النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
(٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ نَّزه ... إلخ - حديث رقم (١٢٨)
الواقع خبراً لـ((أنّ))، من قوله: ((أن أبا نضرة أخبره))، وأن قوله: ((أخبرهما))
تأكيد لقوله: ((أخبره وحسناً))، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وجعلنا الله فداءك) هو بكسر الفاء، وبالمدّ، ومعناه يَقِيك
المكاره، وفيه جواز قول الإنسان لمسلم: جعلني الله فداك، وقد عقد الإمام
البخاريّ رحمه الله تعالى باباً في ((صحيحه)) فقال:
(باب قول الرجل: جعلني الله فداك))، ثم قول أبي بكر الصدّيق نَظُبله
للنبيّ وََّ، لَمّا قال: ((إن عبداً خَيَّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما
عنده))، فَدَيْناك بآبائنا وأمهاتنا، والحديث طويل، أخرجه الشيخان.
ثم أخرج حديث أنس ظنه، أنه أقبل هو، وأبو طلحة مع النبيّ وَّر ...
وفيه قول أبي طلحة: ((يا نبيّ الله جعلني الله فداك، هل أصابك من شيء؟ ...
الحديث، متفقٌ عليه.
قال في ((الفتح)): وقد استوعب الأخبار الدالة على الجواز أبو بكر بن
أبي عاصم في أول كتاب ((آداب الحكماء))، وجزم بجواز ذلك، فقال: للمرء
أن يقول ذلك لسلطانه، ولكبيره، ولذوي العلم، ولمن أحب من إخوانه غيرَ
محظور عليه ذلك، بل يثاب عليه إذا قصد توقيره واستعطافه، ولو كان ذلك
محظوراً لنهى النبي ◌َّ قائل ذلك، ولأعلمه أن ذلك غير جائز أن يقال لأحد
غيره.
قال: وقد ترجم أبو داود نحو ترجمة البخاريّ، وساق حديث أبي ذرّ ـ
قلت للنبيّ وَّر: ((لبيك وسعديك، جعلني الله فداك ... )) الحديث، وكذا أخرجه
ـنْه
البخاري في ((الأدب المفرد)).
قال الطبرانيّ: في هذه الأحاديث دليل على جواز قول ذلك، وأما ما
رواه مبارك بن فَضَالة عن الحسن، قال: دخل الزبير على النبي ◌َّ وهو شاكٍ،
فقال: كيف تجدك، جعلني الله فداك؟ قال: ((ما تركت أعرابيتك بعدُ))، ثم
ساقه من هذا الوجه، ومن وجه آخر، ثم قال: لا حجة في ذلك على المنع؛
لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث في الصحة، وعلى تقدير ثبوت ذلك، فليس فيه
صريح المنع، بل فيه إشارة إلى أنه تَرَك الأولى، في القول للمريض، إما
بالتأنيس والملاطفة، وإما بالدعاء والتوجع.

٤٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[فإن قيل]: إنما ساغ ذلك؛ لأن الذي دعا بذلك كان أبواه مشركين.
[فالجواب]: أن قول أبي طلحة ربه كان بعد أن أسلم، وكذا
أبو ذر رُه، وقول أبي بكر كان بعد أن أسلم أبواه ﴿ه، انتهى مُلَخّصاً.
قال الحافظ: ويمكن أن يُعتَرض بأنه لا يلزم من تسويغ قول ذلك للنبي وَلـ
أن يسوغ لغيره؛ لأن نفسه أعزّ من أنفس القائلين وآبائهم، ولو كانوا أسلموا.
فالجواب ما تقدم من كلام ابن أبي عاصم، فإن فيه إشارةً إلى أن الأصل
عدمُ الخصوصية، وأخرج ابن أبي عاصم من حديث ابن عمر رضيها: أن النبي وَيه
قال لفاطمة: ((فداكِ أبوكٍ))، ومن حديث ابن مسعود ◌َظُه أن النبي وَّ قال
لأصحابه: ((فداكم أبي وأمي))، ومن حديث أنس رضيالله أنه وَ لّ قال مثل ذلك
للأنصار. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم.
ومن فوائد الحديث الباب أيضاً أنه لا عَتْبَ على طالب العلم، المستفتي
إذا قال للعالم: أوضح لي الجواب، ونحو هذه العبارة، وفيه جوازُ مراجعة
العالم على سبيل الاسترشاد والاعتذار ليتلطف له في جواب لا يشقّ عليه، وفيه
تأكيد الكلام، وتفخيمه؛ لِيَعْظُمِ وَقْعُهُ في النفس. والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (وعليكِم بِالْمُوكَى) هو بضم الميم، وإسكان الواو، مقصورٌ غير
مهموز، ومعناه: انبِذُوا في السقاء الدقيق الذي يُوكَى، أي يُرْبَط فُوه بالْوِكَاء،
وهو الخيط الذي يُرْبَط به.
قال النوويّ رحمه الله تعالى بعد أن انتهى من بيان يتعلّق بالحديث سنداً،
ومتناً ما نصّه: فهذه أطراف مما يتعلّق بهذا الحديث، وهي وإن كانت طويلةً،
فهي مختصرة بالنسبة إلى طالبي التحقيق.
ولقد أجاد رحمه الله تعالى في التنبيه، وأحسن المقال في التنويه، فعليك
بالجدّ والاستفادة، وعلوّ الهمة، وصدق العزيمة والإرادة، ولا تَمِلْ إلى الراحة
والكسل، فإنه عنوان الفشل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، ومنه التوفيق
والعصمة والتفضيل.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ ◌ِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِيِبُ﴾
[هود: ٨٨].
(١) ((فتح الباري)) ٦٩٨/١٠ رقم باب ١٠٤ حديث رقم (٦١٨٥).

