النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(١٤) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٦١)
ابتداءها، وانتهاءها، ووسطها، فلو أُخذت من الابتداء إلى الانتهاء كان على
وزان قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ الآية [فصّلت: ٣٠]،
معناه من رضي بالله ربّاً، وعَمِل بمقتضاه، لم يَدَعْ ما يجب عليه أن يأتي ويذر،
فإنك إن تنزّلت من حديث خالق الموجودات إلى حديث الشوكة وإماطتها، هل
تجد شيئاً مما يُحَسِّنه الشرع والعقل من الأخلاق، ومراضي الأعمال خارجاً من
ذلك؟، وكذا لو عكست، وترقّيت من إماطة الشوكة إلى الأعلى، ولو شرعت
في معنى الحياء، وفسّرته بما ورد عن رسول الله وَله: ((استحيوا من الله حقَّ
الحياء))، قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحيي، والحمد لله، قال: ((ليس ذاك،
ولكن الاستحياء من الله حق الحياء، أن تحفظ الرأس، وما وَعَى، والبطن وما
حَوَى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل
ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء))(١).
لقد حاولتَ أمراً عظيماً، وفيه إشارة إلى منازل السائرين إلى الله،
والسالكين لطريق الآخرة.
وقال الشيخ العارف أبو القاسم الجنيد ◌َّتُهُ: الحياء حالة تتولّد من رؤية
الآلاء، ورؤية التقصير، ثم ليذق من مُنِح الفضل الإلهي، ورُزق الطبع السليم
معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب، كأنه يقول: هذه شعبةٌ واحدةٌ
من شُعَبه، فهل تُحصى وتُعَدّ شُعبها؟ هيهات، إن البحر لا ينزف.
وكفى بهذا الحديث شاهداً على أن الإيمان جامع للتصديق، والإقرار،
والأعمال، ومن ردّه كابر عقله، وظهر من هذا معنى التكثير في سبعين.
ولخّص بعض المفسّرين قول عليّ بن عيسى النحويّ في ذلك، وقال:
السبعة أكمل الأعداد؛ لجمعها معاني الأعداد؛ لأن الستّة أوّل عدد تامّ؛ لأنها
تعادل أجزاءها، فإن نصفها ثلاثة، وثلثها اثنان، وسدسها واحد، وجملتها ستة
سواء، وهي مع الواحد سبعة، وكانت كاملة؛ إذ ليست بعد التمام سوى
الكمال، ولعلّ واضع اللغة يسمّي الأسد سبعاً؛ لكمال قوّته، كما أنه أسدٌ
(١) ضعيف أخرجه الترمذيّ رقم (٢٣٨٢)، وفي سنده الصبّاح بن محمد البجليّ
الأحمسيّ ضعيف.

٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لإساده في السير، ثم السبعون غاية الغاية؛ إذ الآحاد غايتها العشرات، انظر
أيها المتأمل في هذه الألفاظ القليلة المستقلّة بالمعاني الجمّة الجليلة، واشهد
له أنه ﴿ أوتي كنوز الحكمة، وفصل الخطاب. انتهى كلام الطيبيّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى عدم الخوض في تفاصيل معنى
الشعب المذكورة في هذا الحديث؛ لعدم ورود نصّ مفصّل لها، قال القاضي
عياض: تَكَلَّف جماعة حصر هذه الشُّعَب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون
ذلك هو المرادَ صعوبة، ولا يَقْدَح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في
الإيمان. انتهى.
والحاصل أن التصدّي لبيان تفاصيلها، تكلّف ظاهرٌ، فلا ينبغي التعويل
عليه، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:
[فإن قيل]: فأهل الحديث والسنة عندهم أن كلّ طاعة، فهي داخلة في
الإيمان، سواء كانت من أعمال الجوارح، أو القلوب، أو من الأقوال، وسواء
في ذلك الفرائض، والنوافل، هذا قول الجمهور الأعظم منهم، وحينئذ، فهذا
لا ينحصر في بضع وسبعين، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرةً، بل هي غير
منحصرة.
[قيل]: يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة:
[أحدها]: أن يقال: إن عدد خصال الإيمان عند قول النبيّ وَلو كان
منحصراً في هذا العدد، ثم حدثت الزيادة فيه بعد ذلك، حتى كملت خصال
الإيمان في آخر حياة النبيّ بَطّر. وفي هذا نظر.
[والثاني]: أن تكون خصال الإيمان كلّها تنحصر في بضع وسبعين نوعاً،
وإن كانت أفراد كل نوع تتعدّد تعدّداً كثيراً، وربّما كان بعضها لا ينحصر، وهذا
أشبه، وإن كان الوقوف على ذلك يعسر، أو يتعذّر.
[والثالث]: أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد، لا على وجه الحصر،
كما في قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٣٩/٢ - ٤٤١.

