النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
(المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): ما ساقه المصنّف رحمه الله تعالى من أجله، وهو بيان شرح
الإسلام، والإيمان، والإحسان، وغير ذلك، ولذا يَصْلُح، أن يقال هذا
الحديث أُمُّ السنة؛ لما تضمنه من جُمَل علم السنة، كما سُمّيت الفاتحة أم
الكتاب؛ لِمَا تضمّنته من جُمل معاني القرآن. قاله القرطبيّ، وقال الطيبي: لهذه
النكتة استفتح به البغوي، كتابيه ((المصابيح))، و((شرح السنة))؛ اقتداء بالقرآن في
افتتاحه بالفاتحة؛ لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالاً .
وقال القاضي عياض: قد اشتمل هذا الحديث، على جميع وظائف
لرسول الله ( من هذا، كأنه يعلم رسول الله وَثر، ثم قال: يا رسول الله أخبرني
=
عن الإحسان؟ قال: ((أن تعبد الله، أو تعبده كأنك تراه، فإن لا تراه فإنه يراك))،
كل ذلك نقول: ما رأينا رجلاً أشد توفيراً لرسول الله من هذا، فيقول: صدقت
صدقت، قال: أخبرني عن الساعة، قال: ((ما المسؤول عنها بأعلم بها من
السائل))، قال: فقال: صدقت، قال ذلك مراراً، ما رأينا رجلاً أشد توقيراً
لرسول الله ﴿ من هذا، ثم ولَّى، قال سفيان: فبلغني أن رسول الله وَ خلال قال:
((التمسوه))، فلم يجدوه، قال: ((هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم، ما أتاني في
صورة إلا عرفته، غير هذه الصورة)).
حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن
ابن عمر قال: سألت ابن عمر، أو سأله رجل، إنا نسير في هذه الأرض، فنلقى
قوماً يقولون: لا قدر، فقال ابن عمر: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن عبد الله بن
عمر منهم بريء، وهم منه برآء، قالها ثلاث مرات، ثم أنشأ يحدثنا، قال: بينا
نحن عند رسول الله وَالر، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله أدنو؟ فقال: ((ادنه))،
فدنا رَتْوَةً، ثم قال: يا رسول الله أدنو؟ فقال: ((ادنه))، فدنا رَتْوَة، ثم قال: يا
رسول الله أدنو؟ فقال: ((ادنه))، فدنا رتوة، حتى كادت أن تمس ركبتاه ركبة
رسول الله وَ ◌ّل، فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ ... ، فذكر معناه. انتهى.
فهذا صريح، بأن رواية سفيان من مسند ابن عمر، لا من مسند عمر ◌ًا، هذا هو
الصواب في هذه الرواية.
لكن الذي يظهر لي أن كونه من مسند عمر ربه، هو الأرجح؛ لأَنَّ رواته أوثق،
وأكثر، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب.

١٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
العبادات، الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، ابتداءً، وحالاً، ومآلاً، ومن
أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن
علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه. قال: وعلى هذا الحديث،
وأقسامه الثلاثة، ألّفنا كتابنا الذي سمّيناه بـ((المقاصد الحسان فيما يلزم
الإنسان))، إذ لا يشذّ شيء من الواجبات، والسنن، والرغائب، والمحظورات،
والمكروهات عن أقسامه الثلاثة. انتهى.
٢ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض كََّثُ: في جملة هذا الحديث إنكار
صدر هذه الأمة مقالة أهل القدر، وأنها محدثةٌ وبدعة، كما جاء في الحديث:
أول من تكلم به معبد بالبصرة.
٣ - (ومنها): أن فيه فَزَعَ السلف في الأمور الطارئة عليهم في الدين إلى
ما عند أصحاب النبيّ ◌َ﴿؛ إذ هم الذين أُمرنا بالاقتداء بهم، ولِمَا عندهم
عنه ◌َّ في ذلك من علم وأثر، ولهذا نَقَل مالك تَخُّْهُ في ((جامعه)) من قول
في هذا ما نَقَل.
الصحابة
٤ - (ومنها): أن فيه دليلاً على استحباب تحسين الثياب والهيئة، والنظافة
عند الدخول على العلماء والفضلاء والملوك، فإن جبريل ◌ُالَّلهُ أتى معلِّماً
للناس، كما أخبر به النبيّ وَّ، فيكون تعليمه بحاله ومقاله.
٥ - (ومنها): ابتداء الداخل بالسلام على جميع من دخل عليه، وإقباله
على رأس القوم، فإنه قال: السلام عليكم، فعمّ، ثم قال: يا محمد،
فخصّ(١).
٦ - (ومنها): أن فيه أن المَلَكَ يجوز أن يتمثل لغير النبي ◌َّ، فيراه،
ويتكلم بحضرته، وهو يسمع، وقد ثبت عن عمران بن حصين رضي الله تعالى
عنهما أنه كان يسمع كلام الملائكة.
٧ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن الله تعالى مكّن الملائكة من أن يتمثّلوا
فيما شاؤوا من صُوَر بني آدم، كما نصّ الله رَك على ذلك في قوله تعالى:
﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًا﴾ [مريم: ١٧]، وقد كان جبريللعلّها يتمثّل للنبيّ وَّ في
(١) ((المفهم)) ١٣٨/١ - ١٣٩.

