النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب الإيمان
حقيقة، فالأصل أن لا تختلط بمسائل تلك الحقيقة مسائل غيرها، كمسائل
الإيمان لا يُذكر فيها مسائل الصلاة مثلاً، وإلا لم تكن للإضافة فائدة.
وأما حدّه لقباً فـ (كتاب الإيمان)) ترجمة جُعلت اسماً لجملة الأحاديث
المتضمّنة أحكام المضاف إليه منها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الثانية): في تعريف الإيمان لغة، وشرعاً .
قال في ((الفتح)) ٦٧/١ - ٦٨: الإيمان لغةً التصديق(١)، وشرعاً تصديق
الرسول 8* فيما جاء به عن ربّه رَّك، وهذا القدر متّفق عليه، ثم وقع
الاختلاف، هل يُشترط مع ذلك مزيد أمر من جهة إبداء هذا التصديق باللسان
المعبِّرِ عما في القلب، إذ التصديق من أفعال القلوب؟ أو من جهة العمل بما
صدّق به من ذلك، كفعل المأمورات، وترك المنهيّات، كما سيأتي ذكره إن
شاء الله تعالى. والإيمان - فيما قيل - مشتقّ من الأمن، وفيه نظرٌ؛ لتباين
مدلولي الأمن والتصديق، إلا إن لوحظ فيه معنى مجازيّ، فيقال: أمنه: إذا
صدّقه: أي أمنه التكذيب. انتهى.
وقال في ((القاموس)): وآمن به إيماناً: صدّقه، والإيمان: الثقة، وإظهار
الخضوع، وقبول الشريعة. انتهى. وقال المرتضى في ((شرحه)): والإيمان:
التصديق، وهو الذي جزم به الزمخشريّ في ((الأساس))، واتّفق عليه أهل العلم
من اللغويين، وغيرهم. وقال السعد: إنه حقيقة، وظاهر كلامه في ((الكشاف))
أن حقيقة آمن به آمنه التكذيب؛ لأن أمن ثلاثيًّا متعدّ لواحد بنفسه، فإذا نُقل
لباب الإفعال تعدّی لاثنین، فالتصدیق عليه معنی مجازيّ للإيمان، وهو خلاف
كلامه في ((الأساس))، ثم إن آمن يتعدّى لواحد بنفسه، وبالحرف، ولاثنين
بالهمزة، على ما في ((الكشّاف))، و((المصباح))، وغيرهما، وقيل: إنه بالهمزة
يتعدّى لواحد، كما نقله عبد الحكيم في ((حاشية القاضي))، وقال في ((حاشية
(١) الصواب في تفسير الإيمان لغةً ما سيأتي عن ((القاموس)) من أنه الثقة، وإظهار
الخضوع، وقبول الشريعة، وأما تفسيره بالتصديق المجرّد، فإنه مذهب المبتدعة،
فتنبه .

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
المطوّل)): ((أمِنَ)) يتعدّى، ولا يتعدّى. وقال بعض المحقّقين: الإيمان يتعدّى
بنفسه، كصَدّق، وباللام باعتبار معنى الإذعان، وبالباء باعتبار معنى الاعتراف،
إشارةً إلى أن التصديق لا يُعتبر بدون اعتراف. وقد يكون الإيمان بمعنى الثقة،
يتعدّى بالباء، بلا تضمين. قاله البيضاويّ. انتهى ((تاج العروس)) ١٢٥/٩.
وقال الراغب الأصفهانيّ رحمه الله تعالى: آمن إنما يقال على وجهين:
[أحدهما]: متعدٍّ بنفسه، يقال: آمنته: أي جعلت له الأمن، ومنه قيل الله: مؤمن.
[والثاني]: غير متعدّ، ومعناه صار ذا أمن.
والإيمان يُستعمل تارةً اسماً للشريعة التي جاء بها محمد بَّ، وعلى
ذلك: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَُّونَ ... ﴾ الآية [المائدة: ٦٩]، ويوصف
به كلّ من دخل في شريعته، مُقرًّا بالله، وبنبوّته، قيل: وعلى هذا قوله تعالى:
[يوسف: ١٠٦].
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
وتارة يُستعمل على سبيل المدح، ويراد به إذعان النفس للحقّ على سبيل
التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل
بحسب ذلك بالجوارح، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَكَ
هُمُ الصِّدِِّقُونَ﴾ الآية [الحديد: ١٩]. ويقال لكلّ واحد من الاعتقاد، والقول
الصدق، والعلم الصالح: إيمان، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمَّ﴾
[البقرة: ١٤٣] أي صلاتكم، وجُعل الحياء، وإماطة الأذى من الإيمان. قال
تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] قيل: معناه:
بمصدّق لنا، إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن، وقوله تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ
إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]،
فذلك مذكور على سبيل الذمّ لهم، وأنه قد حصل لهم الأمن بما لا يقع به
الأمن، إذ ليس من شأن القلب - ما لم يكن مطبوعاً عليه - أن يطمئنّ إلى
الباطل، وإنما ذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَكِن مَّن شَرَعَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ
مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، وهذا كما يقال: إيمانه الكفر،
وتحيّته الضرب، ونحو ذلك. وجعل النبيّ ◌َل أصل الإيمان ستة أشياء في خبر
جبريل، حيث سأله، فقال: ما الإيمان؟ والخبر معروف. انتهى ((مفردات ألفاظ
القرآن)) ص ٩١ - ٩٢.