٤٣
(١٤) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٦٢)
والمراد تكثير التعداد من غير حصوله هذا في العدد(١)، ويكون ذكره للبضع
يُشعر بذلك، كأنه يقول: هو يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد،
وتضعيفه، وهذا ذكره بعض أهل الحديث من المتقدّمين، وفيه نظر.
[والرابع]: أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها،
وهو الذي تدعو إليه الحاجة منها، قاله ابن حامد من الحنابلة. انتهى كلام ابن
رجب رحمه الله تعالى(٢) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الثاني أظهر الأقوال،
وأقربها إلى الفهم، كما سبق ميل ابن رجب رحمه الله تعالى إليه، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[١٦٢] (٣٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعَ
النَّبِيُّ ◌َهَ رَجُلاً، يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ: ((الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَاَنِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ
الحافظ تقدّم قريباً .
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو عمرو بن محمد بن بُكير، أبو بكر البغداديّ، نزيل الرَّقَّة،
ثقة حافظ، وَهِمَ في حديث [١٠] (ت٢٣٢) (خ م دس) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة الحافظ المذكور قريباً.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثم المكيّ، ثقة حافظ فقيهٌ حجة، من رؤوس [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدم في ((شرح
المقدمة)) ج١ ص ٣٨٣.
(١) هكذا النسخة، ولعل الصواب: من غير حصره في هذا العدد، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٢) ((شرح صحيح البخاريّ)) لابن رجب ٣٤/١ - ٣٥.

٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٥ - (الزُّهْرِيُّ) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب
القرشيّ، أبو بكر المدنيّ الفقيه الحافظ المتّفق على جلالته وإتقانه، من رؤوس
[٤] (ت١٢٥) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٤٨.
٦ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر،
ويقال: أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، ثقة ثبت
عابد فاضلٌ، كان يُشبّه بأبيه في الهدي والسَّمْت، من كبار [٣].
رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وأبي رافع، وأبي أيوب، وعن زيد بن
الخطاب(١)، وأبي لبابة على خلاف فيه، وغيرهم.
وروى عنه ابنه أبو بكر، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، والزهري،
وصالح بن كيسان، وحنظلة بن أبي سفيان، وعبيد الله بن عمر بن حفص، وغيرهم.
قال ابن المسيب: كان عبد الله أشبه ولد عمر به، وكان سالم أشبه ولد
عبد الله به. وقال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم بن عبد الله أشبه من
مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه. وقال الأصمعي عن ابن
أبي الزناد: كان أهل المدينة يَكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم
القراء السادة: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن محمد،
وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة علماً وتُقَّى وعبادةً وورعاً، فَرَغِبَ الناس
حينئذ في السراري. وقال علي بن الحسن العسقلاني عن ابن المبارك: كان
فقهاء أهل المدينة سبعة، فذكره فيهم، قال: وكانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا
فيها جميعاً، فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتى يُرفع إليهم، فينظرون فيها،
فيَصْدُرون. وقال مالك: كان ابن عمر يخرج إلى السوق فيشتري، وكان سالم
دهره يشتري في الأسواق، وكان من أفضل زمانه. وقال أحمد بن حنبل،
وإسحاق بن راهويه: أصح الأسانيد: الزهري، عن سالم، عن أبيه.
وقال الدُّوري عن ابن معين: سالم، والقاسم، حديثهما قريب من السواء،
وسعيد بن المسيب قريب منهما، وإبراهيم أعجب إلي مرسلاً منهم. وقال البخاري:
(١) قال الحافظ: رواية سالم عن عم أبيه زيد بن الخطاب منقطعة قطعاً. والله أعلم.
انتهى. ((تهذيب التهذيب)) ٦٧٧/١.

٤٥
(١٤) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٦٢)
لم يسمع من عائشة. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير
الحديث، عالياً من الرجال. وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان يشبه أباه في السَّمْت
والْهَدْي. وقال البخاري في (التاريخ الصغير)): لا أدري سالم عن أبي رافع صحيح
أم لا؟. وقال غيره: لَمّا قَدِمَ سبي فارس على عمر، كان فيه بنات يَزْدَجْردَ، فَقُوِّمن،
فأخذهن علي، فأعطى واحدة لابن عمر، فولدت له سالماً، وأعطى أختها لولده
الحسين، فولدت له علياً، وأعطى أختها لمحمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم.
وقال أبو نعيم وجماعة: مات سنة ست ومائة، في ذي القعدة، أو ذي الحجة. وقال
خليفة: سنة (٧)، وقال الهيثم بن عدي: سنة (٨)، وقال الأصمعي: سنة (٥)،
والأول أصح. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١٢) حديثاً.
٧ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطاب ثًّا تقدم في ((الإيمان)) ١/
١٠٢، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة إلا مشايخه، فالأول ما
أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثالث ما
أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب، وابن عيينة كوفيّ،
فمكيّ، وأبو بكر كوفي، وعمرو بغداديّ، وزهير نسائيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه سالماً أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٦ - (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة
الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثاً، وأحد المشهورين بالفتوى
من الصحابة ظُبه، وقد تقدّم هذا كلّه، وإنما أعدته تذكيراً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر عَِّا (سَمِعَ النَّبِيُّ ◌َّهِ رَجُلاً، يَعِظُ
أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ،َ فَقَالَ: ((الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ))).

