النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَِّه ... إلخ - حديث رقم (١٢٦) الوصول إليك؛ خوفاً من هؤلاء الكفّار (إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحُرُم) أي الأربعة: ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرّم، ورجب مضر، فالثلاثةَ سرْدٌ، وواحد فرد (فَمُرْنَا بِأَمْرِ، نَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا) تقدّم الكلام في هذه الجملة، وأنه يجوز رفع ((نأمر))، وجزمه، وكذا قوله: (وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِهِ) أي إذا عَمِلنا بما تأمرنا به (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِهِ: ((آمُرُكُمْ بِأَرْبَع))) أي أربع خصال، أو أربع جُمَلٍ (وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع) أي عن الانتباذ في أربعًّ أوعية، ثم فصّل الأربع الأَوَلَ، فقال (اعْبُدُو اللهَ) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: عبادته هي طاعته بفعل المأمور، وترك المحظور، وذلك هو حقيقة دين الإسلام؛ لأن معنى الإسلام: الاستسلام الله تعالى المتضمّن غاية الانقياد، والذلّ، والخضوع. انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: العبادة هي طاعة الله تعالى بامتثال ما أمر الله به على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام. وقال أيضاً: العبادة اسم جامع لكلّ ما يُحبّه الله تعالى ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة. وقال العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى: ومدارها على خمس عشرة قاعدةً، من كملها كمل مراتب العبوديّة، وبيان ذلك أن العبادة منقسمة على القلب واللسان والجوارح، والأحكامُ التي للعبوديّة خمسة: واجبٌ، ومستحبّ، وحرام، ومكروه، ومباح، وهنّ لكلّ واحد من القلب، واللسان، والجوارح. ولقد أجاد رحمه الله تعالى حيث قال في ((نونيّته)) [من الكامل]: وَعِبَادَةُ الرَّحْمُنِ غَايَةُ حُبِّهِ وَمَدَارُهُ بِالْأَمْرِ أَمْرٍ رَسُولِهِ ولبعضهم [من الكامل أيضاً]: حَقُّ الإِلَاءِ عِبَادَةٌ بِالأَمْرِ لَا مِنْ غَيْرِ إِشْرَاكِ بِهِ شَيْئاً همَا لَمْ يَنْجُ مِنْ غَضَبِ الْإِلَهِ وَنَارِهِ وَالنَّاسُ بَعْدُ فَمُشْرِكٌ بِإِلَاهِهِ مَعَ ذُلِ عَابِدِهِ هُمَا قُطْبَانِ لَا بِالْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ بِهَوَى النُّفُوسِ فَذَاكَ لِلشَّيْطَانِ سَبَبُ النَّجَاةِ فَحَبَّذَا السَّبَبَانِ إِلَّا الَّذِي قَامَتْ بِهِ الأَصْلَانِ أَوْ ذُو ابْتِدَاعِ أَوْ لَهُ الْوَصْفَانِ ٣٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أصل العبادة التذلّل والخضوع، وسُمّيت وظائف الشرع على المكلّفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها، ويفعلونها، خاضعين، متذلّلين لله تعالى(١). وقوله: (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونكم غير مشركين به، أي وحّدوه بالعبادة متجرّدين عن الشرك، فإن من لم يتجرّد عن الشرك لم يكن آتياً بعبادة الله تعالى وحده (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي أدّوها مراعين شروطها، وأركانها، وواجباتها، وآدابها (وآتُوا الزَّكَاةَ) أي أعطوها. مستحقّيها فـ ((الزكاة)) مفعول ثانٍ، والأول هو ما قدّرناه (وصُومُوا رَمَضَانَ) فيه إطلاق هذا الاسم من غير إضافة شهر، وهو الحقّ، وقد كرهه بعضهم، ولا وجه له (وأَعْطُوا الْخُمُسَ) مستحقّه، فـ ((الخمسَ)) مفعول ثان، والأول هو المقدّر، كسابقه (مِنَ الْغَنَائِم) جمع غنيمة، وهي ما نِيلَ من أهل الشرك عَنْوَةً، والحربُ قائمة، قاله الفيّوَمَي(٢)، وقال ابن الأثير: هي ما أُصيب من أموال أهل الحرب، وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب(٣). وأما الفَيْءُ فهو ما نِيلَ منهم بعدَ أن تَضَعَ الحربُ أوزارها(٤). (وأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع) أي عن الانتباذ في أربع أوعية (عَنِ الدَُّّاءِ) بدل تفصيل من مجمل منَ الجار والمجرور قبله، وهي بضمّ أوله، وتشديد الموحّدة، ممدوداً: القرعة، كانت يُنبذ فيها، فيَضْرَى، أي يشتدّ، قاله الهرويّ (وَالْحَنْتَم) قد تقدّم أن أصحّ ما قيل فيها أنها جِرَارٌ؛ لأنه تفسير الأكثرين (والْمُزَقَّتَ) أي المطليّ بالزفت، وهو القار (والنَّقِيرِ) فَعِيل بمعنى مفعول، أي المنقور، وهو الجِذع المنقور وسطه، وإنما نُهُوا عن الانتباذ فيها؛ لأنها تُعجّل إسكار النبيذ، وقيل: غير ذلك مما سبق بيانه في شرح الحديث الماضي (قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟) ((ما)) استفهاميّة، وهو استفهام استبعاد، أي كيف عرفته، ولم يكن بأرض قومك؟ (قَالَ: (بَلَى))) هي حرف إيجاب، فإذا (١) راجع: ((فتح المجيد شرح كتاب التوحيد)) ص١٨ و٣٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٥٥/٢. (٤) ((المصباح المنير)) ٤٥٥/٢. (٣) ((النهاية)) ٣٨٩/٣. (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَّزه ... إلخ - حديث رقم (١٢٦) ٣٨٣ قيل: ما قام زيدٌ، وقلتَ في الجواب: بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا، وقلتَ: بلى، فمعناه التقرير والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما أول الكلام، كما تقدّم، وإما في أثنائه، كقوله تعالى: ﴿أَخْسَبُ الْإِنسَنُ أَلَّنْ بَ﴾ الآية [القيامة: ٣ - ٤]، والتقدير: بلى نجمعها، وقد يكون مع نْمَعَ عِظَامَهُ النفي استفهام، وقد لا يكون، كما تقدّم، فهو أبداً يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات. ذكره الفيّومي(١). والمعنى هنا: بلى أعلمه، ثم بيّن