٤٠٣
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٢٩)
(٧) - (بَابُ الدُّعَاءِ إِلى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلاَمِ)
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢٩] (١٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ جَمِيعاً، عَنْ وَكِيع، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ زَكَرِبَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ،
قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّدِ اللّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ
مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رُبَّمَا قَالَ وَكِيعُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاذًَ قَالَ:
بَعَثَنِي رَسُولُ اللّهِ وَلهَ قَالَ: ((إِنَّكَ تَأْتِي قَوْماً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ
أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللّهَ
افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ،
فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنَّ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ
هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِنَّالَكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا
وَبَيْنَ اللّهِ حِجَابٌ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة تقدّم
قريباً .
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الْهَمْدَانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ
[١٠] (ت٢٤٧) (ع) ٤ / ١٥.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه الحنظليّ المروزيّ، نزیل نيسابور،
ثقة ثبت حافظ إمام [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) ٢٨/٤.
٤ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت
حافظ عابدٌ، من كبار [٩] (ت٢٤٧) (ع) ١/١.
٥ - (زَكَرِیَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن عمرو بن دينار، وأبي الزبير، وإبراهيم بن ميسرة، ويحيى بن
عبد الله بن صيفي، وغيرهم.

٤٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ورَوَى عنه أزهر بن القاسم، ورَوْح بن عُبَادة، وبشر بن السَّريّ، وابن
المبارك، وعبد الرزاق، ووكيع، وأبو عامر الْعَقَدِيّ، وأبو عاصم، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: لا
بأس به. وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: زكريا بن إسحاق قدريّ؟ قال:
نخاف عليه، قلت: هو ثقة؟ قال: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال
الميموني عن أحمد، عن عبد الرزاق، قال لي أبي: الْزَمْ زكريا بن إسحاق،
فإني قد رأيته عند ابن أبي نَجِيح بمكان، قال: فأتيته، وإذا هو قد نَسِيَ، وأتاه
ابن المبارك، فأخرج له كتابه. وقال ابن المدينيّ، عن سفيان: لم يجالس
عطاء، قيل لسفيان: إنهم حَكَوا عنك أن زكريا قال: أخرج إلينا عطاء صحيفةً،
فقال سفيان: لا، إنما أراني صحيفةً عنده، ما هي بالكبيرة، فقال: هذه
أعطانيها يعقوب بن عطاء، قال هذه التي سمع أبي من أصحاب رسول الله وَله .
وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث. وقال ابن معين: كان يَرَى القدر، ثنا
رَوْح بن عُبادة قال: سمعت منادياً على الحجر، يقول: إن الأمير أَمَرَ أن لا
يُجالَس زكريا بن إسحاق؛ لموضع القدر، وقال وكيع: ثنا زكريا، وكان ثقةً.
وقال الْبَرْقِيّ، والحاكم: كان ثقةً.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثاً .
[تنبيه]: لا يوجد في الكتب الستة من يُسمّى زكريّا بن إسحاق غير
صاحب الترجمة، والله تعالى أعلم.
٦ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ) هو: يحيى بن عبد الله بن محمد بن
يحيى بن صيفيّ، ويقال: يحيى بن محمد، الْمَكيّ مولى بني مَخْزُوم، ويقال:
مولى عثمان، ثقة [٦].
رَوَى عن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبي معبد،
مولى ابن عباس، وأبي سلمة بن سفيان، وعَّاب بن حُنين، وسعيد بن جبير.
وروى عنه ابنُ جريج، وإسماعيل بن أمية، وزكرياء بن إسحاق،
وعبد الله بن أبي نجيح، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: يحيى بن عبد الله بن
صَيْفِيّ كان ثقةً، وله أحاديث. وذكره ابن حبان في ((الثقات)).

٤٠٥
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٢٩)
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٩) وأعاده
بعده، و(١٠٨٥).
٧ - (أَبُو مَعْبَدٍ) هو: نافذ - بفاء، وذال معجمة - مولى ابن عبّاس
المكيّ، ثقة [٤].
رَوَى عن مولاه، وعنه عمرو بن دينار، ويحيى بن عبد الله بن صَيْفِيّ،
وأبو الزبير، وسليمان الأحول، والقاسم بن أبي بَزَّة، وفُرَات الْقَزّاز.
قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال الحميديّ عن سفيان،
عن عمرو بن دينار، أخبرني أبو مَعْبد، وكان من أصدق موالي ابن عباس،
وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال ابن سعد: قال محمد بن عُمَر: مات بالمدينة سنة أربع ومائة،
وكان ثقةً، حَسَنَ الحديث، وفيها أَرّخه غير واحد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٩)
وأعاده بعده، و(٥٨٣) وكرره ثلاث مرات، و(١٢٨٢) و(١٣٤١).
[تنبيه]: ليس في الرواة من يُسمّى نافذاً غير صاحب الترجمة، وأما من
يُكنى بأبي معبد فاثنان، هذا، وأبو معبد السُّلَميّ، واسمه مجالد بن مسعود،
أخو مجاشع، صحابيّ، بقي إلى سنة أربعين على الأصحّ، وأخوه أيضاً
صحابيّ، أخرج لهما الشيخان(١) فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ظًَّا ١٢٣/٦.
٩ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عَدِيّ بن كعب بن
عمرو بن أُدَيّ بن سعد بن عليّ بن أسد بن سارِدَة بن يَزيد بن جُشَم بن
الْخَزْرَج الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الرحمن الْمَدنيّ، صاحب رسول الله وَّ،
رُوي أنه كان له ابنان ماتا في طاعون عَمَوَاس، ورُوي أنه مات له ابن في
حياة رسول الله وَّه، وأنه وَّلِ كَتَبَ إليه يُعزّيه عنه، وقال أبو عمر بن عبد البرّ:
قال الواقديّ وغيره: كان معاذ بن جبل طُوالاً، حَسَنَ الشعر، أبيض، بَرّاق
الثنايا، لم يُولد له قطّ، قال أبو عمر: وقد قيل: إنه وُلد له وَلَدٌ يُسمّى
(١) راجع: ((التقريب)) ص٣٢٩.

