النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ (١٤) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٦٥) حُصَيْنٍ) مَّ، كان من فضلاء الصحابة ظّ وفقهائهم، قال محمد بن سيرين: أفضل من نزل البصرة من أصحاب رسول الله وَ الر عمران بن حُصين، وأبو بكرة، أسلم عمران، وأبو هريرة عام خيبر، وتُوُفّي بالبصرة ◌َظُله سنة (٥٢هـ)(١). (في رَهْط) هو ما دون عشرة من الرجال ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وقال أبو زيد: الرهطُ، والنفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلبٌ أيضاً: الرهطُ، والنفَرُ، والقومُ، والْمَعْشَرُ، والْعَشِيرةُ معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السِّكِّيت: الرهطُ، والعَشِيرة: بمعنَى، ويقال: الرهطُ : ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في ((كتاب الضاد والظاء))، ونقله ابن فارس أيضاً، ورهطُ الرجلِ قومه، وقبيلته الأقربون، ذكره الفيّوميّ(٢). وقال المجد: الرَّهْط، ويُحرَّك: قوم الرجل، وقبيلته، ومن ثلاثة، أو سبعة إلى عشرة، أو ما دون العشرة، وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، جمعه: أَرْهُطُ، وأَرَاهِطُ، وأَرْهاطُ، وأَرَاهِيطُ. انتهى(٣). وقوله: (مِنَّا) أي من عشيرتنا (وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ) تقدّم أنه بضم الباء، وفتح الشين، والجملة في محل نصب على الحال، والرابط الواو والضمير، كما قال في ((الخلاصة)): وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا بِوَاوِ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا (فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ) تَظُه (يَوْمَئِذٍ، قَالَ) تفسير لـ((حدّثنا))، كما مرّ قريباً (قَالَ رَسُولُ اللهِ إِ: ((الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ))، قَالَ) الظاهر أن القائل هو عمران ، ويحتمل أن يكون من دونه (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ) ◌َلِّ، أو عمران ((الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ))) قد تقدّم أن الحديث على ظاهره، وأن المراد منه الحياء الشرعيّ، فالحياء كلّه خير، ولا يُستثنى منه شيء، وما ذكره بُشير من بعض الكتب إنما هو الحياء اللغويّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((الاستيعاب)) ١٢٠٨/٣. (٣) ((القاموس المحيط)) ص٦٠١. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٤١/١ - ٢٤٢. ٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ، أَوْ) للشكّ من الراوي (الْحِكْمَةِ) تقدّم أن الحكمة هي إصابة الحقّ بالعلم (أَنَّ مِنْهُ) أي بعض أنواع الحياء (سَكِينَةً) بفتح، فكسر، قال أبو نُعيم: فَعِيلة من السكون، وهو الوقار، والسكون الهدوء. انتهى(١). وقال ابن الأثير: ((السكينة)): الوقار، والتأني. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ: ((السكينة)) بالتخفيف: الْمَهَابةُ، والرَّزَانُ، والوَقَار، وحَكَى في ((النوادر)): تشديد الكاف، قال: ولا يُعرَفُ في كلام العرب فَعِّيلةٌ مثقّل العين إلا هذا الحرف شاذّاً. انتهى(٣). فتبيّن بما ذُكر أن قوله: (وَوَقَاراً للهِ) عطف تفسير لـ((السكينة))، وفسّروا الوقار بأنه الحلم والرَّزانة، فقال الفيّوميّ: الوقار: الحِلْم والرَّزَانةُ، وهو مصدرُ وَقُرَ بالضمّ، مثلُ جَمُل جَمَالاً، ويقال أيضاً: وَقَرَ يَقِرُ، من بابٍ وَعَدَ، فهو وَقُورٌ، مثلُ رسُول، والمرأةُ وَقُورٌ أيضاً، فَعُول بمعنى فاعل، مثلُ صَبُور، وشَكُور، والوقارُ أيضاً الْعَظَمةُ. انتهى (٤). (وَمِنْهُ) أي بعض أنواعه (ضَعْفٌ) بفتح الضاد، وضمّها لغتان مشهورتان، قرئ بهما في السبع، قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقِ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ﴾ الآية [الروم: ٥٤]، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قرأ عاصم، وحمزة بفتح الضاد فيهنّ، والباقون بالضمّ، والضمّ لغة النبيّ وََّ، وقرأ الْجَحْدريّ: ((من ضعف، ثم جعل من بعد ضَعف)) بالفتح فيهما، و((ضُعفاً)) بالضمّ خاصّة، أراد أن يجمع بين اللغتين، قال الفرّاء: الضمّ لغة قريش، والفتح لغة تميم. انتهى (٥). وقال الفيّوميّ: ((الضَعْفُ)) بفتح الضاد في لغة تميم، وبضمّها في لغة قريش: خلافُ القوّة، والصحّة، فالمضموم مصدر ضَعُفَ، مثالُ قَرُبَ قُرْباً، والمفتوح مصدر ضَعَفَ ضَعْفاً، من باب قتل، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي، والمضموم في الجسد، وهو ضَعِيفٌ، والجمع ضُعَفاءُ، وضِعَافٌ أيضاً، (١) ((المسند المستخرج)) ١٢٩/١. (٣) ((المصباح)) ٢٨٣/١. (٥) ((تفسير القرطبيّ)) ٤٦/١٤. (٢) ((النهاية)) ٣٨٥/٢. (٤) ((المصباح)) ٦٦٨/٢. ٦٣ (١٤) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٦٥) وجاء ضَعَفَةٌ، وضُعفى؛ لأن فعيلاً إذا كان صفةً، وهو بمعنى مفعولِ جُمِعَ على فَعْلَى، مثلُ قَتِيل وقَتْلَى، وجَرِيحِ وجَرْحَى، قال الخليل: قالوا: هَلْكَى، ومَوْتَى، ذَهَاباً إلى أن المعنى معنى مفعول، وقالوا: أحمق، وحَمْقَى، وأنوكُ ونَوْكَى(١)؛ لأنه عيبٌ أُصيبوا به، فكان بمعنى مفعول، وشذّ من ذلك سَقِيمٌ، فجُمِعَ على سِقَامِ بالكسر، لا على سَقْمَى؛ ذَهَاباً إلى أن المعنى معنى فاعل، ولُوحظ في ضَعِيفٌ معنى فاعل، فجُمع على ضِعَاف، وضَعَفَة، مثلُ كافر، وكَفَرَة. انتهى(٢). [تنبيه]: أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ من طريق فُضيل بن مرزوق، عن عطيّة الْعَوفيّ قال: قرأت على عبد الله بن عمر: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾(٣) فقال: ﴿مِّنْ ضَعْفٍ﴾(٤)، قرأتها على رسول الله بيليه كما قرأتها عليّ، فأخذ عليّ كما أخذت عليك(٥). هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عطية العوفي، وهو ضعيف، وأخرجه أيضاً أبو داود من حديث أبي سعيد الخدريّ رَظُه، وفيه أيضاً عطية المذكور، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو قتادة (فَغَضِبَ) بكسر الضاد، من باب تَعِبَ (عِمْرَانُ) مضر عنه وسبب غضبه ظُه وإنكاره عليه؛ لكونه قال: ((ومنه ضعف)) بعد سماعه قول النبيّ وَّ: ((إنه خير كلّه))، وقيل: إنما أنكر عليه من حيث إنه ساقه في معرض من يُعارض كلام الرسول وَّر بكلام غيره، والله تعالى أعلم. (حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ) أي من شدّة غضبه عليه، قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: كذا وقع، وكذا رويناه، وهو على لغة من قال: ((أكلوني البراغيث))(٦)، أو على البدل، كما قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣]. (١) ((الأنوك)) كالأحمق وزناً ومعنَّى. (٣) أي بفتح الضاد. (٢) ((المصباح المنير)) ٣٦٢/٢. (٤) أي بضمّ الضاد. (٥) رواه أحمد في ((مسنده)) ٥٨/٢، وأبو داود في ((سننه)) رقم (٣٩٧٨)، والترمذيّ في «جامعه)) رقم (٢٩٣٦). (٦) وسمّاها ابن مالك في كتبه بلغة ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار)) أخذاً من هذا الحديث. ٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال الجامع عفا الله تعالى: لغة ((أكلوني البراغيث)) هي التي أشار إليها ابن مالك في ((الخلاصة)) حيث قال: وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ وَقَدْ يَقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا وحملوا عليها قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ لكن هذا وجه ضعيف؛ لأن فيه حملَ الآية على لغة ضعيفة، والصحيح أن ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ بدل من الضمير الفاعل، وهو الواو، أو ((الذين)) مبتدأ مؤخّر، خبره جملة: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾، فتنبّه، ومثله حديث: ((يتعاقبون فيكم ملائكة ... )) الحديث، على بعض الروايات، وأشباه هذا كثيرة معروفة. ووقع في رواية أبي داود في ((سننه)): ((واحمرّت عيناه)) من غير ألف، وهو ظاهر، والله تعالى أعلم. (وَقَالَ) عمران رَضُْهُ (أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه (أَرَانِي) أي أرى نفسي. [فائدة]: من خواصّ أفعال القلوب جواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين لمسمّى واحد، كـ((ظَننتني قائماً))، وقوله تعالى: ﴿أَنَ زََّاهُ أُسْتَغْفَ [العلق: ٧]، وأُلْحِقَ بها في ذلك ((رأى)) الْحُلميّة والبصريّة بكثرة، نحو ﴿إِنِّ أَرَطِيَّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وقول الشاعر [من الكامل]: مِنْ عَنْ يَمِينِي تَارَةً وَأَمَامِي وَلَقَدْ أَرَانِي لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً و((عَدِمَ))، و((فَقَدَ))، و(وَجَدَ)) بمعنى لَقِي بقلّة، دون باقي الأفعال، فلا يقال: ((ضربتني)) اتّفاقاً؛ لئلا يكون الفاعل مفعولاً، بل ضربت نفسي، وظلمت نفسي؛ ليتغاير اللفظان، فإن ورد ما يوهمه قُدّر فيه النفس، نحو ﴿وَهُزِّىّ إِلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥]، ﴿وَأَضْمُمْ يَدَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢]، و﴿أَمْسِْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، أي إلى نفسك، وعلى نفسك، بخلاف أفعال القلوب، فإن مفعولها في الحقيقة مضمون الجملة، لا المنصوب بها، فلا ضرر في اتّحاده مع الفاعل، ولا توضع النفس مكانه عند الجمهور، فلا يقال: ظننت نفسي عالمة، وجوّزه ابن كيسان، فإن كان أحد الضميرين منفصلاً جاز في كلّ فعل، نحو ما ضربتُ إلا إياي(١)، فافهمه، فإنه نفيس، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((حاشية الخضري على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة)) ٢٢١/١ -٢٢٢. ٦٥ (١٤) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٦٦) (أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، وَتُعَارِضُ فِيهِ) أي تقابله، وتأتي بما يناقضه (قَالَ) أبو قتادة (فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ) أي تأكيداً له (قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ) أي ، (قَالَ) أبو قتادة (فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ) أي شأن كلامه السابق (فَغَضِبَ عِمْرَانٌ) بُشير (إِنَّهُ مِنَّا) أي إن بُشيراً من جماعتنا (يَا أَبَا نُجَيْدٍ) بضمّ النون، وفتح الجيم، مصغّراً كنية عمران تظ﴿به، كُني بابنه نُجَيد (إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ) أي ليس ممن يُتّهَم بنفاق، أو زندقة، أو بدعة، أو غيرها، مما يُخالف به أهل الاستقامة. وفي رواية أبي داود: ((إنه