١٢٣
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
صورة دحية بن خليفة الكلبيّ رَظُه، وقد كان لجبريل صورة خاصّة، خُلق
عليها، لم يره النبيّ وَ لّ عليها غير مرّتين، كما صحّ الحديث بذلك(١).
٨ - (ومنها): جواز الاستئذان في القرب من الإمام مراراً، وإن كان
الإمام في موضع مأذون في دخوله.
٩ - (ومنها): ترك الاكتفاء بالاستئذان مرّة، أو مرّتين على جهة التعظيم،
والاحترام.
١٠ - (ومنها): جواز اختصاص العالم بموضع مرتفع من المسجد، إذا
دعت الحاجة إلى ذلك، لضرورة التعليم، أو غيره؛ لما يأتي في حديث الباب
التالي: ((فبنينا له دكّاناً من طين، كان يجلس عليه)).
١١ - (ومنها): أنه ينبغي لمن حضر مجلس العالم إذا علم بأهل المجلس
حاجةً إلى مسألة، لا يسألون عنها، أن يسأل هو عنها؛ ليحصل الجواب
للجميع.
١٢ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن يرفق بالسائل، ويُدنيه منه؛ ليتمكّن من
سؤاله، غير هائب، ولا منقبض، وأنه ينبغي للسائل أن يرفق في سؤاله.
١٣ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم إذا سئل عما لا يعلم، أن يصرح بأنه لا
يعلمه، ولا يكون في ذلك نقص من مرتبته، بل يكون ذلك دليلاً على مزيد
ورعه. قاله النوويّ رحمه الله تعالى.
١٤ - (ومنها): ما قاله القرطبي رحمه الله تعالى: مقصود هذا السؤال
كَفُّ السامعين عن السؤال، عن وقت الساعة؛ لأنهم قد أكثروا السؤال عنها،
كما ورد في كثير من الآيات، والأحاديث، فلما حصل الجواب بما ذُكر هنا،
حصل اليأس من معرفتها، بخلاف الأسئلة الماضية، فإن المراد بها استخراج
الأجوبة، ليتعلمها السامعون، ويعملوا بها، ونبه بهذه الأسئلة على تفصيل ما
يمكن معرفته، مما لا يمكن.
١٥ - (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر رحمه الله تعالى: في قوله: ((يعلمكم
دينكم))، دلالة على أن السؤال الحسن، يُسَمَّى علماً وتعليماً؛ لأن جبريل علَّلهُ
(١) ((المفهم)) ١٥٢/١.

١٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لم يصدر منه سوى السؤال، ومع ذلك فقد سماه النبيّ وَّر معلماً، وقد اشتهر
قولهم: ((حُسنُ السؤال نصف العلم))، ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث؛ لأن
الفائدة فيه انْبَنَتْ على السؤال والجواب معاً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في إتمام البحث المتعلّق بتفسير الإحسان.
قال في ((الفتح)): دل سياق الحديث، على أن رؤية الله في الدنيا
بالأبصار غير واقعة، وأما رؤية النبي ◌َل﴿، فذاك لدليل آخر، وقد صرح مسلم
في روايته، من حديث أبي أمامة رَظُله بقوله وَ له: ((واعلموا أنكم لن تروا ربكم
حتى تموتوا)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رؤية النبيّ وَّه لربه يَقَظَّةً ببصره مسألة
اختلف فيها، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في محلّه، مع ترجيح القول
بعدمها؛ لقوة أدلته. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرح البخاريّ)): وأما
الإحسان ففسّره بنفوذ البصائر في الملكوت حتى يصير الخبر للبصيرة كالعيان،
فهذه أعلى درجات الإيمان، ومراتبه، ويتفاوت المؤمنون، والمحسنون في
تحقيق هذا المقام تفاوتاً كثيراً بحسب تفاوتهم في قوة الإيمان والإحسان، وقد
أشار النبيّ وَلّ إلى ذلك ههنا بقوله: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن
تراه، فإنه يراك)). قيل: المراد أن نهاية مقام الإحسان أن يعبد المؤمن ربّه كأنه
يراه بقلبه، فيكون مستحضراً ببصيرته وفكرته لهذا المقام، فإن عجز عنه، وشقّ
عليه انتقل إلى مقام آخر، وهو أن يعبد الله على أن الله يراه، ويطّلع على سرّه
وعلانيته، ولا يخفى عليه شيء من أمره. وقد وصّى النبيّ وَّ طائفة من
أصحابه أن يعبدوا الله كأنهم يرونه، منهم ابن عمر، وأبو ذرّ ﴿ه، ووصّى
معاذاً نظوبه أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل ذي هيبة من أهله.
قال بعض السلف: من عمل لله على المشاهدة، فهو عارف، ومن عمل
على مشاهدة الله إياه فهو مخلص، فهذان مقامان:
[أحدهما]: مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه،
واطلاعه عليه، فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله تعالى، فيراقبه في حركاته،

١٢٥
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
وسكناته، وسرّه، وعلانيته، فهذا مقام المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقام
الإحسان .
[والثاني]: أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة، فيصير كأنه يرى الله،
ويُشاهده، وهذا نهاية مقام الإحسان، وهو مقام العارفين، وحديث حارثة نقلته
هو من هذا المعنى (١)، فإنه قال: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر
إلى أهل الجنّة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوَوْن فيها، فقال النبيّ وَّ:
((عرفت، فالزم، عبدٌ نوّر الله الإيمانَ في قلبه)). وهو حديث مرسلٌ، وقد روي
مسنداً بإسناد ضعيف .
وكذلك قول ابن عمر لعروة لَمّا خطب إليه ابنته في الطواف، فلم يَرُدّ
عليه، ثم لقيه، فاعتذر إليه، وقال كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا. ومنه
الأثر الذي ذكره الفضيل بن عياض: يقول الله: ما أنا مطّلع على أحبابي إذا
جنّهم الليل، جعلت أبصارهم في قلوبهم، ومَثَلتُ نفسي بين أعينهم، فخاطبوني
على المشاهدة، وكلّموني على حضوري.
وبهذا فُسّر المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [الروم: ٢٧]، ومثله قوله تعالى: ﴿ اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ فِهَا مِصْبَاغُّ الْمِصْبَحُ فِ زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوَكَبٌ دُرِىٌ يُوقَدُ مِن شَجَرَةِ
مُبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْفِيَّةٍ وَلَ غَرِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍّ
يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمَْلَ لِلنَّاسِنُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
[النور: ٣٥].
قال أبيّ بن كعب وغيره من السلف: مثل نوره في قلب المؤمن. فمن
وصل إلى هذا المقام فقد وصل إلى نهاية الإحسان، وصار الإيمان لقلبه بمنزلة
العيان، فعرف ربّه، وأَنِس به في خلوته، وتنعّم بذكره ومناجاته ودعائه، حتى
ربما استوحش من خلقه، كما قال بعضهم: عجبت للخليقة كيف أَنَسَتْ
بسواك؟ بل عجبتُ للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك. وقيل لآخر: أما
تستوحش؟ قال: كيف أستوحش، وهو يقول: أنا جليس من ذكرني؟ وقيل
(١) لكن الحديث ضعيف، كما سيأتي قريباً.

١٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لآخر: أما تستوحش وحدك؟ قال: ويستوحش مع الله أحد؟ وكان حبيب أبو
محمد يخلو في بيته، ويقول: من لم تقرّ عينه بك، فلا قرّت عينه، ومن لم
يأنس بك، فلا أَنِس. وقال الفضيل: طوبى لمن استوحش من الناس، وكان الله
جليسه. وقال معروف لرجل: توكّل على الله حتى يكون جليسك، وأنيسك،
وموضع شكواك. وقال ذو النون: علامة المحبّين الله أن لا يأنسوا بسواه، ولا
يستوحشوا معه، ثم قال: إذا سكن القلبَ حبُّ الله أنس بالله؛ لأن الله أجلّ في
صدور العارفين أن يُحبّوا غيره.
وقوله وَ﴾: ((اعبد الله كأنك تراه)) إشارةٌ إلى أن العابد يتخيّل ذلك في
عبادته، لا أنه يراه حقيقة ببصره، ولا بقلبه.
وأما من زعم أن القلوب تصل في الدنيا إلى رؤية الله عياناً، كما
تراه الأبصار في الآخرة، كما يزعم ذلك من يزعمه من الصوفيّة، فهو
زعم باطلٌ، فإن هذا المقام هو الذي قال من قال من الصحابة، كأبي
ذرّ، وابن عباس، وغيرهما، ورُوي عن عائشة أيضاً أنه حصل للنبيّ وَليله
مرتين .
وروي في ذلك أحاديث مرفوعة أيضاً، وكذا قال جماعة من التابعين: إنه
رآه بقلبه، منهم الحسن، وأبو العالية، ومجاهد، وعبد الله بن الحارث بن
نوفل، وإبراهيم التيميّ، فلو كان هؤلاء لا يعتقدون أن رؤية القلب مشتركة بين
الأنبياء وغيرهم، لم يكن في تخصيص النبيّ 18َ بذلك مزيّة، له، لا سيما
وإنما قالوا: إنها حصلت له مرّتين؛ فإن هؤلاء الصوفيّة يزعمون أن رؤية القلب
تصير حالاً، ومقاماً دائماً، أو غالباً لهم، ومن هنا ينشأ تفضيل الأولياء على
الأنبياء، ويتفرّع على ذلك أنواع من الضلالات، والمحالات، والجهالات،
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
فهذه المقامات الثلاث: الإسلام، والإيمان، والإحسان، يشملها اسم
الدين، فمن استقام على الإسلام إلى موته عصمه الإسلام من الخلود في النار،
وإن دخلها بذنوبه، ومن استقام على الإحسان إلى الموت، وصل إلى الله ێ،
قال تعالى: ﴿لِلَِّينَ أَحْسَنُواْ لَلُْسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقد فسّر النبيّ وَ ل
الزيادة بالنظر إلى وجه الله، أخرجه مسلم من حديث صهيب رعايته. انتهى كلام

١٢٧
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى وهو بحث نفيس(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله وَله: ((أن تلد
الأمة ربتها)).
قال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)): وقد اختلف العلماء قديماً
وحديثاً، في معنى ذلك، قال ابن التين: اختلف فيه على سبعة أوجه: فذكرها،
لكنها متداخلة، وقد لخصتها بلا تداخل، فإذا هي أربعة أقوال:
[الأول]: قال الخطابي: معناه اتساع الإسلام، واستيلاد أهله على بلاد
الشرك، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية، واستولدها، كان الولد منها
بمنزلة ربها؛ لأنه ولد سيدها. قال النووي، وغيره: إنه قول الأكثرين.
قال الحافظ: لكن في كونه المرادَ نظرٌ؛ لأن استيلاد الإماء كان موجوداً،
حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، واتخاذهم سراريّ،
وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع،
مما سيقع قرب قيام الساعة، وقد فسره وكيع في رواية ابن ماجه، بأخصّ من
الأول، قال: أن تلد العجم العرب، ووجهه بعضهم بأن الإماء يلدن الملوك،
فتصير الأم من جملة الرعية، والملك سيد رعيته، وهذا لإبراهيم الحربي، وقَرَّبَهُ
بأن الرؤساء في الصدر الأول، كانوا يستنكفون غالباً من وطء الإماء، ويتنافسون
في الحرائر، ثم انعكس الأمر، ولا سيما في أثناء دولة بني العباس، ولكن
رواية: ((ربتها)) بتاء التأنيث، قد لا تساعد على ذلك، ووجهه بعضهم بأن إطلاق
ربتها على ولدها مجاز؛ لأنه لما كان سبباً في عتقها بموت أبيه، أطلق عليه ذلك،
وخصه بعضهم بأن السبي إذا كثر، فقد يُسبَى الولد أولاً، وهو صغير، ثم يُعتَق،
ويكبر، ويصير رئيساً، بل ملكاً، ثم تُسبى أمه فيما بعدُ، فيشتريها عارفاً بها، أو
وهو لا يشعر أنها أمه، فيستخدمها، أو يتخذها موطوءة، أو يُعتقها ويتزوجها،
وقد جاء في بعض الروايات: ((أن تلد الأمة بَعْلها))، وهي عند مسلم، فتُحمل على
هذه الصورة، وقيل: المراد بالبعل المالك، وهو أولى؛ لتتفق الروايات.
(١) ((شرح البخاري)) ٢١١/١ - ٢١٥.

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[الثاني]: أن تبيع السادة أمهات أولادهم، ويكثر ذلك، فيتداول الْمُلّاك
المستولدة، حتى يشتريها ولدها، ولا يشعر بذلك، وعلى هذا فالذي يكون من
الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد، أو الاستهانة بالأحكام
الشرعية .
[فإن قيل]: هذه المسألة مختلف فيها، فلا يصلح الحمل عليها؛ لأنه لا
جهل، ولا استهانة عند القائل بالجواز.
[قلنا]: يصلح أن يحمل على صورة اتفاقية، كبيعها في حال حملها، فإنه
حرام بالإجماع.
[الثالث]: وهو من نمط الذي قبله، قال النووي: لا يختص شراء الولد
أمه بأمهات الأولاد، بل يُتصور في غيرهن، بأن تلد الأمة حُرّاً من غير سيدها،
بوطء شبهة، أو رقيقاً بنكاح، أو زناً، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعاً
صحيحاً، وتدور في الأيدي، حتى يشتريها ابنها، أو ابنتها، ولا يُعَكِّرُ على هذا
تفسير محمد بن بشر، بأن المراد السراري؛ لأنه تخصيص بغير دليل.
[الرابع]: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه، معاملة السيد
أمته، من الإهانة بالسب، والضرب، والاستخدام، فأُطلق عليه ربها مجازاً
لذلك، أو المراد بالرب المربي، فيكون حقيقة.
قال الحافظ: وهذا أَوْجَهُ الأَوْجُه عندي؛ لعمومه، ولأن المقام يدل على
أن المراد حالةٌ تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال، مستغربةً.
ومُحَصَّله الإشارة إلى أن الساعة، يقرب قيامها عند انعكاس الأمور،
بحيث يصير الْمُرَبَّى مُرَبِّياً، والسافل عالِياً، وهو مناسب لقوله في العلامة
الأخرى: ((أن تصير الْحُفَاة ملوكَ الأرض)). انتهى ((فتح)) ١٦٧/١ - ١٦٨ وهو
تحقيق نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في تكميل ما سبق من مباحث القدر.
قال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): (واعلم): أن مذهب
أهل الحقّ إثباتَ القدر، ومعناه أن الله تبارك وتعالى قَدّرَ الأشياء في القِدَم،
وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده نَإلَ، وعلى صفات
مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قَدَّرَها تُقِلَّ، وأنكرت القدرية هذا،