٤٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عبد الرحمن، وإنه قاتل معه يوم اليرموك، وبه كان يُكنى، ولم يَختلفوا أنه كان
يُكنى أبا عبد الرحمن، قال: وهو أحد السبعين الذي شهِدُوا العَقَبة من
الأنصار، وآخى رسول الله و98َّ بينه وبين عبد الله بن مسعود، قال الواقديّ:
هذا ما لا اختلاف فيه عندنا، وقال ابن إسحاق: آخى رسول الله وَ له بين
معاذ بن جبل وبين جعفر بن أبي طالب، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنةً،
وشَهِدَ بدراً، والعقبة، والمشاهد كلّها مع رسول الله وَّل، ورَوَى عن النبيّ ◌َّ،
وعنه ابنُ عباس، وأبو موسى الأشعريّ، وابنُ عَمْرو، وابن عُمَر،
وعبد الرحمن بن سَمُرة، وابن أبي أوفى، وأنس، وجابر، وأبو الطفيل،
وعبد الرحمن بن غَنْم، وأبو مسلم الْخَوْلانيّ، وأبو عبد الله الصُّنَابحيّ،
وأبو وائل، ومسروق، وخلق كثير.
قال قتادة عن أنس بن مالك ظه: جَمَعَ القرآن على عهد رسول الله وَ له
أربعةٌ، كلُّهم من الأنصار: أُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو
زيد، قال أنس: أبو زيد أحد عمومتي(١).
وقال مسروق، عن عبد الله بن عَمْرو: أربعة رهط لا أزال أُحبّهم بعدما
سمعت من رسول الله وسلم قال: ((استَقْرِكُوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن
مسعود، وسالم مولى أبي حُذيفة، وأُبيِّ بن كعب، ومعاذ بن جبل(٢).
وقال أبو قلابة عن أنس عظ اته، قال رسول الله وَلاير: ((أرحم أمتي بأمتي
أبو بكر، وأشدّهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأفرضهم زيد بن
ثابت، وأقرؤهم أبيّ بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وإن
لكلّ أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عُبيدة بن الجرّاح))(٣).
ويُروَى عن النبيّ ◌َليه مرسلاً ومتصلاً: ((يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماءِ
بِرَتْوَةٍ)).
وعن عبد الله بن مسعود ظُه قال: إنا كنا نشبهه بإبراهيم عليّ، ﴿إِنَّ إِْزَهِيمَ
كَانَ أُمَّةُ قَانِتًا لِلّهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٠]، قال: ((الأمة)) معلم الخير، و((القانت))
(١) متّفق عليه.
(٢) متّفق عليه.
(٣) حديث صحيح، أخرجه أحمد ١٨٤/٣ والترمذيّ (٣٧٩١) وابن ماجه (١٥٤).

٤٠٧
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٢٩)
المطيع لله ولرسوله وَ لّ، قال: وكذلك كان معاذ، كان يعلّم الناس الخير،
وكان مطيعاً لله ولرسوله وَليم(١).
وقال الأعمش عن أبي سفيان: حدثني أشياخ منّا، قالوا: جاء رجل إلى
عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين إني غِبتُ عن امرأتي سنتين، فجئت
وهي حُبلى، فشاور عمر الناس في رجمها، فقال معاذ بن جبل: يا أمير
المؤمنين إن كان لك عليها سبيلٌ، فليس لك على ما في بطنها سبيل، فاتركها
حتى تضع، فتركها، فولدت غلاماً قد خرجت ثنيّتاه، فعرَفَ الرجل الشبَهَ فيه،
فقال: ابني وربّ الكعبة، فقال عمر بنظُبه: عَجَزَت النساء أن تَلِدَ مثل معاذ،
لولا معاذ هلك عمر.
ومناقبه وفضائله
كثيرةً جداً
قال الهيثم بن عديّ، وغير واحد: مات في طاعون العمواس(٢)، وقال
أبو مسهر: مات سنة سبع عشرة، قال أبو مسهر: قرأت مثله في كتاب يزيد بن
عَبِيدة: مات سنة سبع عشرة، قال أبو مسهر: قرأت في كتاب ابن عَبيدة بن أبي
المهاجر، وكان سعيد بن عبد العزيز يقول: إنه صحيح، مات معاذ بن جبل في
سنة سبع عشرة، وفي تلك السنة فُتح بيت المقدس، وقال يحيى بن معين،
وعليّ بن عبد الله التميميّ: مات سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة، زاد يحيى،
وهو ابن أربع وثلاثين، وقال الواقديّ عن رجاله: مات سنة ثماني عشرة في
الطاعون، وهو ابن ثمان وثلاثين، قال الواقديّ: وكان من أجمل الناس، وفيها
أرّخه غير واحد، وقيل في سنّه: غير ذلك.
أخرج له الجماعة، وروى من الأحاديث (١٥٧) حديثاً اتّفقا على
حديثين، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بحديث، فجملة ما له في هذا الكتاب
ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٩)، و(٣٠) وكرره ثلاث مرّات، و(٧٠٦) وكرره
ثلاث مرّات.
(١) راجع: ((حلية الأولياء)) ٢٣٠/١ و((الاستيعاب)) ١٤٠٧/٣.
(٢) إنما نُسب الطاعون إلى عمواس، وهي قرية بين الرملة وبيت المقدس؛ لأنه أول ما
بدأ الطاعون منها. ((تهذيب الكمال)) ١١٤/٢٨.

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[تنبيه]: جملة من يُسمّى بمعاذ نحو أربعة وعشرين شخصاً، ولا يوجد
من يُسمّى معاذ بن جبل، غير صاحب الترجمة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
لطائف من هذا الإسناد:
١ - (منها): من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج
له الترمذيّ، وغير إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين من زكريّا بن إسحاق.
٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد المشايخ التسعة الذين اتفق
أصحاب الكتب الستة بالرواية عنهم بغير واسطة، وهم الذين جمعتهم بقولي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ ذَوُو الأُصُولِ السِّنَّةِ الْوُعَاةُ
الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ
نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ
ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ ◌ُله.
٦ - (ومنها): أن فيه قوله: ((عن أبي مَعْبد، عن ابن عباس، عن معاذ،
قال أبو بكر: وربما قال وكيع: عن ابن عباس، أن معاذاً قال)).
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الذي فعله مسلم رحمه الله تعالى نهايةُ
التحقيق، والاحتياط، والتدقيق، فإن الرواية الأولى قال فيها: ((عن معاذ))،
والثانية: ((أن معاذاً))، وبين ((أَنّ))، و((عن)) فرق، فإن الجماهير قالوا: ((أَنَّ))
كـ((عَن))، فيُحمَل على الاتصال، وقال جماعة: لا تَلْتَحِق ((أنَّ)) بـ(عَن))، بل
تحمل ((أن)) على الانقطاع، ويكون مُرسَلاً، ولكنه هنا يكون مُرسَل صحابيّ، له
حكم المتصل، على المشهور، من مذاهب العلماء، وفيه قول الأستاذ أبي
إسحاق الإسفرايينيّ الذي قَدَّمناه في الفصول أنه لا يُحْتَجّ به، فاحتاط مسلم
رحمه الله تعالى، وبين اللفظين، والله تعالى أعلم. انتهى.
[فائدة]: من القواعد المهمّة أن الراوي إذا رَوَى حديثاً في قصة أو
واقعة، فإن كان أدرك ما رواه بأن حَكَى قصة وقعت بين النبي ◌ُّر وبين بعض