لهم حقيقته، فقال: (جِذْعٌ) خبر لمحذوف، أي هو جذع، وهو بكسر الجيم: ساق النخلة، والجمع جُذُوع، وأجذاع (تَتْقُرُونَهُ) بضم الراء، من باب نصر: أي تحفرون وسطه (فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ) أي تُلْقُون في ذلك الجِذع بعض أنواع التمر المسمّى بالقُطَيعاء. وقال النووي رحمه الله تعالى في ((شرحه)): أما ((تقذفون)) فهو بتاء مثنّاة فوقُ، مفتوحة، ثم قاف ساكنة، ثم ذال معجمة مكسورة، ثم فاء، ثم نون، كذا في الأصول كلّها في هذا الموضع الأول، ومعناه تُلقون فيه، وتَرمُون. وأما قوله في الرواية الأخرى، وهي رواية محمد بن المثنّى، وابن بشّار، عن ابن أبي عديّ: ((وتُذِيفُون به من الْقُطَيْعاء))، فليس فيها قاف، ورُوي بالذال المعجمة، وبالمهملة، وهما لغتان فصيحتان، وكلاهما بفتح التاء، وهو من ذافَ يَذِيف بالمعجمة، كباع يَبيع، وداف يَدُوف بالمهملة، كقال يقول، وإهمال الدال أشهر في اللغة، وضبطه بعض رُواة مسلم بضمّ التاء، على رواية المهملة، وعلى رواية المعجمة أيضاً، جعله أذاف، والمعروف فتحها من ذاف، وداف، ومعناه على الأوجه كلّها خَلَطَ، والله تعالى أعلم. وأما ((الْقُطَيعاءُ)): فبضم القاف، وفتح الطاء، وبالمدّ، وهو نوع من التمر صغار، يقال له الشّهريز بالشين المعجمة، والمهملة، وبضمّهما وبكسرهما. (٢) انتھی(٢). (قَالَ سَعِيدٌ) أي ابن أبي عروبة (أَوْ) للشكّ من الراوي، وهو سعيد كما (١) ((المصباح)) ١/ ٦٢. (٢) ((شرح مسلم)) ١٩١/١. ٣٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان صرّح به (قَالَ) قتادة (مِنَ التَّمْرِ) بدل ((من القُطَيْعاء)) (ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ)، أي في ذلك الْجِذع الذي ألقيتم فيه من القطيعاء (مِنَ الْمَاءِ) أي بعض الماء، فـ ((من)) بمعنى البعض، ويحتمل أن تكون ابتدائيّة (حَتَّى) غاية للترك، أي ثم تركتموه حتى (إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ) أي اضطرابه، يقال: غَلَتِ القدرُ غَلْياً، من باب ضرب، وغَلَيَاناً أيضاً، قال الفرّاء: إذا كان الفعل في معنى الذهاب والمجيء مضطرباً، فلا تَهَابَنّ في مصدره الْفَعَلَانَ، وفي لغة: غَلِيَت تَغْلَى، من باب تَعِبَ، قال أبو الأسود الدّؤليّ [من البسيط]: وَلَا أَقُولُ لِقِدْرِ الْقَوْمِ قَدْ غَلِيَتْ وَلَا أَقُولُ لِبَابِ الدَّارِ مَغْلُوقُ(١) والأُولى هي الْفُصحَى، وبها جاء الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿يَغْلِى فِی اَلْبُطُونِ﴾ الآية [الدخان: ٤٥]، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أغليت الزيتَ ونحوه إغلاءً، فهو مُغْلَى(٢) . (شَرِبْتُمُوهُ) جواب ((إذا)) (حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ) غاية لإكثار الشرب، أكثرتم شربه، وسكرتم حتى إن أحكم (أوْ) للشكّ من الراوي، ولم أعرفه (إِنَّ أَحَدَهُمْ) بضمير الغيبة بدل الخطاب (لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ))) قال النوويّ رحمه الله تعالى: معناه: إذا شَرِبَ هذا الشراب سَكِرَ، فلَم يَبقَ له عقلٌ، وهاج به الشرّ، فيضرب ابن عمّه الذي هو عنده من أحبّ أحبابه، وهذه مفسدة عظيمة، ونَبّه بها على ما سواها من المفاسد. انتهى. (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه أبو سعيد رَُّه (وَفِي الْقَوْم رَجُلٌ) جملة من مبتدأ مؤخّر وخبر مقدّم، أي وكان رجل مع أولئك القوم الذين يخاطبهم النبيّ وَلِّ بهذا الخطاب، وجملة (أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ) صفة لـ (رجل))، واسم هذا الرجل جهم بن قُثَم، كما قاله ابن بشكوال، والخطيب، وقال ابن الصلاح: بلغنا ذلك عن ابن أبي خيثمة، وكانت الجراحة في ساقه(٣)، وقال سبط ابن العجميّ: وابن عمّه لا يعرف اسمه(٤)، (كَذَلِكَ) أي جراحة كالجراحة التي (١) مراده أنه فصيح لا يلحن. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٥٢/٢ - ٤٥٣، و((لسان العرب)) ١٣٤/١٥. (٣) ((الصيانة)) ص ١٥٥. (٤) «تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم)» ص٥٢. ٣٨٥ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ مَّزه ... إلخ - حديث رقم (١٢٦) وصفها النبيّ ◌َّ من أنهم يشربون من هذا الشراب المسكر، فيسكرون، وتغيب عقولهم، فيضربون بالسيف أَبناءَ عُمُومتهم (قَالَ) ذلك الرجل (وَكُنْتُ أَخْبَؤُهَا) أي أستر تلك الجراحة (حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّة) أي لئلا يراها، فيسأله عن سببها، فيفتضح (فَقُلْتُ: فَفِيمَ) هي ((ما)) الاستفهاميّة حُذفت ألفها؛ لدخول الجارّ عليها، كقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَلَّمَلُونَ [النبأ: ١]، وقوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، قال في ((الخلاصة)): و ((مَا)) فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ والجارّ والمجرور متعلّق بـ(نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي في أيّ الأوعية يجوز أن نتّخذ الأنبذة الجائزة الشرب حتى نشربها (قَالَ) وَ ((فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَم) متعلّق بفعل مقدّر، دلّ عليه السؤال، أي اشربوا في أسقية الأدم، و((الأَسقيةَ)) بالفتح: جمع سِقَاء بالكسر، ككِسَاءِ: جِلْدُ السَّخْلَة إذا أجذَعَ، يكون للماء واللبن، ويُجمع أيضاً على أسقيات، وأَسَاقٍ، قاله في ((القاموس)) (١)، وأما ((الأَدَمُ)) فبفتح الهمزة، والدال: جمع أَدِيمِ، وهو الجلد الذي قد تَمَّ دِبَاغه، وتناهى، قال السِّيرافيّ: لم يُجمع فَعِيلٌ علَى فَعَل إلا أَدِيمٌ وأَدَمٌ، وَأَفِيقٌ وَأَفَقٌّ، وقَضِيمٌ وقَضَمٌ، والقضيم: الصحيفة(٢)، والأَفِيق: الجلد الذي لم يتمّ دِباغه. (٣) انتھی وقال الفيّوميّ: والأَديم: الجلد المدبوغ، والجمع أَدَمُّ بفتحتين، وبضمّتين أيضاً، وهو القياس، مثلُ بَرِيدٍ وبُرُد. انتهى (٤) ((الَّتِي يُلَاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا)))، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أي يُربط ويُلفّ بعضها على بعض، قال الْقُتَبيّ: أصلُ اللَّوْث الطيّ، ولُثْتُ الْعِمامة: أي لَفَفتها، وهذا بمعنى اللفظ الوارد في الرواية الأخرى: ((عليكم بالْمُوكَى)) مقصوراً: أي بالأسقية التي توكأ: أي تُربط أفواهها بالوِكَاء، وهو الخيط الذي تُربط به. (١) ((القاموس المحيط)) ص١١٦٦. (٢) قال القاضي عياض: القصيم: الصحيفة كما قال، لكنها البيضاء التي لم يُكتب فيها بعدُ. انتهى ((إكمال)) ١٦٩/١. (٣) ((إكمال المعلم)) ١٦٨/١. (٤) ((المصباح المنير)) ٩/١. ٣٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله: ((يُلاثُ على أفواهها)): فبضم المثنّاة من تحت، وتخفيف اللام، وآخره ثاء مثلثة، كذا ضبطناه، وكذا هو في أكثر الأصول، وفي أصل الحافظ أبي عامر الْعَبْدَرِيّ: ((تُلاثُ)) بالمثناة فوقُ، وكلاهما صحيح، فمعنى الأوّل: يُلَفُّ الخيط على أفواهها، ويُرْبَط به، ومعنى الثاني: تُلَفُّ الأسقية على أفواهها، كما يقال: ضربته على رأسه. انتهى(١). قال عياضٌ رحمه الله تعالى: وإنما حضّهم على الشرب في آنية الأدَم، وهي الأسقية والموكَى المذكور في الأحاديث الأخر؛ لأنها لرقّة جلودها لا يمكن أن يتمّ فيها فساد الأشربة، وتخميرها حتى تنشقّ، ويظهر فيها، بخلاف غيرها من الأواني، فكانت آمن من هذا. انتهى(٢). (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ) قال النوويّ: كذا ضبطناه ((كثيرة)) بالهاء في آخره، ووقع في كثير من الأصول ((كثير)) بغير هاء، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: صحّ في أصولنا ((كثير)) من غير تاء التأنيث، والتقدير فيه على هذا: أرضنا مكانٌ كثيرُ الْجِرْذَان، ومن نظائره قول الله رغمت: ﴿إِنَّ رَحْمَنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وأما ((الْجِرْذَان)): فبكسر الجيم، وإسكان الراء، وبالذال المعجمة: جمعُ جُرَذٍ بضم الجيم، وفتح الراء، كنُغَرٍ ونِغْرَان، وصُرَدٍ وصِرْدَان، والْجُرَذُ: نوعٌ من الفأر، كذا قاله الجوهريّ وغيره، وقال الزُّبَيديّ في ((مختصر العين)): هو الذكرُ من الفأر، وأطلق جماعة من شُرّاح الحديث أنه الفأر. (وَلَا تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَةُ الْأَدَم) أي لكون الجرذان تأكلها، وهذا اعتذار منهم بكثرة الجرذان في أرضهم، وأنها تأكلها، فلم يَعذرهم النبيّ وَ لَّ بذلك، قال المازريّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون إنما راجعوه لأنهم اعتقدوا أنه إنما يبني كثيراً من شرعه على المصالح، وأن من المصلحة الرخصةً عند الضرورات، فلم يعذِرهم ◌َلّ؛ لأنه اعتقد أنه ليس بأمر غالبٍ يشقّ التحرّز منه، وأن هذا ليس مما يباح للضرورة (٣). (١) ((شرح مسلم)) ١٩٢/١. (٣) ((إكمال المعلم)) ١/ ١٧١. (٢) ((إكمال المعلم)) ١٦٩/١. ٣٨٧ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ نَّهِ» ... إلخ - حديث رقم (١٢٦) (فَقَالَ نَبِيُّ اللّهِ وَّهِ: ((وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَنْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا (وَقَالَ نَبِيُّ اللّهِ تَل ضي الْجِرْذَانُ) كرّره ثلاث مرّات للتأكيد (قَالَ) أبو سعيد . لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ) تَقدّم الاختلاف في اسمه، وأن الصحيح المشهور هو المنذر بن عائذ الْعَصَرِيّ ◌َبه ((إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنٍ))) اللام هي لام الابتداء المزحلقة عن موضعها؛ إذ الأصل أن تكون مع ((إِنَّ))، فكرهوا توالي حرفي تأكيد، فأخّروها عنها، كما أشار إلى ذلك في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ لَامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ (إِنِّي لَوَزَرْ)) وَالْفَصْلَ وَاسْماً حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ والمراد بالخصلة هنا: الفضيلة، قال في ((القاموس)): ((الْخَصْلَةُ)) الْخَلَّةُ، والْفَضِيلَةُ، والرَّذِيلَةُ، أو قد غَلَبَ على الْفَضِيلة، جمعه: خِصَال. انتهى(١). (يُحِبُّهُمَا اللهُ) جملة في محلّ نصب صفة لـ ((خصلتين))، وقوله: (الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ) بالنصب على البدليّة من ((خصلتين))، ويجوز القطع إلى الرفع على الخبرية لمبتدإ محذوف: أي هما الحلم والأناة، والنصبِ، بتقدير ((أعني))، وقد تقدّم في الحديث الماضي معنى الحلم بأنه العقل، والأَناةِ بأنه التَّثَبُّتُ، وترك العجلة، وذكرنا سبب قوله ◌َ# له ذلك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنف هنا (١٢٦/٦) عن يحيى بن أيوب، عن ابن عليّة و(٦/ ١٢٧) عن محمد بن المثنّى، وابن بشّار كلاهما عن ابن أبي عديّ، وكلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد بنظُه، و(١٢٨/٦) عن محمد بن بكار، عن أبي عاصم، (ح) عن محمد بن رافع، عن (١) ((القاموس المحيط)) ص٨٩٣. ٣٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان عبد الرزاق، كلاهما عن ابن جريج، عن أبي قزعة، عن أبي نضرة به. وأخرجه (أحمد) ٢٢/٣ و٩٠ و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٥٨٥) و(أبو نعيم) في ((المستخرج)) (١٠٧ و١٠٨ و١٠٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٢٧] (.) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، لَقِيَ ذَالَكَ الْوَقْدَ، وَذَكَرَ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ وَقْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَهُ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ: ((وَتَذِيفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ، أَوْ التَّمْرِ وَالْمَاءِ))، وَلَمْ يَقُلْ: قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ: ((مِنَ الثَّمْرِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، ويقال: إن كنية إبراهيم أبو عَدِيّ السُّلَمِيّ مولاهم الْقَسْمَليّ، نَزَل فيهم، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩]. رَوَى عن سليمان التيميّ، وحُميد الطويل، وابن عون، وداود بن أبي هند، وعثمان بن غياث، وشعبة، وسعيد بن أبي عروبة، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وهشام بن حسان، وهشام الدستوائيّ، وحجاج الصواف، وحسين المعلم، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعمرو بن عليّ، وابنا أبي شيبة، وأبو موسى وبندار، وعقبة بن مُكْرَم، وقتيبة بن سعيد، وبكر بن خَلَف، وغيرهم. قال عمرو بن عليّ: سمعت عبد الرحمن بن مهديّ، وذَكَر ابن أبي عديّ، فأحسن الثناء عليه، وسمعت معاذ بن معاذ، يُحسن الثناء عليه، وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وفي (الميزان)): قال أبو حاتم مرّةً: لا يُحتجّ به. وقال رُسْته: سمعت معاذ بن معاذ يقول: ما رأيت أحداً أفضل من ابن أبي عديّ. وقال ابن سعد: كان ثقةً، مات بالبصرة سنة أربع وتسعين ومائة، وذكره ٣٨٩ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ مَّزه ... إلخ - حديث رقم (١٢٨) ابن حبان في ((الثقات)) وقال: يوم الاثنين لعشر بقين من ربيع الآخر منها، وقال أبو موسى، محمد بن المثنى: مات سنة (٩٢)، وقال الْقَرّاب: وفي وفاته اختلاف، وفي سنة أربع أكثر. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨٢) حديثاً. وأما الباقون فتقدّموا قريباً، فمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وابْنُ بَشَّارٍ تقدّما في الحديث الثاني من هذا الباب برقم (١٢٤)، وأما الباقون فتقدّموا في السند الماضي. وقوله: ((وَذَكَرَ أبا نضرة إلخ))، أي ذكر قتادة في جملة من لقي ذاك الوفد أبا نضرة المنذر بن مالك. وقوله: ((بمثل حديث ابن عليّة إلخ))، يعني أن ابن أبي عديّ حدّث عن سعيد مثل حديث ابن عليّة في لفظه، إلا أنه قال: ((وتُذيفون فيه إلخ)) بدل ((فتقذفون فيه إلخ))، وقد تقدّم أنه رُوي بالذال المعجمة، والدال المهملة، وهما لغتان فصيحتان، من ذاف، وداف، والمعنى تخلطون. وقوله: ((ولم يقل: قال سعيد إلخ))، يعني أن ابن أبي عديّ لم يذكر ما ذكره ابنُ عليّة، وهو قوله: قال سعيد إلخ. [تنبيه]: رواية ابن أبي عدي هذه التي أحالها المصنف هنا على رواية ابن علية لم أجد من ساقها تامة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال : ١٢٨ - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ. (ح) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو قَزَعَةَ، أَنَّ أَبَا نَضْرَةَ أَخْبَرَهُ وَحَسَناً أَخْبَرَهُمَا، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُذَّرِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ وَقْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوا نَبِيَّ اللّهِ وَلِّ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللّهِ - جَعَلَنَا اللّهُ فِدَاءََ - مَاذَا يَصْلُحُ لَنَا مِن الأَشْرِبَةِ؟ فَقَالَ: (لَا تَشْرَبُوا فِي النَّقِيرِ))، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللّهِ - جَعَلَنَا اللّهُ فِدَاءَكَ - أَوَ تَدْرِي مَا النَّقِيرُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، الْجِذْعُ، يُنْقَرُ وَسَطُهُ، وَلَا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا فِي الْخَتْتَمَةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوكَى))). ٣٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ الْبَصْرِيُّ) هو: محمد بن بكّار بن الزُّبير الْعَيْشِيّ ـ بالمعجمة - الصيرفيّ البصريّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن يزيد بن زُريع، وأبي أحمد الزّبيريّ، وأبي داود الطيالسي، وابن عيينة، وعبد المجيد بن أبي رَوّاد، ومروان بن معاوية، وأبي عاصم، ومعتمر بن سليمان، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبد الله بن الدَّوْرَقِيّ، وغيرهم. قال محمد بن عبد الله الحضرميّ: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. [تنبيه]: جَمَعَ غير واحد بين محمد بن بكّار بن الزبير هذا، وبين محمد بن بكّار بن الريّان الهاشميّ، فجعلوهما واحداً، منهم أبو إسحاق الْحَبَّال في مشايخ مسلم، وأبو علي الجيّانيّ في مشايخ أبي داود، والكلام في الذي قيل في ابن الريّان محتمل أن يكون بعضه في ابن الزبير؛ لأن أكثرهم أطلقوا القول في محمد بن بكار نسبةً، قاله الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) ج٩، ص٦٥. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الكلام الذي قالوه في ابن الريّان هو ما ذكره في ((التهذيب)): قال عبد الله بن أحمد: كان أبي لا يَرَى بالكتابة عن هؤلاء الشيوخ بأساً، وقد حدَّثنا عن بعضهم، منهم محمد بن بكّار، وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: لا بأس به، وقال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال صالح بن محمد: صدوقٌ يُحَدِّث عن الضعفاء. وقال الدارقطنيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) الْقُشَيْريّ النيسابوريّ، ثقة عابد [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) ١٨/٣. ٣ - (أَبُو عَاصِم) الضخَّاك بن مَخْلَد بن الضحّاك بن مسلم بن الضَّحّاك الشَّيبانيّ النَّبِيل البصرِّيّ، قيل: إنه مولى بني شيبان، وقيل: من أنفسهم، ثقةٌ ثبتٌ [٩]. رَوَى عن يزيد بن أبي عبيد، وأيمن بن نابل، وشبيب بن بِشْر، وسليمان ٣٩١ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ نَّ، ... إلخ - حديث رقم (١٢٨) التيمي، وعثمان بن سعد الكاتب، وابن عون، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، وابن جريج، والأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم. ورَوَى عنه جرير بن حازم، وهو من شيوخه، والأصمعيّ، والْخُرَيبيّ، وهما من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وحجاج بن الشاعر، والحسن بن علي الحلواني، وأبو خيثمة، وعباس بن عبد العظيم العنبري، والبخاريّ، وجماعة. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: ثقةٌ، كثير الحديث، وكان له فقهٌ. وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أحب إليّ من رَوْح بن عُبَادة، وقال محمد بن عيسى الزجاج: قال لي أبو عاصم: كلُّ شيء حدثتك، حدثوني به، وما دَلَّست قط. وقال ابن سعد: كان ثقةً فقيهاً. وقال عُمَر بن شَبّة: والله ما رأيت مثله. وقال ابن خِرَاش: لم يُرَ في يده كتاب قط. وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان يحفظ قدر ألف حديث، من جَيِّد حديثه، وكان فيه مِزَاحٌ. وقال البخاري: سمعت أبا عاصم يقول: منذ عَقَلتُ أن الغيبة حرام ما اغتبت أحداً قط. وقال الخليليّ: متفق عليه زهداً وعلماً وديانةً وإتقاناً، قيل: إنه لُقِّبَ النبيل؛ لأن الفيل أقدم البصرة، فخرج الناس ينظرون إليه، فقال له ابن جريج: مالك لا تنظر؟ قال: لا أجد منك عوضاً، فقال له: أنت النبيل، وقيل: لأنه كان يَلْبَس ◌َيِّد الثياب، وقيل: لأن شعبة حَلَفَ أن لا يُحَدِّث أصحاب الحديث شهراً، فبلغ أبا عاصم، فقال له: حَدِّث وغلامي حُرّ، وقيل: لأنه كان كبير الأنف، رَوَى إسماعيل بن أحمد والي خُراسان عن أبيه، عن أبي عاصم، أنه تزوج امرأةً، فلما أراد أن يُقَبِّلها، قالت له: نَحِّ ركبتك عن وجهي، فقال: ليس هذا ركبة، هذا أنف، وقال ابن قانع: ثقة مأمون. ورَوَى الدارقطني في ((غرائب مالك)) من طريق علي بن نصر الجهضمي قال: قالوا لأبي عاصم: إنهم يخالفونك في حديث مالك في الشفعة، فلا يذكرون أبا هريرة، فقال: هاتوا مَن سمعه من مالك في الوقت الذي سمعته منه، إنما كان قَدِمَ علينا أبو جعفر مكة، فاجتمع الناس إليه، وسألوه أن يأمر مالكاً أن يحدثهم، فأمره فسمعته في ذلك الوقت، قال علي بن نصر: وكان ذلك في حياة ابن جريج؛ ٣٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان لأن أبا عاصم خرج من مكة إلى البصرة في حياة ابن جريج، أو حيث مات ابن جريج، ثم لم يَعُد إلى مكة حتى مات، وهذا يدل على أن أبا عاصم مكيّ، تَحَوَّل إلى البصرة. قال عمرو بن علي وغيره، عن أبي عاصم: وُلِدتُ سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقال جابر بن كردي: مات سنة (١١)، وقال خليفة وغير واحد: سنة (١٢)، زاد ابن سعد في ذي الحجة، وقال يعقوب بن سفيان: مات سنة (١٣) وقال حمدان بن علي الوراق: ذهبنا إلى أحمد)): سنة (١٣)، فسألناه أن يحدثنا، فقال: تسمعون مني، وأبو عاصم في الحياة، اخرجوا إليه، وقال البخاريّ: مات سنة (١٢)، وكذا نقله عنه الكلاباذيّ، وإسحاق الْقَرّاب، وأبو الوليد الباجيّ، وكذا أرخه ابن حبان في (الثقات)) لما ذكره في الطبقة الثالثة، ومن عادته اتّباع البخاري. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٧) حديثاً. ٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ، مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩]. رَوَى عن أبيه، وعمه وهب، ومعمر، وعبيد الله بن عمر الْعُمَريِّ، وأخيه عبد الله بن عمر الْعُمَريّ، وأيمن بن نابل، وعكرمة بن عمار، وابن جريج، والأوزاعيّ، ومالك، والسفيانين، وزكرياء بن إسحاق المكي، وجعفر بن سليمان، وخلق كثير . وَرَوَى عنه ابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وهما من شيوخه، ووكيع، وأبو أسامة، وهما من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وعليّ، ويحيى، وأبو خيثمة، وأحمد بن صالح، وإبراهيم بن موسى، وعبد الله بن محمد المُسْنَديّ، وسَلَمَة بن شَبيب، وعمرو الناقد، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: وأما عبد الرزاق، والْفِرْيَابيّ، وأبو أحمد الزُّبيريّ، وعبيد الله بن موسى، وأبو عاصم، وقَبيصة، وطبقتهم فهم كلهم في سفيان قريب بعضهم من بعض، وهم دون يحيى بن سعيد، وابن مهديّ، ووكيع، وابن المبارك، وأبي نعيم. وقال أحمد بن صالح المصريّ: قلت لأحمد بن حنبل: رأيت أحداً أحسن حديثاً من عبد الرزاق؟ قال: لا. وقال ٣٩٣ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَلّره ... إلخ - حديث رقم (١٢٨) أبو زرعة الدمشقيّ: عبد الرزاق أحدُ من ثَبَتَ حديثه، وقال ابن أبي السَّرِيِّ، عن عبد الوهاب بن همام: كنت عند معمر، فقال: يختلف إلينا أربعةٌ: رَبَاح بن زيد، ومحمد بن ثور، وهشام بن يوسف، وعبد الرزاق، فأما رَبَاح فخليق أن يَغْلِب عليه العبادة، وأما هشام فخليق أن يغلب عليه السلطان، وأما ابن ثور فكثير النسيان، وأما عبد الرزاق، فإن عاش فخليق أن تُضْرَب إليه أكباد الإبل، قال ابن أبي السريّ: فوالله لقد أَتْعَبَها. وقال أحمد: حديث عبد الرزاق، عن معمر أحب إليَّ من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه، وينظر فيها ظاهراً، وكان يُحدِّثهم حفظاً بالبصرة - يعني معمراً - وقال الأثرم: سمعت أحمد يُسأل عن حديث: ((النارُ جُبَار)»؟ فقال: ومن يُحَدِّث به عن عبد الرزاق؟ قلت: حدثني أحمد بن شَبّويه، قال: هؤلاء سَمِعُوا بعدما عَمِي، كان يُلَقَّن، فلَقَّنه، وليس هو في كتبه، كان يُلَقَّنُها بعدما عَمِيَ، وقال حنبل بن إسحاق، عن أحمد نحو ذلك، وزاد: مَن سَمِع من الكتب، فهو أصح. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قلت لأحمد: مَن أَثْبَتُ في ابن جريج: عبد الرزاق، أو الْبُرْسَانيّ؟ قال: عبد الرزاق، وقال أيضاً: أخبرني أحمد، أنا عبد الرزاق قبل المائتين، وهو صحيح البصر، مَن سمع منه بعدما ذهب بصره، فهو ضعيف السماع. وقال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: كان عبد الرزاق أثبت في حديث معمر عن هشام بن يوسف، وكان هشام في ابن جريج أقرأ للكتب. وقال يعقوب بن شيبة، عن علي بن المدينيّ، قال لي هشام بن يوسف: كان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا، قال يعقوب: وكلاهما ثقة ثبتٌ. وقال الحسن بن جرير الصُّوريّ، عن علي بن هاشم، عن عبد الرزاق: كتبَ عني ثلاثة، لا أبالي أن لا يكتُب عني غيرهم: كتب عني ابنُ الشاذكونيّ، وهو من أحفظ الناس، وكتبَ عني يحيى بن معين، وهو من أعرف الناس بالرجال، وكتبَ عني أحمد بن حنبل، وهو من أثبت الناس، وقال جعفر الطيالسي: سمعت ابنَ معين، قال: سمعت من عبد الرزاق كلاماً استدللت به على ما ذُكِر عنه من المذهب، فقلت له: إن أُستاذيك(١) الذين أخذت عنهم ثقات، كلهم أصحاب سنة: معمر، ومالك، (١) هكذا النسخة، والظاهر أن الأولى ((أَسَاتِذَتَكَ))، فلیحرر. ٣٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وابن جريج، والثوريّ، والأوزاعيّ، فعمن أخذت هذا المذهب؟ قال: قَدم علينا جعفر بن سليمان، فرأيته فاضلاً، حسن الهدي، فأخذت هذا عنه، وقال محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّمَيّ: وجدت عبد الرزاق ما أفسد جعفراً غيره(١) - يعني في التشيع -. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين - وقيل له: قال أحمد: إن عبيد الله بن موسى يُرَدُّ حديثه للتشيع - فقال: كان عبد الرزاق، والله الذي لا إله إلا هو أغلى في ذلك منه مائة ضعف، ولقد سمعت من عبد الرزاق أضعاف ما سمعت من عبيد الله، وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي، هل كان عبد الرزاق يتشيع، ويُفْرِطُ في التشيع؟ فقال: أما أنا فلم أسمع منه في هذا شيئاً، وقال عبد الله بن أحمد: سمعت سلمة بن شبيب، يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: والله ما انشرح صدري قط أن أُفَضِّل عليّاً على أبي بكر وعمر، رحم الله أبا بكر وعمر وعثمان، من لم يحبهم فما هو مؤمن، وقال: أوثق أعمالي حُبِّي إياهم. وقال أبو الأزهر: سمعت عبد الرزاق يقول: أُفَضِّل الشيخين بتفضيل عليّ إياهما على نفسه، ولو لم يُفَضِّلهما ما فضلتهما، كَفَى بي ازدراءً أن أحب عليّاً، ثم أخالف قوله. وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، ولا يحتج به. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان ممن يخطئ إذا حَدَّث من حفظه على تشيع فيه، وكان ممن جَمَعَ وصَنَّفَ وحَفِظَ وذاكر، وقال الآجريّ عن أبي داود: الْفِرْيَابيّ أحب إلينا منه، وعبد الرزاق ثقة، وقال محمد بن إسماعيل الْفَزَاري: بلغني ونحن بصنعاء أن أحمد ويحيى تركا حديثَ عبد الرزاق، فدَخَلنا غَمٌّ شديدٌ، فوافيت ابن معين في الموسم، فذكرت له، فقال: يا أبا صالح، لو ارتَدَّ عبد الرزاق ما تركنا حديثه. ورُوي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت، فمكثت ثلاثة أيام، لا يجيئني أصحاب الحديث، فتعلقت بالكعبة، وقلت: يا رب ما لي أكذاب أنا، أمدلس أنا؟ فرجعت إلى البيت، فجاؤوني، وقال العجلي: ثقة يتشيع، وكذا قال البزار. وقال الذَّهْليّ: كان (١) وكذا هو في ((تهذيب الكمال)) ٥٩/١٨، وقال المزّيّ معلّقاً عليها: لعله ما أفسد جعفرٌ غيرَه. (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ مَّره ... إلخ - حديث رقم (١٢٨) ٣٩٥ عبد الرزاق أيقظهم في الحديث، وكان يحفظ، وقال إبراهيم بن عباد الدّبَرِيّ: كان عبد الرزاق يحفظ نحواً من سبع عشرة ألف حديث. وقال ابن عديّ: ولعبد الرزاق أصناف، وحديث كثير، وقد رَحَلَ إليه ثقات المسلمين وأئمتهم، وكَتَبُوا عنه، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد رَوَى أحاديث في الفضائل، لم يتابع عليها، فهذا أعظم ما ذَقُّوه من روايته لهذه الأحاديث، ولِمَا رواه في مثالب غيرهم، وأما في باب الصدق، فأرجو أنه لا بأس به. قال أحمد وغيره: مولده سنة ست وعشرين ومائة، وقال البخاريّ، وغير واحد: مات سنة إحدى عشرة ومائتين، زاد ابن سعد: في شوال. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٩٩) حديثاً. [تنبيه]: من يُسمّى عبدَ الرزاق في الرواة أربعة: (الأول): عبد الرزاق بن هَمّام المترجم هنا، وهو من رجال الجماعة. (الثاني): عبد الرزاق بن عمر بن مسلم الدمشقيّ العابد، صدوق، من العاشرة، أخرج له أبو داود حديثاً واحداً. (الثالث): عبد الرزاق بن عمر الثقفيّ، أبو بكر الدمشقيّ، متروك الحديث عن الزهريّ، لَيِّن في غيره، من الثامنة، وليس له في السّة شيء، وإنما يُذكر للتمييز. (الرابع): عبد الرزاق بن عمر بن بَزِيع الْبَزِيعيّ، صدوق، من العاشرة، وليس له من الكتب الستة شيء، وإنما يُذكر للتمييز أيضاً. ٥ - (ابْنُ جُرَيْج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، أبو الوليد، وَأبو خالد الْمَكِّيّ، رُومِيُّ الأصل، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان یدلّس ویرسل [٦]. رَوَى عن حُكَيمة بنت رُقَيقة، وأبيه عبد العزيز، وعطاء بن أبي رَبَاح، وإسحاق بن أبي طلحة، وزيد بن أسلم، والزهريّ، وسليمان بن أبي مسلم الأحول، وصالح بن كيسان، وصَفوان بن سُليم، وطاووس، وابن أبي مليكة، وأبي قَزَعَة سُويد بن حُجَير، وخلقٍ كثيرٍ . وَرَوَى عنه ابناه: عبد العزيز، ومحمدٌ، والأوزاعيّ، والليث، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهو من شيوخه، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفيّ، ٣٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وعيسى بن يونس، ووهيب بن خالد، وأبو قرة موسى بن طارق، وحفص بن غياث، ومسلم بن خالد الزَّنْجِيّ، ومفضل بن فَضَالة المصري، وهمام بن يحيى، وإسماعيل ابن علية، وإسماعيل بن عَيّاش، وابن عيينة، وخالد بن الحارث، وعبد الله بن إدريس، وابن المبارك، وابن وهب، والقطان، والوليد بن مسلم، ووكيع، وأبو عاصم، وهشام بن يوسف الصنعاني، وغُنْدَر، وأبو أسامة، وعبد الرزّاق، وخلقٌ كثير. قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: مَن أَوَّل من صَنَّفَ الكتب؟ قال: ابنُ جريج، وابن أبي عَرُوبة، وقال عبد الوهاب بن همام، أخو عبد الرزاق، عن ابن جريج: لزمت عطاء سبع عشرة سنة، وقال ابن عيينة: سمعت ابن جريج يقول: ما دَوَّنَ العلمَ تدويني أحدٌ. وقال: جالست عمرو بن دينار بعدما فرغت من عطاء تسع سنين، وقال طلحة بن عُمر المكي: قلت لعطاء: مَنْ نسأل بعدك؟ قال: هذا الفتى إن عاش، وقال عطاء: سيّد شباب أهل الحجاز ابنُ جريج. وقال علي بن المدينيّ: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة، فذكرهم، ثم قال: فصار علم هؤلاء إلى من صَنَّفَ في العلم، منهم من أهل مكة عبد الملك بن جريج. قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعيَّ، وغيرَ واحد: لمن طلبتم العلم؟ فكلهم يقول: لنفسي، غير ابن جريج، فإنه قال: طلبته للناس، وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان: ابن جريج أثبت في نافع من مالك، وقال أحمد: ابنُ جريج أثبت الناس في عطاء. وقال أبو بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد: كنا نُسَمِّي كُتُبَ ابن جريج کتب الأمانة، وإن لم يُحَدثك ابنُ جريج من كتابه لم ينتفع به، وقال الأثرم عن أحمد: إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأُخبِرتُ جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت، فحسبك به. وقال الميمونيّ: سمعت أبا عبد الله غير مَرَّة يقول: كان ابنُ جريج من أوعية العلم. وقال إسماعيل بن داود الْمِخْراقيّ، عن مالك: كان ابن جريج حاطب ليل. وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: ليس بشيء في الزهري. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة في كل ما رُوِي عنه من الكتاب، وقال جعفر بن عبد الواحد، عن يحيى بن سعيد: كان ابن جريج صدوقاً، فإذا قال: حدثني فهو سماع، وإذا قال: أخبرني فهو قراءة، وإذا قال: ٣٩٧ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَّه ... إلخ - حديث رقم (١٢٨) قال فهو شبه الريح. وقال سليمان بن النضر عن مَخْلد بن الحسين، ما رأيت أصدق لَهْجَةً من ابن جريج، وقال أحمد عن عبد الرزاق: ما رأيت أحسن صلاةً من ابن جريج. وسُئل عنه أبو زرعة؟ فقال: بَخ من الأئمة. وقال ابن خِرَاش: كان صدوقاً. وقال العجليّ: مكيّ ثقة. وقال الشافعيّ: استمتع ابن جريج بسبعين امرأة. وقال أبو عاصم: كان من العباد، وكان يصوم الدهر، إلا ثلاثة أيام من الشهر. قال عمرو بن عليّ: مات سنة تسع وأربعين ومائة، وقال القطان وغيره: مات سنة خمسين، وقال ابن المدينيّ: سنة إحدى وخمسين، وقال غيره: جاز المائة. وقال ابنُ سعد: وُلِد سنة ثمانين، عام الْجُحَاف. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٦٥) حديثاً . ٦ - (أَبُو قَزَعَةَ) (١) سُويد بن حُجَير - بتقديم المهملة، مصغّراً - ابن بيان الباهليّ البصريّ، ثقة [٤]. رَوَى عن خاله صَخْر بن القَعْقَاعِ الباهليّ، وله صحبةٌ، وأنس بن مالك، وأبيه حُجَير، وحَكِيم بن معاوية، والأَسْقَع بن الأَسْلَع، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وصالح أبي الخليل، والحسن البصريّ، ومُهاجر بن عكرمة المخزوميّ، وأبي نَضْرَة الْعَبْدِيّ، وعدة. وعنه داود بن أبي هند، وابن جريج، وشعبة، وحاتم بن أبي صَغِيرة، والحجاج بن الحجاج الباهليّ، ومَعْقِل بن عُبيد الله الْجَزَريّ، وداود بن شَابُور، وحماد بن سلمة، وابنه قَزَعة بن سُويد، وغيرهم. (١) قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)) ١٩٤/١: وأما أبو قَزَعَة المذكور، فاسمه سُوَيد بن حُجَير - بحاء مهملة مضمومة، ثم جيم مفتوحة، وآخره راء - وهو باهليّ، بصريّ، انفرد مسلم بالرواية له دون البخاريّ، وقَزَعَةُ - بفتح القاف، وبفتح الزاي، وإسكانها - ولم يذكر أبو علي الْغَسَّاني في ((تقييد المهمل)) سوى الفتح، وحَكَى القاضي عياض فيه الفتح والإسكان، ووُجِد بخط ابن الأنباريّ بالإسكان، وذكر ابن مكيّ في كتابه فيما يُلْحَنُ فيه أن الإسكان هو الصواب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ. ٣٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال أبو طالب عن أحمد: من الثقات. وقال ابن المدينيّ، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال العجليّ: بصري تابعيّ ثقة. وقال أبو بكر البزار في ((السنن)) له: ليس له بأس. وقال الآجريّ: قُرئ على أبي داود، عن أحمد بن صالح، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج: ثنا أبو قزعة، سمع عمران بن حصين .. قلت لأبي داود: مَن أبو قَزَعَة؟ قال: سُوَيد، قلت: سُوَيد سمع من عمران بن حصين؟ قال: لا. أخرجه له الجماعة، سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٨) و١٢٨ و(١٣٣٣) و(١٥٩٤). والباقيان تقدّما قريباً. [تنبيه]: (قوله: قال: أخبرني أبو قَزَعَة، أن أبا نَضْرة أخبره وحَسَناً أخبرهما، أن أبا سعيد الخدريّ أخبره). هذا الإسناد مما يُعَدّ من مشكلات الأسانيد، ولذا قد اضطربت فيه أقوال الأئمة، وأخطأ فيه جماعات من كبار الحفاظ، والصوابُ فيه ما حَقَّقَه وحَرَّره، وبسطه وأوضحه، الإمام الحافظ أبو موسى الأصبهانيّ في الجزء الذي جمعه فيه، وما أحسنه وأجوده، وقد لَخّصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى، فقال: هذا الإسناد إحدى المعضلات، ولإعضاله وقع فيه تغييرات من جماعة واهمة. فمن ذلك رواية أبي نعيم الأصبهانيّ في ((مستخرجه)) على كتاب مسلم، بإسناده: أخبرني أبو قَزَعَة أن أبا نَضْرَةَ وَحَسَناً أخبرهما، أن أبا سعيد الخدريّ أخبره، وهذا يلزم منه أن يكون أبو قَزَعة هو الذي أخبر أبا نَضْرَةَ وَحَسَناً، عن أبي سعيد، ويكون أبو قَزَعة هو الذي سمع من أبي سعيد، وذلك مُنْتَفٍ بلا شك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ساق نصّ أبي نعيم في ((المستخرج))، وهذا السياق ليس في ((المستخرج)) الذي بين يديّ، ودونك نصّه : ١ - أخرجه بسنده إلى عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، أخبرنا أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره وحَسَناً أخبرهما أن أبا سعيد ... وهذا هو نصّ ((صحيح مسلم)). ٣٩٩ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ نَّه ... إلخ - حديث رقم (١٢٨) ثم أخرج عن ابن جُريج أخبرني أبو قَزَعة أن أبا نضرة أخبره، ثنا حسن بن [سالم](١) أخبرهما أن أبا سعيد الخدريّ أخبره. وكون هذا غلطاً ظاهرٌ، ولا شكّ فيه؛ لأنه يستلزم أن حسناً أخبر أبا نضرة، مع قوله بعده: أخبرهما، فبطلان هذا واضح. ثم أخرجه عن ابن جريج، أخبرني أبو قَزَعَة أن أبا نضرة أخبره وحسناً أخبرهما ... وهو صحيح مثل الأول. ثم أخرجه عن ابن جريج، أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره، أن أبا سعيد أخبره ... ولا ذكر لحسن أصلاً، وهذا أيضاً واضح. والله تعالى أعلم. قال: ومن ذلك أن أبا عليّ الغسانيّ صاحب ((تقييد المهمل)) رَدَّ رواية مسلم هذه، وقَلَّده في ذلك صاحب ((المعلم))، ومن شأنه تقليده فيما يذكره من علم الأسانيد، مع أنه لا يُسمّيه، ولا يُنصِفه، وصَوَّبهما في ذلك القاضي عياض، فقال أبو عليّ: الصواب في الإسناد: عن ابن جريج قال: أخبرني أبو قَزَعَة أن أبا نضرةَ وحَسَناً أخبراه، أن أبا سعيد أخبره، وذَكَرَ أنه إنما قال: أخبره، ولم يقل: أخبرهما؛ لأنه رَدّ الضمير إلى أبي نضرة وحده، وأسقط الحسن لموضع الإرسال، فإنه لم يسمع من أبي سعيد، ولم يلقه، وذَكَرَ أنه بهذا اللفظ الذي ذَكَرِه مسلم خرَّجه أبو علي بن السكن في ((مصنَّفه)) بإسناده، قال: وأظنُّ هذا من إصلاح ابن السكن. وذكر الْغَسَّانيّ أيضاً أنه رواه كذلك أبو بكر البزّار في ((مسنده الكبير)) بإسناده، وحُكِي عنه، وعن عبد الغني بن سعيد الحافظ أنهما ذَكَرا أن حَسَناً هذا هو الحسن البصريّ. وليس الأمر في ذلك على ما ذَكَرُوه، بل ما أورده مسلم في هذا الإسناد هو الصواب، وكما أورده رواه أحمد بن حنبل، عن رَوْح بن عُبادة، عن ابن جريج(٢). (١) كذا وقع في الأصل، إلا أن المحقّق أصلحه، فكتب بين قوسين (مسلم)، وهو الظاهر. (٢) ((كتاب الأشربة)) للإمام أحمد ٢٠ حديث رقم (٨٦). ٤٠٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقد انتصر له الحافظ أبو موسى الأصبهانيّ رحمه الله تعالى، وأَلَّف في ذلك كتاباً لطيفاً تَبَجَّحَ فيه بإجادته وإصابته، مع وَهَم غير واحد من الحفّاظ فيه، فذَكَر أن حَسَناً هذا هو الحسن بن مسلم بن يَنَّق الذي رَوَى عنه ابن جريج غیر هذا الحديث، وأن معنى هذا الكلام: أن أبا نَضْرَة أخبر بهذا الحديث أبا قَزَعَةً وحَسَن بن مسلم كِلَيْهِمَا، ثم أكَّد ذلك بأن أعاد، فقال: أخبرهما أنّ أبا سعيد أخبره - يعني أخبر أبو سعيد أبا نضرة - وهذا كما تقول: إنّ زيداً جاءني وعمراً جاءاني، فقالا: كذا وكذا. وهذا من فصيح الكلام، واحتجّ على أن حَسَناً فيه هو الحسن بن مُسلم بن يَنّاق بأنّ سَلَمَة بنَ شَبيب - وهو ثقة - رواه عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو قَزعة أنّ أبا نَضْرَة أخبره، وحسَنَ بنَ مسلم بن يَنّاق أخبرهما، أن أبا سعيد أخبره ... الحديث. ورواه أبو الشيخ الحافظ في كتابه ((الْمُخَرَّج على صحيح مسلم)). وقد أسقط أبو مسعود الدمشقيّ وغيره ذِكْرَ حسنٍ أصلاً من الإسناد؛ لأنه مع إشكاله لا مَدْخَل له في رواية الحديث. وذكر الحافظ أبو موسى ما حكاه أبو عليّ الغسانيّ في كتابه ((تقييد المهمل)) في ذلك، وبَيَّنَ بُطلانه، وبطلان رواية من غَيَّرَ الضميرَ في قوله: ((أخبرهما))، وغَيْرَ ذلك من التغييرات، ولقد أجاد وأحسن رحمه الله تعالى انتهى كلام الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق نفيسٌ جدّاً، كما قال ابن الصلاح(٢). وحاصله: أن قوله: ((وحسناً)) معطوف على الضمير المنصوب في ((أخبره)) (١) ((صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط)) ص١٥٨ - ١٦١. (٢) قال النوويّ في ((شرحه)) بعد نقل كلام ابن الصلاح رحمهما الله تعالى: وفي هذا القدر الذي ذكره أبلغ كفاية، وإن كان الحافظ أبو موسى قد أطنب في بسطه وإيضاحه بأسانيده، واستشهاداته، ولا ضرورة إلى زيادة على هذا القدر. والله تعالى أعلم.