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(عَنْ سَالِم) بن عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﴿هَا، أنه قَالَ: (سَمِعَ
النَّبِيُّ وَجَ رَجُلاً) وفي الرواية التالية: ((مر برجل))، وفي رواية البخاريّ: ((أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ ◌ّهِ، مَرَّ عَلَى رَجُلٍ)).
و((مرَّ)) بمعنى: اجتاز يُعَدى بـ((على))، وبالباء، قال الحافظ: ولم أعرف
اسم هذين الرجلين: الواعظ، وأخيه (يَعِظُ أَخَاهُ) من الوعظ: وهو النُّصح،
والتذكير بالعواقب، وقال ابن فارس: هو التخويف، والإنذار. وقال الخليل بن
أحمد: هو التذكير بالخير فيما يُرِقّ القلب. ذكره العينيّ(١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أي ينهاه عنه، ويُقبّح له فعله، ويزجره عن
کثرته(٢).
وقال في ((الفتح)): أي يَنصَح، أو يُخَوِّف، أو يُذَكِّر، كذا شرحوه،
والأولى أن يُشرَح بما جاء عند البخاريّ في ((الأدب)) من طريق عبد العزيز بن
أبي سلمة، عن ابن شهاب، ولفظه: ((يُعاتِب أخاه في الحياء، يقول: إنك
لتستحي، حتى كأنه يقول: قد أضَرّ بك)). انتهى.
ويحتمل أن يكون جمع له العِتاب، والوعظ، فذكر بعض الرواة ما لم
يذكره الآخر، لكن الْمَخْرَجُ مُتَّحِد، فالظاهر أنه من تصرف الراوي، بحسب ما
اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الآخر. انتهى(٣).
وجملة ((يعظ أخاه)) في محلّ جرّ صفة لـ((رجل)).
وقوله: (فِي الْحَيَاءِ) متعلّق بـ((يعِظ))، و((في)) سببية، فكأن الرجل كان كثير
الحياء، فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك.
(فَقَالَ) أي النبيّ وَّ للرجل الواعظ ((الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ))) أي جزء من
أجزاء الإيمان، ولفظ البخاريّ: ((دَعْهُ، فإن الحياء من الإيمان)): أي اتركه على
هذا الخلق السَّنِيّ، ثم علّل أمره بالترك بما ذكره بالفاء التعليليّة، فقال: ((فإن
الحياء ... إلخ)). أي وإذا كان الحياء، يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه،
جَرّ له ذلك تحصيلَ أجر ذلك الحقّ، لا سيما إذا كان المتروك له مستحقاً.
(١) ((عمدة القاري)) ٢٠٠/١ - ٢٠١.
(٣) ((الفتح)) ١٠٥/١.
(٢) ((شرح مسلم)) ٦/٢.

٤٧
(١٤) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٦٢)
وقال ابن قتيبة: معناه إن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما
يمنع الإيمان، فسُمّي إيماناً، كما يُسَمَّى الشيءُ باسم ما قام مقامه.
وحاصله أن إطلاق كونه من الإيمان مجاز(١)، والظاهر أن الناهي ما كان
يعرف أن الحياء من مكملات الإيمان، فلهذا وقع التأكيد، وقد يكون التأكيد
من جهة أن القضية في نفسها مما يهتم به، وإن لم يكن هناك منكر.
قال الراغب: الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص
الإنسان؛ ليرتدع عن ارتكاب كل ما يَشتهي، فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب
من جُبن وعفة، فلذلك لا يكون المستحي فاسقاً، وقَلَّما يكون الشجاع
مُسْتَحِياً، وقد يكون لمطلق الانقباض، كما في بعض الصبيان. انتهى ملخصاً.
وقال غيره: هو انقباض النفس، خشية ارتكاب ما يُكرَه، أعم من أن يكون
شرعياً، أو عقلياً، أو عرفياً، ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث
أَبْلَهُ، قال: وقوله ◌َّه: ((الحياء شعبة من الإيمان)): أي أثر من آثار الإيمان.
وقال الْحَلِيميّ: حقيقة الحياء: خوف الذم بنسبة الشر إليه. وقال غيره:
إن كان في مُحَرَّم فهو واجب، وإن كان في مكروه، فهو مندوب، وإن كان في
مباح، فهو العرفي، وهو المراد بقوله: ((الحياء لا يأتي إلا بخير))، ويجمع كل
ذلك أن المباح إنما هو ما يقع على وفق الشرع، إثباتاً ونفياً. وحُكِي عن بعض
السلف: رأيت المعاصي مَذَلَّةً، فتركتها مروءة، فصارت ديانةً. وقد يتولد الحياء
من الله تعالى من التقلب في نعمه، فيستحي العاقل أن يستعين بها على
معصيته .
وقد قال بعض السلف: خَفِ اللهَ على قَدْرِ قُدْرَته عليك، واستحي منه
على قَدْر قُرْبه منك. قاله في ((الفتح)) (٢).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
(١) كونه مجازاً فيه نظر؛ لأنه جزء من أجزاء الإيمان، وجزء الشيء لا يسمى مجازاً،
وإنما هو جزء حقيقة، فتنبّه.
(٢) راجع: ((الفتح)) ١٠٥ - ١٠٦.

٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا
متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف تَّتُهُ هنا في ((الإيمان)) [١٦٢/١٤] (٣٦) عن أبي بكر بن
أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، ثلاثتهم، عن ابن عيينة، عن
الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، و[١٤ / ١٦٣] عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق،
عن معمر، عن الزهريّ به، و(البخاريّ) ١٢/١ عن عبد الله بن يوسف عن
مالك، عن الزهريّ به، و٣٥/٨ عن أحمد بن يونس، عن عبد العزيز بن أبي
سلمة، عن الزهريّ به، و(أبو داود) (٤٧٩٥) عن القعنبيّ، عن مالك به،
و(الترمذيّ) في ((الإيمان)) (٢٦١٥) عن ابن أبي عمر، وأحمد بن منيع، كلاهما
عن ابن عيينة به، و(النسائيّ) ١٢١/٨ عن هارون بن عبد الله، عن معن بن
عيسى (ح) والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك به، و(ابن ماجه)
(٥٨) عن سهل بن أبي سهل، ومحمد بن عبد الله بن يزيد، كلاهما عن ابن
عيينة به، و(مالك) في ((الموطأ)) (٥٦٥)، و(أحمد) ٩/٢ و٥٦/٢ و١٤٧/٢،
و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٦٠٢)، و(عبد الرزاق) (٢٠١٤٦)، و(ابن
منده) في ((الإيمان)) (١٧٤)، و(عبد بن حميد) (٧٢٥)، و(ابن حبّان) (٦١٠)،
و(أبو نعيم) في ((المستخرج)) (١٤٨ و١٤٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون الحياء شعبة من شعب الإيمان.
٢ - (ومنها): أن فيه بيان عظم شأن الحياء، وأنه من أعلى الصفات
الحميدة التي يتحلّى بها المؤمن، وقد ورد في مدحه أحاديث كثيرة، منها هذا
الحديث، وحديث أبي هريرة ظه الماضي: ((والحياء شعبة من الإيمان)»،
وحديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ وَّر الآتي:
((الحياء لا يأتي إلا بخير))، وفي رواية عنه: ((الحياء خير كلّه)).
٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح هذا
الحديث: والحياء نوعان:

٤٩
(١٤) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٦٢)
[أحدهما]: غريزيّ، وهو خُلُقٌ يمنحه الله تعالى العبد، ويَجبُلُهُ عليه،
فيكُفّه عن ارتكاب القبائح، والرذائل، ويحثّه على فعل الجميل، وهو من أعلى
مواهب الله تعالى للعبد، فهذا من الإيمان باعتبار أنه يؤثّر ما يؤثّره الإيمان من
فعل الجميل، والكفّ عن القبيح، وربما ارتقى صاحبه بعده إلى درجة الإيمان،
فهو وسيلة إليه، كما قال عمر رضيُله: من استحيى اختفَى، ومن اختفى اتّقَى،
ومن اتّقى وُقي. وقال بعض التابعين: تركت الذنوب حياءً أربعين سنةً، ثم
أدركني الورع. وقال ابن سَمْعُون: رأيت المعاصي نَذَالةً، فتركتها مروءة،
فاستحالت ديانةً.
[والنوع الثاني]: أن يكون مُكتسباً، إما من مقام الإيمان؛ كحياء العبد
من مقامه بين يدي الله تعالى يوم القيامة، فيوجب له ذلك الاستعداد للقائه، أو
من مقام الإحسان؛ كحياء العبد من اطّلاع الله تعالى عليه، وقربه منه، فهذا من
أعلى خصال الإيمان. وفي حديث مرسل: ((استحي من الله، كما تستحيي من
رجلين من صالحي عشيرتك، لا يفارقانك))، ورُوي موصولاً(١).
وسُئل النبيّ وَله عن كشف العورة خالياً؟ فقال: ((الله أحقّ أن يُستحيى منه
من الناس)) (٢).
وفي حديث ابن مسعود ظه المرفوع: ((الاستحياء من الله: أن تحفظ
الرأس، وما وعَى، والبطن، وما حوى، وأن تذكر الموت، والبِلى، ومن أراد
الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حقّ الحياء)). رواه
الترمذيّ، وغيره(٣).
(١) رواه الطبرانيّ في ((الكبير)) ٢٢٩/٨ من طريق أبي عبد الملك علي بن يزيد
الألهانيّ، عن القاسم، عن أبي أمامة به مرفوعاً، وفيه عليّ بن يزيد ضعيف.
(٢) علّقه البخاريّ في ((كتاب الغسل)) (٢٧٨)، وأخرجه أحمد ٤/٥، وأبو داود
(٤٠١٧)، والترمذيّ (٢٧٩٤)، والحاكم ١٧٩/٤.
(٣) رواه الترمذي (٢٤٥٨)، وأحمد ٣٨٧/١ من طريق الصباح بن محمد، عن مرة
الهمدانيّ، عن ابن مسعود رضيُه، والصباح ضعيف، واستنكروا عليه هذا الحديث،
وصوّبوا وقفه على ابن مسعود رضيُه، ولكن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى حسّنه،
انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) ٢٢٢/١ رقم (٩٣٥).

٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وأخرج البخاريّ في ((التفسير)) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَلَ إِنَّهُمْ
يَقْنُونَ صُدُوَرَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ الآية [هود: ٥]: إنها نزلت في قوم كانوا يُجامعون
نساءهم، ويتخّون، فيستحيون من الله، فنزلت الآية.
وكان الصّدّيق ◌ُبه يقول: استحيوا من الله، فإني أذهب إلى الغائط،
فأظلّ متقنّعاً بثوبي حياء من ربّي رجل.
وكان موسى ظلّ إذا اغتسل في بيت مظلم لا يُقيم صلبه حياء من الله رَّك .
قال بعض السلف: خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قُربه
منك.
وقد يتولّد الحياء من الله من مطالعة النِّعَم، فيستحيي العبد من الله أن
يستعين بنعمته على معاصيه، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان. انتهى كلام
ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرح البخاري))(١). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[١٦٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ
عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ: مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ ... ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، أبو محمد، ثقة حافظ [١١] (ت٢٤٩)
(خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة
حافظ مصنّفٌ يتشيّع، وتغير في آخره [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن،
ثقة ثبت فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والزهريّ ذُكر في السند الماضي.
(١) راجع: ((شرح البخاريّ)) للحافظ ابن رجب ١٠٢/١ - ١٠٤.

