النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠٥)
والإيمان بالله هو التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال، مُنَزّه
عن صفات النقص (ومَلَائِكَتِهِ) أي: أن تصدّق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله
تعالى: ﴿عِبَادٌ تُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقَدَّم الملائكةَ على الكتب والرسل؛
نظراً للترتيب الواقع؛ لأنه ◌َُّ أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول (وَكِتَابِهِ) مفرد
مضافٌ، فيعمّ، وفي رواية البخاريّ: ((وكتبه)) بالجمع، أي: تُصدّق بأنه كلام الله
تعالى، وأن ما تضمّنه حقّ (وَلِقَائِهِ) كذا وقع هنا وفي الرواية التالية بين الكتاب
والرسل، وكذا هو عند البخاريّ، ولم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنه
مكررٌ؛ لأنه داخلٌ في الإيمان بالبعث، والحقّ أنه غير مكرر، فقيل: المراد
بالبعث القيام من القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل
بالانتقال من دار الدنيا، والبعث بعد ذلك، ويدل على هذا رواية مطر الوراق
المتقدّمة، فإن فيها: ((وبالموت، وبالبعث بعد الموت))، كذا في حديث
أنس به عند البزّار وغيره، وابن عباس ◌ّا عند أحمد، وقيل: المراد باللقاء
رؤية الله، ذكره الخطابي.
وتعقّبه النووي بأن أحداً لا يقطع لنفسه برؤية الله، فإنها مختصة بمن مات
مؤمناً، والمرء لا يدري بم يختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان.
وأجيب بأن المراد بالإيمان بأن ذلك حقّ في نفس الأمر، وهذا من
الأدلة القوية لأهل السنة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة؛ إذ جعلت من
قواعد الإيمان.
(وَرُسُلِهِ) ووقع في حديث أنس وابن عباس ظه: ((والملائكة، والكتاب،
والنبيين))، وكل من السياقين في القرآن، في البقرة، والتعبير بـ ((النبيين)) يشمل
الرسل من غير عكس، والإيمان بالرسل التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به
عن الله تعالی.
(وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ) إنما أعاد لفظ ((وتؤمن)) هنا للإشارة إلى أنه نوع آخر مما
يُؤُمَن به؛ لأن البعث سيوجد بعدُ وما ذُكر قبله موجود الآن، وللتنويه بذكره؛
لكثرة من كان ينكره من الكفار، ولهذا كَثُر تكراره في القرآن (١).
(١) راجع: ((الفتح)) ١٤٥/١.

١٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقوله: (الْآخِرِ))) بكسر الخاء، قيل: هو تأكيدٌ، كقولهم: أمس الذاهب،
وقيل: لأن البعث وقع مرتين: الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود أو من
بطون الأمهات بعد النطفة والعقلة إلى الحياة الدنيا، والثانية البعث من بطون
القبور إلى محل الاستقرار، وأما اليوم الآخر، فقيل له ذلك؛ لأنه آخر أيام
الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة، والمراد بالإيمان به التصديق بما يقع فيه،
من الحساب، والميزان، والجنة والنار، وقد وقع التصريح بذكر الأربعة بعد
ذكر البعث في رواية سليمان التيمي المتقدّمة، وفي حديث ابن عباس .
أيضاً .
زاد في الرواية التالية: ((قال: صدقت))، وفي رواية النسائيّ: ((قال: فإذا
فعلت ذلك، فقد آمنتُ؟ قال: نعم، قال: صدقتَ)).
[تنبيهٌ]: ظاهر السياق يقتضي أن الإيمان لا يُظْلَق إلا على من صَدَّق
بجميع ما ذُكر، ولا يخالف هذا ما ثبت عند الفقهاء من اكتفائهم بإطلاق
الإيمان على من آمن بالله تعالى ورسوله وَّله؛ لأن المراد بالإيمان برسول الله وَله
هو الإيمان بوجوده، وبما جاء به عن ربه رَّ، فيدخل جميع ما ذُكر تحت
ذلك. والله تعالى أعلم(١).
(قَالَ) الرجل السائل (يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: ((الْإِسْلَامُ أَنْ
تَعْبُدَ اللهَ) أي: توحّده بلسانك على وجه يُعتدُّ به، فشَمِل الشهادتين، فيوافق هذا
الحديث حديث عمر ربه السابق، وكذا حديث: ((بُني الإسلام على
خمس ... )) الآتي، وجملة (وَلَا تُشْرِلَكَ بِهِ شَيْئاً) للتأكيد (وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ)
أي: المفروضة (وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ)، زاد في رواية النسائيّ: (وتَحُجّ
البيت)).
قال النوويّ في ((شرحه)): أما تقييد الصلاة بالمكتوبة، فلقوله تعالى: ﴿إِنَّ
الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقد جاء في أحاديث
وصفها بالمكتوبة، كقوله : ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة))،
و((أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل))، و((خمس صلوات كتبهن الله)).
(١) راجع المصدر السابق.

١٨٣
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠٥)
وأما تقييد الزكاة بالمفروضة، وهي المقدَّرة، فقيل: احترازٌ من الزكاة
المعجلة قبل الحول، فإنها زكاة، وليست مفروضة، وقيل: إنما فَرّق بين
الصلاة والزكاة في التقييد؛ لكراهة تكرير اللفظ الواحد، ويحتمل أن يكون
تقييد الزكاة بالمفروضة؛ للاحتراز عن صدقة التطوع، فإنها زكاة لغوية.
وأما معنى إقامة الصلاة، فقيل: فيه قولان:
[أحدهما]: أنه إدامتها، والمحافظة عليها .
[والثاني]: إتمامها على وجهها، قال أبو عليّ الفارسيّ: والأول أشبه.
قال النوويّ: وقد ثبت في ((الصحيح)): أن رسول الله وَل قال: ((اعتدلوا
في الصفوف، فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة))، ومعناه - والله أعلم - من
إقامتها المأمور بها في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وهذا يرجح
القول الثاني، والله أعلم انتهى (١).
(وَتَصُومَ رَمَضَانَ))) زاد في الرواية التالية: ((قال: صدقت))، وفي رواية
النسائيّ: ((قال: إذا فعلت ذلك، فقد أسلمتُ؟ قال: نعم، قال: صدقتَ، فلما
سمعنا قول الرجل: صدقتَ، أنكرناه)).
وقوله: ((تصوم رمضان))، فيه حجة لمذهب الجماهير، وهو المختار
الصواب، أنه لا كراهة في قول ((رمضان)) من غير تقييد بالشهر، خلافاً لمن
كرهه، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في ((كتاب الصيام)) - إن شاء الله تعالى -
بدلا ئله، وشواهده.
(قَالَ) الرَّجُلُ (يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية النسائيّ: ((قال: يا محمد)) (مَا
الْإِحْسَانُ؟ قَالَ) بَّهِ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ)، هكذا الرواية
بإثبات ألف «تراه))، وكان حقّه أن تُحذف للجازم، كما قال في ((الخلاصة)):
أَوْ وَاوٌ أَوْ يَاءٌ فَمُعْتَلًا عُرِفْ
وَأَيُّ فِعْلٍ آخِرٌ مِنْهُ أَلِفْ
وَأَبْدِ نَصْبَ مَا كَ((يَدْعُو)) ((يَرْمِي))
فَالأَلِفَ انْوٍ فِيهِ غَيْرَ الْجَزْمِ
ثَلَاثَهُنَّ تَقْضِ حُكْماً لَازِمَا
وَالرَّفْعَ فِيهِمَا انْوِ وَاحْذِفْ جَازِمَاً
وقال أبو البقاء الْعُكبريّ في ((إملائه)): كذا وقع في هذه الرواية ((تراه))
(١) ((شرح النووي)) ١/ ١٦٣.

