والسجود، مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك. (واعلم): أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، تارةً يَحْمِل عليه رجاءُ ثوابه، وتارةً خوفُ العقاب في تركه، وتارةً الغضبُ لله على انتهاك محارمه، وتارةً النصيحة للمؤمنين، والرحمة لهم، ورجاءُ إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه، من التعرُّض لعقوبة الله وغضبه، في الدنيا والآخرة، وتارةً يَحمل عليه إجلالُ الله وإعظامه ومحبته، وأنه أهلٌ أن يُطاع فلا يُعْصَى، ويُذْكَر فلا يُنسَى، ويُشْكَر فلا يُكفَر، وأنه يُفْتَدَى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال، كما قال بعض السلف(١): وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله، وأن لحمي قُرِض بالمقاريض، وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز يقول لأبيه: وَدِدتُ أني غَلَت بي وبك القدور في الله رحمك. ومن لَحَظَ هذا المقام، والذي قبله، هان عليه كلُّ ما يَلْقَى من الأذى في الله تعالى، وربما دعا لمن آذاه، كما قال ذلك النبي وَل﴿ لَمّا ضربه قومه، فجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: ((رب اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون))، متّفقٌ عليه. (١) هو زهير بن عبد الرحمن البابي، كما في ((الحلية)) ١٠/ ١٥٠. ٢٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وبكل حال يَتَعَيّن الرفق في الإنكار، قال سفيان الثوري: لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، إلا مَن كان فيه ثلاث خصال: رفيقٌ بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدلٌ بما يأمر، عدلٌ بما ينهى، عالمٌ بما يأمر، عالمٌ بما ينهى. وقال أحمد: الناس محتاجون إلى مُداراة، ورِفْقِ الأمر بالمعروف بلا غِلْظَة، إلا رجلٌ مُعْلِنٌ بالفسق، فلا حرمة له، قال: وكان أصحاب ابن مسعود نظُّه إذا مَرُّوا بقوم يرون منهم ما يكرهون، يقولون: مَهْلاً رحمكم الله، مهلاً رحمكم الله . وقال أحمد: يأمر بالرفق والخضوع، فإن أسمعوه ما يَكْرَه لا يغضب، فيكون يريد أن ينتصر لنفسه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بطوله، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِم، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فِي قِصَّةٍ مَرْوَانَ، وَحَدِيثٍ أَبِي سَّعِيدٍ، عَن التَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران المذكور قبل حدیثین. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَجَاءٍ) بن ربيعة الزبيديّ - بضم الزاي - أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ، تَكَلّم فيه الأزديّ بلا حجة [٥].