١٢٩
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَام ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
وزعمت أنه ◌َّلَ لم يُقَدِّرها، ولم يتقدم علمه ثَلَ بها، وأنها مُسْتَأَنفَةُ العلم، أي
إنما يعلمها ◌َللَ بعد وقوعها، وكَذَبُوا على الله تُعَلِكَ وجلّ عن أقوالهم الباطلة
عُلُوًّا كبيراً، وسُمِّيت هذه الفرقة قدرية؛ لإنكارهم القدر.
قال أصحاب المقالات من المتكلمين: وقد انقرضت القدرية القائلون
بهذا القول الشنيع الباطل، ولم يَبْقَ أحدٌ من أهل القبلة عليه، وصارت القدرية
في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر، ولكن يقولون: الخير من الله، والشر
من غيره، تعالى الله عن قولهم.
وقد حَكَى أبو محمد بن قتيبة في كتابه ((غريب الحديث))، وأبو المعالي،
إمام الحرمين في كتابه ((الإرشاد)) في أصول الدين أن بعض القدرية قال: لسنا
بقدرية، بل أنتم القدرية؛ لاعتقادكم إثبات القدر، قال ابن قتيبة، والإمام: هذا
تمويهٌ من هؤلاء الجهلة، ومباهتةٌ، وتواقُحٌ، فإن أهل الحق يُفَوِّضون أمورهم
إلى الله تَقَ، ويُضِيفون القدر والأفعال إلى الله ◌ُعَالَ، وهؤلاء الجهلة يضيفونه
إلى أنفسهم، ومُدَّعِي الشيء لنفسه ومضيفه إليها أولى بأن يُنسَب إليه، ممن
يعتقده لغيره وينفه عن نفسه.
قال الإمام: وقد قال رسول الله وَله: ((القدرية مجوس هذه الأمة))،
شَبَّهَهم بهم؛ لتقسيمهم الخير والشر في حكم الإرادة، كما قَسَّمَت المجوس،
فصرفت الخير إلى ((يزدان))، والشر إلى ((أهرمن))، ولا خفاء باختصاص هذا
الحديث بالقدرية، هذا كلام الإمام، وابن قتيبة.
وحديث: ((القدريةُ مجوسُ هذه الأمة))، رواه أبو حازم، عن ابن
عمر ﴿هَا، عن رسول الله وَله، أخرجه أبو داود في ((سننه))، والحاكم، أبو
عبد الله في ((المستدرك على الصحيحين))، وقال: صحيح على شرط الشيخين،
إن صحّ سماع أبي حازم، من ابن عمر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أبو حازم لم يسمع من ابن عمر ظًّا،
قال ولده ليحيى بن صالح: من حدّثك أن أبي سمع من أحد الصحابة، غير
سهل بن سعد ◌َُّّه فقد كذب، قاله في ((التهذيب)) (١).
(١) راجع: (تهذيب التهذيب)) ٢/ ٧١.

١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وعليه فالحديث منقطع، لكن أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط)) من طريق حميد
الطويل، عن أنس ظبه قال: قال رسول الله وَبالقول: ((صنفان من أمتي لا يردان
الحوض، ولا يدخلون الجنة: القدريّة، والمرجئة))، وفي لفظ: ((القدريّة،
والمرجئة مجوس هذه الأمة، فإن مَرِضُوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)).
وقد حسّنه الشيخ الألباني تَظُّ، وأحسن في ذلك، راجع: ((السلسلة
الصحیحة)) ٦/ ٥٦٣ - ٥٦٤ رقم (٢٧٤٨).
والحاصل أن الحديث صحيح لغيره، والله تعالى أعلم.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: إنما جعلهم ويليه مجوساً لمضاهاة مذهبهم
مذهب المجوس في قولهم بالأصلين: النورِ والظلمةِ، يزعمون أن الخير من
فعل النور، والشرّ من فعل الظلمة، فصاروا ثُنَوِيّةً، وكذلك القدرية يُضيفون
الخير إلى الله تعالى، والشرّ إلى غيره، والله وَلَّ خالق الخير والشر جميعاً، لا
يكون شيء منهما إلا بمشيئته، فهما مضافان إليه ◌َّلَ خلقاً وإيجاداً، وإلى
الفاعلين لهما من عباده فعلاً واكتساباً. والله أعلم.
وقال الخطابيّ تَخُّْ أيضاً: وقد يَحسبَ كثير من الناس أن معنى القضاء
والقدر إجبار الله وَاللَ العبدَ وقهره على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما
يتوهمونه، وإنما معناه الإخبار عن تقدّم علم الله صل بما يكون من اكتساب
العبد، وصدورها عن تقدير منه، وخلق لها، خيرِها وشرِّها، قال: والقدر اسم
لِمَا صَدَرَ مُقَدَّراً عن فعل القادر، يقال: قَدَرتُ الشيءَ، وقَدَّرته بالتخفيف
والتثقيل، بمعنى واحد، والقضاء في هذا معناه الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَدُهُنَّ
سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]: أي خلقهنّ.
قال النوويّ تَخْلُهُ: وقد تظاهرت الأدلة القطعيات، من الكتاب والسنة،
وإجماع الصحابة، وأهل الْحَلِّ والْعَقْد، من السلف والخلف على إثبات قدر الله وُلَّ،
وقد أكثر العلماء من التصنيف فيه، ومن أحسن المصنفات فيه وأكثرها فوائد، کتابُ
الحافظ الفقيه أبي بكر البيهقيّ رحمه الله تعالى، وقد قَرَّر أئمتنا من المتكلمين ذلك
أحسن تقرير، بدلائلهم القطعية السمعية والعقلية، والله أعلم. انتهى(١).
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنوويّ ١٥٤/١ - ١٥٥.