(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٢٩)
٤٠٩
الصحابة، والراوي لذلك صحابيّ أدرك تلك الواقعة، فهي محكوم لها
بالاتصال، وإن لم يُعْلَم أنه شاهدها، وإن لم يُدْرِك تلك الواقعة، فهو مرسل
صحابيّ، وإن كان الراوي تابعيّاً، فهو منقطع، وإن روى التابعيّ عن الصحابيّ
قصةً أدركَ وقوعها فمتصلٌ، وكذا إن لم يُدرك وقوعها، ولكن أسندها له، وإلا
فمنقطعة، وقد حَكَى ابنُ الْمَوَّاق اتفاقَ أهل التمييز من أهل الحديث على ذلك.
وما نُقل عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أن ((عَن))، و((أنّ)
ليسا سواءً مُنَزَّلٌ على هذه القاعدة، فقد روى الخطيب البغداديّ في ((الكفاية))
بسنده إلى أبي داود، قال: سمعت أحمد قيل له: إن رجلاً قال: قال عروة:
إن عائشة قالت: يا رسول الله، وعن عروة، عن عائشة سواءٌ؟ قال أحمد:
كيف هذا سواءٌ؟ ليس هذا بسواء.
وإنما فرّق أحمد رحمه الله تعالى بين اللفظين؛ لأن عروة في اللفظ الأول
لم يُسنِد ذلك إلى عائشة، ولا أدرك القصة، فكانت مرسلةً، وأما اللفظ الثاني
فَأَسنَدَ ذلك إليها بالعنعنة، فكانت متصلة. هكذا حقّق القاعدة الحافظ العراقيّ
رحمه الله تعالى(١) .
وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية الحديث))، حيث
قال :
وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَا لَهُ رَوَى مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعاً حَوَى
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) - بفتح الميم، وسكون المهملة، وفتح الموحّدة - واسمه
نافذ ـ بالنون، والفاء، والذال المعجمة - وضبطه بعضهم بالدال المهملة، وفي
رواية للبخاريّ في ((كتاب التوحيد)) من طريق إسماعيل بن أميّة، عن يحيى، أنه
سمع أبا معبد يقول: سمعت ابن عباس يقول ... (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رِّ (عَنْ
(قَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة الشيخ الأول للمصنّف في
مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ)
(١) راجع: (تدريب الراوي)) ٢١٨/١.

٤١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
روايته (رُبَّمَا قَالَ وَكِيعٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ مُعَاذَاً) هذا من احتياطات مسلم،
وتدقيقاته الإسناديّة في المحافظة على اختلاف ألفاظ شيوخه، وتقدّم في مبحث
اللطائف وجه الاختلاف بين الروايتين، وأنه لا خلاف بينهما عند الجمهور،
وإنما قال بالاختلاف بعض أهل الحديث، ففرّق بين ((عن)) و((أنّ))، فجعل ((عن))
الاتّصال، و((أن)) للانقطاع، لكن هنا يكون من مرسل صحابيّ، فلا يضرّ،
فتنبه .
وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((قال رسول الله وَّ لمعاذ بن جبل حين بعثه
إلى اليمن إلخ)): ما نصّه: كذا في جميع الظُّرُق إلا ما أخرجه مسلم عن أبي
بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع، فقال
فيه: ((عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله وَّ، فعلى
هذا فهو من مسند معاذ ربه، وظاهر سياق مسلم أن اللفظ مدرج(١)، لكن لم
أر ذلك في غير رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وسائر الروايات أنه من مسند ابن
عباس، فقد أخرجه الترمذيّ، عن أبي كُريب، عن وكيع، فقال فيه: ((عن ابن
عباس: أن رسول الله (َّ بَعَثَ معاذاً))، وكذا هو في ((مسند إسحاق بن
إبراهيم))، وهو ابن راهويه قال: حدثنا وكيع به، وكذا رواه عن وكيع أحمد في
((مسنده))، أخرجه أبو داود عن أحمد، وكذلك عند البخاريّ في ((كتاب
المظالم)) عن يحيى بن موسى، عن وكيع، وأخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه))
عن محمد بن عبد الله الْمُخَرِّميّ، وجعفر بن محمد الثَّعْلبيّ، وللإسماعيليّ من
طريق أبي خيثمة، وموسى بن السُّدِّيّ، والدارقطنيّ، من طريق يعقوب بن
إبراهيم الدَّوْرقيّ، وإسحاق بن إبراهيم البغويّ، كلهم عن وكيع كذلك، فإن
ثبتت رواية أبي بكر، فهو من مرسل ابن عباس، لكن ليس حضور ابن عباس
لذلك ببعيد؛ لأنه كان في أواخر حياة النبي 98َّ، وهو إذ ذاك مع أبويه
بالمدينة. انتهى (٢) .
(١) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لم يظهر لي وجه قوله: وظاهر سياق مسلم أنّ
اللفظ مدرجٌ، فليُتْأمّل.
(٢) ((الفتح)) ١٧٦/٤.