٥١
(١٤) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٦٤)
وقوله: ((بهذا الإسناد)) أي بإسناد الزهري عن سالم، عن أبيه.
وقوله: ((وقال)) الضمير لشيخه ((عبد بن حميد)).
[تنبيه]: رواية عبد بن حميد هذه أخرجها في ((مسنده))، فقال: أخبرنا
عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر أن رسول الله وعَله
مَرَّ برجل من الأنصار، وهو يَعِظُ أخاه في الحياء، فقال رسول الله وَّ: ((دَعْهُ
فإنّ الحياء من الإيمان))(١) .
وأخرجها أيضاً أبو نعيم في ((المستخرج)) فقال: حدثناه أبو أحمد
الغطريفيّ، ثنا عبد الله بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا عبد الرزاق،
أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله وَله مرّ برجل من
الأنصار، وهو يَعِظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله وَله: ((دَعْهُ فإن الحياء من
الإيمان»(٢).
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[١٦٤] (٣٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ
الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
السَّوَّارِ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِّ وَّهِ أَنَّهُ قَالَ:
((الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّ بِخَيْرٍ))، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: أَنَّ
مِنْهُ وَقَاراً، وَمِنْهُ سَكِينَةً، فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدَّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ
صُحُفِكَ؟).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ البصريّ الحافظ تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ) بُنْدار، أبو بكر البصريّ الحافظ تقدّم قريباً أيضاً.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر أبو عبد الله البصريّ تقدّم قريباً أيضاً.
(١) راجع: ((المنتخب من مسند عبد بن حُميد)) ٢/ ٧.
(٢) راجع: ((المسند المستخرج)) ١٢٨/١ رقم (١٤٩).

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريباً.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السدوسيّ البصريّ تقدّم قريباً أيضاً.
٦ - (أَبُو السَّوَّارِ) الْعَدَويّ البصريّ، قيل: اسمه حَسّان بن حُرَيث، وقيل:
حُرَيث بن حسان، وقيل: حُرَيف - آخره فاء - وقيل: مُنْقِذ، وقيل: هو حُجَير بن
الرَّبيعِ الْعَدَويُّ، ثقة [٣].
رَوَى عن علي بن أبي طالب، والحسن بن عليّ، وعِمران بن حُصَين،
وجندب بن عبد الله.
ورَوى عنه قتادة، وأبو التَّاح، والحضرميّ بن لاحِق، وقُرّة بن خالد،
والأعمش، والْجُرَيريّ، وأبو نَعَامة العدويّ، وابن عون، وأشعث الْحُدّانيّ،
وأبو خلدة خالد بن دينار.
قال ابن سعد: أبو السَّوّار العدويّ، من بني عَدِيّ بن عبد مناة، وكان
ثقةً، وقال الآجريّ، عن أبي داود: من ثقات الناس، وقال النسائي في
((الكنى)): أبو السّوّار حَسّان بن حريث العدويّ ثقة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ(١)، وله عند الشيخين هذا
الحديث فقط .
٧ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعِيّ، أبو نُجَيد أسلم عام
خيبر، وصَحِب، وكان فاضلاً، وقضى بالكوفة، وأبوه صحابيّ ◌ًا، ومات
سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٩، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى أبي السوّار، فتفرّد
به الشيخان، والنسائيّ على ما قيل.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين؛ كالإسناد التالي، قال النوويّ
(١) هكذا رمز له في ((التهذيبين))، و((التقريب)) للنسائيّ، ولكن أصحاب برنامج الحديث
لم يدخلوه في رجال النسائيّ، ولينظر، والله تعالى أعلم.

٥٣
(١٤) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٦٤)
رحمه الله تعالى: وهذا من النفائس، اجتماع الإسنادين في الكتاب متلاصقين،
جميعهم بصريّون، وشعبة، وإن كان واسطيّاً فهو بصريّ أيضاً، فكان واسطيّاً
بصريّاً، فإنه انتقل من واسط إلى البصرة، واستوطنها .
٤ - (ومنها): أن شيخيه كانا فَرَسَي رِهَان في الحفظ، وماتا في سنة
واحدة سنة (٢٥٢)، وهما من المشايخ الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة
بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن أبي السوّار.
٦ - (ومنها): أن أبا السوّار هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وهو من
المقلّين من الرواية، فليس له عند الشيخين إلا هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) قال في ((الفتح)): كذا قال أكثر أصحاب شعبة، وخالفهم
شَبَابة بن سَوّار، فقال: ((عن شعبة، عن خالد بن رَبَاح))، بدل قتادة، أخرجه
ابن منده، ووقع نظير هذه القصّة، عن عمران بن حُصين أيضاً للعلاء بن زياد،
أخرجه ابن المبارك في ((كتاب البرّ والصلة)). انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية شبابة بن سَوّار التي عزاها في
((الفتح)) إلى ابن منده لم أهتد إليها في ((كتاب الإيمان)) له، فإنه أخرج الحديث
(٣٣٦/١ - ٣٣٤) من عدّة طرق، ومن جملتها طريق شبابة بن سَوّار، ولكنها
كلها عن شعبة، عن قتادة، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) قتادة (سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ) بفتح السين المهملة، وتشديد الواو،
وبعد الألف راء (يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) ﴿َ (يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِّ وَل
أَنَّهُ قَالَ: ((الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّ بِخَيْرٍ))) وفي الرواية التالية: ((الحياء خيرٌ كله))،
وللطبراني من حديث قُرّة بن إياس: قيل لرسول الله وَّ: الحياء من الدين؟
فقال: ((بل هو الدين كُلَّه))، وللطبراني من وجه آخر عن عمران بن حصين:
(الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة)).
(١) ((فتح)) ٦٤٠/١٠ ((كتاب الأدب)) الحديث (٦١١٧).

٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): وقع لابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)): أن
أصل الحياء الامتناع، ثم استعمل في الانقباض، قال: والحقّ أن الامتناع من
لوازم الحياء، ولازم الشيء لا يكون أصله، ولَمّا كان الامتناع لازم الحياء،
كان في التحريض على ملازمة الحياء حَضٍّ على الامتناع عن فعل ما يعاب،
قال: والحيا - بالقصر -: المطر. انتهى (١).
(فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ) بالموحّدة، والمعجمة، مصغّراً، تابعيّ جليلٌ،
تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) ١٩/٤.
[فائدة]: ليس في الكتب الستة من يُسمّى بُشيراً مصغّراً إلا ابن كعب
هذا، وابن يسار الأنصاريّ الحارثيّ المدنيّ الفقيه، وقلت في هذا:
مُصَغِّرًا سِوَاهُ كَبِّرْ دُونَ ضَيْرْ
ابْنَ يَسَارٍ وَابْنَ كَعْبٍ قُلْ بُشَیْرْ
والله تعالى أعلم.
(إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الشأن والأمر (مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ) قال
الراغب الأصبهانيّ رحمه الله تعالى: الحكمة إصابة الحقّ بالعلم والعقل،
فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء، وإيجادها على غاية الإحكام، ومن
الإنسان معرفة الموجودات، وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وُصف به لقمان في
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَاَ لُقْمَنَ اَلِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، ونَّه على جملتها بما وصفه
بها، فإذا قيل في الله تعالى: هو حكيم، فمعناه بخلاف معناه إذا وُصف غيره،
· [التين: ٨]، وإذا
٨
ومن هذا الوجه قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَمَّكَمِ الْحَكِمِينَ
وُصف به القرآن فلتضمّنه الحكمة، نحو: ﴿الَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ (@))
[يونس: ١]، وعلى ذلك قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الْأَثْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرُ
حِكْمَةُ بِغَةٌ﴾ [القمر: ٤ - ٥]، وقيل: معنى الحكيم: الْمُحْكَم، نحو ﴿أُشْكِمَتْ
ءَايَنُهُ﴾ [هود: ١]، وكلاهما صحيح، فإنه مُحْكَمٌ، ومُفيدٌ للحكم، ففيه المعنيان
جميعاً، والْحُكْمُ أعمّ من الحكمة، فكلُّ حكمة حُكْمٌ، وليس كلّ حُكْم حِكْمةً،
فإن الْحُكْم أن يُقضى بشيء على شيء، فيقول: هو كذا، أو ليس كذا، قال ◌َ له:
((إن من الشعر لحكمةً))، رواه البخاريّ: أي قضيّةً صادقةً، وذلك نحو قول لبيد :
(١) ((الفتح)) ٦٤٠/١٠.

٥٥
(١٤) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٦٤)
وَبِإِذْنِ اللهِ رَيْتِي وَعَجَلْ
إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ
انتهى كلام الراغب(١).
(أَنَّ مِنْهُ) أي بعض الحياء (وَقَاراً، وَمِنْهُ سَكِينَةً) ولفظ البخاريّ: ((إن من
الحياء وقاراً، وإن من الحياء سكينةَ))، وفي رواية الكشميهنيّ: ((السكينة)) بزيادة
ألف ولام، وفي رواية أبي قتادة الْعَدَويّ الآتية: ((أنّ منه سكينةً، ووقاراً لله،
ومنه ضعف))، وهذه الزيادة متعينة، ومن أجلها غَضِبَ عمران ◌َظُبه، وإلا فليس
في ذكر السكينة والوقار ما ينافي كونه خيراً، أشار إلى ذلك ابن بطال، لكن
يَحتَمِل أن يكون غَضِبَ من قوله: ((منه))؛ لأن التبعيض يُفْهَمُ أن منه ما يُضَادّ
ذلك، وهو قد رَوَى: ((أنه كُلَّهُ خیرٌ)).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معنى كلام بُشَيْر: أن من الحياء ما يَحْمِل
صاحبه على الوقار، بأن يُوَقِّر غيره، ويتوقّر هو في نفسه، ومنه ما يَحْمِله على
أن يَسْكُن عن كثير مما يتحرك الناس فيه، من الأمور التي لا تليق بذي
المروءة، ولم يُنْكِر عمران ربُّه عليه هذا القدر، من حيث معناه، وإنما أنكره
عليه من حيث إنه ساقه في مَعْرِض من يُعَارض كلام الرسول ◌َّ بكلام غيره،
وقيل: إنما أنكر عليه؛ لكونه خاف أن يَخْلِط السنة بغيرها(٢).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولا يخفى حسن التوجيه السابق.
(٣)
.
انتھی
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما وجّه به القرطبيّ رحمه الله
تعالى هو الأقرب مما استحسنه الحافظ، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(أُحَدَّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ◌ِّهِ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ؟)،
(فَقَالَ عِمْرَانٌ)
وفي رواية أبي قتادة الآتية: ((فغَضِب عمران حتى احمرّت عيناه، وقال: ألا
أراني أُحَدِّثك عن رسول الله وَّ، وتعارض فيه))، وفي رواية أحمد: ((وتعرض
فيه بحديث الكتب))، وقد تقدّم في ((مقدمة الصحيح)) لبُشَير بن كعب هذا قصةٌ
مع ابن عباس ﴿هَا تُشْعِرُ بأنه كان يتساهل في الأخذ عن كل مَنْ لقيه، والله
(١) ((مفردات ألفاظ القرآن)) ص٢٤٩ - ٢٥٠.
(٢) ((المفهم)) ٢٢٠/١.
(٣) ((فتح)) ١٠ / ٦٤١.