١٣١
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وقد روي عن مالك تَخْتُ أنه فسّر مذهب
القدريّة بنحو ذلك(١)، وهذا المذهب هو الذي وقع لأهل البصرة، وهو الذي
أنكره ابن عمر ﴿ه، ولا شكّ في تكفير من يذهب إلى ذلك، فإنه جَحْدُ معلوم
من الشرع ضرورةً، ولذلك تبرّأ منهم ابن عمر، وأفتى بأنهم لا تُقبل منهم
أعمالهم، ولا نفقاتهم، وأنهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ
نَفَقَتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٥٤].
وهذا مذهب طائفة منهم تُسمّى السُّكبيّة(٢)، وقد تُرك اليوم، فلا يُعرف من
يُنسب إليه من المتأخّرين، من أهل البدع المشهورين.
والقدريّة اليوم مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها،
ومعنى القدر عند القائلين به اليوم أن أفعال العباد مقدورةٌ لهم، وواقعة منهم
على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهباً باطلاً أخفّ من المذهب الأول،
وأما المتأخرون منهم، فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد؛ فراراً من تعلق
القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سَلَّم القدريُّ العلمَ
خُصِم - يعني يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم -، فإن
منع وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل لِلَّه، تعالى الله عن
ذلك. انتھی(٣).
وقال القرطبيّ أيضاً: والإيمان بالقدر: هو التصديق بما تقدّم ذكره،
وحاصله هو ما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
٩٦
: [القمر: ٤٩]، وقوله:
الصافّات: ٩٦]، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ ﴾﴾
(١) يعني ما سبق من أنه تعالى عَلِمَ مقادير الأشياء، وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها،
ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجد على نحو ما سبق في علمه، فلا مُحْدَثَ
في العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادر عن علمه تعالى، وقدرته، وإرادته.
(٢) هذه الفرقة هكذا ذكرها القرطبيّ بهذا الاسم في ((المفهم)) ١٣٢/١، ولكن لم
يذكرها أصحاب كتب النحل والملل بهذا الاسم، ولا يُدرى من هي؟ والله تعالى
أعلم. راجع: هامش ((المفهم)) ١٣٢/١.
(٣) راجع: ((المفهم)) ١٣٢/١ - ١٣٣ مع ((الفتح)) ١٦٢/١ - ١٦٣.

١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وإجماع السلف والخلف على
صدق قول القائل: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وقوله وَله: ((كلّ
شيء بقدر حتى العجز والكيس)). رواه مسلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في ((العقيدة الواسطيّة)):
وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشرّه، والإيمان
بالقدر على درجتين، كلّ درجة تتضمّن شيئين:
فالدرجة الأولى بأن الله تعالى عليم بالخلق، وهم عاملون بعلمه القديم
الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات،
والمعاصي، والأرزاق، والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير
الخلق، فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب
ما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه
لم يكن ليصيبه، جفّت الأقلام، وطُويت الصحف، كما قال تعالى: ﴿أَلَّمَّ تَعْلَمْ
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىِ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِّ إِنَّ ذَلِكَ فِ كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ
يَسِيرٌ ﴾ [الحج: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن قُصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِىّ
أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ نَبْرَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
٢٢٢
[الحديد: ٢٢]، وهذا التقدير التابع لعلمه تُعلن يكون في مواضع جملة وتفصيلاً،
فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح
فيه بعث إليه ملكاً، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه، وأجله،
وعمله، وشقيّ، أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا التقدير قد كان ينكره غُلاة القدريّة
قديماً، ومنكروه اليوم قليل.
وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان
بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات، وما في
الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله خلق، لا يكون في ملكه ما لا
يُريد، وأنه ◌ُوَّلَ على كل شيء قدير من الموجودات، والمعدومات، فما من
مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه نَالَ، لا خالق غيره، ولا ربّ
سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته،
وهو عَلَ يحبّ المتّقين، والمحسنين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا

١٣٣
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
وعملوا الصالحات، ولا يُحبّ الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا
يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحبّ الفساد، والعباد فاعلون
حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن، والكافر، والبرّ، والفاجر،
والمصلّي، والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم،
وقدرَتهم، وإرادَتَهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَآءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴿ وَمَا تَشَدُّونَ
إِلَّ أَن يَشَآءَ اللّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ (٣)﴾ [التكوير: ٢٨ -٢٩].
وهذه الدرجة من القدَر يُكَذّب بها عامّة القدريّة الذين سمّاهم النبيّ وَّ
مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته،
واختياره، ويخرجون عن أفعال الله، وأحكامه حكمها، ومصالحها. انتهى كلام
شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو نفيسٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة السابعة):
(اعلم): أن هذا الحديث أصلٌ عظيمٌ، ودليلٌ عميمٌ، يقطع دابر أهل
الأهواء المضلّة، وأرباب السَّفَه والذِّلّة من المعتزلة، والمتكلّمين الذين هم
أذناب الفلاسفة الْجَهَلَة، أرباب الغواية السَّفَلَة، الذين لا يرون المؤمن مؤمناً
إلا الذي آمن بالقواعد التي أسّسوها، ودسّوها بين أهل الإسلام، وأوهموا أنها
المعنيّة بنصوص الكتاب والسنّة، وأن من لم يسلك سبيلها فقد ضلّ ضلالاً
بعيداً، وهذا زور وبهتان، وكذب وافتراء على الله تعالى وعلى رسوله وَّر، وقد
قام المحقّقون من المتقدّمين والمتأخرين من أهل السنة بتفنيد آرائهم الزائفة،
ودحض حُجَجِهِمْ الكاسفة، وألقموهم الحجر الْجُلْمُود، ونَبَزُوهم بأنهم أهل
الضلال والجحود، وأنا أذكر - بعون الله تعالى - خلاصة أقوالهم، ولباب
أَفْهَامِهِمْ التي دلّ عليها الكتاب وصحاح السنّة، وعرفها وحققها العقلاء، وإن
جحدها ونبذها الجهلاء - اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا
فیمن تولّیت، آمين ۔۔
قال العلامة القرطبيّ رحمه الله تعالى: مذهب السلف وأئمة الفتوى من
الخلف، أن من صدّق بهذه الأمور تصديقاً جزماً، لا ريب فيه ولا تردّد، ولا
توقّف، كان مؤمناً حقيقةً، وسواء كان ذلك عن براهين ناصعة، أو عن