٤١١
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٢٩)
وقال ابن الملقّن رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الاختلاف المذكور ما
نصّه: ويُجمع بينهما بأن يكون سمع ابن عباس الحديث مرّة عن معاذ، فرواه
متّصلاً، وأرسله تارة، ومرسله حجة على المشهور، كيف وقد عُرف من أرسل
عنه، ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ، وحضر القصّة، فرواه تارة بلا
واسطة، وتارة بها، إما لنسيانه، وإما لمعنى آخر، انتهى(١).
[تنبيه]: كان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبيّ وَّر كما ذكره
البخاريّ في أواخر ((كتاب المغازي))، وقيل كان ذلك في أواخر سنة تسع عند
منصرفه ◌ّر من تبوك، رواه الواقديّ بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن
سعد في ((الطبقات)) عنه، ثم حَكَى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر،
وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان، واتفقوا على أنه لم يَزَل على اليمن إلى أن
قَدِمَ في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام، فمات بها، واختُلِفَ هل كان معاذ
والياً أو قاضياً، فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغسانيّ بالأول، ذكره في
((الفتح))(٢).
وقال في ((العمدة)): وفي ((الإكليل)) لابن البيّع: ((بعث النبيّ ◌َّ معاذاً وأبا
موسى عند انصرافه من تبوك سنة تسع))، وزعم ابن الحذّاء أن ذلك كان في
شهر ربيع الآخر سنة عشر، وَقَدِمَ في خلافة أبي بكر رَُّه في الحجّة التي حجّ
فيها عمر بن الخطاب ﴿به، وكذا ذكره سيفٌ في الردّة، وفي ((الطبقات)): في
شهر ربيع الآخر سنة تسع، وفي (كتاب الصحابة)) للعسكريّ: ((بعثة النبيِ وَلـ
والياً على اليمن))، وفي ((الاستيعاب)): لَمّا خلع من ماله لغرمائه بعثه النبيّ رَّر،
وقال: ((لعلّ الله أن يجبُرك))، قال: وبعثه أيضاً قاضياً، وجعل إليه قبض
الصدقات من العمّال الذين باليمن، وكان رسول الله وَل قد قسم اليمن على
خمسة رجال: خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أُميّة على كِنْدة،
وزياد بن لبيد على حضرموت، ومعاذ على الْجَنَد، وأبي موسى على زَبِيد،
وعَدَن، والساحل. انتهى(٣).
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١٤/٥.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٦٠/٧.
(٢) ((الفتح)) ٤٥١/٣.

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِوَّ﴾ أي إلى اليمن، كما سيأتي في
(قَالَ) معاذْ رَُّه
الرواية التالية (قَالَ) وَل﴿ (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْماً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) هذا كالتوطئة
للتوصية؛ لتستجمع هِمَّتَهُ عليها؛ لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا
تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال، من عَبَدَة الأوثان، وليس فيه أن
جميع من يَقْدَم عليهم من أهل الكتاب، بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم،
وإنما خَصَّهم بالذكر تفضيلاً لهم على غيرهم. قاله في ((الفتح)).
وقال الطيبيّ: قيد قوماً بأهل كتاب، وفيهم أهل الذمّة، وغيرهم من
المشركين؛ تفضيلاً لهم، وتغليباً على غيرهم.
[تنبيهان]:
(أحدهما): كان أصل دخول اليهودية في اليمن في زمن أسعد أبي
كُريب، وهو تُبَعُ الأصغر، كما حكاه ابن إسحاق في أوائل («السيرة النبويّة)).
(ثانيهما): قال ابن العربيّ في ((شرح الترمذيّ)): تبرّأت اليهود في هذه
الأزمان من القول بأن عزيراً ابنُ الله، وهذا لا يمنع كونه موجوداً في زمن
النبيّ وَيّر؛ لأن ذلك نزل في زمنه، واليهود معه بالمدينة وغيرها، فلم يُنقل عن
أحد منهم أنه ردّ ذلك، ولا تعقّبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم، لا
جميعهم بدليل أن القائل من النصارى: إن المسيح ابن الله طائفة منهم، لا
جميعهم، فيجوز أن تكون تلك الطائفة انقرضت في هذه الأزمان، كما
انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلى التعطيل، وتحوّل معتقد النصارى في
الابن والأب إلى أنه من الأمور المعنوية، لا الحسيّة، فسبحان مقلّب
القلوب(١) .
وكتب العلامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى على قول ابن العربيّ: ولم ينقل عن
أحد منهم ردّ ذلك ولا تعقّبه، ما نصّهُ: ونقول: إنهم لا يُصَدَّقون الآن في دعوى
البراءة، فإنهم يُكَذّبون نصّ القرآن، فإن الله أخبرنا بأن صفات رسولنا محمد اله
عندهم، يجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل، وأنكروا ذلك، فكيف تقبل
براءتهم مما حكاه الله عنهم من قولهم: ﴿عُزَيْرُ أَبْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وإن أراد ابن
(١) ((الفتح)) ٤/ ١٢٧.

٤١٣
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلامِ - حديث رقم (١٢٩)
العربي أن الموجودين في زمنه تبرؤوا من قولهم بذلك، فلا يُجدي نفعاً، ولا
ينفي إشراك آبائهم، وإن قيل: إن بعض اليهود كان يقول ذلك، فكذلك قد
قيل: إن بعض النصارى يقول ذلك، وقد نسب الله القول إلى اليهود والنصارى
جملة. انتهى كلام الصنعانيّ(١) وهو تَعَقُّبُ نفيس، والله تعالى أعلم.
(فَادْعُهُمْ) أي ادع أهل اليمن أوّلاً إلى شيئين: أحدهما: شهادة أن
لا إله إلا الله، والثاني: شهادة أن محمداً رسول الله، وفي رواية البخاريّ:
((فإذا جئتهم، فادعهم))، قيل: عَبّر بلفظ ((إذا)) تفاؤلاً بحصول الوصول إليهم (٢)
(إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ)، قال في ((الفتح)): كذا في رواية
زكريّا بن إسحاق، لم يُختلف فيها، وفي رواية الأكثرين: ((وأن محمداً
رسول الله))، وأما إسماعيل بن أمية، ففي رواية رَوْح بن القاسم عنه: ((فأول ما
تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله ... ))، وفي رواية الفضل بن العلاء عنه:
((إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك)).
قال في ((الفتح)): ويجمع بينها بأن المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيد
الشهادة له بذلك، ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بهما؛ لأنهما أصل الدين،
الذي لا يصح شيءٌ غيرهما إلا بهما، فمن كان منهم غير مُوَحِّدٍ فالمطالبة
متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان مُوَحِّداً فالمطالبة
له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة، وإن كانوا يعتقدون ما
يقتضي الإشراك أو يستلزمه، كمن يقول ببنُوَّة عُزير، أو يعتقد التشبيه فتكون
مطالبتهم بالتوحيد؛ لنفي ما يلزم من عقائدهم.
وقال الحافظ زين الدين العراقيّ رحمه الله تعالى: كيفيّة الدعوة إلى
الإسلام باعتبار أصناف الخلق في الاعتقادات، فلمّا كان إرسال معاذ إلى من
يُقرّ بالإله والنبوّات، وهم أهل الكتاب أمره بأول ما يدعوهم إلى توحيد الإله،
والإقرار بنبوّة محمد بَّل، فإنهم وإن كانوا يعترفون بإلهيّة الله تعالى، ولكن
يجعلون له شريكاً؛ لدعوة النصارى أن المسيح ابن الله، ودعوة اليهود أن
عُزيراً ابن الله، تعالى الله سبحانه عما يصفون، وأن محمداً وَ ل ( ليس برسول الله أصلاً،
(١) ((العدّة حاشية العمدة)) ٢٧٣/٣.
(٢) ((الفتح)) ٤٥١/٣.