إنه))، أي إنه صادق، وفي بعض النسخ: ((إيه إيه))، قال في ((القاموس)): ((إِيةْ)) بكسر الهمزة، وإسكان الهاء: زجر بمعنى حسبك، و((إيهِ)) مبنيّة على الكسر، فإذا وُصِلت نُوِّنت، و((أَيْهاً)) بالفتح، والنصب: أمرٌ بالسكوت، والمعنى - والله أعلم - يا أبا نُجيد حسبك ما صدر منك من الغضب، والإنكار على بُشير، فإنه منّا، لا بأس به، فاسكت، ولا تزدد غضباً(١). والمسائل المتعلّقة به تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيَّ، يَقُولُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ النَّبِّ ◌ِهِ، نَحْوَ حَدِيثٍ حَمَّدِ بْنِ زَبْدٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، أبو محمد المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة حافظ إمام حجة [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٢ - (النَّضْرُ) بن شُميل المازنيّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦. (١) ((عون المعبود)) ١٥٢/١٣. ٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٣ - (أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ) - بفتح النون - هو: عمرو بن عيسى بن سويد بن هُبيرة البصريّ، صدوقٌ، اختلط [٧]. رَوَى عن خالد بن عُمير، وشُوَيس أبي الرَّقّاد، وعبد العزيز بن بُشَير بن كعب، وحُجَير بن الرَّبِيعِ الْعَدَويّ، وحُمَيد بن هلال، وأبي السَّوّار الْعَدَويّ، وحفصة بنت سيرين، وغيرهم. وروى عنه يزيد بن زُريع، ويحيى القطان، ووكيع، والنضر بن شُمَيل، وزُهير بن هُنَيد، وصفوان بن عيسى، وأبو عاصم، ومكي بن إبراهيم، وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد: ثقة، إلا أنه اختَلَطَ قبل موته، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في (الثقات))، ووثقه العجليّ، وقال ابن سعد في الطبقة الرابعة من البصريين: كان ضعيفاً. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لعلّ ابن سعد أراد ضعفه بسبب الاختلاط، وإلا فقد وثّقه الأئمة، كما سمعت، والله تعالى أعلم. أخرج له المصنّف، وأبو داود، في (القَدَر))، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط، أخرجه متابعة، فلا يضرّ الكلام فيه بالاختلاط، فتنبّه. ٤ - (حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِيع الْعَدَوِيَّ) البصريّ، يقال: إنه أبو السَّوّار الْعَدَويّ، ثقة [٣]. روى عن عمران بن حصين حديث الباب فقط، وروى عن عمر بن الخطاب أيضاً، وعنه أبو نَعَامة العَدَويّ، وإسحاق بن سُوَيد، وأَوْفَى بن دَلْهَم، وحُمَید بن هلال. قال ابن إسحاق: كان قليل الحديث، روى له المصنّف حديثه عن عمران به هذا، قال العجليّ: بصريّ، تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقد اختُلِف فيه على أبي نَعَامة فرواه النضر بن شُميل، ويزيد بن زُريع عنه، عن حُجَير، ورواه رَوْح بن عُبَادة، ويوسف بن يعقوب الضُّبَعيّ، عن أبي السَّوّار الْعَدَويّ، ورواه أبو عاصم النَّبِيل، عن أبي نَعَامة، قال: حدثنا أبو ٦٧ (١٥) - بَابُ جَامِعٍ أَوْصَافِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٦٧) السَّار، واسمه حُجَير بن الرَّبِيع، كذلك رواه أبو عوانة في ((صحيحه))، عن أبي أَمية الطَّرَسَوسِيّ عنه، وقد رواه قتادة، وقُرّة بن خالد، وخالد بن رَبَاح، عن أبي السّوّار، فلم يسموه، وقد اختُلِف في اسم أبي السّوّار، فقيل: حسان بن حُرَيث، وقيل غير ذلك، والظاهر أنهما واحد، هكذا قال الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى في (تهذيب الكمال))(١) . تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. وقوله: (نحو حديث حمّاد بن زيد) يعني أن حديث إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شُميل، نحو حديث يحيى بن حبيب، عن حماد بن زيد. [تنبيه]: رواية النضر هذه أخرجها أبو نعيم في ((المسند المستخرج)) ١/ ١٢٨ فقال: حدثنا أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن عليّ، وأبو بكر بن خَلاد، قالا: ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا رَوْح بن عبادة ... وحدثنا أبو أحمد الغطريفيّ، ثنا عبد الله بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا النضر بن شميل، قالا: ثنا أبو نعامة العَدَويّ، سمعت حُجَير بن الرَّبِيع العدوي، أبا السَّوّار العدويّ، يحدث عن عمران بن حصين: سمعت النبيّ وَلَه يقول: ((الحياء خيرٌ كله)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه تصريح بأن حُجير بن الربيع هو أبو السّوّار العدويّ المتقدّم، وهو يؤيّد ما رجحه الحافظ المزيّ من كونهما واحداً، كما سبق في كلامه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١٥) - (بَابُ جَامِعِ أَوْصَافِ الإِسْلَام) وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [١٦٧] (٣٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا (١) راجع: ((تهذيب الكمال)) ٤٧٧/٥ - ٤٨١. ٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ابْنُ نُمَيْرٍ (ح) وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعاً، عَنْ جَرِيرٍ (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلاً، لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَداً بَعْدََ - وَفِي حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ: غَيْرََكَ - قَالَ: ((قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ))). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد المذكور في الباب الماضي. ٢ - (وَأَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمَير الْهَمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغْلانيّ، ثقة ثبت [١٠] (ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه المذكور في السند الماضي. ٦ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان يهم في آخر عمره من حفظه [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٧ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت، ربّما دلّس، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٨ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربّما دلّس [٥] (ت١٤٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠. ٩ - (أَبُوهُ) هو: عروة بن الزبير بن العوّام، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧. ١٠ - (سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ) هو: سفيان بن عبد الله بن رَبِيعة بن الحارث، ويقال: سفيان بن عبد الله بن حُطَيط، أبو عمرو، ويقال: أبو عمرة ٦٩ (١٥) - بَابُ جَامِعِ أَوْصَافِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٦٧) الطائفيّ، له صحبة، وكان عامل عمر على الطائف، روى عن النبيّ وَّ، وعن عمر، وعنه أبناؤه: عاصم، وعبد الله، وعلقمة، وعمرو، وأبو الحكم، وابن ابنه محمد، ويقال: محمود بن أبي سُويد بن سفيان، وعبد الرحمن، ويقال: محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، وهشام بن عروة، مرسل، وقال العسكريّ: سفيان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جُشَم. قال الحافظ: فكأنّ من قال: سفيان بن عبد الله بن حطيط، نَسَبَ عبد الله إلی جده الأعلى. أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث فقط، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه: أبي بكر، وإسحاق، فلم يُخرج للأول الترمذيّ، ولا للثاني ابن ماجه، وكذا الصحابيّ تفرّد به هو والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيه، من المقلّين من الرواية، فليس له غير هذا الحديث عند المذكورين، راجع (تحفة الأشراف)) ٥٣١/٣ - ٥٣٣، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سُفْيَانَ) بتثليث السين، والضمّ أشهر (ابْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيّ) بفتحتين: نسبة إلى قبيلة ثَقِيف، أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ) أي فيما يكمُل به الإسلام، ويُراعَى به حقوقه، ويُستدلّ به على توابعه ولواحقه، وقيل: التقدير: في مبادئ الإسلام وغاياته (قَوْلاً لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَداً بَعْدََ) أي قولاً جامعاً لا أحتاج فيه إلى سؤال أحد بعد سؤلك هذا، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهٍ﴾ أي من بعد إمساكه، قاله القاري(١). (١) ((المرقاة شرح المشكاة)) ١٦١/١ - ١٦٢. ٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي علِّمني قولاً جامعاً لمعاني الإسلام، واضحاً في نفسه، بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك، أعمل عليه، وأكتفي به، وهذا نحوٌ مما قال له الآخر: عَلِّمني شيئاً أعيش به في الناس، ولا تُكثر عليّ، فأنسى، فقال: ((لا تَغْضب))(١) . (وَفِي حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ: غَيْرَكَ) يعني أنه وقع في رواية أبي أسامة بلفظ ((غيرك)) بدل ((بعدك)) أي لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال القاري رحمه الله تعالى: والأول مستلزم لهذا؛ لأنه إذا لم يسأل أحداً بعد سؤاله لم يسأل غيره، وبهذا يظهر أولويّة الأول بجعله أصلاً، والثاني روايةً، خلافاً لما فعل النوويّ في ((أربعينه)). انتهى كلام القاري(٢). (قَالَ) وَِّ ((قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ) أي بجميع ما يجب الإيمان به، وفي رواية أبي نعيم في ((المستخرج)): ((قل: ربي الله، ثم استقم))، فالمراد بالإيمان هو الشرعيّ الذي هو التصديق بالجنان، والقول باللسان، والعمل بالأركان، فيكون معنى قوله: (فَاسْتَقِمْ))) وفي بعض النسخ: ((ثم استقم))، أي ثمّ دم على ذلك الإيمان حتى تموت عليه، وهذا هو المعنى الراجح، كما يأتي تحقيقه عن الطيبيّ. وقال الحافظ ابن رجب تَذَتُهُ: الاستقامةُ: هي سلوكُ الصراط المستقيم، وهو الدين القَيِّم من غير تعريج عنه يمنةً، ولا يَسْرَةً، ويَشْمَلُ ذلك فعلَ الطاعات كلِّها الظاهرةَ والباطنةَ، وترك المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعةً لخصال الدين كلها. انتهى(٣). وقال الأستاذ أبو القاسم القشيريّ في ((رسالته)): الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حُصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيماً في حالته ضاع سعيه، وخاب جهده، قال: وقيل: الاستقامة لا يُطيقها (١) رواه مالك في ((الموطأ)) ٢ / ٩٠٦، وأحمد في ((مسنده)) ٢/ ٣٦٢ و٤٦٦ و٣٤/٥ و٣٧٢ و٣٧٣، والبخاريّ في ((صحيحه)) (٦١١٦)، والترمذيّ في ((جامعه)) (٢٠٢١)، من حديث أبي هريرة