النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ كتاب الإيمان وأيضاً فالجهاد جنس تحته أنواع متعدّدة، ولا بدّ أن يجب على المؤمن نوع من أنواعه، وكذلك قوله رَّ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَنْتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ الآية [الأنفال: ٢ -٤]، هذا كله واجب، فإن التوكّل على الله واجبٌ من أعظم الواجبات، كما أن الإخلاص لله واجب، وحبّ الله ورسوله واجب، وقد أمر الله بالتوكّل عليه في غير آية، أعظم مما أمر بالوضوء، والغسل من الجنابة، ونهى عن التوكّل على غير الله، قال تعالى: ﴿فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهٍ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ [التغابن: ١٣]، وقال تعالى: لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوْ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿إِن يَنصُرُّكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُّكُمْ مِنْ بَعْدِهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٣)﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَقَوِّمُ إِن [يونس: ٨٤]. ٨٤ كُمْ ءَامَنْتُم بِلَّهِ فَعَلَيْهِ تَكُواْ إِن كُم ◌ُسْلِمِينَ ( وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، فيقال: من أحوال القلب، وأعماله ما يكون من لوازم الإيمان الثابتة فيه، بحيث إذا كان الإنسان مؤمناً، لزم ذلك بغير قصد منه، ولا تعمّد له، وإذا لم يوجد دلّ على أن الإيمان الواجب لم يحصل في القلب، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَكَذَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمّ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوجِ مِنْهٌ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فأخبر أنك لا تجد مؤمناً يوادّ المحادّين لله ورسوله، فإن نفس الإیمان تنافي موادّته، كما ينفي أحد الضدّين الآخر، فإذا وُجد الإيمان انتفى ضدّه، وهو موالاة أعداء الله، فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه، كان ذلك دليلاً على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب. ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن ◌ُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴿٨ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوَّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِتْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ٨٠ وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءُ وَلَكِنَّ ٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [المائدة: ٧٩ - ٨١]، فذكر جملة شرطيّة تقتضي أنه ٨١ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ إذا وُجد الشرط وُجد المشروط بحرف (لو)) التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال: ﴿وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا أُمَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١]، فدلّ على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء، ويُضادّه، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودلّ ذلك على أن من اتّخذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب، من الإيمان بالله والنبيّ، وما أنزل إليه. ومثله قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ الْهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍّ وَمَن يَنَوَّلَّم ◌ِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمّ﴾ الآية [المائدة: ٥١]، فإنه أخبر في تلك الآيات أن متولّيهم لا يكون مؤمناً، وأخبر هنا أن متولّيهم هو منهم، فالقرآن يصدّق بعضه بعضاً، قال الله تعالى: ﴿اللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ لْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهًا مَّثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَى أَمْرِ جَاِعِ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَعْذِئُوهُ﴾ الآية [النور: ج ٦٢] دليلٌ على أن الذهاب المذكور بدون استئذانه لا يجوز، وأنه يجب أن لا يذهب حتى يستأذن، فمن ذهب، ولم يستأذن، كان قد ترك بعض ما يجب عليه من الإيمان، فلهذا نفى عنه الإيمان، فإن حرف ((إنما)) تدلّ على إثبات المذكور، ونفي غيره، ومن الأصوليين من يقول: ((إنّ)) للإثبات، و((ما)) للنفي، فإذا جُمع بينهما دلّت على النفي والإثبات، وليس كذلك عند أهل العربيّة، ومن يتكلّم بعلم، فإن ((ما)) هذه هي الكافّة التي تدخل على ((إن)) وأخواتها، فتكفّها عن العمل؛ لأنها إنما تعمل إذا اختصّت بالجمل الاسميّة، فلما كُفّت بطل عملها، واختصاصها، فصار يليها الجمل الفعليّة والاسميّة، فتغيّر معناها وعملها جميعاً بانضمام ((ما)) إليها، وكذلك ((كأنما))، وغيرها . وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَيِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُم مِنُ بَعْدٍ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (﴿ وَإِذَا دُهُوّاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم مُعْرِضُونَ ﴿٨)) إلى قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٤٧ - ٥١]. [فإن قيل]: إذا كان المؤمن حقّاً هو الفاعل للواجبات، التارك للمحرّمات، فقد قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]، ولم يذكر إلا ٤٣ كتاب الإيمان خمسة أشياء، وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِفُونَ ﴾ [الحجرات: ١٥]، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَذِنُونَكَ أُوْلَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِ،﴾ الآية [النور: ٦٢]. [قيل]: عن هذا جوابان: [أحدهما]: أن يكون ما ذُكر مستلزماً لما تُرك، فإنه ذَكَر وَجَلَ قلوبهم إذا ذُكر الله، وزيادة إيمانهم إذا تُليت عليهم آياته، مع التوكّل عليه، وإقام الصلاة على الوجه المأمور به باطناً وظاهراً، وكذلك الإنفاق من المال والمنافع، فكان هذا مستلزماً للباقي، فإن وجَلَ القلبِ عند ذكر الله يقتضي خشيته، والخوف منه، وقد فسّروا ((وجلت)) بفَرِقَت، وفي قراءة ابن مسعود ◌َُّبه: ((إذا ذُكر الله فِرِقَت قلوبهم))، وهذا صحيح، فإن الوجل في اللغة هو الخوف، يقال: حمرة الْخَجَل، وصُفْرة الوجل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجَِةُ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ ﴾﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله هو الرجل يزني، ويسرق، ويخاف أن يُعاقب؟ قال: ((لا يا ابنة الصّدّيق، هو الرجل يصلّي، ويصوم، ويتصدّق، ويَخاف أن لا يُقبل منه)) وقال السّدّيّ في قوله تعالى: ﴿اٌلَِّينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٥]: هو الرجل يريد أن يظلم، أو يهمّ بمعصية، فينزع عنه، وهذا كقوله تعالى: ٤٣ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى ﴿وَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَ (®) [النازعات: ٤٠ - ٤١]، وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَفَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنََّانِ (﴾﴾ [الرحمن: ٤٦]، قال مجاهد: وغيره من المفسّرين: هو الرجل يهمّ بالمعصية، فيذكر مقامه بين يدي الله، فيتركها خوفاً من الله. وإذا كان وجل القلب من ذكره يتضمّن خشيته، ومخافته، فذلك يدعو صاحبه إلى فعل المأمور، وترك المحظور. قال سهل بن عبد الله: ليس بين العبد وبين الله حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريق إليه أقرب من الافتقار، وأصل كلّ خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله. ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن ◌ُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ اُلْأَلْوَاحِّ وَفِي نُسَخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ [الأعراف: ١٥٤]، فأخبر أن الهدى والرحمة للذين هُمْ لِرَبِهِمْ يَزْهَبُونَ (19)﴾ ٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان يرهبون الله. قال مجاهد، وإبراهيم: هو الرجل يريد أن يذنب الذنب، فيذكر مقام الله، فيدع الذنب. رواه ابن أبي الدنيا عن ابن الجعد، عن شعبة، عن منصور، عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِِّ جََّانِ (@)﴾ [الرحمن: ٤٦]، وهؤلاء هم أهل الفلاح المذكورون في قوله تعالى: ﴿أُوْلَبِكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٥]، وهم المؤمنون، وهِم المتّقون المذكورون في قوله تعالى: ﴿الَّمّ ﴿﴿ ذَلِكَ الْكِنَبُ لَا رَيْبَ فِهِ هُدًى لِلْمُنَّقِينَ [البقرة: ١ - ٢]، كما قال في آية البرّ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ اُلْمُنَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وهؤلاء هم المتّبعون للكتاب، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]، وإذا لم يضلّ، فهو متّبعٌ مهتد، وإذا لم يشقّ، فهو مرحوم، وهؤلاء هم أهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصّدّيقين، والشهداء، والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين، فإن أهل الرحمة ليسوا مغضوباً عليهم، وأهل الهدى ليسوا ضالّين، فتبيّن أن أهل رهبة الله يكونون متّقين لله، مستحقّين للجنة بلا عذاب، وهؤلاء هم الذين أتوا بالإيمان الواجب. ومما يدلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اٌلْعُلَمَوْاْ﴾ الآية [فاطر: ٢٨]، والمعنى لا يخشاه إلا عالم، فقد أخبر الله أن كلّ من خشي الله فهو عالم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَءَ الَّلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُوْ رَحْمَةَ رَبٍُِّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَلَِّينَ لَا يَعْلَمُونٌ ﴾ الآية [الزمر: ٩]. والخشية أبداً متضمّنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قُنوطاً، كما أن الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمناً، فأهل الخوف لله، والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم الله. وقد رُوي عن أبي حيّان التيميّ أنه قال: العلماء ثلاثة: فعالم بالله ليس عالماً بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالماً بالله، وعالم بالله عالم بأمر الله، فالعالم بالله هو الذي يخافه، والعالم بأمر الله هو الذي يعلم أمره ونهيه، وفي ((الصحيح)) عن النبيّ وَّر أنه قال: ((والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بحدوده)). وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنّة، لم يكونوا مستحقّين للذّمّ، وذلك لا يكون إلا ٤٥ كتاب الإيمان مع فعل الواجبات. ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَتُهُلِكَنَّ (٣) وَلَنْكِنَتَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمَّ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدٍ الظَّالِمِينَ ١٤ [إبراهيم: ١٣ - ١٤]، وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَّنَانِ (@)﴾ [الرحمن: ٤٦]، فوعد بنصر الدنيا، وبثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدَّوا الواجب، فدلّ على أن الخوف يستلزم فعل الواجب، ولهذا يقال للفاجر: لا يخاف الله. ويدلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَّةَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ الآية [النساء: ١٧]. قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد ◌َّر عن هذه الآية، فقالوا لي: كلُّ من عصى الله فهو جاهلٌ، وكلّ من تاب قبل الموت، فقد تاب من قريب، وكذلك قال سائر المفسّرين، قال مجاهد: كلّ عاص فهو جاهل حين معصيته. وقال الحسن، وقتادة، وعطاء، والسدّيّ، وغيرهم: إنما سُمُّوا جُهّالاً لمعاصيهم، لا أنهم غير