٤١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أو أنه ليس برسول إليهم، على اختلاف آرائهم في الضلالة، فكان هذا أول واجب
يُدْعَون إليه(١) .
(فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ) أي شَهِدُوا، وانقادوا للإتيان بالشهادتين، وفي
رواية للبخاريّ: ((فإن هم أطاعوا لك بذلك))، وفي رواية ابن خزيمة: ((فإن هم
أجابوا لذلك))، وفي رواية الفضل بن العلاء: ((فإذا عَرَفُوا ذلك))، وعَدَّى
((أطاع)) باللام وإن كان يتعدى بنفسه لتضمنه معنى انقاد.
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: أما طاعتهم بالصلاة فتحتمل
و جھین :
[أحدهما]: أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها وفرضيّتها عليهم، والتزامهم
لها .
[والثاني]: أن يكون المراد الطاعة بالفعل، وأداء الصلاة، وقد رُجِّح
الأول بأن المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار بالفرضيّة، فتعود الإشارة بذلك
إليها، ويرجّح الثاني بأنهم لو أُخْبِرُوا بالوجوب، فبادروا بالامتثال بالفعل
لكفى، ولم يُشترط تلفّظهم بالإقرار بالوجوب، وكذلك نقول في الزكاة:
لو امتثلوا بأدائها من غير تلفّظ بالإقرار لكفى، فالشرط عدم الإنكار،
والإذعان، لا التلفّظ بالإقرار. انتهى (٢).
ونقل الصنعانيّ عن ابن الملقّن أن الاحتمال الأول(٣) هو الظاهر، قال:
وفي ((فتح الباري)): الذي يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن
امتثل بالإقرار بالفعل كفاه، والأولى أن يكون الامتثال بهما، لكن لم يُذكَر في
الحدیث .
قال الصنعانيّ: ويظهر أن المراد: فَأَخْبِرْهم أن الله قد فرض عليهم فعل
خمس صلوات في اليوم والليلة، لا أنه فَرَضَ الإقرار بوجوبها خمس مرّات،
كما عبّر في غيره بقوله وَّهِ: ((وتُقيم الصلاة))، وإقامتها فعلُها، فطاعتهم بفعلها
(١) ((عمدة القاري)) ١٦١/٧.
(٢) ((إحكام الأحكام)) ٢٧٤/٣ - ٢٧٥ بنسخة حاشية ((العدّة)).
(٣) أي كون المراد مجموع الأمرين: الإقرار بالوجوب، والتزامهم لها .

٤١٥
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٢٩)
هو المطلوب، لا مجرّد الإقرار، ولذا ضَمَّنَ ((أطاعوا))، معنى انقادوا، فعدّاه
باللام؛ إذ الانقياد زيادة على مجرّد الطاعة، فالمطلوب منهم في الصلاة فعلها،
وهو يتضمّن الإقرار بفرضيّتها، واعتقاده ظاهراً، وأما التلفّظ بالإقرار بالفرضيّة
لها فليس بمراد، ولا وَرَدَ طلب الشارع لذلك إلا في الشهادتين لا غير، فقال
الشارح: ((ولو بادروا بالامتثال بالقول لكفى)) غير ظاهر، بل نقول: التلفّظ
بالوجوب بها غير مطلوب منهم، ومثله يَجري في الزكاة، وإنما قلنا: ظاهراً؛
لأنهم لو فعلوها غير معتقدين وجوبها، كصلاة المنافقين قبلنا ظاهر فعلهم،
وأدخلناهم به في حكم الإسلام، ووكَلْنا سرائرهم إلى الله رحم كما تقرّر في غير
هذا. انتهى كلام الصنعانيّ رحمه الله تعالى(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى
أعلم.
(فَأَعْلِمْهُمْ) بقطع الهمزة، من الإعلام (أَنَّ اللّهَ) بفتح ((أَنَّ) لأنها في محل
نصب على أنها مفعول ثان ل((أعلمهم)) (افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ
يَوْم وَلَيْلَةٍ)، استُدِلّ به على أن الوتر ليس بفرض، وهو مذهب الجمهور، وهو
الحِّقّ، وسيأتي البحث فيه مستوفّى في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
وقال الخطّابيّ: وقد يستدلّ به من لا يرى على المديون زكاةً ما في يده
إذا لم يفضُل من الدين الذي عليه قدر نصاب؛ لأنه ليس بغنيّ إذ كان ماله
مستحقّاً لغرمائه.
(فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ)، أي: لوجوب الصلاة بأدائها، كما ذكرناه
(فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً) أي زكاةً، وأطلق لفظ الصدقة على الزكاة،
كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، والمراد بها
الزكاة (تُؤْخَذُ) بالبناء للمفعول، والجملة في محلّ نصب على أنها صفة لـ((صدقة))،
وكذا قوله: ((وتُرَدّ)) (مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ) فيه دليلٌ على أن الزكاة تؤخذ من مال
الطفل؛ لعموم قوله: ((من أغنيائهم))، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في
ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى - (فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ) استدلّ به من قال بعدم
جواز نقل الزكاة من بلد المال إلى غيره، والراجح خلافه، وسيأتي تحقيقه في
(١) ((العدّة)) ٢٧٤/٣ - ٢٧٥.