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين ـ
هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [١٤/ ١٦٤] (٣٧) عن محمد بن
المثنّى، ومحمد بن بشّار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة،
عن أبي السّوّار، عنه رَظُه، و[١٤/ ١٦٥] عن يحيى بن حبيب الحارثيّ، عن
حمّاد بن زيد، عن إسحاق بن سُويد، عن أبي قتادة العدويّ، عنه ◌َظُبه،
و[١٦٦/١٤] عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شُميل، عن أبي نَعَامة
السعديّ، عن حُجیر بن الربيع العدويّ، عنه رقڅله نحو حدیث حماد بن زيد.
و(البخاريّ) في ((كتاب الأدب)) ٣٥/٨ (٦١١٧) عن آدم بن أبي إياس،
عن شعبة به، وفي ((الأدب المفرد)) (١٣١٢).
و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٧٩٦) عن سليمان بن حرب، عن حماد بن
زيد به .
و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٦/٤ و٤٢٧ و٤٣٦ و٤٤٢ و٤٤٥ و٤٤٦).
و(أبو نعيم) في ((المستخرج)) ١٢٨/١ (١٥٠ و١٥١ و١٥٢ و١٥٣).
و(ابن منده) في ((الإيمان)) (١٧٧ و١٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ساقه من أجله المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كون
الحياء من شُعَب الإيمان.
٢ - (ومنها): أن الحياء كلّه خير، فلا يستثنى من الحياء شيء، وما يُظنّ
من أن بعض أنواعه يظهر فيه الضعف، وأنه يمنع صاحبه من أن يواجه من
يرتكب المنكرات بالإنكار عليه، ويحمله على الإخلال ببعض الحقوق، فليس
حياءً شرعياً، والمراد في هذه الأحاديث هو ما يكون شرعيّاً، وأما الحياء الذي
ينشأ منه الإخلال بالحقوق، فليس مقصوداً؛ إذ هو عجزٌ، ومَهَانةٌ، وإنما يُطلق
عليه اسم الحياء لمشابهته للحياء الشرعيّ، وهو خُلُقٌ يبعث على ترك القبيح،

٥٧
(١٤) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٦٥)
وقال الراغب: هو انقباض النفس عن القبائح، وتركه (١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَخْتُهُ: الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع
من الإيمان، وهو المكلّف به، دون الغريزيّ، غير أن من كان فيه غريزة منه،
فإنها تُعينه على المكتسب، وقد ينطبع بالمكتسب حتى يصير غريزيّاً، قال: وقد
كان النبيّ وَّه قد جُمع له النوعان، فكان في الغريزيّ أشدّ حياءً من العذراء في
خدرها، وكان في الحياء المكتسب في الذروة العليا وَير. انتهى (٢).
٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ظم من شدّة الإنكار على من عارض
السنّة بغيرها، أياً كان نوعه، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم شديد الغيرة عليها،
فيعادي كلّ من يعارضها برأي رآه، أو مذهب قلّده، فإن السنّة حاكمة على كلّ
رأي ومذهب، كما قال رَّت: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآية، وقال ◌َ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ
وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] الآية، وقد صحّ عنه وَّل
أنه قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده، والناس
أجمعين))، متّفقٌ عليه، وروي عنه ◌َّ أنه قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون
هواه تبعاً لما جئت به))، وهو متكلّم في صحّته، لكن يشهد له الذي قبله، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[١٦٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ،
عَنْ إِسْحَاقَ - وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ - أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ، حَدَّثَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ
حُصَيْنٍ، فِي رَهْطٍ مِنَّا، وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ، فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِّهِ: ((الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ))، قَالَ: أَوْ قَالَ: ((الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ))، فَقَالَ
بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ، أَوْ الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً،
وَوَقَاراً للهِ، وَمِنْهُ ضَعْفٌ، قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ، حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ، وَقَالَ: أَلَا
(١) ((المفردات)» ص ٢٧٠.
(٢) ((المفهم)) ٢١٨/١ - ٢١٩.