١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
اعتقادات جازمة، على هذا انقرضت الأعصار الكريمة، وبهذا صرّحت فتاوى
أئمة الهدى المستقيمة، حتى حدثت مذاهب المعتزلة المبتدعة، فقالوا: إنه لا
يصحّ الإيمان الشرعيّ إلا بعد الإحاطة بالبراهين العقليّة والسَّمْعِيَّة، وحصول
العلم بنتائجها ومطالبها، ومن لم يحصُل إيمانه كذلك فليس بمؤمن، ولا يجزئ
إيمانه بغير ذلك، وتبعهم على ذلك جماعة من متكلّمي أصحابنا، كالقاضي أبي
بكر، وأبي إسحاق الإسفرايينيّ، وأبي المعالي في أول قوليه، والأول هو
الصحيح؛ إذ المطلوب من المكلّفين ما يقال عليه: إيمان، كقوله تعالى:
﴿ءَامِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح: ١٣]،
والإيمان هو التصديق لغةً وشرعاً، فمن صدّق بذلك كلّه، ولم يجوّز نقيض
شيء من ذلك، فقد عمل بمقتضى ما أمره الله تعالى به على نحو ما أمره الله
تعالى، ومن كان كذلك، فقد تَفَصَّى عن عهدة الخطاب؛ إذ قد عمل بمقتضى
السنّة والكتاب؛ ولأن رسول الله وَ له وأصحابه بعده حكموا بصحّة إيمان كلّ من
آمن وصدّق بما ذكرناه، ولم يفرّقوا بين من آمن عن برهان، أو غيره؛ ولأنهم
لم يأمروا أجلاف العرب بترديد النظر، ولا سألوهم عن أدلّة تصديقهم، ولا
أرجأوا إيمانهم حتى ينظروا، وتحاشوا عن إطلاق الكفر على أحد منهم، بل
سمَّوهم المؤمنين، والمسلمين، وأجروا عليهم أحكام الإيمان والإسلام؛ ولأن
البراهين التي حرّرها المتكلّمون، ورتّبها الجدليّون، إنما أحدثها المتأخّرون،
ولم يَخُض في شيء تلك الأساليب السلف الماضون، فمن المحال والْهَذَيَان أن
يُشترط في صحّة الإيمان ما لم يكن معروفاً ولا معمولاً به لأهل ذلك الزمان؟
وهم من هم؟ فهماً عن الله تعالى، وأخذاً عن رسول الله وَليل، وتبليغاً لشريعته،
وبياناً لسنّته وطريقته. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى، وهو نفيسٌ جدّاً(١).
وقد ذكر الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) عند شرح حديث بَعْثِ
معاذ رضيبه إلى اليمن، فقال عند قوله: («فليكن أول ما تدعوهم إلى أن
يوحّدوا الله، فإذا عرفوا ذلك ... )) الحديث، ما نصّه: وقد تمسك به من قال:
أول واجبِ المعرفةُ، كإمام الحرمين، واستَدَلّ بأنه لا يتأتى الإتيان بشيء من
(١) ((المفهم)) ١٤٥/١ - ١٤٦.

١٣٥
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
المأمورات على قصد الامتثال، ولا الانكفاف عن شيء من المنهيات على
قصد الانزجار، إلا بعد معرفة الآمر والناهي.
واعتُرِض عليه بأن المعرفة لا تتأتى إلا بالنظر والاستدلال، وهو
مقدمة الواجب، فيجب، فيكون أول واجبٍ النظرُ، وذهب إلى هذا طائفة كابن
فورك.
وتُعُقّب بأن النظر ذو أجزاء، يترتب بعضاً على بعض، فيكون أول واجب
جزأ من النظر، وهو محكيّ عن القاضي أبي بكر بن الطيب، وعن الأستاذ أبي
إسحاق الإسفرايينيّ: أول واجب القصد إلى النظر، وجمع بعضهم بين هذه
الأقوال، بأن من قال: أول واجب المعرفة، أراد طلباً وتكليفاً، ومن قال:
النظر، أو القصد أراد امتثالاً؛ لأنه يُسَلِّم أنه وسيلة إلى تحصيل المعرفة، فيدل
ذلك على سبق وجوب المعرفة.
قال: وقد ذكرتُ في (كتاب الإيمان)) من أعرض عن هذا من أصله،
وتَمَسَّكَ بقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًا فِظْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيَّهَا﴾ [الروم: ٣٠]، وحديث: ((كلُّ مولود يولد على الفطرة ... ))، فإن ظاهر
الآية والحديث أن المعرفة حاصلة بأصل الفطرة، وأن الخروج عن ذلك يطرأ
على الشخص؛ لقوله وَ له: ((فأبواه يُهَوِّدانه، وينصرانه)).
وقد وافق أبو جعفر السمناني، وهو من رؤوس الأشاعرة على هذا،
وقال: إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري، من مسائل المعتزلة، وتفرع
عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفي
التقلید في ذلك. انتهى.
قال: وقرأت في جزء من كلام شيخ شيخنا الحافظ صلاح الدين العلائي
ما ملخصه: إن هذه المسألة مما تناقضت فيها المذاهب، وتباينت بين مُفَرِّط،
ومُفْرِط، ومتوسط :
فالطرف الأول: قول من قال: يكفي التقليد المحض في إثبات وجود الله
تعالى، ونفي الشريك عنه، وممن نسب إليه إطلاق ذلك عبيد الله بن الحسن
العنبري، وجماعة من الحنابلة، والظاهرية، ومنهم من بالغ، فَحَرَّم النظر في
الأدلة، واستند إلى ما ثبت عن الأئمة الكبار، من ذم الكلام كما سيأتي بيانه.

١٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا المذهب هو الحقّ الذي كان عليه
السلف الصالح، كما سبق في كلام القرطبيّ، ويأتي أيضاً، فليس فيه تفريط،
كما يدلّ عليه كلام العلائيّ هذا، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد ذوي
الاعتساف، ونسأل الله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل.
قال: والطرف الثاني: قول من وقَفَ صحة إيمان كل أحد على معرفة
الأدلة، من علم الكلام، ونُسب ذلك لأبي إسحاق الإسفرايينيّ، وقال الغزالي:
أسرفت طائفة، فكَفَّروا عوامّ المسلمين، وزعموا أن من لم يعرف العقائد
الشرعية، بالأدلة التي حرّروها، فهو كافر، فضيّقوا رحمة الله الواسعة، وجعلوا
الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين، وذكر نحوه أبو المظفر ابن
السمعانيّ، وأطال في الرد على قائله، ونقل عن أكثر أئمة الفتوى أنهم قالوا:
لا يجوز أن تكلف العوامّ اعتقاد الأصول بدلائلها؛ لأن في ذلك من المشقة
أشدّ من المشقة في تعلم الفروع الفقهية.
قال: وأما المذهب المتوسط، فذكره، وسأذكره مُلَخَّصاً بعد هذا.
وقال القرطبي في ((المفهم)) في شرح حديث: ((أبغض الرجال إلى الله
الألد الخصم))، وهو في أوائل ((كتاب العلم)) من ((صحيح مسلم)): هذا
الشخص الذي يبغضه الله، هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، ورده
بالأوجه الفاسدة، والشُّبَه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين، كما
يقع لأكثر المتكلمين، المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة
رسوله وَ﴾، وسلف أمته، إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين
جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على آراء سوفسطائية، أو مناقضات لفظية،
ينشأ بسببها على الآخذ فيها شُبَهُ، ربما يَعجِز عنها، وشكوك يذهب الإيمان
معها، وأحسنهم انفصالاً عنها أجدلهم، لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد
الشبهة، لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها، لا يدرك حقيقة علمها، ثم
إن هؤلاء المتكلّمين قد ارتكبوا أنواعاً من المحال، لا يرتضيها الْبُلْهُ ولا
الأطفال، لَمَّا بحثوا عن تَحَيُّز الجواهر، والأكوان، والأحوال، ثم إنهم أخذوا
يبحثون فيما أمسك عنه السلف الصالح، ولم يوجد عنهم بحثٌ واضح، وهو
كيفية تعلقات صفات الله تعالى، وتعديدها، واتحادها في نفسها، وهل هي

١٣٧
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
الذات أو غيرها؟ وفي الكلام، هل هو متحد، أو منقسم؟ وعلى الثاني، هل
ينقسم بالنوع، أو الوصف؟ وكيف تعلق في الأزل بالمأمور، مع كونه حادثاً؟
ثم إذا انعدم المأمور، فهل يبقى ذلك التعلق؟ وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلاً،
هو نفس الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة، التي لم
يأمر الشارع بالبحث عنها، وسكت عنها الصحابة رضيه ومن سلك سبيلهم، بل
نهوا عن الخوض فيها؛ لعلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل،
لكون العقول لها حد تقف عنده، وهو العجز عن التكييف، لا يتعدّاه، ولا فرق
بين البحث عن كيفية الذات، وكيفية الصفات، ولذلك قال العليم الخبير:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ومن توقف في هذا،
فليعلم أنه إذا كان حُجِب عن كيفية نفسه مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما
يدرك به، فهو عن إدراك غيره أعجز.
وغاية علم العلماء، وإدراك عقول الفضلاء، أن يقطعوا بوجود فاعل لهذه
المصنوعات، منزه عن الشبيه، مقدس عن النظير، متصف بصفات الكمال.
ثم متى ثبت النقل أخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه
واعتقدناه، وما لم يتعرّضوا له، سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه، وهذه طريقة
السلف، وما سواها مَهَاوٍ وتَلَف، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق
المتكلمين، ما قد ورد في ذلك عن الأئمة المتقدمين، فمن ذلك قول عمر بن
عبد العزيز رحمه الله تعالى: من جعل دينه غَرَضاً للخصومات، أكثر الشغل،
والدين قد فُرغ منه، ليس بأمر يؤتكف على النظر فيه. وقال مالك بن أنس
رحمه الله تعالى: ليس هذا الجدال من الدين في شيء، وقال: كان يقال: لا
تُمَكِّنْ زائغَ القلب من أُذُنك، فإنك لا تدري ما يَعلق من ذلك. وقال الشافعي
رحمه الله تعالى: لأن يُبتَلَى العبد بكلّ ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من
أن ينظر في علم الكلام، وإذا سمعت من يقول: الاسم هو المسمّى، أو غير
المسمّى، فاشهد أنه من أهل الكلام، ولا دين له. قال: وحكمي في أهل
الكلام أن يُضربُوا بالجريد، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا
جزاء من ترك الكتاب والسنّة، وأخذ في الكلام. وقال الإمام أحمد بن حنبل
رحمه الله تعالى: لا يُفلح صاحب الكلام أبداً، علماء الكلام زنادقة. وقال ابن

١٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ماتوا وما عرفوا الجوهر
عقيل: قال بعض أصحابنا: أنا أقطع أن الصحابة .
والعرض، فإن رضِيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت طريقة المتكلّمين أولى
من طريقة أبي بكر وعمر، فبئسما رأيته. قال: وقد أفضى هذا الكلام بأهله إلى
الشكوك، وبكثير منهم إلى الإلحاد، وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات،
وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع، وتطلبهم حقائق الأمور من غيره،
وليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحكم التي استأثر
بها، ولو لم يكن في الجدال إلا أن النبيّ وَ ه قد أخبر أنه الضلال، كما قال
فيما خَرَّجَهُ الترمذيّ: ((ما ضلّ قوم بعد هُدًى كانوا عليه إلا أوتوا الْجَدَل))،
وقال: إنه صحیح(١).
قال: وقد رجع كثير من أئمة المتكلّمين عن الكلام، بعد انقضاء أعمار
مديدة، وآماد بعيدة، لَمّا لطف الله تعالى بهم، وأظهر لهم آياته، وباطن برهانه،
فمنهم: إمام المتكلّمين أبو المعالي إمام الحرمين (ت٤٧٨هـ)، فقد حَكَى عنه
الثقات أنه قال: لقد خلّيت أهل الإسلام وعلومهم، وركبت البحر الأعظم،
وغُصت في كل شيء، نَهَى عنه أهل العلم رغبةً في طلب الحق، وهرباً من
التقليد، والآن فقد رجعت عن الكلّ إلى كلمة الحقّ، عليكم بدين العجائز،
وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، والويل لابن الْجُوَينيّ.
وفي رواية عنه أنه قال عند موته: لقد خُضتُ البحر الخِضَمّ، وخلّيتُ
أهل الإسلام وعلومهم، ودخلتُ فيما نَهَوْني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي
برحمته فالوليل لابن الجوينيّ، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال:
عقيدة عجائز نيسابور.
وقال لأصحابه عند موته: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنه
يبلغ بي ما بلغتُ، ما تشاغلت به(٢).
وقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان الكرابيسيّ خالي، فلما حضرته
الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحداً أعلم مني؟ قالوا: لا، قال: فَتَّهِموني؟ قالوا:
(١) وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) ٢/ ٩٨٤.
(٢) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ٧٣/٤.

