النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ (٢١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى إِكْرَامِ الْجَارِ وَالضَّيْفِ، ... إلخ - حديث رقم (١٨١) بجاره يوم القيامة، فيقول: يا رب هذا أغلق بابه دوني، فمنع معروفه))(١). وخرّج الخرائطي وغيره بإسناد ضعيف، من حديث عطاء الخراساني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي وَ لّ قال: ((من أغلق بابه دون جاره؛ مخافةً على أهله وماله، فليس ذلك بمؤمن، وليس بمؤمن من لا يَأْمَن جاره بوائقه، أتدري ما حقّ الجار؟ إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر عُدت عليه، وإذا مَرِض ◌ُدته، وإذا أصابه خير هَنّيته، وإذا أصابته مصيبة عَزّيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء، فتَحْجُب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بِقُتَار قِدْرك (٢)، إلا أن تَغْرِف له، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سِرّاً، ولا يَخْرُج بها ولدك؛ ليُغِيظ بها ولده». ورفعُ هذا الكلام منكر، ولعله من تفسير عطاء الخراساني. وقد رُوي أيضاً عن عطاء، عن الحسن، عن جابر، مرفوعاً: ((أدنى حق الجوار أن لا تؤذي جارك بقُتَار ◌ِدرك إلا أن تَقْدَح له منها». وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي ذر رَظُه قال: ((أوصاني خليلي وَّ: إذا طبخت مرقاً فأكثر ماءه، ثم انظر إلى أهل بيت جيرانك، فأَصِبهم منها بمعروف))، وفي رواية أن النبي وَ ل* قال: ((يا أبا ذر إذا طبخت مرقةً، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك)). وفي ((المسند))، والترمذيّ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه ذبح شاة، فقال: هل أهديتم منها لجارنا اليهودي؟ ثلاث مرات، ثم قال: سمعت النبي وَي﴾ يقول: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه))(٣). وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة ◌َظُه، عن النبيِ وَ يُ قال: ((لا يمنعنّ أحدكم جاره أن يَغْرِز خشبةً في جداره))، ثم يقول أبو هريرة ظه: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم. (١) رواه البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (١١١) وفي سنده ليث بن أبي سُليم، ضعيف. (٢) ((القُتَار)) كالدخان وزناً ومعنى، قاله في ((المصباح)). (٣) حديث صحيح. ١٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ومذهب الإمام أحمد أن الجار يلزمه، أن يمكِّن جاره من وضع خشبة على جداره، إذا احتاج الجار إلى ذلك، ولم يَضُرَّ بجداره؛ لهذا الحديث الصحيح، وظاهر كلامه أنه يجب عليه أن يواسيه من فضل ما عنده، بما لا يضر به، إذا عَلِمَ حاجته. قال المرُّوذيّ: قلت لأبي عبد الله: إني لأسمع السائل في الطريق يقول: إني جائع، فقال: قد يصدُق وقد يَكذِب، قلت: فإذا كان لي جار أعلم أنه يجوع؟، قال: تواسيه، قلت: إذا كان قوتي رغيفين؟ قال: تطعمه شيئاً، ثم قال: الذي جاء في الحديث إنما هو الجار. وقال المرُّوذيّ: قلت لأبي عبد الله: الأغنياء يجب عليهم المواساة؟ قال: إذا كان قوم يضعون شيئاً على شيء، كيف لا يجب عليهم؟ قلت: فإذا كان للرجل قميصان - أو قلت: جُبّتان - يجب عليه المواساة؟ قال: إذا كان يحتاج إلى أن يكون فضلاً. وهذا نص منه في وجوب المواساة من الفضائل، ولم يَخُصّه بالجار، ونصه الأول يقتضي اختصاصه بالجار. وقال في رواية ابن هانئ في السُّؤَّال يكذبون: أحبُّ إلينا لو صدقوا، ما وَسِعَنا إلا مواساتهم. وهذا يدل على وجوب مواساة الجائع من الجيران وغيرهم. وفي ((الصحيح)) عن أبي موسى نظُّه عن النبيِ وَلو قال: ((أطعموا الجائع، وعُودوا المريض، وفُكُّوا العاني)). وفي («المسند»، وصحيح الحاكم عن ابن عمر ﴿ها عن النبيِ وَ الله قال: ((أيما أهل عَرَصَةٍ أصبح فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله رحمات))(١). ومذهب أحمد ومالك أنه يُمنَع الجار أن يَتَصَرَّف في خاص ملكه بما يَضُرّ بجاره، فيجب عندهما كَفُّ الأذى عن الجار بمنع إحداث الانتفاع المضرّ به، ولو كان المنتفع إنما ينتفع بخاص ملكه، ويجب عند أحمد أن يبذل لجاره ما يحتاج إليه، ولا ضرر عليه في بذله، وأعلى من هذين أن يصبر على أذى جاره، ولا يقابله بالأذى، قال الحسن: ليس حسن الجوار كفّ الأذى، ولكن حسن الجوار احتمال الأذى. (١) صححه الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على ((المسند))، راجعه رقم (٤٨٨٠). ١٨٣ (٢١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى إِكْرَامِ الْجَارِ وَالضَّيْفِ، ... إلخ - حديث رقم (١٨١) ويُرْوَى من حديث أبي ذر رَُّه: ((إن الله يحب الرجل، يكون له الجار يؤذيه جِوَارُهُ، فيصبر على أذاه، حتى يفرق بينهما موتٌ، أو ظَعْرٌ))، خرّجه الإمام أحمد(١). وفي مراسيل أبي عبد الرحمن الْحُبُليّ: أن رجلاً جاء إلى النبي ◌َّ- يشكو إليه جاره، فقال له النبي وَالر: (كُفّ أذاك عنه، واصبر لأذاه، فكفى بالموت مُفَرِّقاً))، خرّجه ابن أبي الدنيا(٢). انتهى ما كتبه ابن رجب رحمه الله تعالى، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في الأمر الثالث مما أمر به النبي ◌ّ المؤمنين في هذا الحديث، وهو إكرام الضيف، والمراد إحسان ضيافته. وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي شُرَيح ◌َظُبه قال: ((أبصرت عيناي رسول الله وَله، وسمعته أذناي حين تكلم به، قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزتَهُ))، قالوا: وما جائزته؟ قال: ((يوم وليلة))، قال: ((والضيافة ثلاثة أيام، وما كان بعد ذلك فهو صدقة)). وخرّج مسلم من حديث أبي شُرَيح أيضاً، عن النبي وَ لّ قال: ((الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، وما أنفق عليه بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يَثْوِيَ عنده حتى يُؤَثِّمه))، قالوا: يا رسول الله كيف يؤثمه؟ قال: ((يقيم، ولا شيء له يَقْرِیه به)). وخرّج الإمام أحمد، من حديث أبي سعيد الخدري نظراُله، عن النبي ◌َّه: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه))، قالها ثلاثاً، قالوا: وما إكرام الضيف يا رسول الله؟ قال: ((ثلاثةُ أيام، فما جَلَس بعد ذلك فهو صدقة))(٣). (١) ((المسند)) ١٥١/٥، وفيه ابن الأحمس مجهول. (٢) وفي إسناده رشدين بن سعد، ضعيف. (٣) رواه أحمد ٧٦/٣ من طريق ابن لهيعة، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد رضَُّه، وهذا إسناد ضعيف، فابن لهيعة سيء الحفظ، ودرّاج ضعيف في روايته عن أبي الهيثم، ورواه بلفظ: ((الضيافة ثلاثة أيام ... )) أحمد ٨/٣ و ٢١ و٣٧ و٦٤ و٨٦، وأبو يعلى (١٢٤٤ و١٢٨٧)، والبزار (١٩٣١ و١٩٣٢)، وصححه ابن حبان (٥٢٨١)، وقال الهيثميّ في ((المجمع)): رواه أحمد هكذا مطولاً ومختصراً بأسانيد، وأبو يعلى، والبزار، وأحد أسانيد رجاله رجال الصحيح. ١٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ففي هذه الأحاديث أن جائزة الضيف يوم وليلة، وأن الضيافة ثلاثة أيام، ففرَّق بين الجائزة والضيافة، وأكّد الجائزةَ، وقد ورد في تأكيدها أحاديث أُخَرُ، فخرّج أبو داود، من حديث الْمِقْدَام بن معد يكرب ظُه، عن النبيِ وَّ قال: («ليلةُ الضيف حقٌّ على كل مسلم، فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين، إن شاء اقتضى، وإن شاء ترك))، وخرّجه ابن ماجه، ولفظه: «ليلةُ الضيف حقٌّ على كل (١) مسلم))(١). وخرّج الإمام أحمد، وأبو داود، من حديث المقدام أيضاً، عن النبي وَل قال: ((أيما رجل أضاف قوماً، فأصبح الضيفُ محروماً، فإن نَصْرَهُ حقٌّ على كل مسلم، حتى يأخذ بِقِرَى ليلةٍ من زرعه وماله)). وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر رضيبه قال: قلنا: يا رسول الله إنك تبعثنا، فننزل بقوم، لا يَقْرُوننا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله وَليون: ((إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف، الذي ينبغي لهم)). وخرّج الإمام أحمد، والحاكم، من حديث أبي هريرة ◌َظُه، عن النبي ◌َّ قال: ((أيما ضيف نزل بقوم، فأصبح الضيف محروماً، فله أن يأخذ بقدر قراه، ولا حرج عليه))(٢). وقال عبد الله بن عمرو: من لم يُضِفْ فليس من محمد بَلّ، ولا من إبراهيم الّل، وقال عبد الله بن الحارث بن جَزْء رَظُه: من لم يُكرم ضيفه، فليس من محمد رَّ، ولا من إبراهيم عليَّ، وقال أبو هريرة ◌َظُه لقوم نزل عليهم، فاستضافهم، فلم يُضِيفوه، فتنحى، ونزل، فدعاهم إلى طعامه، فلم يجيبوه، فقال لهم: لا تُنْزِلون الضيف، ولا تجيبون الدعوة، ما أنتم من الإسلام على شيء، فَعَرَفه رجل منهم، فقال له: انزل عافاك الله، قال: هذا شرّ وشرّ، لا تُنْزِلون إلا من تعرفون. (١) إسناده صحيح. (٢) أخرجه أحمد ٣٨٠/٣، وصححه الحاكم في ((المستدرك)) ١٣٢/٤، ووافقه الذهبيّ. ١٨٥ (٢١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى إِكْرَامِ الْجَارِ وَالضَّيْفِ، ... إلخ - حديث رقم (١٨١) ورُوي عن أبي الدرداء ظُّه نحو هذه القضية، إلا أنه قال لهم: ما أنتم من الدين إلا على مثل هذه، وأشار إلى هدبة في ثوبه. وهذه النصوص تدل على وجوب الضيافة يوماً وليلةً، وهو قول الليث، وأحمد، وقال أحمد: له المطالبة بذلك إذا منعه؛ لأنه حقّ له واجب، وهل يأخذ بيده من ماله إذا منعه، أو يرفعه إلى الحاكم؟، على روايتين منصوصتين عنه. وقال حُمَيد بن زنجويه: ليلة الضيف واجبة، وليس له أن يأخذ قراه منهم قهراً، إلا أن يكون مسافراً في مصالح المسلمين العامة، دون مصلحة نفسه. وقال الليث بن سعد: لو نزل الضيف بالعبد أضافه من المال الذي بيده، وللضيف أن يأكل، وإن لم يعلم أن سيده أذن؛ لأن الضيافة واجبة، وهو قياس قول أحمد؛ لأنه نَصّ على أنه يجوز إجابة دعوة العبد المأذون له في التجارة، وقد رُوي عن جماعة من الصحابة أنهم أجابوا دعوة المملوك، وروي ذلك عن النبي و ﴿ أيضاً، فإذا جاز له أن يدعو الناس إلى طعامه ابتداءً جاز إجابة دعوته، فإضافته لمن نَزَل به أولى. ومنع مالك، والشافعيّ، وغيرهما من دعوة العبد المأذون له بدون إذن سيده، ونَقَل عليٍّ بن سعيد عن أحمد ما يدلّ على وجوب الضيافة للغزاة خاصّة بمن مَرّوا بهم ثلاثة أيام، والمشهور عنه الأول، وهو وجوبها لكل ضيف نزل بقوم، واختَلَفَ قوله: هل تجب على أهل الأمصار والقرى، أم تختص بأهل القرى، ومن كان على طريق يمر بهم المسافرون؟ على روايتين منصوصتين عنه، والمنصوص عنه أنها تجب للمسلم والكافر، وخَصّ كثير من أصحابه الوجوب للمسلم، كما لا تجب نفقة الأقارب مع اختلاف الدين على إحدى الروايتين، فأما اليومان الآخران، وهما الثاني والثالث فهما تمام الضيافة، والنصوص عن أحمد أنه لا يجب إلا الجائزة الأولى، وقال: قد فَرّق بين الجائزة والضيافة، والجائزةُ أوكد، ومن أصحابنا - يعني الحنبليّة - من أوجب الضيافة ثلاثة أيام، منهم أبو بكر بن عبد العزيز، وابن أبي موسى، والآمدي، وما بعد الثلاث فهو صدقة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول هو الأرجح عندي؛ لظهور حجته، فإن ظواهر النصوص تدلّ له، والله تعالى أعلم. ١٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال: وظنّ بعض الناس أن الضيافة ثلاثة أيام بعد اليوم والليلة الأولى، وردّه أحمد بقوله وَله: ((الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة))، ولو كان كما ظَنّ هذا لكان أربعة. قلت(١): ونظير هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَزَكَ فِيهَا وَقَّدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىِّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ٩ -١٠]، والمراد في تمام الأربعة. وهذا الحديث الذي احتَجّ به أحمد قد تقدم من حديث أبي شُرَيح رضىعنه، وخرّجه البخاري من حديث أبي هريرة ◌َظُله عن النبي ◌َّ قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن قِرَى الضيف))، قيل: يا رسول الله، وما قِرَى الضيف؟ قال: ((ثلاثة، فما كان بعدُ فهو صدقة)). قال حُميد بن زنجويه: عليه أن يتكلف له في اليوم والليلة، من الطعام أطيب ما يأكله هو وعياله، وفي تمام الثالث يطعمهم من طعامه، وفي هذا نظر، وسنذكر حديث سلمان نظريته بالنهي عن التكلّف للضيف. ونَقَل أشهب عن مالك قال: جائزته يوم وليلة، يكرمه، ويتحفه، ويخصّه يوماً وليلة، وثلاثة أيام ضيافة. وكان ابن عمر يمتنع من الأكل من مال من نَزَل عليه فوق ثلاثة أيام، ويأمر أن يُنفَقَ عليه من ماله، ولصاحب المنزل أن يأمر الضيف بالتحول عنه بعد الثلاث؛ لأنه قَضَى ما عليه، وفَعَلَ ذلك الإمام أحمد تَخَذَتُهُ. وقوله وَّ: ((لا يحل له أن يَثْوِيَ عنده حتى يُحْرِجه))، يعني يقيم عنده حتى يُضَيِّق عليه، لكن هل هذا في الأيام الثلاثة، أم فيما زاد عليها؟ فأما فيما ليس بواجب فلا شكّ، وأما ما هو واجب، وهو اليوم والليلة(٢)، فَيُبْنَى على أنه هل تجب الضيافة على من لا يجد شيئاً، أم لا تجب إلا على من وَجَدَ ما يُضيف به؟ فإن قيل: إنها لا تجب إلا على من يجد ما يضيف به، وهو قول طائفة من أهل الحديث، منهم حُمَيد بن زنجويه، لم يَحِلّ للضيف أن يستضيف (١) القائل ابن رجب. (٢) قد سبق ترجيح القول بوجوبها ثلاثة أيام، فلا تغفل. ١٨٧ (٢١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى إِكْرَامِ الْجَارِ وَالضَّيْفِ، ... إلخ - حديث رقم (١٨١) من هو عاجز عن ضيافته، وقد رُوِي من حديث سلمان ظُته قال: نهانا رسول الله صل أن نتكلف للضيف ما ليس عندنا (١)، فإذا نُهِي الْمُضِيف أن يتكلف للضيف ما ليس عنده دلّ على أنه لا تجب عليه المواساة للضيف، إلا بما عنده، فإذا لم يكن عنده فَضْلٌ لم يلزمه شيء، وأما إذا آثر على نفسه، كما فَعَل الأنصاري الذي نَزَل فيه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ ◌ِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، فذلك مَقَام فضل وإحسان، وليس بواجب، ولو عَلِم الضيف أنهم لا يُضيفونه إلا بقوتهم وقوت صبيانهم، وأن الصبية يتأذون بذلك، لم يجز له استضافتهم حينئذ؛ عملاً بقوله وَ له: ((ولا يحل له أن يقيم عنده حتى یُحرِجه))(٢). وأيضا فالضيافة نفقة واجبة، ولا تجب إلا على من عنده فضل عن قوته وقوت عياله، كنفقه الأقارب، وزكاة الفطر. وقد أنكر الخطابي تفسير تأثيمه بأن يقيم عنده، ولا شيء له يَقريه به، وقال: أراه غَلَطاً، وكيف يأثم في ذلك، وهو لا يتسع لقراه، ولا يجد سبيلاً إليه؟ وإنما الكلفة على قدر الطاقة، قال: وإنما وجه الحديث أنه كره له المقام عنده بعد ثلاث؛ لئلا يَضِيق صدره بمكانه، فتكون الصدقة منه على وجه الْمَنّ والأذى، فيبطل أجره. وهذا الذي قاله فيه نظر، فإنه قد صَحَّ تفسيره في الحديث بما أنكره، وإنما وجهه أنه أقام عنده، ولاشيء له يَقرِيه به، فربما دعاه ضِيق صدره به، وحَرَجه إلى ما يأثم به في قول أو فعل، وليس المراد أنه يأثم بترك قراه، مع عجزه عنه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى(٣)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) رواه أحمد ٥٤٤١، والطبرانيّ في ((الكبير)) (٦٠٨٣ و٦٠٨٤ و٦٠٨٥ و٦١٨٧). قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٧٩/٨: أحد أسانيد ((الكبير)) رجاله رجال الصحيح. (٢) متّفقٌ عليه . (٣) ((جامع العلوم والحكم)) ٣٣٢/١ - ٣٦٠. ١٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ أَبِي حَصِيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فُلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ لِيَسْكُتْ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطيّ، ثم الكوفي، ثقة حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (أَبُو الْأَخْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنفيّ مولاهم الكوفي، ثقة متقنٌ، صاحب حديث [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٥. ٣ - (أَبُو حَصِيْنِ) عثمان بن عاصم بن حَصِين الأسديّ الكوفيّ، ثقة ثبت سُنّيّ، وربّما دلّس [٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/ ٤. ٤ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبتٌ [٣] (ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والصحابي ذُكر في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فلم يُخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بذوي الكنى، وهذا من غرائب الأسانيد. ٥ - (ومنها): أن أبا حَصِين بالفتح مكبّراً لا يوجد له مشارك في كنيته في ((الصحيحين))، وقلت في ذلك نظماً: ١٨٩ (٢١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى إِكْرَامِ الْجَارِ وَالضَّيْفِ، ... إلخ - حديث رقم (١٨٣) أَبَا حَصِينٍ (١) الأَسَدِيِّ كَبِّرٍ لَدَى ((الصَّحِيحَيْنِ)) سِوَاهُ صَغِّرٍ ٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والله تعالى أعلم. وأما شرح الحديث، وبيان مسائله، فقد مرّت مستوفاةً في الحديث الماضي. وقوله: (فلا يؤذي جاره) قال النوويّ رحمه الله تعالى: كذا وقع في الأصول: ((يؤذي)) بالياء في آخره، وروينا في غير مسلم: ((فلا يؤذ)) بحذفها، وهما صحيحان، فحذفها للنهي، وإثباتها على أنه خبر، يراد به النهي، فيكون أبلغ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] على قراءة مَن رَفَع، ومنه قوله ◌َّهِ: ((لا يبيعُ أحدكم على بيع أخيه))، ونظائره كثيرة، والله تعالى أعلم. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة ما أشار إليه النوويّ رحمه الله تعالى أن ((لا)) في رواية المصنّف رحمه الله تعالى نافية، والفعل مرفوع، وفي رواية غيره ناهية، والفعل مجزوم بها، ورواية الرفع أبلغ في المعنى؛ لأن النفي إعدام للشيء من أصله، والنهي إعدام لحكمه مع وجوده، وإعدام الأصل أبلغ من إعدام الحكم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٣] ( .. ) - (وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَال پِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي حَصِينٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَّالَ: ((فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ نزيل نيسابور، ثقة حافظ إمام حجة [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. (١) بترك التنوين، للوزن. (٢) ((شرح مسلم)) ٢/ ٢٠. ١٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطاً، ثقة مأمون [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِھرَان الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة حافظٌ عارف بالقراءة، ورِعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٧. والباقيان تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حدیث. وقوله: (بمثل حديث أبي حَصِين ... إلخ) يعني أن حديث الأعمش مثل حديث أبي حصين، إلا أنه قال الأعمش: ((فليُحسن إلى جاره)) بدل قول أبي حصين: ((فلا يؤذ جاره)). [تنبيه]: لفظ حديث الأعمش هذا ساقه أبو نعيم في ((المسند المستخرج)) (١٣٥/٢): (١٧٢) - حدثنا أبو أحمد، محمد بن أحمد بن الغطريفي، ثنا عبد الله بن محمد بن شیرویه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا عیسی بن یونس، (ح) وحدثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن إسحاق ابن راهويه، ثنا أبي، ثنا عيسى بن يونس، (ح) وحدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا قاسم بن زكريا، ثنا يوسف القطان، ثنا جرير، قالا: عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَر: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليسكت)). وقال عيسى بن يونس: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤] (٤٨) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ جَمِيعاً، عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، أَنَّهُ سَمِعَ ١٩١ (٢١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى إِكْرَامِ الْجَارِ وَالضَّيْفِ، ... إلخ - حديث رقم (١٨٤) نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُخْبِرُ عَنْ أَبِي شُرَيْح الْخُزَاعِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنَّْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوَ لِیَسْكُتْ))). رجال هذا الإسناد: ستة : ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغداديّ الحافظ المذكور قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو سفيان الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقة ثبت حافظ حجة [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣. ٤ - (عَمْرُو) بْنُ دِينَارِ الأثرم الْجُمَحِيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبتٌ [٤]. رَوَى عن ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبي الطفيل، والسائب بن يزيد، وجماعة. وروى عنه قتادة، ومات قبله، وأيوب، وابن جريج، وجعفر الصادق، ومحمد بن جُحَادة، ومالك، وشعبة، وداود بن عبد الرحمن العطار، ورَوْح بن القاسم، وجماعة. قال محمد بن علي الْجُوزَجَاني، عن أحمد بن حنبل: كان شعبة لا يُقَدِّم على عمرو بن دينار لا الحَكَمَ، ولا غيرَهُ - يعني في التثبت -، وقال ابن المديني، عن ابن مهديّ، عن شعبة مثل ذلك، وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة يذكر عن ابن أبي نَجِيح قال: ما كان عندنا أحد أفقه، ولا أعلم من عمرو بن دينار، زاد غيره: لا عطاء، ولا مجاهد، ولا طاوس، وقال ١٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الحميدي وغيره، عن سفيان: قلت لمسعر: مَنْ رأيت أشد إتقاناً للحديث؟ قال: عمرو بنَ دينار، والقاسمَ بنَ عبد الرحمن، وقال إسحاق بن إسماعيل، عن سفيان: قالوا لعطاء: بمن تأمرنا؟ قال: بعمرو بن دينار، وقال عبد الرحمن بن الحكم عن ابن عيينة: ثنا عمرو بن دينار، وكان ثقة ثقة، وحديث أسمعه من عمرو أحب إلي من عشرين حديثاً من غيره، وقال علي بن الحسن النسائي عن ابن عيينة: مَرِضَ عمرو، فعاده الزهريّ، فلما قام الزهري، قال: ما رأيت شيخاً أنصّ للحديث الجيد من هذا الشيخ، وقال عليٍّ عن القطان: عمرو بن دينار أثبت عندي من قتادة، قال صالح بن أحمد: فذكرتُ ذلك لأبي، فقال مثله، قال صالح: وقال أبي: عمرو أثبت الناس في عطاء، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال أبو زرعة، وأبوحاتم: ثقة، وقال ابن عيينة، وعمرو بن جرير: كان ثقة ثبتاً كثير الحديث، صدوقاً عالماً، وكان مفتي أهل مكة في زمانه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: جاوز السبعين، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: لم يسمع من البراء بن عازب، وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زُرْعة: لم يسمع من أبي هريرة، وقال الترمذي: قال البخاري: لم يسمع عمرو بن دينار من ابن عباس حديثه عن عمر في البكاء على الميت، قال الحافظ: مقتضى ذلك أن يكون مدلساً، وقال الذهبي: ما قيل عنه من التشيع باطل. قال أحمد: مات سنة (٥) أو (١٢٦). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢٥) حديثاً. ٥ - (نافع بن جُبير) بن مُطعم بن عَدِيّ بن نَوْفَل بن عبد مناف النوفليّ، أبو محمد، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقة فاضلٌ [٣]، مات سنة (٩٩) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨٢. ٦ - (أَبُو شُرَيْح الْخُزَاعِيُّ) الْكَعْبيّ، اختلف في اسمه، فقيل: خُويلد بن عمرو، وقيل: عمرو بن خُوَيلد، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: هانئ بن عمرو، وقيل: كعب بن عمرو، والمشهور الأول، وهو خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزّى بن معاوية بن الْمُحْتَرش بن عمرو بن مازن بن عديّ بن عمرو بن ربيعة. ١٩٣ (٢١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى إِكْرَامِ الْجَارِ وَالضَّيْفِ، ... إلخ - حديث رقم (١٨٤) أسلم قبل الفتح(١)، وكان معه لواء خُزاعة يوم الفتح، مات سنة ثمان وستين على الصحيح (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤٨٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن ابن عيينة أثبت من روى عن عمرو بن دينار. ٤ - (ومنها): أنه فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عمرو عن نافع. ٥ - (ومنها): أن عمرو بن دينار، هذا أول محل ذكره، وجملة ما رواه المصنّف لعمرو (١٢٦) حديثاً. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ممن اشتهر بكنيته، حتى اختلف في اسمه على عدّة أقوال، كما أسلفته آنفاً . ٧ - (ومنها): أن جملة من يُكنى بأبي شُريح في الكتب الستّة أربعة: ١ - أحدهم: هذا المترجم هنا. ٢ - والثاني: أبو شُريح الكنديّ، واسمه هانئ بن يزيد الْمَذْحِجيّ، صحابيّ نزل الكوفة، وحديثه عند البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأبي داود، والنسائيّ. ٣ - والثالث: أبو شُريح المعافريّ، واسمه عبد الرحمن بن شُريح بن عبيد الله الإسكندرانيّ، من الطبقة السابعة، ثقة فاضل، أخرج له الجماعة. ٤ - والرابع: أبو شُريح يروي عن أبي مسلم العبديّ، مقبول، من السادسة، حديثه عند ابن ماجه فقط. ٨ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب السّة إلا ستة أحاديث: (١) هكذا في ((الإصابة)) ١٧٣/٧، والذي في ((تهذيب التهذيب))، و((تحفة الأشراف)): أسلم يوم الفتح، والظاهر أن ما في ((الإصابة)) هو الصواب، فتأمل. ١٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ١ - حديث الباب عند الجماعة. ٢ - وحديث: ((إن مكة حرّمها الله ... )) الحديث، عند الشيخين، والترمذيّ، والنسائيّ. ٣ - وحديث: ((ألا إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل ... )) الحديث مختصرٌ، عند أبي داود، والترمذيّ. ٤ - وحديث: ((من أُصيب بقتل أو خَبْل ... )) الحديث عند أبي داود، وابن ماجه . ٥ - وحديث: ((والله لا يؤمن ... )) عند البخاريّ فقط. ٦ - وحديث: ((اللهم إني أحرِّج حقّ الضعيفين: اليتيم، والمرأة)) عند النسائي فقط، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما شرح الحديث فقد تقدّم في حديث أبي هريرة ◌ُه، وإنما أتكلّم هنا في مسألتين فقط: ضُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الأولى): حديث أبي شُريح الخزاعيّ (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [١٨٤/٢١] (٤٨) من طريق نافع بن جُبير، عن أبي شُريح، وسيأتي في ((كتاب اللقطة)) مكرّراً من طريق سعيد المقبريّ، عنه - إن شاء الله تعالى -. و(البخاريّ) في ((كتاب الأدب)) (١٣/٨ و٣٩) وفي ((الرقاق)) (١٢٥/٨)، وفي ((الأدب المفرد)) (١٠٢)، و(أبو داود) في ((الأطعمة)) (٣٧٤٨)، و(الترمذيّ) في ((البرّ)) (١٩٦٧ و١٩٦٨)، و(النسائيّ) في ((الرقاق)) من ((الكبرى)) (٤١٦)، و(ابن ماجه) في ((الأدب)) (٣٦٧٢) و(٣٦٧٥). و(مالك) في ((الموطأ)) (٢٦٨٧)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥٧٥ و٥٧٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١/٤ و٣٨٤/٦ و٣٨٥)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٤٨٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٠٤١ و٢٠٤٢)، و(أبو نعيم) في ((المسند المستخرج)) (١٧٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . ١٩٥ (٢٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْسِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٨٥) (٢٢) - (بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْبِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٥] (٤٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ. (ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الَّعِيدِ قَبْلَ الصَّلاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرَِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ))). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (وَكِيعِ) بن الجرّاح بن مَلِيحِ الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (سُفْيَانَ) بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوريّ الكوفيّ، ثقة حافظٌ فقيه حجةٌ إمامٌ، وربما دلّس، من رؤوس [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٣ - (قَيْسُ بْنُ مُسْلِم) الْجَدليّ - بفتح الجيم، والدال - الْعَدْوانيّ(١)، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ، رميّبالإرجاء [٦]. رَوَى عن طارق بن شهاب، والحسن بن محمد بن الحنفية، ومجاهد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وإبراهيم بن جرير، وسعيد بن جبير. ورَوَى عنه الأعمش، وشعبة، والثوريّ، ومسعر، ومالك بن مِغْول، وأبو الْعُمَيس، ورَقَبة بن مَصْقَلة، وإدريس بن يزيد الأوديّ، وغيرهم. قال عليّ، عن يحيى: كان مرجئاً، وهو أثبت من أبي قيس، وقال (١) بفتح العين المهملة، وسكون الدال: نسبة إلى عَدْوان قبيلة من قيس عَيلان. انتهى ((لب اللباب)) ١٠٩/٢. ١٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان صالح بن أحمد، عن أبيه: ثقة في الحديث، وقال أحمد، عن سفيان: كانوا يقولون: ما رَفَع رأسه إلى السماء منذ كذا وكذا تعظيماً لله، وقال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة، وقال أبو داود: كان مرجئاً، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وكان يرى الإرجاء، وعن أبي داود، عن شعبة، أنه ذكره، فجعل يُلَيِّنه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال أبو نعيم، والبخاريّ، ومُطَيَّن: مات سنة عشرين ومائة، وكذا أَرّخه ابن سعد، وقال: كان ثقةً ثبتاً، له حديث صالح، وقال العجليّ: كوفيٍّ ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة ثقة، وكان مرجئاً. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث أبي موسى الأشعريّ رُه رقم (١١٣١): ((كان يوم عاشوراء يوماً تعظمه اليهود ... )) وأعاده بعده، وحديثه أيضاً رقم (١٢٢١): ((بم أهللت ... )) وأعاده بعده أيضاً، وحديث عمر بن الخطاب نظراته رقم (٣٠١٧) ((إني لأعلم حيث نزلت ... )) وأعاده بعده مرتين. ٤ - (طَارِقُ بْنُ شِهَاب) بن عبد شمس بن هلال بن سَلَمَة بن عَوْف بن جُشَم بن عمرو بن لؤي بن رُهْم بن معاوية بن أسلم بن أحمس الْبَجَليّ الأحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، رأى النبيّ وَّر، ويقال: لم يسمع منه [٢]. رأى النبي مَ ﴿، وروى عنه مرسلاً، وعن الخلفاء الأربعة، وبلال، وحذيفة، وخالد بن الوليد، والمقداد، وسعد، وابن مسعود، وأبي موسى، وأبي سعيد، وكعب بن عُجْرة، وغيرهم. ورَوَى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وقيس بن مسلم، ومُخَارق الأحمسيّ، وعلقمة بن مَرْئَد، وسماك بن حرب، وجماعة. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو داود: رأى النبي ◌ِّ، ولم يسمع منه شيئاً، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ليست له صحبةٌ، والحديث الذي رواه: ((أيُّ الجهاد أفضل؟ ... )) مرسل، قلت له: قد أدخلته في مسند الوُحْدان؟ قال: لِمَا حُكِي من رؤيته النبيّ بَّ، وقال العجليّ: طارق بن شهاب الأحمسيّ من أصحاب عبد الله، وهو ثقة. وقال في («الإصابة)) (٤١٣/٣) بعد ذكر حكاية أبي حاتم المذكورة ما ١٩٧ (٢٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْبِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٨٥) نصّه: قلت: إذا ثبت أنه لقي النبيّ رَّ، فهو صحابي على الراجح، وإذا ثبت أنه لم يسمع منه، فروايته عنه مرسل صحابي، وهو مقبول على الراجح، وقد أخرج له النسائي عِدّة أحاديث، وذلك مصير منه إلى إثبات صحبته، وقال أبو داود الطيالسيّ: حدثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: رأيت النبيّ ◌َ﴿، وغزوت في خلافة أبي بكر، وهذا إسناد صحيح، وبهذا الإسناد قال: قَدِمَ وَقْدُ بَجِيلة على النبيّ وَّه، فقال: ((ابدءوا بالأحمسيين))(١)، ودعا لهم، وأخرج البغويّ من طريق شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق، قال: رأيت النبيّ وَل﴿، وغزوت في خلافة أبي بكر. انتهى المقصود من ((الإصابة)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الحقّ ثبوت الصحبة لطارق، وقد أثبتها له أبو نُعيم، وابن منده، وابن حبّان، وابن قانع، وابن عبد البرّ، والعسكريّ، وابن حزم في (المحلّى)) (١٤٥/٢)، وتبعهم من المتأخّرين أحمد محمد شاكر، والألباني، وغيرهم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال خليفة وغيره: مات سنة اثنتين وثمانين، وقال عمرو بن عليّ: مات سنة (٣)، وقال ابن نُمَير: سنة (٤)، وحَكَى ابن أبي خيثمة، عن ابن معين أنه مات سنة (١٢٣)، وهو وَهَمُ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب الأحاديث الأربعة التي ذُكرت في ترجمة قیس قبله. ٥ - (أَبُو سَعِيد) سعد بن مالك بن سِنَان الْخُدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّ، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٨٥. والباقون تقدّموا قريباً، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. (١) أخرجه أحمد في «مسنده)) ٣١٥/٤. قال الهيثمي في ((الجمع)) ٥٢/١٠: رواه أحمد، وروى الطبراني بعضه، إلا أنه قال: ((ابدءوا بالأحمسيين قبل القيسيين))، ورجالهما رجال الصحيح. ١٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٢ - (ومنها): أن فيه التحديث والعنعنة، وكلاهما من صيغ الاتّصال، على الراجح في ((عن)) من غير المدّس. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فلم يُخرج له الترمذيّ. ٤ - (ومنها): أن السند الأول مسلسلٌ بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وأما الثاني فمسلسل بالبصريين إلى شعبة. ٥ - (ومنها): أن شيخه ابن المثنّى أحد مشايخ الأئمة الستة دون واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى التحويل، وقد مرّ البحث فيها مستوفّی. ٧ - (ومنها): أن فيه قيساً وطارقاً هذا أول محلّ ذكرهما من الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لهما أربعة أحاديث فقط، كما أسلفت بيانه آنفاً . ٨ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قيس عن طارق على ما قالوا، لكن الراجح صحبة طارق، فيكون فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. ٩ - (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدريّ رُبه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً . ١٠ - (ومنها): قوله: (وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ) إشارة إلى أن شيخيه لم يتّفقا في لفظ الحديث، وإنما اتّفقا في المعنى فقط، وهذا الذي ساقه هنا لفظ شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأما شيخه محمد بن المثنّى، فرواه بمعناه، وهذه المسألة قد ذُكرت في كتب المصطلح، وقد قدّمنا تحقيقها في مقدّمة شرح المقدّمة مستوفّى، فراجعه (٤٦/١ - ٤٨) تستفد، وبالله تعالى التوفيق، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ طَارِقٍ بْنِ شِهَابٍ) البجليّ الأحمسيّ ◌َبه، أنه (قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ) بن الحكم بن أبي العاص بن أُميّة، أبو عبد الملك الأمويّ المدنيّ، ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة ١٩٩ (٢٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْسِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٨٥) خمس وستين في رمضان، وله ثلاث، أو إحدى وستون سنةً، ولا تثبت له صحبةٌ . قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: ((أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان)): قال القاضي عياض كَّلهُ: اختلف في هذا، فوقع هنا ما نراه، وقيل: أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة عثمان حظيبه، وقيل: عمر بن الخطاب ربه، لَمّا رأى الناس يذهبون عند تمام الصلاة، ولا ينتظرون الخطبة، وقيل: بل ليدرك الصلاة من تأخر وبَعُد منزله، وقيل: أول من فعله معاوية، وقيل: فعله ابن الزبير رَظُبه، والذي ثبت عن النبي وَّل، وأبي بكر، فيّ تقديم الصلاة، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، وقد وعمر، وعثمان، وعلي , عَدّه بعضهم إجماعاً - يعني والله أعلم - بعد الخلاف، أو لم يلتفت إلى خلاف بني أمية، بعد إجماع الخلفاء، والصدر الأول. وفي قوله بعد هذا: ((أما هذا فقد قضى ما عليه))، بمحضر من ذلك الجمع العظيم، دليل على استقرار السنة عندهم على خلاف ما فعله مروان، وبيّنه أيضاً احتجاجه بقوله: سمعت رسول الله وَ ل يقول: ((من رأى منكراً فليغيره))، ولا يسمى منكراً لو اعتقده، ومن حضر، أو سبق به عمل، أو مضت به سنّة، وفي هذا دليل على أنه لم يعمل به خليفة قبل مروان، وأن ما حُكِي عن عمر، وعثمان، ومعاوية ظه لا يصح، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى(١) . وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان)): هذا أصحّ ما رُوي في أول من قدّم الخطبة على الصلاة، وقد روي أول من فعل ذلك عمر، وقيل: عثمان، وقيل: ابن الزبير، وقيل: معاوية ﴿ه. قال: وبعيد أن يصحّ شيء من ذلك عن مثل هؤلاء؛ لأنهم شاهدوا رسول الله وَ ل﴿، وصلّوا معه أعياداً كثيرةً، والصحيح المنقول عنه، والمتواتر عند أهل المدينة تقديم الصلاة على الخطبة، فكيف يعدل أحد منهم عمّا فعله النبيّ رََّ، وداوم عليه إلى أن تُوفّي؟ فإن صحّ عن واحد من هؤلاء (١) ((شرح مسلم)) ٢١/٢. ٢٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أنه قدّم ذلك، فلعلّه إنما فعله لما رأى من انصراف الناس عن الخطبة، تاركين لسماعها، مستعجلين، أو ليُدرك الصلاة من تأخّر، وبعُد منزله، ومع هذين التأويلين، فلا ينبغي أن تُترك سنة رسول الله وَ ل لمثل ذلك، وأولئك الملأ أعلم، وأجلّ من أن يصيروا إلى ذلك. والله أعلم. وأما مروان، وبنو أميّة، فإنما قدّموا لأنهم كانوا في خُطبهم ينالون من عليّ رَظُه، ويُسمعون الناس ذلك، فكان الناس إذا صلّوا معهم انصرفوا عن سماع خُطبهم لذلك، فلمّا رأى مروان ذلك، أو من شاء الله من بني أميّة قدّموا الخطبة ليُسمِعوا الناس من ذلك ما يكرهون، والصواب تقديم الصلاة على الخطبة، كما تقدّم، وقد حَكَي بعض علمائنا الإجماع. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١) . (فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ) قال صاحب ((التنبيه)): هذا الرجل لا أعرفه (٢). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قد يقال: كيف تأخر أبو سعيد رَظ ◌ُه، عن إنكار هذا المنكر، حتى سبقه إليه هذا الرجل؟ وجوابه أنه يحتمل أن أبا سعيد، لم يكن حاضراً أوّلَ ما شَرَع مروان في أسباب تقديم الخطبة، فأنكر عليه الرجل، ثم دخل أبو سعيد، وهما في الكلام. ويحتمل أن أبا سعيد كان حاضراً من الأول، ولكنه خاف على نفسه أو غيره حصول فتنة، بسبب إنكاره، فسقط عنه الإنكار، ولم يَخَفْ ذلك الرجل شيئاً؛ لاعتضاده بظهور عشيرته، أو غير ذلك، أو أنه خاف، وخاطر بنفسه، وذلك جائز في مثل هذا، بل مستحب. ويحتمل أن أبا سعيد هَمَّ بالإنكار، فبدره الرجل، فعضده أبو سعيد، والله أعلم. ثم إنه جاء في الحديث الآخر، الذى اتفق البخاري ومسلم رحمهما الله على إخراجه، في ((باب صلاة العيد)) أن أبا سعيد ربه هو الذي جذب بيد مروان، حين رآه يصعد المنبر، وكانا جاءا معاً، فردّ عليه مروان بمثل ما ردّ هنا على الرجل، فيحتمل أنهما قضيتان: إحداهما لأبي سعيد، والأخرى للرجل، بحضرة أبي سعيد، والله أعلم. (١) ((المفهم)) ٢٣١/١ - ٢٣٢. (٢) ((تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم)) ص٥٧.