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أَرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، وَتُعَارِضُ فِيهِ؟ قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ،
قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ، قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ،
إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) وقيل: الشيبانيّ، أبو زكريّا البصريّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن يزيد بن زُريع، وحماد بن زيد، وخالد بن الحارث،
وعبد الوهاب الثقفي، ومعتمر بن سليمان وموسى بن إبراهيم بن كثير،
وجماعة.
ورَوَى عنه الجماعة، سوى البخاري، وأبو بكر بن أبي عاصم، وأبو بكر
البزار، وزكرياء الساجي، ويوسف بن يعقوب القاضي، ومحمد بن إسحاق بن
خُزيمة، وغيرهم.
قال أبو حاتم الرازي: صدوق. وقال النسائي: ثقة مأمون، فَلَّ شيخ
رأيتُ بالبصرة مثلَهَ، وقال مسلمة بن قاسم ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال هو والسراج: مات سنة ثمان وأربعين ومائتين، زاد ابن حبان: وقد قيل:
مات بعد سنة خمسين.
وله في هذا الكتاب (٨٣) حديثاً.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ،
ثقة ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ) بن هُبيرة الْعَدويّ التّميميّ البصريّ، صدوقٌ تُكُلّم
فيه للنَّصْب [٣].
رَوَى عن ابن عمر، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، والعلاء بن
زياد العَدَويّ، ومعاذة صاحبة عائشة، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، والحمادان، وابن علية، ومعتمر بن سليمان، وعلي بن
عاصم، وجماعة.
قال أحمد: شيخ ثقة، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد:
كان ثقة - إن شاء الله - وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره العجليّ،

٥٩
(١٤) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٦٥)
فقال: ثقةٌ، وكان يحمل على عليّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو
العرب الصقليّ في ((الضعفاء)): كان يَحْمِل على عليّ تحاملاً شديداً، وقال: لا
أُحبّ عليّاً، وليس بكثير الحديث، ومن لم يُحِبّ الصحابة فليس بثقة، ولا
کرامةَ .
وتُؤُفّي في الطاعون، في أول خلافة أبي العباس، سنة (١٣١).
رَوَى له البخاري مقروناً حديثاً واحداً في ((كتاب الصوم))، والمصنّف،
وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث
(٣٧)، و(١٠٨٩) حديث: ((شهرا عيد لا ينقصان ... ))، و(١٩٩٥) حديث:
(نهى رسول الله وَّ عن الدبّاء، والحنتم، والنقير، والْمُزَقَّت)).
٤ - (أَبُو قَتَادَةَ) الْعَدَوِيّ البصريّ، مختلف في صحبته، رَوَى عن عمر بن
الخطاب، وهشام بن عامر الأنصاريّ، و عمران بن حُصين، ورجل من أهل
البادية، له صحبة، وأُسير بن جابر.
ورَوى عنه حُمَيد بن هلال، وإسحاق بن سُويد، وعباس بن عبد الله،
وأبو قِلابة الْجَرْميّ.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن منده: له صحبة،
وقال خليفة: اسمه نُذَير(١) بن قُنْفُذ، ويقال: تميم بن نُذَير، وقال ابن معين:
اسمه تميم بن نذير، وقال غيره: ابن الزبير، ويقال: ابن يزيد بالزاي، ذكره
الحاكم أبو أحمد، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) في تميم، وبذلك جزم أبو
نعيم في ((المستخرج)).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان
فقط، هذا (٣٧)، و(٢٨٩٩) حديث: ((إني لأعرف أسماءهم، وأسماء
آبائهم ... )) الحديث الطويل.
٥ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ) ﴿ّ تقدم في السند الماضي، والله تعالى
أعلم.
(١) بضمّ النون، وفتح الذال المعجمة.

٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، فهو أعلى من
السند الماضي.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ: إسحاق بن سُويد، عن أبي
قتادة العدويّ.
٤ - (ومنها): أن إسحاق، وأبا قتادة هذا أول محلّ ذكرهما من الكتاب،
وجملة ما رواه المصنّف لإسحاق، ثلاثة أحاديث، ولأبي قتادة حديثان فقط،
كما بيّنته آنفاً .
٥ - (ومنها): أن فيه قوله: ((وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ))، ولم يقل: إسحاق بن
سُويد؛ إشارة إلى أن شيخه(١) لم ينسب إسحاق إلى أبيه، بل ذكره باسمه فقط،
فلما أراد المصنّف أن يبيّنه لمن يُحدّثه، بنسبته إلى أبيه، فصل زيادته عما قاله
شيخه، بكلمة ((وهو))؛ لئلا يقول على شيخه ما لم يقله، وهذا من ورع
المحدّثين، ومحافظتهم على ألفاظ شيوخهم، وإليه أشار السيوطيّ في ألفيّة
الحديث بقوله:
فَوْقَ شُيُوخِ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ
أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ
بِنَحْوِ ((يَعْنِي)) أَوْ بِ((إِنَّ) أَوْ بِ((هُو))
وَالْفَضْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ
أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ إِسْحَاقَ - وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ -) تقدّم توجيه زيادة ((وهو)) آنفاً (أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ)
تميم بن نُذير، أو غيره العدويّ (حَدَّثَ، قَالَ) تفسير لـ((حدّث)) (كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ
(١) إنما قلت: شيخه، ولم أقل: حماد؛ لأن حمّاداً نسبه إلى أبيه، فقد رواه عنه
سليمان بن حرب عند أبي داود، فقال: عن إسحاق بن سُويد، فدلّ على أن الذي
ترك نسبته هو شيخ المصنّف يحيى بن حبيب، ويحتمل أن يكون حماد حينما رواه
ليحيى تركه، والله تعالى أعلم.