٤١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
محلّه أيضاً - إن شاء الله تعالى - (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ) أي لأداء ما فُرِض
عليهم من الصدقة (فَإِيَّاَكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ) أي احترز من أخذ كرائم أموالهم،
و((الكرائم)): جمع كريمة، وهي النفيسة من المال، وقيل: ما يختصّه صاحبه
لنفسه منها ويؤثره، وقال صاحب ((المطالع)): هي جامعة الكمال الممكنِ في
حقّها، من غَزَارة لبن، وجمال صورة، أو كثرة لحم، أو صوف، وهكذا
الرواية: ((فإياك وكرائم)) بالواو في قوله: ((وكرائم))، قال ابن قتيبة: ولا يجوز
إياك كرائم أموالهم بحذفها (١).
[تنبيه]: قوله: ((فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ)) بالواو، ولا يجوز تركها؛ لأن
معنى ((إِيّاك)): اتّق، وهو الذي يقال له التحذير، والمحَذَّر منه إذا ولي الْمُحَذَّر،
فإن كان اسماً صريحاً يُستعمل بـ((مِنْ))، أو الواو، ولا يخلو عنهما، وإلا لا
يُفْهَم منه أنه محذَّر منه، وإن كان فعلاً يجب أن يكون مع ((أَنْ))؛ ليكون في
تأويل الاسم، فيُستعمل بالواو عطفاً، نحو ((إياك وأن تحذف))، فإن تقديره:
إياك والحذفَ، أو بـ((مِنْ))، نحو إياك من أن تحذف، ولا يجوز أن يقال: إياك
الأسد بدون الواو، وقد نَقَل ابن مالك إياك الأسد بحذف الواو، ولكنه شاذّ
يكون في الضرورة(٢) .
قال في ((الخلاصة)):
مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
((إِيَّاكَ وَالشَّرَّ)) وَنَحْوَهُ نَصَبْ
سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا
وَدُونَ عَظْفٍ ذَا لِ((إِيَّا)) انْسُبْ وَمَا
كَ«الضَّيغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي))
إِلَّا مَعَ الْعَظْفِ أَوِ التَّكْرَارِ
وَعَنْ سَبِيلِ الْقَصْدِ مَنْ قَاسَ انْتَبَذْ
وَشَذَّ (إِنَّايَ)) وَإِيَّاهُ)) أَشَدُّ
مُغْرَى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا
وَكَمُحَذَّرٍ بِلَا ((إِيَّا)) اجْعَلَا
(وَاتَّقِ) أي احذر (دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، أي فإن الأمر
والشأن، وفي رواية أبي داود: ((فإنها)) فَالضمير للقصّة، أي فإن القصّة.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الرواية الصحيحة في ((فإنه)) بضمير
(١) ((شرح النووي)) ١٩٧/١، و((عمدة القاري)) ١٦١/٧.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ١٦١/٧ - ١٦٢.

٤١٧
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٢٩)
المذكّر، على أن يكون ضمير الأمر والشأن، ويحتمل أن يعود على مذكّر
الدعوة، فإن الدعوة دعاء، ووقع في بعض النسخ: ((فإنها)) بهاء التأنيث، وهو
عائدٌ على لفظ الدعوة. انتهى (١).
(لَيْسَ بَيْنَهَا) أي بين دعوة المظلوم، وفي رواية: ((بينه)) بتأويل الدعوة
بالدعاء، أي بين دعاء المظلوم (وَبَيْنَ اللهِ) وَلَ (حِجَابٌ) أي مانع يمنع من
الوصول، وقال الطيبيّ: قوله: ((واتَّق دعوة المظلوم)) تذييلٌ؛ لاشتماله على هذا
الظلم الخاصّ من أخذ كرائم الأموال، وعلى غيره مما يتعلّق بالمزكّي، وعلى
هذا المظلوم وغيره.
وقوله: ((فإنه ليس بينها إلخ))، تعليلٌ للاتّقاء، وتمثيل للدعوة بمن يقصد
إلى السلطان، متظلّماً، فلا يُحجب عنه. انتهى(٢).
قال ابن العربي رحمه الله تعالى: إلا أنه وإن كان مطلقاً، فهو مقيّد
بالحديث الآخر أن الداعي على ثلاث مراتب: إما أن يُعجّل له ما طلب، وإما
أن يدّخر له أفضل منه، إما أن يدفع عنه من السوء مثله. وهذا كما قُيّد قوله
تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الآية [النمل: ٦٢] بقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ
مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ الآية [الأنعام: ٤١]، انتهى.
[تنبيه]: كتب ابن الملقّن في ((شرح العمدة)) على قوله: ((ليس بينها
وبين الله حجاب)) ما نصّه: الحجاب يقتضي الاستقرار في المكان، والباري
منزّه عن ذلك، إلا أنه وَّ كان يُخاطب العرب بما تَفهم. والمراد أنها
مقبولة على كلّ حال، لا أن للباري جلّ وتعالى حجاباً يحجبه عن الناس،
ويحتمل كما قال الفاكهيّ أن يراد بالحجاب هنا المعنويّ، دون الحسيّ
(٣)
انتھی(٣) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ليت شعري ما الذي يعنيه بنفي
الحجاب؟ كيف ينفي حجاب الله تعالى، من يسمع الحديث الصحيح، حديث
(١) ((المفهم)) ١٨٤/١.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٤٧٠/٥.
(٣) الإعلام)) ٢٨/٥ - ٢٩.

٤١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أبي موسى الأشعريّ رَظُه، قال: قام فينا رسول الله وَّل بخمس كلمات،
فقال: ((إن الله رَك لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القسط، ويَرفعه،
يُرفَع إليه عملُ الليل، قبل عمل النهار، وعمل النهار، قبل عمل الليل،
حجابه النورُ))، وفي روايةٍ: ((النارُ))، لو كشفه، لأحرقت سُبُحاتٌ وجهه، ما
انتهى إليه بصره من خلقه، أخرجه مسلم في ((صحيحه)). وغير ذلك من
النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات الحجاب؟ إن هذا لهو العَجَب
العُجاب.
ومن العجيب أن صاحب ((الفتح)) قد ذكر أيضاً نحو هذا الكلام مُقَرِّراً له،
وراضياً به.
والحقّ أننا نثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه، من حجاب أو غيره، على
المعنى اللائق به ◌ُعَالَ، فلا نعطّل، ولا نشبّه، ولقد صدق في قوله: كان رَّل
يخاطب العرب بما تفهم. ونحن - ولله الحمد - نكتفي بما تفهمه العرب،
واكتفت به من ظواهر النصوص التي بلّغها النبيُّ وَل﴿ أُمَّتَهُ، لأنه هو الصراط
المستقيم الذي أوجب الله على عموم الثقلين أن يتّبعوه، وأوجب عليهم أيضاً
اعتقاد ما فهموه، فلو كان هذا الذي فهمته العرب غير مراد لبادر وَل إلى أنه
غير مراد، وبيّن أن المراد كذا وكذا، فقد بيّن جميع ما يحتاج إليه المكلّف،
من المعتقدات، والأعمال بياناً شافياً، كما أمره الله ثم بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤].
فيا أيها العاقل اللبيب لا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ
العنيد، بل كن مع الحقّ، ودر معه حيثما دار، تنجُ من مخازي دار البوار،
أعاذنا الله منها الرحيم الغفّار.
اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين
عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق، إنك تهدي من
تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل
باطلاً وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