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
بالألف، والوجه حذفها؛ لأن ((إن)) لا تحتمل هنا من وجه ((إن)) المكسورة إلا
الشرطيّة، وهي جازمة، وعلى هذا يمكن تأويل هذه الرواية على أنه أُشبع فتحة
الراء، فنشأت الألف، وليست من نفس الكلمة، ويجوز أن يكون جعل الألف
في الرفع عليها حركة مقدّرة، فلما دخل الجازم حذف تلك الحركة، فبقيت
الألف ساذَجَةً من الحركة، كما يكون الحرف الصحيح ساكناً في الجزم، وعلى
هذين الوجهين حُمل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بإثبات
الياء على قراءة ابن كثير، وكذا قول الشاعر [من الرجز]:
إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ
وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ
فأثبت الألف في ((ترضّاها)). انتهى(١).
وقال السيوطيّ في ((العقود)) بعد كلام أبي البقاء: وقال ابن هشام في
((تذكرته)): جاء في باب الجوازم إهمال ((إن)) حملاً على ((إذا))، نحو قراءة
طلحة: ﴿فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ﴾ [مريم: ٢٦] حكاه في ((المحتسب))، ومن هذا
الحديثُ، وقال ابن مالك في ((توضيحه)) في حديث البخاريّ في قوله أبي جهل
ـ لعنه الله - لصفوان: ((متى يراك الناس قد تخلّفت، وأنت سيّد أهل الوادي
تخلّفوا معك)): تضمّن هذا الكلام ثبوت ألف ((يراك)) بعد: متى ((الشرطيّة،
وكان حقّها أن تُحذف، فيقال: متى يَرَكَ))، كما في قوله تعالى: ﴿إِن تَرَنِ أَنَا
أَقَلَّ مِنكَ﴾ الآية [الكهف: ٣٩].
وفي ثبوتها أربعة أوجه:
[إحداها]: أن يكون مضارع راء بمعنى رأى، كقول الشاعر [من الطويل]:
وَيَأْلَفُ شَنْأَنِي إِذَا كُنْتُ غَائِبَاً
إِذَا رَاءَنِي أَبْدَى بَشاشَةَ وَاصِلٍ
ومضارعه يراءُ، فجُزم، فصار يَرَأ، ثم أبدلت همزته ألفاً، فثبتت في
موضع الجزم، كما ثبتت الهمزة التي هي بدل منها، ومثله (أم ينبا) في وقف
حمزة وهشام.
[الثاني]: ((أن تكون ((متى)) شُبّهت بـ((إذا))، فأُهملت، كما شُبّهت
((إذا)) بـ(متى))، فأعملت، كقول النبيّ وَّيه لعليّ وفاطمة رضي﴿ه: ((إذا أخذتما
(١) ((إتحاف الحثيث بإعراب ما يُشكل من الحديث)) ص١٩١ - ١٩٢.

١٨٥
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠٥)
مضاجعكما، تكبّرا أربعاً وثلاثين، وتسبّحا ثلاثاً وثلاثين، وتحمدا ثلاثاً
وثلاثين))، رواه البخاريّ.
وهو في النثر نادرٌ، وفي الشعر كثيرٌ، وفي تشبيه ((متى)) بـ((إذا))، وإهمالها
قول عائشة ﴿ّا: ((إن أبا بكر رجلٌ أسِيفٌ، وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمِعُ
الناس))، رواه البخاريّ.
ونظير حمل ((متى)) على ((إذا))، وحمل ((إذا)) على ((متى))، حملهم ((إن))
على (لو)) في رفع الفعل بعدها، وحملهم ((لو)) على ((إن)) في الجزم بها.
فمن رَفعِ الفعل بعد ((إن)) حملاً على ((لو)) قراءة طلحة: ﴿فَإِمَّا تَرَيِّنَّ مِنَ
اَلْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] بسكون الياء، وتخفيف النون، فأثبت نون الرفع في
فعل الشرط بعد ((إن)) مؤكّدة بـ((ما))؛ حملاً لها على ((لو)).
ومن الجزم بـ(لو)) حملاً لها على ((إن)) قول الشاعر [من الخفيف]:
كُنْتَ فِي الأَمْنِ فِي أَعَزِّ مَكَانْ
لَوْ تَعِدْ حِيْنَ فَرَّ قَوْمُكَ بِي
ومثله قوله:
لَا حِقُ الآطَالِ نَهْدٌ ذُو خُصَلْ
لَوْ يَشَأُ طَارَ بِهِ ذُو مَيْعَةٍ
ومثله قول الآخر [من البسيط]:
إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانًا
تَامَتْ فُؤَادَكَ لَوْ يَحْزُنْكَ مَا صَنَعَتْ
[الوجه الثالث]: أن يكون أُجري المعتلّ مُجرى الصحيح، فأثبتت
الألف، واكتُفِي بتقدير حذف الضمّة التي كان ثبوتها منويّاً في الرفع، ونظيره
قول الشاعر [من الطويل]:
كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيراً يَمَانِيَا
وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ
ومثله قول الآخر [من الرجز]:
وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ
إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقٍ
ومن هذا على الأظهر قول النبيّ وَليقول: ((من أكل من هذه الشجرة فلا
يغشانا))، وجُعل الكلام خبراً بمعنى النهي. انتهى كلام ابن مالك
رحمه الله تعالى(١).
(١) راجع: ((شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح)) ص١٧ - ٢٠.