څ. (٢) ((المرقاة)) ١٦٢/١. (٣) ((جامع العلوم والحكم)) ١/ ٥١٠. ٧١ (١٥) - بَابُ جَامِعٍ أَوْصَافِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٦٧) إلا الأكابر؛ لأنها الخروج عن المعهودات، ومفارقة الرسوم والعادات، والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق، ولذلك قال: ((استقيموا، ولن تُحصوا))، وقال الواسطيّ: الْخَصْلة التي بها كَمُلَت المحاسن، وبفقدها قَبُحَت المحاسن. ذكره النوويّ في ((شرح))(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تفسير القشيريّ، وكذا ابن رجب للاستقامة بما ذُكر، وإن كان صحيحاً في نفسه، إلا أن المراد هنا هو الثبات والدوام، كما حقّقه الطيبيّ رحمه الله تعالى، ودونك عبارته. قال رحمه الله تعالى: قوله: ((ثم استقم)) قال الأشرف: لفظ ((ثُمّ)) موضوع للتراخي، دالّةٌ على أن الكفّار غير مكلّفين بفروع الإسلام، بل هم مكلّفون بأصوله فقط، فإذا آمنوا كُلّفوا بفروعه. قال الجامع عفا الله تعالى: هذا استنباط بعيدٌ، والراجح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، كما حقّقته في ((التحفة المرضيّة)) و((شرحها))، فتنبّه. قال الطيبيّ: وأقول: انَّفَقَ علماء البيان على أن (ثُمَّ)) في مثل قوله تعالى: ﴿وَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَّكُمْ ثُّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبَُّا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَامُواْ﴾ [فصلت: ٣٠] للتراخي في الرتبة، وأن الثبات والاستقامة على ذلك أفضل من قول: ((آمنتُ بالله)) ومقتضياته، وذلك أن هذا القول ادّعاءٌ من القائل بأنه رضي بالله ربّاً، والرضا بذلك إقرار بأن المعبود الخالق المنعِم على الإطلاق مالكه، ومدبّر أمره يوجب القيام بمقتضياته من الإيمان بملائكته، وكتبه، ورُسُله، واليوم الآخر، ومن الشكر باللسان، وتحقيق مراضيه بالقلب والجوارح، ثم الاستقامة على هذا، والثبات عليه، وأن لا يَرُوغ رَوَغَان الثعلب أفضل وأكمل. [فإن قيل]: ما الفرق بين هذا وبين قول الشارحين؟(٢). (١) ((شرح مسلم)) ٩/٢. (٢) أشار بتفسير الشارحين إلى ما نقله قبلُ، وهو أنهم قالوا: ((استقم)) لفظ جامعٌ للإتيان بجميع الأوامر، والانتهاء عن جميع المناهي؛ لأنه لو ترك أمراً لم يكن مستقيماً على الطريق المستقيم، بل عدل عنه حتى يرجع إليه، ولو فعل منهيّاً، فقد= ٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [نقول]: إن قوله: ((آمنتُ بالله)) على هذا مستتبعٌ لما ذهب إليه الشارحون في تفسير قوله: ((ثمّ استقم))، فيسلم على هذا معنى الاستقامة للثبات، والاستدامة على القول ومقتضياته، فيحسُنُ موقع (ثُمّ)) المستدعية للتراخي في الرتبة، لا الزمان لفساده، وينصره قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾ [الحجرات: ١٥]، فإن قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾ يفسّر معنى قوله: ثم استقاموا بالثبات، وهو لتفسير الشارحين غير مطابق. وأيضاً لَمّا تَقَرَّرَ من قبلُ أن مذهب الصحابة والتابعين، والمحدّثين على أن الإيمان مشتملٌ على التصديق بالجنان، والقول باللسان، والعمل بالأركان وجب حملُ معنى قوله: ((آمنتُ)) على المجموع، وقوله: ((ثم استقم)) على الثبات على ذلك. قال: ثم إني - بعد لطف الله وتوفيقه - عَثَرتُ على نقل من جانب الشيخ محيي الدين النوويّ، عن القاضي عياض أنه قال: هذا من جوامع كلمه وََّ، وهو مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَسُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدمُواْ﴾ [فصّلت: ٣٠]، أي وحّدوا الله تعالى، وآمنوا به، ثم استقاموا، فلم يَحِيدوا عن توحيدهم، والتزموا طاعته تُعَالَ إلى أن تُؤُفّوا على ذلك، وعلى ما ذكرناه أكثر المفسّرين من الصحابة، فمن بعدهم، وهو معنى الحديث. هذا كلام القاضي عياض، قال: والحمد لله على توارد الخواطر. انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً .. وسيأتي تمام البحث في أقوال أهل العلم في هذا الحديث في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سفيان بن عبد الله رضيبه هذا من أفراد المصنّف، لم يُخرجه البخاريّ. = عَدَل عن الصراط المستقيم أيضاً حتى يتوب. قال: وهذا ما عليه كلام الشارحين. انتهى. ((الكاشف)) ٢/ ٤٥٧. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٥٧/٢ - ٤٥٨. : ٧٣ (١٥) - بَابُ جَامِعٍ أَوْصَافِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٦٧) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [١٦٧/١٥] (٣٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كُريب، كلاهما عن عبد الله بن نُمير، وعن قتيبة، وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن جرير، وعن أبي كُريب، عن أبي أسامة، ثلاثتهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنه ټپئه . و(الترمذيّ) في ((الزهد)) عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن ماعز، عنه نحوه، وقال: حسنٌ صحيحٌ. و(النسائيّ) في ((التفسير (١١٤٩٠) عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفيّ، عن أبيه به، و(١١٤٨٩) عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضّل، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن سفيان بن عبد