٤١٩
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٢٩)
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث معاذ بن جبل
مضيعنه
هذا متّفق عليه .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا ١٢٩/٧ عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب،
وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع، عن زكريا بن إسحاق، عن يحيى بن
عبد الله بن صيفيّ، عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل غُه .
و١٣٠/٧ عن ابن أبي عمر، عن بِشْر بن السريّ - و(ح) عبد بن حميد،
عن أبي عاصم - كلاهما (بشر، وأبو عاصم) عن زكريا بن إسحاق، - و٧/
١٣١ عن أمية بن بسطام، عن يزيد بن زُريع، عن رَوْح بن القاسم، عن
إسماعيل بن أُميّة - كلاهما (زكريا، وأمية) عن يحيى بن عبد الله بن صيفيّ،
عن أبي معبد، عن ابن عباس أن النبيّ وَ ل بعث معاذاً إلى اليمن، فقال: إنك
ستأتي قوماً ... ولفظ إسماعيل: ((أن رسول الله وَ ◌ّ لَمّا بعث معاذاً إلى اليمن
قال: إنك تقدَمُ على قوم ... والله تعالى أعلم.
وأخرجه (البخاريّ) ٢/ ١٣٠ و٩/ ١٤٠ عن أبي عاصم الضحاك بن
مخلد و١٥٨/٢ عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك و١٦٩/٣ عن يحيى بن
موسى، عن وكيع، وفي ٢٠٥/٥ عن حِبَّان بن موسى - عن ابن المبارك -
ثلاثتهم: (أبو عاصم، وابن المبارك، ووكيع) عن زكريا بن إسحاق به، و٢٪
١٤٧ عن أميّة بن بسطام، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، و٩/
١٤٠ عن عبد الله بن أبي الأسود، عن الفضل بن العلاء، كلاهما (روح،
والفضل) عن إسماعيل بن أميّة كلاهما (زكريا، وإسماعيل) عن يحيى بن
عبد الله به.
وأخرجه (أبو داود) (١٥٨٤) و(الترمذيّ) (٦٢٥ و٢٠١٤) و(النسائيّ) ٥٪
٢ و٥٥/٥ و(ابن ماجه) (١٧٨٣) و(أحمد) في ((مسنده) ٢٣٣/١ و(الدارمي) في
((سننه)) (١٦٢٢ و١٦٣٨) و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٢٧٥) و(٢٣٤٦)
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٠ و١١١ و١١٢). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في ذكر فوائده:

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
١ - (منها): أن فيه قبولَ خبر الواحد، ووجوب العمل به، مطلقاً، سواء
كان في باب العقائد، أو في باب الأحكام، وهو مجمع عليه بين أهل السنة،
وإنما خالف فيه بعض أهل الزيغ، وإلى هذا أشرت في ((التحفة المرضيّة)) بقولي:
قَدْ أَجْمَعَ السَّلَفُ أَنْ يُحْتَجَّ فِي
بَابِ الْعَقَائِدِ بِهِ فَهُوَ يَفِي
كِلَيْهِمَا تَعُمُّ خُذْهُ مَنْهَجَا
كَبَابِ الأَحْكَامِ لأَنَّ الْحُجَجَا
بَابِ الْعَقَائِدِ فَسَادُهُ وَفِي
ثُمَّةً رَدُّ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي
إِذْ فِيهِ إِبْطَالُ أَحَادِيثَ تَصِحّ
وَأَجْمَعَ الصَّحْبُ الْكِرَامُ وَالتَّبَعْ
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْم وَالْعَقَائِدِ
فَلَيْسَ يُعْرَفُ عَنِ الَصَّحْبِ وَلَا
وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنْ رُؤُوسِ
وَهُوَ حُجَّةٌ لِكُلِّ بَاب
لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا تَعُمُّ الْبَلْوى
وَبَيْنَ مَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ أَوْ
أَوْ خَالَفَ الْقِيَاسَ إِذْ أَدِلَّةُ
هذَا الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ مَنْ سَلَفْ
عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ أُوِّلَ عَلَى
عَنْ غَيْرٍ مَوْثُوقٍ أَوِ الْمُعَارِضُ
بِهَا الْعَقَائِدُ ثُبُوتُهَا يَضِحْ
عَلَى قَبُولِهَا وَنِعْمَ الْمُتَّبَعْ
أَحْدَثَهُ أُولُو اتِّجَاهٍ فَاسِدٍ
مَنْ بَعْدُ مِنْ ذَوِي الْعُلُومِ الْفُضَلَا
أَهْلِ الْهَوَى وَالْمَذْهَبِ الْمَنْحُوسِ
مِنْ دُونِ فَرْقٍ لِذَوِي الْأَلْبَابِ
وَغَيْرِهِ لَدَى ثُبُوتِ الْفَتْوَى
زَادَ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ قَدْ رَأَوْا
وُجُوبٍ أَخْذِنَا سَوَاءٌ عَامَةٌ(١)
وَمَا عَنِ الْبَعْضِ أَتَى أَنْ قَدْ عَزَفْ
عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِ أَوْ وَصَلَا
قَامَ لَدَيْهِمُ فَعَنْهُ أَعْرِضُوا
٢ - (ومنها): أن الكفار يُدْعَون إلى التوحيد قبل القتال، وأن لا يُحكَم
بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين، وهذا مذهب أهل السنة؛ لأن ذلك أصل
الدين الذي لا يصحّ شيء من فروعه إلا بتحققّه.
٣ - (ومنها): أن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة.
٤ - (ومنها): أن الوتر ليس بواجب؛ لأن بعث معاذ إلى اليمن كان قبل
وفاة النبيّ وَّ بقليل، بعد الأمر بالوتر، والعملِ به، قال صاحب ((التوضيح)):
وهذا ظاهر لا إيراد عليه، ومن ناقش به فقد غَلِط .
(١) بتخفيف الميم؛ للوزن.