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(فَإِنَّهُ يَرَاكَ) تقدّم تحقيق هذه الجملة في شرح الحديث الماضي (قَالَ)
الرجل (يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية النسائيّ: ((يا محمد)) (مَتَى السَّاعَةُ؟)، أي:
متى تقوم القيامة؟ زاد عند النسائيّ: ((قال: فنَكَسَ، فلم يُجبه شيئاً، ثم أعاد،
فلم يُجبه شيئاً، ثم أعاد، فلم يُجبه شيئاً، ورفع رأسه، فقال: ما المسئول
عنها ... )) (قَالَ: ((مَا الْمسئول عَنْهَا بِأَعْلَمَ) الباء زائدة لتأكيد النفي (مِنْ السَّائِلِ)
إنما عَدَل عن قوله: ((لست بأعلم بها منك)) إلى لفظ يشعر بالتعميم تعريضاً
للسامعين، يعني أن كل مسئول وكل سائل عن وقت الساعة سواء، فكلهم غير
عالمين بها على الحقيقة، وهذا وإن كان مشعراً بالتساوي في العلم، لكن
المراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها؛ لقوله بعدُ: ((خمسٌ لا
يعلمها إلا الله))، وسيأتي نظير هذا التركيب ما وقع عند النسائيّ في أواخر هذا
الحديث، من قوله: ((ما كنت بأعلم به من رجل منكم))، فإن المراد أيضاً
التساوي في عدم العلم به، وفي حديث ابن عباس رضيًّا هنا، فقال:
(سبحان الله، خمسٌ من الغيب لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا الآية)).
قال النووي تَخْذَلُهُ: يُستنبط منه أن العالم إذا سُئل عما لا يَعلَم يُصَرِّح بأنه
لا يعلمه، ولا يكون في ذلك نقصٌ من مرتبته، بل يكون ذلك دليلاً على مزيد
وَرَعِه .
وقال القرطبي تَُّهُ: مقصود هذا السؤال كَفُّ السامعين عن السؤال عن
وقت الساعة؛ لأنهم قد أكثروا السؤال عنها، كما ورد في كثير من الآيات
والأحاديث، فلما حَصَلَ الجواب بما ذُكِر هنا حصل اليأس من معرفتها،
بخلاف الأسئلة الماضية، فإن المراد بها استخراج الأجوبة؛ ليتعلمها السامعون
ويعملوا بها، ونَّه بهذه الأسئلة على تفصيل ما يمكن معرفته مما لا يمكن.
(وَلَكِنْ سَأُحَدِّئُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) بفتح الهمزة، أي: علاماتها، واحدها
شَرَطٌ - بفتح الشين والراء - قال أبو جعفر الطبريّ: ومنه سُمّي الشُّرَاط؛
لجعلهم لأنفسهم علامةً يُعرفون بها، وقيل: أشراطها: مقدّماتها، وأشراط
الأشياء أوائلها، ومن ذلك سُمّي الشَّرَطان (١)؛ لتقدّمهما أول الربيع، وقيل:
(١) ((الشَّرَطان)) بالتحريك هما أول نجم من الربيع.

١٨٧
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠٥)
الأشراط جمع شَرْط، وهو الدُّون من كلّ شيء، فأشراط الساعة، صغار
أمورها قبل قيامها، ولهذا سُمّ الشرطُ، وكله متقارب(١).
وتقدّم في حديث عمر ظُله قوله: ((فأخبرني عن أماراتها))، وتقدم الجمع
بين قوله: ((سأحدثك))، وقوله: ((فأخبرني))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى
التوفيق .
(إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا) التعبير بـ((إذا))، للإشعار بتحقّق الوقوع، وتقدّم
الخلاف في المراد بالربّ في شرح الحديث الماضي.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قد اقتصر في هذا الحديث على ذكر بعض
الأشراط التي يكون وقوعها قريباً من زمانه، وإلا فالشروط كثيرة، وهي أكثر
مما ذُكر هنا، كما دلّ عليه الكتاب، والسنّة، ثم إنها منقسمة إلى ما يكون من
نوع المعتاد، كهذه الأشراط المذكورة في هذا الحديث، وكرفع العلم، وظهور
الجهل، وكثرة الزنا، وشرب الخمر، إلى غير ذلك، وأما التي ليست من النوع
المعتاد، فكخروج الدجّال، ونزول عيسى ابن مريم بَلَّاها، وخروج يأجوج
ومأجوج، ودابّة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، والدخان، والنار التي
تسوق الناس، وتحشرهم. انتهى(٢).
(فَذَاَ مِنْ أَشْرَاطِهَا) أي: من علاماتها (وَإِذَا كَانَتِ الْعُرَاةُ الْحُفَاةُ رُؤُوسَ
النَّاسِ، فَذَاَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ) أي: تفاخر، وتكاثر (رِعَاءُ الْبَهْم) بفتح
الباء وإسكان الهاء، وهي الصغار من أولاد الغنم: الضأن والمعز جميعاً،
وقيل: أولاد الضأن خاصة، واقتصر عليه الجوهريّ في ((صحاحه))، والواحدة
بَهْمَةٌ، قال الجوهريّ: وهي تقع على المذكر والمؤنث، والسِّخَال أولاد
المعزى، قال: فإذا جَمَعتَ بينهما قلت: بِهَامٌ أيضاً، وقيل: إن الْبَهْم يختص
بأولاد المعز، وإليه أشار القاضي عياض بقوله: وقد يختص بالمعز، وأصله كُلُّ
ما استبهم عن الكلام، ومنه البهيمة. انتهى(٣).
(١) ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض ١١٨/١ - ١١٩ و((شرح النوويّ)) ١٦٣/١.
(٢) ((المفهم)) ١٥٥/١.
(٣) ((شرح مسلم)) للنوويّ ١٦٣/١ - ١٦٤.

١٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال القرطبيّ: ورواية مسلم في رعاء البَهْم من غير ذكر الإبل أولى؛
لأنها الأنسب لمساق الحديث ولمقصوده، فإن مقصوده أن أضعف أهل البادية،
وهم رعاء الشاء سينقلب بهم الحال إلى أن يصيروا ملوكاً، مع ضعفهم وبُعدهم
عن أسباب ذلك، وأما أصحاب الإبل فهم أهل الفخر والخيلاء؛ فإن الإبل عزّ
لأهلها، ولأن أهل الإبل ليسوا عالةً، ولا فقراء غالباً. انتهى (١).
ووقع في رواية البخاريّ: (رُعَاء الإبل الْبُهْم))، قال في ((الفتح)): قوله:
((رِعَاة الإبل)) هو بضم الراء، جمع راع، كقُضَاةٍ وقاضٍ، والْبُهْم بضم الموحدة،
ووقع في رواية الأصيلي بفتحها، ولا يتجه مع ذكر الإبل، وإنما يتجه مع ذكر
الشِّيَاه، أو مع عدم الإضافة، كما في رواية مسلم ((رِعَاء الْبَهْم))، وميم ((البهم))
في رواية البخاري يجوز ضمها، على أنه صفة الرعاة، ويجوز الكسر على أنها
صفة الإبل، يعني الإبل السُّود، وقيل: إنها شَرّ الألوان عندهم، وخيرها الْحُمْر
التي ضُرِب بها المثل، فقيل: ((خير من حُمْر النعم))، ووصف الرعاة بـ(البهم))
إما لأنهم مجهولو الأنساب، ومنه أُبْهِم الأمر، فهو مبهم، إذا لم تُعرَف
حقيقته. وقال القرطبي: الأولى أن يُحمَل على أنهم سُود الألوان؛ لأن الأُدْمة
غالب ألوانهم، وقيل: معناه أنهم لا شيء لهم، كقوله وَله: ((يُحْشَر الناس حُفاةً
عُرَاةً بُهْماً))، قال: وفيه نظر؛ لأنه قد نُسِب له الإبل، فكيف يقال: لا شيء
لهم؟
قال الحافظ: يُحمَل على أنها إضافة اختصاص، لا ملك، وهذا هو
الغالب أن الراعي يَرعَى لغيره بالأجرة، وأما المالك فقَلَّ أن يباشر الرَّعْي
بنفسه(٢). وقد تقدّم البحث في هذا في الباب الماضي بأتمَّ مما هنا، فراجعه
تستفد .
(فِي الْبُنْيَانِ) أي: في تطويله (فَذَالَكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ) أي: عِلْمُ
وقت الساعة داخل في جملة خمس، وحَذْفُ مُتَعَلَّق الجارّ سائغ، كما في قوله
تعالى: ﴿فِي تَسْعِ ◌َتٍ﴾ [النمل: ١٢]، أي: اذْهَبْ إلى فرعون بهذه الآية، في
جملة تسع آيات .
(١) ((المفهم)) ١/ ١٥٠ - ١٥١.
(٢) راجع: ((الفتح)) ١/ ١٥٠.

١٨٩
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠٥)
وفي رواية عطاء الخراساني: ((قال: فمتى الساعة؟ قال: هي في خمس
من الغيب، لا يعلمها إلا الله)).
وقال القرطبيّ: قوله: ((في خمس إلخ)): فيه حذف، وتوسّعٌ: أي: هي
من الخمس التي قد انفرد الله بعلمها، أو في عددهنّ، فلا مطمع لأحد في علم
شيء من هذه الأمور الخمس، ولقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا
إِلَّا هُوَّ﴾ [الأنعام: ٥٩]، فلا طريق لعلم شيء من ذلك، إلا أن يُعْلِم الله تعالى
بذلك، أو بشيء منه أحداً ممن شاءه، كما قال تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ
عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا ﴿ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا
[الجن: ٢٦ - ٢٧]، فمن ادّعى علم شيء من هذه الأمور كان في دعواه
كاذباً، إلا أن يُسند ذلك إلى رسول بطريق تفيد العلم القطعيّ، ووجود ذلك
متعذّر، بل ممتنعٌ، وأما ظنّ الغيب، فلم يتعرّض شيء من الشرع لنفيه، ولا
لإثباته، فقد يجوز أن يظنّ المنجّم، أو صاحب خطّ الرمل، أو نحو هذا شيئاً
مما يقع في المستقبل، فيقع على ما ظنّه، فيكون ذلك ظنّاً صادقاً، إذا كان عن
موجب عاديّ يقتضي ذلك الظنّ، وليس بعلم، فيُفهم هذا منه، فإنه موضع غَلِطَ
بسببه رجالٌ، وأُكلت به أموالٌ.
[ثم اعلم]: أن أخذ الأجرة، والْجُعْل، وإعطائها على ادّعاء علم الغيب،
أو ظنّه لا يجوز بالإجماع، على ما حكاه أبو عمر بن عبد البرّ. انتهى (١).
وقال في ((الفتح)): وجاء عن ابن مسعود ظ ◌ُبه قال: أُوتي نبيكم بَّر علم
كل شيء، سوى هذه الخمس. وعن ابن عمر مرفوعاً نحوه، أخرجهما أحمد.
وأخرج حميد بن زنجويه، عن بعض الصحابة، أنه ذُكر العلم بوقت الكسوف
قبل ظهوره، فأنكر عليه، فقال: إنما الغيب خمس، وتلا هذه الآية، وما عدا
ذلك غيب، يعلمه قوم، ويجهله قوم.
[تنبيه]: تضمن الجواب زيادة على السؤال؛ للاهتمام بذلك، إرشاداً
للأمة؛ لما يترتب على معرفة ذلك من المصلحة.
[فإن قيل]: ليس في الآية أداة حصر، كما في الحديث؟ أجاب الطيبي
(١) ((المفهم)) ١٥٥/١ - ١٥٦.
:

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
بأن الفعل، إذا كان عظيم الخطر، وما ينبني عليه الفعل رفيع الشأن، فُهم منه
الحصر على سبيل الكناية، ولا سيما إذا لُوحظ ما ذُكر في أسباب النزول، من
أن العرب كانوا يَدَّعُون علم نزول الغيث، فيُشعر بأن المراد من الآية نفي
علمهم بذلك، واختصاصه بالله تُمال .
[فائدة]: النكتة في العدول عن الإثبات إلى النفي في قوله تعالى: ﴿وَمَا
تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، وكذا التعبير بالدراية، دون العلم؛
للمبالغة والتعميم، إذ الدراية اكتساب على الشيء بحيلة، فإذا انتفى ذلك عن
كل نفس، مع كونه من مختصاتها، ولم تقع منه على علم، كان عدم اطلاعها
على علم غير ذلك من باب أولى. انتهى ملخصاً من كلام الطيبي.
(لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّ اللهُ، ثُمَّ تَلَا) أي النّبِيّ ◌َّ: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلَّمُ السَّاعَةِ﴾
[لقمان: ٣٤]) أي: علم وقت قيامها (وَيُنَزِّلُ) قرأ بالتشديد ابن عامر، ونافع،
وعاصم من السبعة، وقرأ الباقون بالتخفيف، وهو عطف على ما يقتضيه الظرف
من الفعل، تقديره: إن الله يَثْبُتُ عنده علم الساعة، وينزل (الْغَيْثَ) أي: المطر
في إبّانه من غير تقديم ولا تأخير (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) أذكرٌ أو أنثى، تامّ أو
ناقص (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ) برّة كانت أو فاجرةً (مَاذَا تَكْسِبَ غَداً) من خير أو شرّ،
فربّما كانت عازمةً على فعل خير، فعملت شَرًّا، أو بالعكس (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ
بِأَِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) أي: أين تموت، فربّما أقامت بأرض، وضربت أوتادها،
وقالت: لا أبرحها، فترمي بها مرامي الأقدار حتى تموت في مكان لم يخطر
بيالها (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ) بالغيوب (خَبِيرٌ) بما كان ويكون.
قال النسفيّ تَخُّْهُ: جَعَلَ العلم لله، والدراية للعبيد؛ لما في الدراية من
معنى الْخَتْلِ والحيلة، والمعنى أنها لا تَعْرِفُ، وإن أعمَلَت حِيَلَها ما يختصّ
بها، ولا شيءَ أخصّ بالإنسان من كسبه وعاقبته، فإذا لم يكن له طريق إلى
معرفتهما كان معرفة ما عداهما أبعدَ، وأما المنجّم الذي يُخبر بوقت الغيث
والموت، فإنه يقول بالقياس، والنظر في الطالع، وما يُدرَك بالدليل لا يكون
غيباً، على أنه مجرّد الظنّ، والظنّ غير العلم. انتهى كلام النسفيّ(١).
(١) راجع: ((تفسير النسفيّ)) ٢٨٥/٣ - ٢٨٦.

١٩١
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠٥)
وقال الحافظ ابن كثير تَخّتُهُ(١): هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى
بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها، فعِلمُ وقت الساعة لا يعلمه
نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ﴿لَا يُحِلِّهَا لِوَقِهَا إِلَّا هُوْ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وكذلك
إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أَمَرَ به علمته الملائكة الموكلون
بذلك، ومن شاء الله من خلقه، وكذلك لا يَعْلَم ما في الأرحام مما يريد أن
يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أَمَر بكونه ذكراً أو أنثى، أو شقيّاً أو سعيداً، علم
الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه، وكذا لا تدري نفس ماذا
تكسب غداً في دنياها وأخراها وما تدري نفس بأي أرض تموت في بلدها أو
غيره، من أيّ بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك، وهذه شَبِيهة بقوله تعالى:
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ الآية [الأنعام: ٥٩]، وقد وردت السنة
بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب.
قال: وقال ابن أبي الدنيا: حدثني سليمان بن أبي مسيح، قال: أنشدني
محمد بن الحكم لأعشى همدان [من البسيط]:
سِوَى حَنْوطِ غَدَاةَ الْبَيْنِ مَعْ خِرَقٍ
فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُهُ
وَقَلَّ ذَلِكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقٍ
وَغَيْرِ نَفْحَةِ أَعْوَادٍ تُشَبُّ لَهُ(٢)
إِلَى مَنِيَّتِه سَيَّارٌ فِي عَنَقِ
لَا تَأْسَيَنَّ عَلَى شَيْءٍ فَكُلُّ فَتَّى
مُعَلَّلٌ بِأَعَالِيلٍ مِنَ الْحُمُقِ
وَكُلُّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَوْتَ يُخْطِئُهُ
إِنْ لَا يَسِيرُ(٣) إِلَيْهَا طَائِعاً يُسَقِ
بِأَيِّمَا بَلْدَةٍ تُقْدَرْ مَنِيَّتُهُ
أورده الحافظ ابن عساكر تَخْذَلُهُ في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن
الحارث، وهو أعشى هَمْدَان، وكان الشعبي زوج أخته، وهو مُزَوَّج بأخت الشعبي
أيضاً، وقد كان ممن طَلَب العلم وتَفَقَّهَ، ثم عدل إلى صناعة الشعر، فعُرِف به (٤).
وأخرج ابن عساكر عن المبرّد قال: كان عمر بن عبد العزيز كثيراً ما
ـتمثّل :
(١) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٤٥٤/٣.
(٢) وعند ابن عساكر: ((تسير له)).
(٣) وفي ((تاريخ دمشق)). أي ((يُسَبَّح)).
(٤) راجع ترجمته في: ((تاريخ دمشق)) ٤٧٨/٣٤ - ٤٨٢.

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
سِوَى حَنُوطٍ غَدَاةَ الْبَيْنِ في خِرَقِ
فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُهُ
وَقَلَّ ذَلِكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ
وَغَيْرٍ نَفْجَةِ أَعْوَادٍ تُشَبُّ لَهُ
إِلَا يَسْرِ طَائِعاً فِي قَصْدِهَا يُسَقِ(١)
بِأَيِّ مَا بَلَدٍ كَانَتْ مَنِيَّتُهُ
وقد روى ابن ماجه في ((سننه)) (٤٢٦٣) بسند صحيح، عن عبد الله بن
مسعود، عن النبيّ وَّل9 قال: ((إذا كان أجل أحدكم بأرض، أوثبته إليها
الحاجة، فإذا بلغ أقصى أثره، قبضه الله سبحانه، فتقول الأرض يوم القيامة:
رَبِّ هذا ما استودعتني))(٢).
وأخرج الطبراني في ((الكبير)) بإسناده صحيح أيضاً عن أسامة بن زيد
أن رسول الله وَ لّه قال: ((ما جَعَلَ الله مَنِيَّة عبد بأرض، إلا جعل له إليها
حاجة))(٣).
(قَالَ) أبو هريرة رَُّبهِ (ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ) أي: ذهب (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ:
(رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ))) أي: ائتوني به (فَأَخَذُوا) أي: فشرعوا (لِيَرُدُّوهُ) وفي رواية
عمارة التالية: ((فالْتُمِسَ، فلم يجدوه)) (فَلَمْ يَرَوْا شَيْئاً) فيه أن المَلَك يجوز أن
يتمثل لغير النبيّ وَّ فيراه، ويتكلم بحضرته وهو يسمع، وقد ثبت عن عمران بن
حصين ◌ًا أنه كان يسمع كلام الملائكة.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَِّ هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ)))، وفي رواية
عمارة التالية: ((هذا جبريل أراد أن تَعَلَّموا؛ إذ لم تسألوا))، وفي رواية أبي فَرْوة
عند النسائيّ: ((والذي بعث محمداً بالحق ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه
لجبريل))، وفي حديث أبي عامر الأشعريّ عند أحمد بسند حسن - كما قال
الحافظ -: ((ثم وَلّى، فلما لم نَرَ طريقه، قال النبي ◌َّ: ((سبحان الله، هذا جبريل
جاء ليعلم الناس دينهم، والذي نفس محمد بيده، ما جاءني قط إلا وأنا أعرفه،
إلا أن تكون هذه المرة))، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في حديث عمر نظُّئه
الماضي، وكذا البحث عن المسائل المتعلّقة به، قد استوفيته هناك، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١). راجع: ((تاريخ دمشق)) ٢٤٠/٤٥.
(٢) راجع: ((سنن ابن ماجه)) ١٤٢٤/٢.
(٣) ((المعجم الكبير)) ١٧٨/١ رقم (٤٦١).