الله، عن أبيه به، كذا قال، وفي ((الرقائق)) عن سويد بن نصر به، وعن محمد بن المثنّى، عن أبي داود، وعن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن (١)، كلاهما عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، عنه نحوه. و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٣٩٧٢) عن أبي مروان محمد بن عثمان العثمانيّ، عن إبراهيم بن سعد. وحديث بشر خطأً، والصواب كما قال غندر، عن شعبة، وكذلك رواه هُشيم بن بشير، عن يعلى بن عطاء. و(أحمد) ٤١٣/٣ و٣٨٤/٤، و(الدارميّ) (٢٧١٣ و٢٧١٤)، و(أبو نعيم) في ((المستخرج)) (١٥٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٣٩٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٩٤٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان، وسفيان هو ابن عبد الله الثقفي الطائفيّ، له صحبة، وكان عاملاً لعمر بن الخطاب نظرته على الطائف، وقد رُوي عن سفيان بن عبد الله من وجوه أُخَر بزيادات، فخرَّجه (١) بياض بالأصل. ٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، من رواية الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، وعند الترمذيّ من رواية عبد الرحمن بن ماعز، عن سفيان بن عبد الله، قال: قلت: يا رسول الله حَدِّثنِي بأمر أَعْتَصِم به، قال: ((قل: ربي الله، ثم استقم))، قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه، قال: ((هذا))، وقال الترمذيّ: حسن صحيح. وأخرجه الإمام أحمد، والنسائيّ من رواية عبد الله بن سفيان الثقفيّ، عن أبيه، أن رجلاً قال: يا رسول الله، مُرْني بأمر في الإسلام، لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: ((قل: آمنت بالله، ثم استقم))، قلت: فما أَتَّقِي؟ فأومأ إلى لسانه(١). انتهى(٢). [تنبيه]: قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ رحمه الله تعالى: اختلف في هذا الحديث على الزهريّ، فقال إبراهيم بن سعد: عنه، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، كما تقدّم، وقال معمر وغير واحد: عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن ماعز، وقال الزُّبيديّ: عن الزهريّ، عن ماعز بن عبد الرحمن، ويقال: إن محمد بن عبد الرحمن كان لقبه ماعزاً، وقال يونس بن يزيد: عن الزهريّ، عن محمد بن أبي سُوَيد أن جدّه سفيان عبد الله الثقفيّ قال، وقال عبد الله بن زياد بن سمعان: عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن سعد الْمُفْعَد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن النبيّ وَّ، وتابعه رِشْدين بن سعد، عن عُقيل، عن الزهريّ، ولفظه: حَدَّثني بأمر أعتصم به، قال: ((أمسك عليك هذا))، وأشار إلى لسانه، ولم يذكر القصّة الأولى. انتهى كلام الحافظ المزيّ رحمه الله تعالى(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية المصنّف رحمه الله تعالى خالية من هذا الاضطراب كلّه، فإنه لم يُخرجه من طريق الزهريّ، ولم يُشر إليها؛ لهذا (١) أخرجه أحمد ٤١٣/٣ و٣٨٤/٤ و٣٨٥، والنسائيّ في ((التفسير)) (١١٤٩٠)، والطبرانيّ في ((الكبير)) (٦٣٩٨). (٢) ((جامع العلوم والحكم)) ١ / ٥٠٦ - ٥٠٧. (٣) ((تحفة الأشراف)) ٥٣٢/٣ - ٥٣٣. ٧٥ (١٥) - بَابُ جَامِعِ أَوْصَافِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٦٧) الاضطراب، فما أيقظه، وأتقن عمله، وأشدّ انتقاءه، فلله درّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في استكمال ما قاله أهل العلم في تفسير هذا الحديث، وبيان فوائده التي اشتمل عليها : قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: هذا من جوامع كلمه رَّر، وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ﴾ [الأحقاف: ١٣]، أى وخَّدوا الله، وآمنوا به، ثم استقاموا، فلم يَحِيدُوا عن التوحيد، والتزموا طاعته ◌ُإلَ إلى أن تُؤُقُّوا على ذلك، وعلى ما ذكرناه أكثر المفسرين من الصحابة، فمن بعدهم، وهو معنى الحديث - إن شاء الله تعالى . - انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى. وقال ابن عباس ◌ًّا في قول الله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَّا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]: ما نزلت على رسول الله وَّل﴿ل في جميع القرآن آية كانت أشدَّ، ولا أشقَّ عليه من هذه الآية، ولذلك قال وسلم لأصحابه حين قالوا: قد أَسْرَع إليك الشيب، فقال: ((شيبتني هود وأخواتها))(١). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وجوابه ◌َ ل﴿ هذا بقوله: ((قل: آمنت بالله، ثم استقم))، وكذا جوابه للآخر بقوله: ((لا تغضب)) دليلٌ على أن النبيّ ◌َّ أُوتي جوامع الكلم، واختُصِر له القول اختصاراً، كما قال النبيّ وَلّ مخبراً بذلك عن نفسه(٢)، فإنه ◌َُّ جَمَعَ لهذا السائل في هاتين الكلمتين معاني الإسلام والإيمان كلّها، فإنه أمره أن يُجدّد إيمانه متذكّراً بقلبه، وذاكراً بلسانه، ويقتضي هذا استحضار تفصيل معاني الإيمان الشرعيّ بقلبه التي تقدّم ذكرها في حديث (١) وفي لفظ: ((شيبتني هود وأخواتها قبل المشيب))، وفي لفظ: ((شيّبتني هود وأخواتها من المفصّل))، وفي لفظ: ((شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوّرت))، وهو حديث صحيح، انظر: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألباني رحمه الله تعالى رقم (٩٥٥)، و(صحيح الجامع)) ٦٩٢/١ رقم (٣٧٢٠). (٢) رواه أبو هريرة ظله عن رسول الله وسلم أنه قال: ((أوتيت جوامع الكلم ... )) الحديث، رواه أحمد ٢/ ٢٥٠ و٣١٤ و٤٤٢ و٥٠١، ومسلم رقم (٥٢٣). ٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان جبريل نعلّل، وأمره بالاستقامة على أعمال الطاعات، والانتهاء عن جميع المخالفات؛ إذ لا تتأتّى الاستقامة مع شيء من الاعوجاج، فإنها ضدّه، وكأن هذا القول مُنْتَزَعٌ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ [فُصّلت: ٣٠] أي آمنوا بالله، ووحّدوه، ثم استقاموا على ذلك، وعلى طاعته إلى أن تُوُفّوا عليها، كما قال عمر بن الخطاب ظُه: استقاموا على طاعته، ولم يَرُوغُوا رَوَغَان الثعالب، ومُلخّصه: اعتدلوا على طاعة الله تعالى عقداً وقولاً وفعلاً، وداموا على ذلك. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١). وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قول سفيان بن عبد الله مضرعنه الله، للنبيّ ◌َّ: ((قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك)) طَلَبَ منه وَلّ أن يُعْلِمَهُ كلاماً جامعاً لأمر الإسلام، كافياً حتى لا يَحتاجُ بعده إلى غيره، فقال له النبي ◌َّر: ((قل: آمنت بالله، ثم استقم))، وفي الرواية الأخرى: ((قل: ربي الله، ثم استقم)). هذا مُنْتَزَعٌ من قوله ◌َى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ تَتَنَزَُّ ٣٠ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠]، وقوله رَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ١٤ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ١٣ [الأحقاف: ١٣، ١٤]. وخرّج النسائي في ((تفسيره)) من رواية سُهَيل بن أبي حزم: حدثنا ثابت، عن أنس، أن النبيّ وَّ﴿ قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾، فقال: ((قد قالها الناس، ثم كفروا، فمن مات عليها، فهو من أهل الاستقامة)»، وخرَّجه الترمذيّ، ولفظه: فقال: ((قد قالها الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها، فهو ممن استقام))، وقال: حسنٌ غريبٌ، وسُهَيل تُكُلُّم فيه من قِبَلِ حفظه . وقال أبو بكر الصديق ظُه في تفسير: ﴿ثُمَّ أُسْتَقَمُوا﴾ قال: لم يشركوا بالله شيئاً، وعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيره، وعنه قال: ﴿ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ على (١) ((المفهم)) ٢٢١/١ - ٢٢٢. ٧٧ (١٥) - بَابُ جَامِعٍ أَوْصَافِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٦٧) أن الله ربُّهم، وعن ابن عباس بإسناد ضعيف قال: هذه أرخص آية في كتاب الله: ﴿قَالُواْ رَبَُّا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَامُواْ﴾ على شهادة أن لا إله إلا الله، ورُوِي نحوه عن أنس، ومجاهد، والأسود بن هلال، وزيد بن أسلم، والسُّديُّ، وعكرمة، وغيرهم. ورُوي عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُوا﴾، فقال: لم يَرُوغُوا رَوَغَانَ الثَّعْلَب(١). ورَوَى عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ قال: استقاموا على أداء فرائضه، وعن أبي العالية قال: ثم أخلصوا له الدين والعمل، وعن قتادة قال: استقاموا على طاعة الله، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة. ولعَلَّ من قال: إن المراد الاستقامة على التوحيد، إنما أراد التوحيد الكامل، الذي يُحَرِّم صاحبه على النار، وهو تحقيق معنى ((لا إله إلا الله))، فإن الإله هو المعبود الذي يُطَاعِ، فلا يعصى؛ خشيةً وإجلالاً ومهابةً ومحبّةً ورجاءً وتوكلاً ودعاءً، والمعاصي كلَّها قادحة في هذا التوحيد؛ لأنها إجابة لداعي الهوى، وهو الشيطان، قال الله رَّت: ﴿أَفَرََّيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنَهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، قال الحسن وغيره: هو الذي لا يَهْوَى شيئاً إلا رَكِبَهُ، فهذا ينافي الاستقامة على التوحيد. وأما على رواية من روى: ((قل: آمنت بالله))، فالمعنى أظهر؛ لأن الإيمان تَدْخُل فيه الأعمال الصالحة عند السلف، ومن تابعهم من أهل الحدیث. وقال الله رَى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْفَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [هود: ١١٢]، فأمَرَه أن يستقيم، ومن تاب معه، وأن لا يُجاوزوا ما أُمروا ١١٢) به، وهو الطغيان، وأخبر أنه بَصِير بأعمالكم، مُطَّلِعٍ عليها . وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتٌ وَلَا نَّعْ أَهْوَ هُمْ﴾ (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٢٥)، وأحمد في ((الزهد)» ص١١٥، ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعاً بين الزهريّ وبين عمر . ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [الشورى: ١٥]، وقال قتادة: أُمر محمد ◌ّل أن يستقيم على أمر الله، وقال الثوريّ: على القرآن، وعن الحسن قال: لَمّا نَزَلت هذه الآية، شَمَّرَ رسول الله وَّ﴿ فَمَا رُؤي ضاحكاً. خَرَّجه ابن أبي حاتم. وذكر القُشَيريّ عن بعضهم أنه رَأَى النبيّ ◌َ ﴿ في المنام، فقال له: يا رسول الله قلت: ((شيبتني هود وأخواتها))(١)، فما شَيَّبَكَ منها؟ قال: قوله: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. وقال رَّ: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَأُسْتَقِيمُوْاْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦]. وقد أَمَرَ الله تعالى بإقامة الدين عموماً، كما قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَضَى بِهِ، نُوحًا وَلَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِ إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَىَّ أَنْ أَقِيمُواْ الّذِينَ وَلَا نَتَفَرَّقُواْ فِيَّهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وأمر بإقامة الصلاة في غير موضع من كتابه، كما أَمر بالاستقامة على التوحيد في تينك الآيتين. والاستقامةُ: هي سلوكُ الصراط المستقيم، وهو الدين القَيِّم من غير تعريج عنه يمنةً، ولا يَسْرَةً، ويَشْمَلُ ذلك فعلَ الطاعات كلِّها الظاهرةِ والباطنةِ، وتركَ المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعةً لخصال الدين كلها . وفي قوله رَّ: ﴿فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ﴾ إشارة إلى أنه لا بُدَّ من تقصير في الاستقامة المأمور بها، فيُجْبَر ذلك بالاستغفار المقتضي للتوبة، والرجوع إلى الاستقامة، فهو كقول النبيّ ◌َ﴿ لمعاذ: ((اتَّقِ اللهَ حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها))(٢). وقد أخبر النبي ◌َّله أن الناس لن يستطيعوا الاستقامة حقَّ الاستقامة، كما خرّجه الإمام أحمد، وابن ماجه، من حديث ثوبان ظُه عن النبيّ وَّ قال: (استقيموا، ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يُحافظ على (١) تقدّم أنه حديث صحيح. (٢) حديث حسنٌ، أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ. راجع: ((صحيح الجامع)) ١/ ٨١ رقم (٩٧). ٧٩ (١٥) - بَابُ جَامِعٍ أَوْصَافِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٦٧) الوضوء إلا مؤمن))، وفي رواية الإمام أحمد تَخّْتُهُ: ((سَدِّدُوا، وقاربوا، ولا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن))(١). وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة ظُه، عن النبيّ وَّ﴾ قال: ((سَدِّدُوا، وقاربوا)). فالسَّدَاد هو حقيقة الاستقامة، وهو الإصابة في جميع الأقوال، والأعمال، والمقاصد، كالذي يرمي إلى غَرَضٍ، فيصيبه . وقد أمر النبيّ وَّهِ علياً نَظُبه أن يسأل الله رَّ السَّدَادَ والهدى، وقال له: ((اذكر بالسَّداد تسديدك السهم، وبالهدى هدايتك الطريق)). والمقاربةُ أن يصيب ما قَرُبَ من الْغَرَض إذا لم يُصب الغرض نفسه، ولكن بشرط أن يكون مُصَمِّماً على قصد السداد، وإصابة الغرض، فتكون مقاربته عن غير عَمْدٍ، ويدل عليه قولُ النبيّ وَّر في حديث الحكم بن حَزْن الْكُلَفِيّ ◌َله: ((أيها الناس إنكم لن تعملوا - أو لن تُطِيقوا ــ كلَّ ما أمرتكم، ولكن سَدِّدُوا، وأبشروا))(٢). والمعنى: اقصِدُوا التسديد والإصابة والاستقامة، فإنهم لو سَدَّدُوا في العمل كله، لكانوا قد فَعَلُوا ما أُمروا به كله. فأصلُ الاستقامة استقامةُ القلب على التوحيد، كما فسّر أبو بكر الصديق وغيره ◌ّ قوله ◌َك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَامُواْ﴾ [فصلت: ٣٠] بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره. فمتى استقام القلب على معرفة الله، وعلى خشيته، وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، والإعراض عما سواه استقامت الجوارح كلَّها على طاعته، فإن القلب هو مَلِكُ الأعضاء، وهي جنوده، فإذا استقام الْمَلِك استقامت جنوده ورَعَاياه. (١) حديث صحيح. (٢) حديث صحيحٌ، رواه أحمد ٢١٢/٤، وأبو داود (١٠٩٦)، وأبو يعلى (٦٨٢٦)، والطبرانيّ في ((الكبير)) (٣١٦٥). ٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وكذلك فُسِّرَ قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] بإخلاص القصد لله، وإرادته وحده لا شريك له. وأعظمُ ما يُرَاعَى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسانُ، فإنه تَرْجَمَانُ القلب، والْمُعَبِّر عنه، ولهذا لَمّا أَمَرَ النبيُّ ◌َّهِ بالاستقامة وصّاه بعد ذلك بحفظ لسانه، ففي مسند الإمام أحمد، عن أنس مظ لته، عن النبيّ وَّ قال: ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه)(١). وفي رواية الترمذيّ عن أبي سعيد مرفوعاً وموقوفاً: ((إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تُكَفِّر اللسان، فتقول: اتَّق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا)). انتهى ما كتبه ابن رجب، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١٦) - (بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِيهِ، وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ؟) وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٨] (٣٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ... (ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاجِرٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَِّ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغْلانيّ، ثقة ثبت [١٠] (ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. (١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) بإسناد صحيح. (٢) ((جامع العلوم والحكم)) ٥٠٦/١ - ٥١٢.