١٣٩
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
لا، قال: فإني أوصيكم، أفتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب
الحديث، فإني رأيت الحقّ معهم.
وقال أبو الوفاء ابن عَقِيل: لقد بالغت في الأصول طول عمري، ثم
عُدتُ القهقرى إلى مذهب المكتب.
وهذا الشهرستاني، صاحب ((نهاية الإقدام في علم الكلام)) وَصَفَ حاله
فيما وصل إليه من علم الكلام، وما ناله، فتمثّل بما قاله [من الطويل]:
وَصَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ
لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا
عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعِ سِنَّ نَادِمِ
فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعاً كَفَّ حَائٍِ
ثم قال: عليكم بدين العجائز، فإنه أسنى الجوائز.
ولقد أجاد الإمام الصنعانيّ محمد بن إسماعيل صاحب ((سبل السلام)) وَخَّتُهُ
حيث ردّ عليه فقال [من الطويل]:
رَسُولٍ وَمَنْ وَالَاهُ مِنْ كُلِّ عَالِم
لَعَلَّكَ أَهْمَلْتَ الطَّوَافَ بِمَعْهَدِ الرُ
وَلَسْتَ تَرَاهُ قَارِعاً سِنَّ نَادِمِ(١)
فَمَا حَارَ مَنْ يَهْدِي بِهَدْيٍ مُحَمَّدٍ
قال الجامع عفا الله عنه: لو قال: وَوَاللهِ أَهْمَلْتَ إلخ، لكان أولَى من
((لعلّك)) كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.
وهذا أبو حامد الغزاليّ مع فَرْط ذكائه وتألّهه، ومعرفته بالكلام
والفلسفة، وسُلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوّف، ينتهي في هذه المسائل
إلى الوَقْف والْخَيْرة، ويُحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان
بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث، وصنّف («إلجام العوامّ عن علم
الكلام))(٢).
وقال الفخر الرازيّ في كتابه الذي صنّفه في أقسام اللَّذَّات، وقد ذكر
أنواعها وأن أشرفها لذّة العلم والمعرفة، وأشرف العلوم العلم الإلهي لشرف
معلومه، وشدّة الحاجة إليه، وأنه على ثلاثة أقسام: العلم بالذات، وعليه
عُقْدَةٌ، وهي أن الوجود هل هو الماهيّة، أو زائد عليها، والعلم بالصفات،
وعليه عُقْدَةٌ، وهي أن الصفات هل هي أمور وجوديّة زائدة على ذات
(١) ((ديوان الصنعاني)) ص٣٤٥.
(٢) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ٧٢/٤.

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الموصوف، أم ليست بزائدة على الذات؟ والعلم بالأفعال، وعليه عُقْدَةٌ، وهي
هل الفعل مقارن للفاعل، أو متراخ عنه؟ ثم قال: ومن الذي وصل إلى هذا
الباب، أو ذاق من هذا الشراب؟ ثم أنشد [من الطويل]:
وَأَكْثَرُ سَعْي الْعَالَمِينَ ضَلَالُ
نِهَايَةُ أَقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ
وَحَاصِلُ دُنِّيَانَا أَذِّى وَوَبَالُ
وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا
سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا
وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا
رِجَالٌ فَمَاتُوا وَالْجِبَالُ جِبَالُ
وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ قَدْ عَلَتْ شُرُفَاتِهَا
لقد تأملتُ الطرق الكلاميّة، والمناهج الفلسفيّة، فما رأيتها تَشْفِي عَلِيلاً،
ولا ترْوي غَليلاً، ورأيتُ أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات قوله رحيمات:
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى (@)﴾ [طه: ٥]، و﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ
الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، واقرأ في النفي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىٌْ﴾
[الشورى: ١١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، و﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾
[مريم: ٦٥]، ثم قال: ومَنْ جرّب مثل تجربتي عَرَف مثل معرفتي.
قال الإمام ابن القيّم ◌َُّ بعد نقل كلام الرازيّ هذا ما نصّه: فليتأمّل
اللبيب ما في كلام هذا الفاضل من الْعِبَر، فإنه لم يأت في المتأخّرين من
حصّل من العلوم العقليّة ما حصّله، ووقف على نهاية أقدام العقلاء، وغايات
مباحث الفضلاء، وضرب بعضها ببعض، ومَخَضَها أشدّ الْمَخْض، فما رآها
تشفي علّة داء الجهالة، ولا تروي غُلّة ظمإ الشوق والطلب، وأنها لم تَحُلّ عنه
عُقْدة واحدة من هذه العُقَد الثلاث التي عقدها أرباب المعقولات على قافية
القلب، فلم يستيقظ لمعرفة ذات الله ولا صفاته ولا أفعاله، وصدق والله، فإنه
شاك في ذات ربّ العالمين هل له ماهيّة غير الوجود المطلق يختصّ بها أم
ماهيّته نفس وجوده الواجب؟ ومات ولم تنحلّ له عقدتها، وشاّ في صفاته،
هل هي أمور وجوديّة، أم نِسَبٌ إضافيّة عدميّة؟ ومات ولم تنحلّ له عقدتها،
وشاّ في أفعاله، هل هي مقارنة له أزلاً وأبداً لم تزل معه أم الفعل متأخّرٌ عنه
تأخّراً لا نهاية لأمده، فصار فاعلاً بعد أن لم يكن فاعلاً؟ ومات ولم تنحلّ له
عقدتها، فننظر في كتبه الكلاميّة قول المتكلّمين، وفي كتبه الفلسفيّة قول
الفلاسفة، وفي كتبه التي خلط فيها بين الطريقتين يضرب أقوال هؤلاء بهؤلاء،