١٩٣
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠٥)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ربه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) رحمه الله تعالى هنا في ((الإيمان)) (١ /١٠٥) عن أبي
بكر بن أبي شيبة، وزُهير بن حرب جميعاً، عن ابن عُليّة - (ح) عن محمد بن
عبد الله بن نمير، عن محمد بن بشر - كلاهما عن أبي حيان التيميّ - و(١/
١٠٧) عن زهير بن حرب، عن جرير، عن عمارة بن القعقاع - كلاهما عن أبي
زرعة بن عمرو بن جرير، عنه. وأخرجه (البخاريّ) (١٩/١) عن مسدّدٌ، عن
إسماعيل بن إبراهيم، و(١٤٤/٦) عن إسحاق، عن جرير بن عبد الحميد، عن
أبي حیّان به.
و(أحمد) (٢/ ٤٢٦) عن إسماعيل بن علية، عن أبي حيّان به.
و(ابن ماجه) (٦٤) و(٤٠٤٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن
عليّة به و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٥ و٨٦).
و(ابن خزيمة) (٢٢٤٤) عن يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، عن ابن عليّة
به، (ح) وعن يوسف بن موسى، عن جرير به، (ح) وعن موسى عبد الرحمن
المسروقيّ عن أبي أسامة، عن أبي حيّان به، (ح) وعن عبدة بن عبد الله
الْخُزَاعِيّ، عن محمد بن بشر، عن أبي حيّان التيميّ به. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة) :
ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى في ((الإكمال)) عن الإمام
المازريّ تَخْلُ أنه قال في ((شرحه)): خرّجه - يعني هذا الحديث - مسلم عن
زهير بن حرب، عن جرير، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله ◌َلّر ... الحديث، ثم قال مسلم: جرير كنيته أبو عمرو، وأبو
زرعة اسمه عُبيد الله، وأبو زرعة هذا روى عنه الحسن بن عُبيد الله، وأبو زرعة
کوفّي من أشجع.
قال بعضهم (١): وقع هذا الكلام لمسلم في رواية ابن ماهان خاصّةً،
(١) هو أبو عليّ الْجَيّانيّ.

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وليس في رواية الجلوديّ، ولا الكسائيّ منه شيء، قال: وبين أهل العلم
خلافٌ في هذه الجملة.
أما قوله: أبو زرعة اسمه عُبيد الله، فقد قاله أيضاً في ((كتاب الطبقات))،
قال: وقال البخاريّ في ((تاريخه))، ومسلم في ((كتاب الكنى)): أبو زرعة اسمه
هَرِم، وخالفهما يحيى بن معين، فقال: أبو زرعة بن عمرو، واسمه عَمرو بن
عمرو، وكذا ذكره النسائيّ في الأسماء والكنى من تأليفه.
وأما قوله: أبو زرعة روى عن الحسن، فقد قاله البخاريّ أيضاً(١)، وقد
خولفا في ذلك، فقيل: الذي يروي عنه الحسن رجلٌ آخر يروي عن ثابت بن
قيس، اسمه هَرِم، قاله ابن المدينّي، وإليه ذهب ابن الجارود في ((كتاب
الكنى))، قال: ثم ذكر ابن الجارود ترجمة أخرى، فقال: أبو زرعة بن
عمرو بن جرير عن أبي هريرة ظله روى عنه عمارة بن القعقاع، والحارث
الْمُكْليّ، وأبو حيّان التيميّ، وكذا ذكر النسائيّ ترجمتين، كما فَعَل ابن
الجارود سواءً.
وأما قوله في رواية ابن ماهان: أبو زرعة كوفِيّ من أشجع، فقال
بعضهم: لا أعلم ما يقول، كيف يكون من أشجع؟ وأبو زرعة الذي في الإسناد
هو ابن عَمْرو بن جرير بن عبد الله الْبَجليّ، وأين يجتمع أشجع وبَجِيلة، إلا أن
یرید رجلاً آخر. انتهى كلامه(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن أبا زرعة بجليّ، لا أشجعيّ، وقد
تقدّم نحو هذا الكلام في ترجمة أبي زرعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل أول الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال:
[١٠٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
بِشْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّنَ التَّيْمِيُّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ: ((إِذَا وَلَدَتِ
الْأَمَّةُ بَعْلَهَا)» - يَعْنِي السَّرَارِيَّ).
(١) راجع: ((التاريخ الكبير)) ٢٤٣/٨.
(٢) ((إكمال المعلم)) ١٢٣/١ - ١٢٦.

١٩٥
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠٦)
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهمدانّي، أبو عبد الرحمن الکوفّي،
ثقة حافظ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) ٥/١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) بن الْفُرَافِصَة بن المختار الحافظ العبديّ، أبو
عبد الله الكوفِيّ، ثقة حافظ [٩].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عُمر
العمريّ، ويزيد بن زيادة بن أبي الجعد، والأعمش، وزكريا بن أبي زائدة،
والثوري، وشعبة، وغيرهم.
ورَوى عنه علي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن
راهويه، وأبو كريب، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وموسى بن حِزَام الترمذي،
وهارون بن عبد الله الْحَمّال، وموسى بن عبد الرحمن المسروقي، وعبدة بن
عبد الله الصفار، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: هو
أحفظ من كان بالكوفة. وقال الكديمي عن أبي نعيم: لَمّا خرجنا في جنازة
مِسْعَر جعلت أتطاول، فقلت: يجيئوني فيسألوني عن حديث مِسْعَر، فذاكرني
محمد بن بشر العبدي بحديث مسعر، فأغرب علي سبعين حديثاً لم يكن عندي
منها إلا حديث واحد. وفي ((المراسيل)) قال ابن معين: والله ما سمع محمد بن
بشر من مجاهد بن رُومي شيئاً، ولكنه مرسل. وقال النسائي، وابن قانع: ثقة.
وقال ابن الجنيد عن ابن معين: لم يكن به بأس. وقيل له: هو أحب إليك، أو
أبو أسامة؟ فقال: أبو أسامة. وقال ابن شاهين في: ((الثقات)): قال عثمان بن
أبي شيبة: محمد بن بشر ثقة ثبتٌ إذا حَدّث من كتابه.
قال البخاريّ، وابن حبان: مات سنة ثلاث ومائتين، وفيها أَرَّخه
يعقوب بن شيبة، ومحمد بن سعد، وزاد: في جمادى، وكان ثقةً كثير
الحدیث.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨٣) حديثاً .
٣ - (أبو حيّان التيميّ) يحيى بن سعيد بن حيّان المذكور قريباً.
وقوله: ((بهذا الإسناد)) الإشارة إلى إسناد أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير

١٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عن ابن عليّة، عن أبي حيّان، عن أبي زُرعة بن عمرو بن جرير، عن
أبي هريرة قته.
وقوله: ((مثله))، أي: مثل المتن السابق، وقد تقدَّم أنه لا يطلق لفظ ((مثل))
إلا إذا اتفقا لفظاً (١)، ولذا استثنى ما اختلفا فيه، وهو ((إذا ولدت الأمة بعلها)).
ولفظ رواية محمد بن بشر ساقه ابن خزيمة في ((صحيحه))، فقال:
حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّورقيّ، حدثنا ابن علية حدثنا أبو حيان (ح)
وحدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جرير، عن أبي حيان التيمي (ح) وحدثنا
موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا أبو أسامة، حدثني أبو حيان التيمي
(ح) وحدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي، أخبرنا محمد بن بشر، حدثني أبو
حيّان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: بينما رسول الله وَل يوماً بارزاً
للناس، إذ أتاه رجل يمشي فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: ((أن تؤمن
بالله، وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر))، قال: يا
رسول الله ما الإسلام؟ قال: ((أن تعبد الله، لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة،
وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان))، وقال: يا رسول الله، ما الإحسان؟
قال: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك))، قال:
يا رسول الله متى الساعة؟ قال: ((ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن
سأحدثك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربها - يعني السراري - فقال: فذلك من
أشراطها، وإذا تطاول رِعَاء الْبَهْم في البنيان، فذلك أشراطها، وإذا صار الْعُرَاة
الْحُفَاة رؤوس الناس، فذلك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا لله، ثم
تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى آخر السورة [لقمان: ٣٤]، ثم أدبر الرجل،
فقال النبي ◌َّ هذا جبريل، يعلم الناس دينهم))، هذا حديث محمد بن بشر(٢).
(١) هكذا ذكر الحاكم أبو عبد الله هذه القاعدة كما سبق بيانه في شرح المقدمة، لكن بتتبعي الصنيع
المصنف رحمه الله في هذا الكتاب ظهر لي أنه لا يفرق بين ((مثله)) و(نحوه))، فقد يستعمل كلّا
منهما فيما اتَّفَقَ لفظاً، أو معنى فقط، فمن أراد تحقيق ذلك، فليتابع صنيعه يتضح له تمام
الاتضاح، على أنه يمكن أن يكون الاختلاف واقعاً بعد المصنف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٢) ((صحيح ابن خزيمة)) ٤/ ٥.

١٩٧
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠٦)
وقوله: ((غير أن في روايته إلخ))، يعني: أن رواية محمد بن عبد الله بن
نمير قوله: ((إذا ولدت الأمة بعلها)) بدل رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير
بلفظ: ((إذا وَلَدت الأمة ربّها))، لكن وقع عند ابن خزيمة كما أسلفته آنفاً بلفظ
((ربّها))، فليُنظر.
وقوله: ((يعني السَّرَارِيّ)) هذه العناية من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من
هو؟.
و((السَّرَاريّ)): بتشديد الياء، ويجوز تخفيفها لغتان معروفتان، الواحدة
سُرِّيّة بالتشديد، قال ابن السِّكِّيت في ((إصلاح المنطق)): كل ما كان واحده
مشدّداً من هذا النوع جاز في جمعه التشديد والتخفيف، والسُّرِّية الجارية
الْمُتَّخَذَة للوطء، مأخوذة من السِّرِّ، وهو النكاح، قال الأزهريّ: السُّرّيّة فُعْلِيَّةٌ
من السِّرّ، وهو النكاح، قال: وكان أبو الهيثم يقول: السّرّ، والسُّرُور، فقيل
لها: سرية؛ لأنها سُرُور مالكها، قال الأزهريّ، وهذا القول أحسن، والأول
أكثر. ذكره النوويّ(١).
وقال ابن منظور: واختَلَف أهلُ اللغة في الجارية التي يتسرّاها مالكها لِمَ
سُمِّت سُرِّيّةً، فقال بعضهم: نُسبت إلى السِّرّ، وهو الجماع، وضُمّت السين
للفرق بين الحرّة والأمة توطأ، فيقال للحرّة إذا نُكحت سرّاً، أو كانت فاجرةً:
سِرِّيّةٌ - بالكسر - وللمملوكة يتسرّاها صاحبها: سُرّيّةٌ؛ مخافةَ اللَّيْسِ، وقال أبو
الْهَيثم: السِّرّ: السرور، فسميّت الجارية سُرّيّةً؛ لأنها موضع سُرُور الرجل،
قال: وهذا أحسن ما قيل فيها، وقال الليث: السُّرّيّةُ فُعْلِيّةٌ، من قولك:
تسرّرتُ، ومن قال: تسرّيت، فإنه غَلطٌ، وتعقّبه الأزهريّ، فقال: هو الصواب،
والأصلُ تسرّرت، ولكن لَمّا توالت ثلاث راءات أبدلوا إحداهنّ ياء، كما
قالوا: تظنّيتُ من الظنّ، وقصّيتُ أظفاري، والأصل قَصَصتُ، ومنه قول
العجاج [من الرجز]:
تَقَضِّيَ الْبَازِي إِذَا الْبَازِي كَسَرْ
انتهى كلام ابن منظور بتصرّف يسير (٢).
(١) (شرح مسلم)) ١/ ١٦٤.
(٢) ((لسان العرب)) ٣٥٨/٤.

١٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال ابن الأثير: المراد بالبعل ها هنا المالك، يعني كثرة السبي،
والتسرّي، فإذا استولد المسلم جاريةً كان ولدها بمنزلة ربّها. انتهى(١). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل أول الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال:
[١٠٧] (١٠) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ - وَهُوَ
ابْنُ الْقَعْقَاعِ - عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ:
((سَلُونِي، فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ،
مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: ((لَا تُشْرِكُ بِاللّهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ
رَمَضَانَ))، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللّهِ،
وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُوْمِنَ بِالْبَعْثِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ)، قَالَ:
صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَخْشَى اللّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ،
فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ))، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى
تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((مَا الْمسئول عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ، وَسَأُحَدَّثُكَ عَنْ
أَشْرَاطِهَا، إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ
الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ، مُلُوَكَ الْأَرْضِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ رِعَاءَ الْبَهْم،
يَتَطَاوَلُونَ، فِي الْبُنْيَانِ، فَذَالَكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ مِنْ الْغَيْبِ، لَا يَعْلَمُهُنَّ
إِلَّ اللّهُ))، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُتَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَامِ
وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْكَسِبُ غَدَّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ
خَبِيرٌ (٣)﴾ [لقمان: ٣٤]، قَالَ: ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((رُدُّوهُ
عَلَيَّ، فَالْتُمِسَ، فَلَمْ يَجِدُوهُ))، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((هَذَا جِبْرِيلُ، أَرَادَ أَنْ
تَعَلَّمُوا، إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (جَرِيرٌ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ الكوفّي، نزيل الرَّيِّ،
(١) ((النهاية)) ١٤١/١.

١٩٩
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠٧)
وقاضيها، ثقة، صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يَهِمُ من حفظه [٨]
(ت١٨٨) (ع) ٤٩/٥.
٢ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ)(١) بن شُبْرُمة - بضم المعجمة والراء، بينهما
موحّدة ساكنة - الضبي - بالمعجمة، والموحّدة - الكوفي، ابن أخي عبد الله بن
شُبْرُمة، وكان أكبر من عمه، ثقة [٦].
رَوَى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، وعبد الرحمن بن أبي نُعْم
البجلي، والحارث الْعُكْلِيّ، والأخنس بن خليفة الضبي.
ےے
وروى عنه الحارث العكليُّ شيخه، وابنه القعقاع بن عُمارة، والأعمش،
وفضيل بن غَزْوان، وابنه محمد بن فضيل، وعبد الواحد بن زياد، والسفيانان،
وشريك، وغيرهم. قال البخاريّ عن علي: له نحو ثلاثين حديثاً. وقال ابن
معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. ووثقه ابنُ سعد،
ويعقوب بن سفيان. وذكره ابن حبان في الثقات))، وقال ابن عيينة: عُمارة بن
القعقاع ابن أخي عبد الله بن شُبْرُمة، وعبدُ الله بن عيسى ابن أخي محمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى كانوا يقولون: هما أفضل مِن عَمَّيهما. وقال ابن أبي
حاتم في المراسيل)) عن أبيه: عُمَارة بن القعقاع عن ابن مسعود، ليس بمتصل،
بينهما رجل .
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٦) حديثاً .
والباقون تقدّموا قريباً، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، والله
تعالى وليّ التوفيق.
وقوله: ((وهو ابن القعقاع))، زاد المصنّف قوله: ((وهو))، ولم يقل:
عمار بن القعقاع؛ لأن شيخه زهيراً لم ينسبه إلى أبيه، وإنما قال: ((حدّثنا جريرٌ
عن عمارة، عن أبي زرعة، فأراد المصنّف أن يبيِّنه بذكر أبيه، فزاد ((وهو))؛
لئلا يكون كاذباً على شيخه، وقد تقدّم بيان هذا غير مرّة، فلا تغفل.
وقوله: ((سلوني إلخ))، هذا ليس بمخالف للنهي عن سؤاله في قوله ريك: ﴿لَا
تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ الآية [المائدة: ١٠١]، فإن هذا المأمور به هو فيما يحتاج إليه، فهو
(١) ((عُمارة - بضم العين المهملة، وتخفيف الميم -، و((القعقاع)) بفتح القاف الأولى.

البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٢٠٠
موافقٌ لقوله رَى: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الآية [النحل: ٤٣](١).
وفيه أمر العالم الناس بسؤاله عما يحتاجون إليه؛ ليبيّه لهم، وأنهم إن لم
يُحسنوا السؤال ابتدأ التعليم من قِبَل نفسه، كما فعل جبريل ظلَّلا، أو يَجعل من
يسأل، فيُجيبُ بما يلزمهم علمه(٢).
وقوله: ((وتؤمن بالقدر))، قيل: لعلّ الحكمة في إعادة لفظ: ((وتؤمن كأنها
إشارة إلى ما يقع فيه من الاختلاف، فحصل الاهتمام بشأنه بإعادة ((تؤمن))، ثم
أكّده بقوله: ((كلّه))، بل في الرواية الأخرى بالإبدال بقوله: ((خيره وشرِّه،
وحُلْوِهِ ومُرِّه))، ثم زاده تأكيداً بقوله في الرواية الأخرى أيضاً: ((من الله)).
وقوله: ((وإذا رأيت الْحُفَاة الْعُرَاة الصُّمَّ الْبُكْم)): المراد بهم الْجَهَلَة السَّفَلَة
الرّعاع، وقيل لهم: ذلك مبالغةً في وصفهم بالجهل، كما قال ◌َالَ: ((صمّ بكم
عُميٌّ))، أي لَمّا لم ينتفعوا بجوارحهم هذه، فكأنهم عَدِموها، يعني أنهم لم يستعملوا
أسماعهم، ولا أبصارهم في شيء من أمر دينهم، وإن كانت حَوَاسُهم سَلِيمة.
وقوله: ((ملوك الأرض))، وفي رواية: ((رؤوس الناس))، وأراد بهم أهلَ
البادية، كما صرح به في رواية سليمان التيمي وغيره قال: ((ما الحفاة العراة))؟
قال: ((الْعُرَيب)) وهو بالعين المهملة على التصغير، وفي الطبراني من طريق أبي
حمزة، عن ابن عباس ◌ّها مرفوعاً: ((مِن انقلاب الدين تَفْصُّح النَّبَط، واتخاذهم
القُصُور في الأمصار)).
قال القرطبيّ تَخْلُهُ: المقصود الإخبار عن تبدل الحال، بأن يستولي أهلُ
البادية على الأمر، ويتملكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم، وتنصرف هممهم
إلى تشييد البنيان، والتفاخر به، وقد شاهدنا ذلك في هذا الزمان، ومنه
الحديث الآخر: ((لا تقوم الساعة حتى يكون أسعدُ الناس بالدنيا لُكَعَ ابن
لُكَع))، ومنه: ((إذا وُسِّد الأمرُ إلى غير أهله، فانتظروا الساعة))، وكلاهما في
((الصحيح)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾
[هود: ٨٨].
(١) راجع: ((شرح النووي)) ١٦٥/١.
(٢) ((إكمال المعلم)) ١٢٦/١.