مميّزين. وقال الزّجّاج: ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءاً، وإنما يحتمل أمرين: [أحدهما]: أنهم عملوه، وهم يجهلون المكروه فيه. [والثاني]: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسمّوا جُهّالاً؛ لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة، والعافية الدائمة، فقد جعل الزجّاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة. وقد يقال: هما متلازمان. والمقصود هنا أن كلّ عاص لله، فهو جاهل، وكلّ خائف منه فهو عالمٌ مطيع لله، وإنما يكون جاهلاً لنقص خوفه من الله؛ إذ لو تمّ خوفه من الله لم يَعصِ، ومنه قول ابن مسعود رضيُه: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار به جهلاً، وذلك لأن تصوّر المخوف يوجب الهرب منه، وتصوّر المحبوب يوجب طلبه، فإذا لم يهرب من هذا، ولم يطلب هذا، دلّ على أنه لم يتصوّره تصوّراً تامّاً، ولكن قد يتصوّر الخبر عنه، وتصوّر الخبر، وتصديقه، وحفظ حروفه غیر تصوّر المخبر عنه، وكذلك إذا لم يكن المتصوّر محبوباً له، ولا مكروهاً، فإن الإنسان يصدّق بما هو مخوف على غيره، ومحبوب لغيره، ولا يورثه ذلك هرباً، ولا طلباً، وكذلك إذا أُخبِر بما هو محبوبٌ له، ومكروه، ولم يكذّب ٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان المخبر، بل عرفه صدقه، لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصوّر ما أُخبر به، فهذا لا يتحرّك للهرب، ولا للطلب. وفي الكلام المعروف عن الحسن البصريّ، ويُروى مرسلاً عن النبيّ وَلَّه: ((العلم علمان: فعلم في القلب، وعلم على اللسان، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده)). وقد أخرجا في ((الصحيحين)) عن أبي موسى الأشعريّ تَظُله عن النبيّ وَّ ل أنه قال: ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة طعمها طيّب وريحها طيّبٌ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، طعمها طيّبٌ ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيّبٌ وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة، طعمها مرّ ولا ريح لها)). وهذا المنافق الذي يقرأ القرآن، يحفظه، ويتصوّر معانيه، وقد يصدّق أنه كلام الله، وأن الرسول حقّ، ولا يكون مؤمناً، كما أن اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وليسوا مؤمنين، وكذلك إبليس، وفرعون، وغيرهما، لكن من كان كذلك، لم يكن حصل له من العلم التامّ، والمعرفة التامّة، فإن ذلك يستلزم العمل بموجبه، لا محالة، ولهذا صار يقال لمن لم يعمل بعلمه: إنه جاهل، كما تقدّم. وكذلك لفظ ((العقل))، وإن كان في الأصل مصدر عقل يعقل عقلاً - من باب ضرب - وكثير من النظّار جعله من جنس العلوم، فلا بدّ أن يُعتبر مع ذلك أنه علم يُعمل بموجبه، فلا يسمّى عاقلاً إلا من عرف الخير فطلبه، والشرّ فتركه، ولهذا قال أصحاب النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَّمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَا فِ أَمْخَبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، وقال عن المنافقين: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤]، ومن فعل ما يعلم أنه يضرّه، فمثل هذا ما له عقلٌ، فكما أن الخوف من الله يستلزم العلم به، فالعلم به يستلزم خشيته، وخشيته تستلزم طاعته، فالخائف من الله ممتثلٌ لأوامره، مجتنب لنواهيه، وهذا هو الذي قصدنا بيانه أوّلاً . سَيَذَكَّرُ مَنْ ويدلّ على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَ وَيَنَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴿ الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبَ ﴿4﴾ [الأعلى: ٩ - ١٢]، يَخْشَى فأخبر أن من يخشاه يتذكّر، والتذكّر هنا مستلزم لعبادته، قال الله تعالى: ﴿هُوَ ٤٧ كتاب الإيمان الَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقًاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَن يُنِيبُ ﴾ [ق: ٨]، [قال الجامع [غافر: ١٣]، وقال: ﴿َبِّصِرَةَ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ عفا الله عنه]: ولهذا قالوا في قوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى ®﴾ [الأعلى: ١٠]: سيتّعظ بالقرآن من يخشى الله، وفي قوله: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣]: إنما يتّعظ من يرجع إلى الطاعة، وهذا لأن التذكّر التامّ يستلزم التأثّر بما تذكّره، فإن تذكّر محبوباً طلبه، وإن تذكّر مرهوباً هرب منه. ومنه قوله تعالى: ﴿سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، وقال ◌َُّّ: ﴿أَتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١]، فنفى الإنذار عن غير هؤلاء مع قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [البقرة: ٦]، فأثبت لهم الإنذار من وجه، ونفاه عنهم من وجه، فالإنذار هو الإعلام بالمخوف، فالإنذار مثل التعليم، والتخويف، فمن علّمته فتعلّم، فقد تمّ تعليمه، وآخر يقول: علّمته فلم يتعلّم، وكذلك من خوّفته فخاف، فهذا هو الذي تمّ تخويفه، وأما من خُوِّف فما خاف، فلم يتمّ تخويفه، وكذلك من هديته فاهتدى، تمّ هداه، ومنه قوله تعالى: ﴿هُدِّى لِلْثَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، ومن هديته فلم يهتد، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى عَلَى الْمُدَى﴾ [فصّلت: ١٧]، فلم يتمّ هداه، كما تقول: قطعته فانقطع، وقطعته، فما انقطع. فالمؤثّر التامّ يستلزم أثره، فمتى لم يحصل أثره لم يكن تامّاً، والفعل إذا صادف محلًّا قابلاً تمّ، وإلا لم يتمّ، والعلم بالمحبوب يورث طلبه، والعلم بالمكروه يورث تركه، ولهذا يُسمّى هذا العلم: الداعي، ويقال: الداعي مع القدرة، يستلزم وجود المقدور، وهو العلم بالمطلوب المستلزم لإرادة المعلوم المراد، وهذا كلّه إنما يحصل مع صحّة الفطرة، وسلامتها، وأما مع فسادها، فقد يُحسّ الإنسان باللذيذ، فلا يجد له لذّة، بل يؤلمه، وكذلك يلتذّ بالمؤلم لفساد فطرته، والفساد يتناول القوّة العلميّة، والقوّة العمليّة جميعاً، كالممرور الذي يجد العسل مُرّاً، فإنه فسد نفس إحساسه، حتى كان يُحسّ به على خلاف ما هو عليه للمرّة التي مازجته، وكذلك من فسد باطنه، قال تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآَتْ لَا وَتُقَلِّبُ أَفِدَتَّهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي ◌ُغْيَِهِمْ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٠٩ - ١١٠]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَا زَاغُوْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ يَعْمَهُونَ ٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الآية [الصف: ٥]، وقال: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلّفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ﴾. [النساء: ١٥٥]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفُأَ بَل لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، و((الغلف)) جمع أغلف، وهو ذو الغلاف الذي في غلاف، مثل الأقلف، كأنهم جَعلوا المانع خلقة: أي خُلقت القلوب وعليها أغطية، فقال الله تعالى: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، ﴿طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَائِقًا أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى [محمد: ١٦]. قُلُوبِهِمْ وَّعُواْ أَهْوَآءَ هُمْ وكذلك قالوا: ﴿يَشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]، قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَرًّاً لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]: أي لأفهمهم ما سمعوه، ثم قال: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]: أي ولو لأفهم مع هذه الحال التي هم عليها ﴿لَتَوَلَّوأ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، فقد فسدت فطرتهم، فلم يفهموا، ولو فهموا لم يعملوا، فنفى عنهم صحّة القوّة العلميّة، وصحّة القوّة العمليّة. وقال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْ إِلَّ كَالْأَنْعَمِّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا 33 [الفرقان: ٤٤]، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَاْ أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف: ١٧٩]، وقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى أُوْلَكَ هُمُ الْغَفِلُونَ (نَا) يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَلَهُ وَنِدَآءً مُّمْ بَكْمُّ عُنْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: ١٧١]، ١٧١ وقال عن المنافقين: ﴿عُمْ بُكْمُ عُتْىٌّ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ [البقرة: ١٨]. ومن الناس من يقول: لَمّا لم ينتفعوا بالسمع والبصر، والنطق جعلوا صُمَّا بُكْمًا عُمْيًا، أو لما أعرضوا عن السمع والبصر والنطق، صاروا كالصمّ العمي البكم، وليس كذلك، بل نفس قلوبهم عمیت، وصُمّت، وبكمت، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَِّى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. والقلب هو الملك، والأعضاء جنوده، وإذا صلح صلح سائر الجسد، وإذا فسد فسد سائر الجسد، فيبقى يسمع بالأذن الصوت، كما تسمع البهائم، والمعنى: لا يفقه، وإن فقه بعض الفقه لم يفقه فقهاً تامّاً، فإن الفقه التامّ يستلزم تأثيره في القلب محبّة المحبوب، وبغض المكروه، فمتى لم يحصل هذا ٤٩ كتاب الإيمان لم يكن التصوّر حاصلاً، فجاز نفيه؛ لأن ما لم يتمّ ينفى، كقوله وَّ للذي أساء في صلاته: ((صلّ، فإنك لم تصلّ))، فنَفْيُ الإيمان حيث نُفي من هذا الباب. وقد جمع الله تعالى بين وصفهم بوجَل القلب إذا ذُكر الله، وبزيادة الإيمان إذا سمعوا آياته، قال الضحّاك: زادتهم يقيناً، وقال الربيع بن أنس: خشيةً، وعن ابن عبّاس تصديقاً. وهكذا قد ذكر الله هذين الأصلين في ﴿ أَمْ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَّلَ مواضع، قال تعالى: مِنَ الْقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِفُونَ لَـ [الحديد: ١٦]. والخشوع یتضمّن معنیین : [أحدهما]: التواضع والذلّ. [والثاني]: السكون والطمأنينة، وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة، فخشوع القلب يتضمّن عبوديّته لله، وطمأنينته أيضاً، ولهذا كان الخشوع في الصلاة يتضمّن هذا وهذا، التواضع والسكون. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاِهِمْ خَشِعُونَ [المؤمنون: ٢]: قال: مخبتون أذِلّاءُ. وعن الحسن وقتادة: خائفون. وعن مقاتل: متواضعون. وعن عليّ رَُّه: الخشوع في القلب، وأن تُلِين للمرء للمسلم كنفك، ولا تلتفت يميناً وشمالاً. وقال مجاهد: غضّ البصر، وخفض الجناح. وكان الرجال من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن، أن يشدّ بصره، أو أن يُحدّث نفسه بشيء من أمر الدنيا . وعن عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود، ولكنه السكون، وحبّ حسن الهيئة في الصلاة. وعن ابن سيرين وغيره: كان النبيّ ◌َّ، وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، وينظرون يميناً وشمالاً حتى نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ [المؤمنون: ١ - ٢]، فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون، وما رؤي أحد منهم بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض. وعن عطاء: هو أن لا تعبث بشيء من جسدك، وأنت في الصلاة. وأبصر النبيّ وَلّ رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة، ٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه))(١). وخشوع الجسد تبع لخشوع القلب، إذا لم يكن الرجل مرائياً يُظهر ما ليس في قلبه، كما روي: ((تعوّذوا من خشوع النفاق))، وهو أن يُرى الجسد خاشعاً، والقلب خالياً لاهياً، فهو سبحانه استبطأ المؤمنين بقوله: ﴿أَلَمَّ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَّخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، فدعاهم إلى خشوع القلب لذكره، وما نزل من كتابه، ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وهؤلاء هم الذين ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. وكذلك في الآية الأخرى: ﴿اَللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُّتَشَبِهَا مَثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]، والذين يخشون ربّهم هم الذين إذا ذكر الله تعالى وجلت قلوبهم. [فإن قيل]: فخشوع القلب لذكر الله، وما نزل من الحقّ واجبٌ. [قيل]: نعم، لكن الناس فيه على قسمين: مقتصدٌ، وسابقٌ، فالسابقون يختصّون بالمستحبّات، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقّين للجنة، ومن لم يكن من هؤلاء، ولا هؤلاء، فهو ظالم لنفسه، وفي الحديث الصحيح، عن النبيّ ◌َّه: ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع)). وقد ذمّ الله قسوة القلوب المنافية للخشوع في غير موضع، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَلِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ ﴾ الآية [البقرة: ٧٤]. قال الزجّاج: قست في اللغة: غلُّظت، ويبست، وعسيت، فقسوة القلب: ذهاب اللين والرحمة، والخشوع منه، والقاسي، والعاسي: الشديد الصلابة. وقال ابن قتيبة: قست، وعست، وعتت: أي يبست، وقوّة القلب المحمودة غير قسوته المذمومة، فإنه ينبغي أن يكون قويّاً من غير عنف، وليِّناً من غير ضعف. وفي الأثر: ((القلوب آنية الله في أرضه، فأحبّها إلى الله أصلبها، وأرقّها، (١) هذا موضوع مرفوعاً، وإنما هو من قول ابن المسيّب، وهو أيضاً ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى ١٤٣/١ - ١٤٤ رقم الحديث ١١٠. ٥١ كتاب الإيمان وأصفاها))، وهذا كاليد، فإنها قويّة، ليّنة، بخلاف ما يقسو من العقب، فإنه يابس، لا لين فيه، وإن كان فيه قوّة، وهو سبحانه ذكر وَجَلَ القلب من ذكره، ثم ذكر زيادة الإيمان عند تلاوة كتابه علماً وعملاً. ثم لا بدّ من التوكّل على الله تعالى فيما لا يقدر عليه، ومن طاعته فيما يقدر عليه، وأصل ذلك الصلاة، والزكاة، فمن قام بهذه الخمس، كما أُمر لزم أن يأتي بسائر الواجبات. بل الصلاة نفسها إذا فعلها كما أُمِرَ، فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما روي عن ابن مسعود، وابن عبّاس رَّه: ((إن في الصلاة منتهى ومُزدجراً عن معاصي الله، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بُعداً))، وقوله: ((لم يزدد إلا بُعداً)) إذا كان ما ترك من الواجب منها أعظم مما فعله، أبعده ترك الواجب الأكثر من الله أكثر مما قرّبه فعل الواجب الأقلّ، وهذا كما في ((الصحيح)) عن النبيّ وَل أنه قال: ((تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً)). وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ [النساء: ١٤٢]. ١٤٢ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلََّّ قَلِيلًا وفي ((السنن)) عن عمّار ◌َظُه عن النبيّ وَّرَ أنه قال: ((إن العبد لينصرف من صلاته، ولم يُكتب له منه إلا نصفها، إلا ثلثها))، حتى قال: ((إلا عشرها))، وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، قال: «ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها))، وهذا وإن لم يؤمر بإعادة الصلاة عند أكثر العلماء، لكن يؤمر بأن يأتي من التطوّعات بما يَجْبُرُ نقص فرضه، ومعلومٌ أن من حافظ على الصلوات بخشوعها الباطن، وأعمالها الظاهرة، وكان يخشى الله الخشية التي أمره بها، فإنه يأتي بالواجبات، ولا يأتي كبيرة، ومن أتى الكبائر، مثل الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، وغير ذلك، فلا بدّ أن يذهب ما في قلبه من تلك الخشية والخشوع والنور، وإن بقي أصل التصديق في قلبه، وهذا من الإيمان الذي يُنزع منه عند فعل الكبيرة، كما قال النبيّ وَّل: ((لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق، وهو مؤمن)). فإن المتّقين كما وصفهم الله تعالى ٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَتُهُمْ طَيِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، فإذا طاف بقلوبهم طائف من الشيطان تذكّروا، فيُبصرون. قال سعيد بن جُبير: هو الرجل يغضب الغضبة، فيذكر الله، فيكظم الغيظ. وقال ليث، عن مجاهد: هو الرجل يهمّ بالذنب، فيذكر الله، فيدعه، والشهوة، والغضب مبدأ السيّئات، فإذا أبصر رجع، ثم قال: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِ الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]: أي وإخوان الشياطين تُمدّهم الشياطين في الغيّ، ثم لا يقصرون. قال ابن عبّاس: لا الإنس تقصر عن السيّئات، ولا الشياطين تُمسك عنهم، فإذا لم يبصر بقي قلبه في غيّ، والشيطان يمدّه في غيّه، وإن كان التصديق في قلبه لم يكذب، فذلك النور والإبصار، وتلك الخشية والخوف، يخرج من قلبه، وهذا كما أن الإنسان يغمض عينيه، فلا يرى شيئاً، وإن لم يكن أعمى، فكذلك القلب بما يغشاه من رين الذنوب، لا يُبصر الحقّ، وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر. وهكذا جاء في الآثار، قال أحمد بن حنبل في ((كتاب الإيمان)): حدّثنا يحيى، عن أشعث، عن الحسن، عن النبيّ وَّر، قال: ((يُنزِع منه الإيمان، فإن تاب أُعيد إليه)). وقال: حدّثنا يحيى، عن عوف، قال: قال الحسن: ((يُجانبه الإيمان ما دام كذلك، فإن راجع راجعه الإيمان)). وقال أحمد: حدّثنا معاوية، عن أبي إسحاق، عن الأوزاعيّ، قال: وقد قلت للزهريّ حين ذكر هذا الحديث: ((لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن))، فإنهم يقولون: فإن لم يكن مؤمناً، فما هو؟ قال: فأنكر ذلك، وكره مسألتي عنه. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنه قال لغلمانه: من أراد منكم الباءة زوّجناه، لا يزني منكم زان إلا نزع الله منه نور الإيمان، فإن شاء أن يردّه ردّه، وإن شاء أن يمنعه منعه)). وقال أبو داود السجستانيّ: حدّثنا عبد الوهاب بن نَجْدة، حدّثنا بقيّة بن الوليد، حدّثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن ربيعة الحضرميّ، أنه أخبره، عن أبي هريرة ظله أنه كان يقول: ((إنما الإيمان كثوب أحدكم، يلبسه مرّةً، ويقلعه أخرى))، وكذلك رواه بإسناده عن عمر ظه. وروي عن الحسن، عن النبيّ وَّ﴿ مرسلاً. وفي حديث أبي ٥٣ كتاب الإيمان هريرة ظُبه مرفوعاً إلى النبيّ ◌َلو: ((إذا زنى الزاني خرج منه الإيمان، فكان كالظلّة، فإذا انقطع رجع إليه الإيمان)). انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى ((مجموع الفتاوى)) ٥/٧ - ٣٣. وهو تحقيق نفيس جدّاً، لا تجده في كتاب غيره، فاغتنمه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في إطلاق الإنسان قوله: أنا مؤمنٌ. قال النوويّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء من السلف وغيرهم، في إطلاق الإنسان قوله: أنا مؤمن، فقال طائفة: لا يقول: أنا مؤمن، مقتصراً عليه، بل يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وحَكَى هذا المذهب بعض أصحابنا عن أكثر أصحابنا المتكلمين، وذهب آخرون إلى جواز الإطلاق، وأنه لا يقول: إن شاء الله، وهذا هو المختار، وقول أهل التحقيق، وذهب الأوزاعيّ، وغيره إلى جواز الأمرين، والكل صحيح باعتبارات مختلفة، فمن أطلق نظر إلى الحال، وأحكام الإيمان جارية عليه في الحال، ومن قال: إن شاء الله، فقالوا فيه: هو إما للتبرك، وإما لاعتبار العاقبة، وما قدر الله تعالى، فلا يدري أيثبت على الإيمان، أم يُصرَف عنه، والقول بالتخيير حسن صحيح، نظراً إلى مأخذ القولين الأولين، ورفعاً لحقيقة الخلاف. وأما الكافر ففيه خلاف غريب لأصحابنا، منهم من قال: يقال: هو كافر، ولا يقول: إن شاء الله، ومنهم من قال: هو في التقييد كالمسلم على ما تقدم، فيقال على قول التقييد: هو كافر إن شاء الله نظراً إلى الخاتمة، وأنها مجهولة، وهذا القول اختاره بعض المحققين، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ. وقال الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((الكوكب الساطع)): إِنْ شَاءَ رَبِّي خَشْيَةً أَنْ يُفْتَنُ وَجَازَ أَنْ يَقُولَ إِنِّي مُؤْمِنُ وَأَنْكَرَ الْقَوْلَ بِهَذَا الْحَنَفِي بَلْ هُوَ أَوْلَى عِنْدَ جُلِّ السَّلَفِ يعني أن قوله: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى جائز؛ خشية أن يُفتن، لا شكًا في الإيمان، وهذا مذهب جلّ السلف، فقد حُكي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وعائشة، والحسن، وابن سيرين، ومنصور، ومغيرة، والأعمش، وليث بن أبي سُليم، وعطاء بن السائب، وعمارة بن القعقاع، ٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان والعلاء بن المسيّب، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبد الله بن شُبْرُمة، والثوريّ، وابن عُيينة، وقال: إنه توكيد للإيمان، وحمزة الزيات، وعلقمة، وحماد بن زيد، والنضر بن شُميل، ويزيد بن زُريع، ويحيى بن سعيد القطّان، والنخعيّ، وطاوس، وأبي الْبَخْتَريّ سعيد بن فَيروز، ويزيد بن أبي زياد، وعلي بن خليفة، ومعمر، وجرير بن عبد الحميد، وابن المبارك، والأوزاعيّ، ومالك، وابن مهديّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وآخرين، واختاره أبو منصور الماتريديّ، بل بلغ بقوم من السلف أن قالوا: إنه أولى، وعابوا على من قال: إني مؤمن. أخرج ذلك ابن أبي شيبة في ((كتاب الإيمان)). ومنع من ذلك أبو حنيفة، وطائفة، وقالوا: هو شكّ، والشكّ في الإيمان كفر. وأجيب عن ذلك بأوجه: [أحدها]: أنه لا يقال شكًّا، بل خوفاً من سوء الخاتمة؛ لأن الأعمال معتبرة بخواتمها، كما أن الصائم لا يحكم له بالصوم إلا في آخر النهار. [الثانية]: أنه للتبرّك، وإن لم يكن شكٌّ، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]. [الثالثة]: أن المشيئة راجعة إلى الإيمان، فقد يُخلُّ ببعضه، فيستثني لذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، راجع ما كتبته على ((الكوكب الساطع)) ص٦٠١ - ٦٠٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: الاستثناء في الإيمان سنّة عند أصحابنا، وأكثر أهل السنّة، وقالت المرجئة والمعتزلة: لا يجوز الاستثناء فيه، بل هو شكّ، والاستثناء أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أو آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، أو إن كنت تريد الإيمان الذي يعصم دمي فنعم، وإن كنت تريد: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] فالله أعلم. ثم هنا ثلاثة أقوال: إما أن يقال: الاستثناء واجبٌ، فلا يجوز القطع، وهذا قول القاضي في ((عيون المسائل)) وغيره، وإما أن يقال: هو مستحب، ويجوز القطع باعتبار آخر. وإما أن يقال: كلاهما جائز باعتبار. وإنما ذكر أن الاستثناء سنّة بمعنى أنه جائز، ردّاً على من نهى عنه. فإذا قلنا: هو واجب، ٥٥ كتاب الإيمان فمأخذ القاضي أنه لو جاز القطع على أنّا مؤمنون، لكان ذلك قطعاً على أنّا في الجنّة؛ لأن الله تعالى وعد المؤمنين الجنة، ولا يجوز القطع على الوعد بالجنة؛ لأن من شرط ذلك الموافاة بالإيمان، ولا يعلم ذلك إلا الله، وكذلك الإيمان إنما يحصل بالموافاة، ولا يعلم ذلك، ولهذا قال ابن مسعود قالتله: هلَّا وكَل الأولى كما وكَل الآخرة، يريد بذلك ما استدلّ به من رأى رجلاً قال عنده: إني مؤمن، فقيل لابن مسعود ظه: هذا يزعم أنه مؤمن، قال: فسلوه أفي الجنّة هو، أو في النار؟ فسألوه، فقال: الله أعلم، فقال عبد الله: فهلًا وكلت الأولى كما وكلت الثانية. قال ابن تيمية: ويُستدلّ أيضاً على وجوب الاستثناء بقول عمر نظ الله: من قال: إنه مؤمن، فهو كافر، ومن زعم أنه في الجنة، فهو في النار، ومن زعم أنه عالم، فهو جاهل، ولما استدلّ المنازع بأن الاستثناء إنما يحتاج إليه لمستقبل يشكّ في وقوعه قال: الجواب: أن هنا مستقبلاً يُشكّ في وقوعه، وهو الموافاة بالإيمان، والإيمان مرتبط بعضه ببعض، فهو كالعبادة الواحدة. قال: فحقيقة هذا القول أن الإيمان اسم للعبادة من أول الدخول فيه إلى أن يموت عليه، فإذا انتقض تبيّن بطلان أولها، كالحدث في آخر الصلاة، والوطء في آخر الحجّ، والأكل في آخر النهار، وقول مؤمن عند الإطلاق يقتضي فعل الإيمان كله، كقول مصلّ، وصائم، وحاجّ، فهذا مأخذ القاضي، وقد ذكر بعد هذا في ((المعتمد)) مسألة الموافاة، وهي متّصلة بها، وهو أن المؤمن الذي علم الله أنه يموت كافراً، وبالعكس، هل يتعلّق رضا الله، وسخطه، ومحبّته، وبغضه بما هو عليه، أو بما يوافي به، والمسألة متعلّقة بالرضا والسخط، هل هو قديم، أو محدث؟ [والمأخذ الثاني]: أن الاسم عند الإطلاق يقتضي الكمال، وهذا غير معلوم للمتكلّم، كما قال أبو العالية (١): أدركت ثلاثين من أصحاب محمد وَل (١) هكذا في ((مجموع الفتاوى))، والذي في ((صحيح البخاريّ)): ((وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ وَّير كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل)). انتهى. ٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان كلهم يخاف النفاق على نفسه، لا يقول: إن إيماني كإيمان جبريل، فإخبار الرجل عن نفسه أنه كامل الإيمان خبر بما لا يعلمه، وهذا معنى قول ابن المنزل: إن المرجئة تقول: إن حسناتها مقبولة، وأنا لا أشهد بذلك، وهذا مأخذ يصلح لوجوب الاستثناء، وهذا المأخذ الثاني للقاضي، فإن المنازع احتجّ بأنه لما لم يجز الاستثناء في الإسلام، فكذلك في الإيمان. قال: والجواب: أن الإسلام مجرّد الشهادتين، وقد أتى بهما، والإيمان أقوال، وأعمال؛ لقوله وَله: ((الإيمان بضع وسبعون باباً))، وهو لا يتحقّق كلّ ذلك منه. [والمأخذ الثالث]: أن ذلك تزكية للنفس، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تُرَّكُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ الآية [النجم: ٣٢]، وهذا يصح للاستحباب، وإلا فإخبار الرجل بصفته التي هو عليها جائز، وإن كان مدحاً، وقد يصلح للإيجاب. قال الأثرم في ((السنّة)): حدثنا أحمد بن حنبل، سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركت أحداً من أصحابنا، ولا بلغني إلا على الاستثناء، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله، يسأل عن الاستثناء في الإيمان، ما تقول فيه؟ قال: أما أنا فلا أَعيبه(١) فاستثنى مخافة واحتياطاً، ليس كما يقولن على الشكّ، إنما يستثني للعمل، قال أبو عبد الله: قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]: أي إن هذا الاستثناء لغير شكّ، وقد قال النبيّ وَّ: ((وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)): أي لم يكن يشكّ في هذا، وقد استثنى، وذكر قول النبيّ وَّيقول: ((نبعث إن شاء الله)) من القبر، وذكر قول النبيّ وَّ: ((إني والله لأرجو أن أكون أخشاكم لله))، قال: هذا كله تقوية للاستثناء في الإيمان. قلت لأبي عبد الله: فكأنك لا ترى بأساً أن لا يُستثنى، فقال: إذا كان ممن يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فهو أسهل عندي، ثم قال أبو عبد الله: إن قوماً تضعف قلوبهم عن الاستثناء، فتعجّب منهم، وذكر كلاماً طويلاً تركته. فكلام أحمد يدلّ على أن الاستثناء لأجل العمل، وهذا المأخذ الثاني، وأنه لغير شكّ في الأصل، وهو يُشبه الثالث، ويقتضي أن يجوز ترك الاستثناء، وأما جواز إطلاق القول بأني مؤمن، فيصحّ إذا عنَى أصل الإيمان، دون كماله، والدخول فيه، (١) كتب في ((هامش مجموع الفتاوى)): ما نصّه: سقط في الأصل مقدار نصف سطر. ٥٧ كتاب الإيمان دون تمامه، كما يقول: أنا حاجٌ، وصائمٌ لمن شرع في ذلك، وكما يُطلقه في قوله: آمنت بالله ورسله، وفي قوله: إن كنت تعني كذا وكذا أن جواز إخباره بالفعل يقتضي جواز إخباره بالاسم مع القرينة، وعلى هذا يخرّج ما رُوي عن معاذ بن جبل ◌َُّه، وما رُوي في حديث الحارث الذي قال: أنا مؤمنٌ حقّاً، وفي حديث الوفد الذين قالوا: ((نحن المؤمنون))، وإن كان في الإسنادين نظر. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ((مجموع الفتاوى)) ٦٦٦/٧ - ٦٦٩. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح هو ما عليه جلّ السلف رحمهم الله تعالى من أنه يجوز أن يقول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى؛ خوفاً من العاقبة، وتبرّكاً بذكر المشيئة، لا شكًا في أصل الإيمان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): [اعلم]: أن مذهب أهل الحق، أنه لا يُكَفَّر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يكفر أهل الأهواء والبدع، وأن من جحد ما يُعلم من دين الإسلام ضرورة، حُكم بردته وكفره، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ونحوه ممن يخفى عليه، فيُعَرَّف ذلك، فإن استمر حُكم بكفره، وكذا حكم من استحل الزنا، أو الخمر، أو القتل، أو غير ذلك من المحرمات التي يُعلم تحريمها ضرورة، ذكره النووي في ((شرحه))(١). وقال الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((الكوكب الساطع)): وَلَا نَرَى تَكْفِيرَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَلَا الْخُرُوجَ أَيْ عَلَى الأَئِمَّةِ وقلت في (شرحي)) عليه: أشار به إلى ما قاله الشافعيّ، وأبو حنيفة، والأشعريّ: لا نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب أجرمه، وروى البيهقيّ بسند صحيح أن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما سُئل، هل كنتم تسمّون من الذنوب كفراً، أو شركاً، أو نفاقاً؟ قال: معاذ الله، لكنّا نقول: مؤمنون مذنبون. وقال الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى في ((سير أعلام النبلاء)) ٨٨/١٥ - (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٤/١ - ١٥٠. ٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان في ترجمة أبي الحسن الأشعريّ رحمه الله تعالى ما نصّه: رأيت للأشعريّ كلمة أعجبتني، وهي ثابتةٌ، رواها البيهقيّ، سمعت أبا حازم العبدريّ، سمعت زاهر بن أحمد السرخسيّ يقول: لَمّا قرب أجل أبي الحسن الأشعريّ في داري ببغداد، دعاني، فأتيته، فقال: اشهَدْ عليّ أني لا أكفّر أحداً من أهل القبلة؛ لأن الكلّ يُشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات. قال الذهبيّ: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيميّة في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفّر أحداً من الأمة، قال النبيّ وَل: ((لا يُحافظ على الوضوء إلا مؤمن))(١). فمن لازم الصلوات بوضوء، فهو مسلم. انتهى كلام الذهبيّ رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هؤلاء الأئمة من عدم تكفير أهل القبلة بالذنوب هو الحقّ، فينبغي التنبّه له، وعدم التسرّع إلى القول بتكفير أحد منهم إلا ببيّنة واضحة، لا يُقبل معها التأويل، هذا على الجملة، وأما من حيث التفصيل، فمن قامت بَيِّنَةٌ واضحة على أنه ارتكب ما يخرجه من الإسلام، فلا يُتَوَقَّفُ في تكفيره، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب. هذه جُمَلٌ من المسائل المتعلقة بالإيمان، قدمتها في صدر الكتاب، تمهيداً لكونها مما يكثر الاحتياج إليها، ولكثرة تكرارها وتردادها في الأحاديث، فقدمتها في موضع واحد؛ ليسهل فهمها، ويقرب إدراكها، ويتيسّر الإحالة عليها، إذا مرّ في الأبواب الآتية ما يتعلّق بها. والله أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة، ومنه التوفيق والعصمة. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ ◌ِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ [هود: ٨٨]. (١) حديث صحيح. أخرجه أحمد، والدارميّ، والحاكم، وابن حبّان. ٥٩ (١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١) (١) (بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ، وَوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِإِثْبَاتِ قَدَرِ اللهِ وَلَ، وَبَيَانِ الدَّلِيَلِ عَلَى التَّبَرِّي مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ، وَإِغْلَاظِ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِ) وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٠١] (٨)(١) - (حَدَّثَنِي أَبُو خَيْئَمَةَ، زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ كَهْمَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْبَى بْنِ يَعْمَرَ. (ح) ... وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَهَذَا حَدِيثُهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ، حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنٍ، فَقُلْنَا: لَوْ لَقِنَا أَحَداً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ بِ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، دَاخِلاً الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ، يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنْفٌ، قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ، لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بَالْقَدَرِ ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ ذَاتَ يَوْم، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ القِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُّ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِّ وَِّ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ (١) قد سبق أن الرقم الذي صورته هكذا [١] هو رقمي الذي التزمته من أول المقدمة، وأما الرقم الذي صورته هكذا (١) فهو رقم محمد عبد الباقي ◌َُّ. فتنبّه . ٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان رَسُولُ اللّهِ وَلِ: ((الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّ اللّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللّهِ وَّهِ) وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً))، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاَ))، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: ((مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ))، قَالَ: ((فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ: ((أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ، رِعَاءَ الشَّاءِ، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ))، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: ((يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟)) قُلْتُ: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلَّمُكُمْ دِينَكُمْ))). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو خَيْئَمَةَ(١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت، أكثر عنه المصنّف [١٠] (ت٢٣٤) وهو ابن (٧٤) سنة (خ م د س ق) ١/ ٣. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقة حافظ، رجّح ابن معین أخاه المثنّى عليه [١٠] (ت٢٣٧) (خ م د س) ٤/ ٦. ٣ - (أبوه) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقة، متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) ٦/٣. ٤ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظ، عابدٌ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) ١/١. ٥ - (كَهْمَسٌ) - بفتح الكاف، وإسكان الهاء، وفتح الميم، وبالسين المهملة - وهو كهمس بن الحسن، أبو الحسن التميميّ البصريّ، ثقة [٥]. رَوَى عن أبي الطفيل، وعبد الله بن بُريدة، وعبد الله بن شقيق، وأبي السَّلِيل، ضُرَيب بن نُقَير، ويزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، وسَيّار بن منظور، وأبي نَضْرة العبديّ، وغيرهم. (١) بفتح المعجمة، وإسكان المثناة تحتُ، وبعدها مثلثة.