٢٣
كتاب الإيمان
وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: وحَدّ الزَّجّاج الإيمانَ، فقال: الإيمان:
إظهار الخضوع، والقبول للشريعة، ولما أتى به النبيّ وَل﴾(١)، واعتقاده،
وتصديقه بالقلب(٢)، فمن كان على هذه الصفة، فهو مؤمنٌ مسلمٌ، غير مُرتاب،
ولا شاكّ، وهو الذي يرى أن أداء الفرائض واجب عليه، لا يدخله في ذلك
ريبٌ، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ أَنَا﴾ [يوسف: ١٧]: أي بمصدّق،
فالإيمان: التصديق. وقال في ((التهذيب)): وأما الإيمان، فهو مصدر آمن يؤمن
إيماناً، فهو مؤمنٌ، واتّفق أهل العلم من اللغويين، وغيرهم أن الإيمان: معناه
التصديق، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾
الآية [الحجرات: ١٤]، قال: وهذا موضع يحتاج إلى تفهيمه، وأين ينفصل
المؤمن من المسلم، وأين يستويان، والإسلام: إظهار الخضوع، والقبول لما
أتى به النبيّ وََّ، وبه يُحْفَن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهارِ اعتقادٌ، وتصديقٌ
بالقلب، فذلك الإيمانُ الذي يقال للموصوف به هو مؤمنٌ مسلمٌ، وهو المؤمن
بالله تعالى، ورسوله وَ ﴿، غير مرتاب، ولا شاكّ، وهو الذي يرى أن أداء
الفرائض واجبٌ عليه، وأن الجهاد بنفسه وماله واجب عليه، لا يدخله في ذلك
ريبٌ، فهو المؤمن، وهو المسلم حقّاً، كما قال الله رشَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ
ءَامَنُوْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ
﴾ [الحجرات: ١٥]، أي: أولئك الذين قالوا إنا مؤمنون، فهم
الضَدِقُونَ ﴾
الصادقون، فأما من أظهر قبول الشريعة، واستسلم لدفع المكروه، فهو في
الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدّق، فذلك الذي يقول: أسلمت؛ لأن الإيمان
لا بدّ من أن يكون صاحبه صِدِّيقاً؛ لأن قولك: آمنت بالله، أو قال قائل: آمنت
بكذا وكذا، فمعناه: صدّقت، فأخرج الله هؤلاء من الإيمان، فقال: ﴿وَلَمَّا
يَدْخُلِ الْإِيَمَنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، أي: لم تُصدّقوا، إنما أسلمتم تعوّذاً
من القتل، فالمؤمن مُبْطِنٌ من التصديق مثل ما يُظهر، والمسلم التامّ الإسلامِ،
(١) هذا هو الحق في تفسير الإيمان لغةً، وأما تفسيره بالتصديق فقط فإنه مذهب
المبتدعة، فتنبه.
(٢) أي مع العمل، فتنبه.

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
مظهر للطاعة، مؤمن بها، والمسلم الذي أظهر الإسلام تعوّذاً غير مؤمن في
الحقيقة، إلا أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين، وقال الله تعالى حكايةً عن
قول إخوة يوسف لعلّ لأبيهم: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ﴾
[يوسف: ١٧]: لم يختلف أهل التفسير أن معناه: ما أنت بمصدّق لنا، والأصل
في الإيمان الدخول في صدق الأمانة التي ائتمنه الله عليها، فإذا اعتقد التصديق
بقلبه، كما صدّق بلسانه، فقد أدّى الأمانة، وهو مؤمنٌ، ومن لم يعتقد التصديق
بقلبه، فهو غير مؤدِّ للأمانة التي ائتمنه الله عليها، وهو منافقٌ، ومن زعم أن
الإيمان هو إظهار القول، دون التصديق بالقلب، فإنه لا يخلو من وجهين:
[أحدهما]: أن يكون منافقاً يَنضَح عن المنافقين، تأييداً لهم، أو يكون
جاهلاً، لا يعلم ما يقول، وما يُقال له، أخرجه الجهل، واللَّجَاج إلى عناد
الحقّ، وترك قبول الصواب، أعاذنا الله من هذه الصفة، وجعلنا ممن علم،
فاستعمل ما علم، أو جهل فتعلّم ممن علم، وسلّمنا من آفات أهل الزيغ،
والبدع بمنّه وكرمه.
وفي قوله رَّ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ
وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الضَدِّقُونَ ﴾﴾ [الحجرات: ١٥]
ما يُبيّن لك أن المؤمن هو المتضمّن لهذه الصفة، وأن من لم يتضمّن هذه
الصفة، فليس بمؤمن؛ لأن ((إنما)) في كلام العرب تجيء لتثبيت شيء، ونفي ما
خالفه، ولا قوّة إلا بالله. انتهى ((لسان العرب)) ٢٣/١٣ - ٢٤، وهو تحقيق
نفيس، بيّن فيه حقيقة الإيمان عند المحققين من أهل اللغة وغيرهم، فلا تغتر
بتفسير القاصرين له بأنه مجرد التصديق، فإنه خطر عظيم؛ لأنه يؤدي إلى
مذهب المرجئة الضالة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في أن الإيمان قول، وعمل، ويزيد وينقص.
قال في ((الفتح)): والكلام هنا في مقامين:
[أحدهما]: كونه قولاً وعملاً.
[والثاني]: كونه يزيد وينقص، فأما القول: فالمراد به النطق بالشهادتين،
وأما العمل: فالمراد به ما هو أعم من عمل القلب والجوارح؛ ليدخل الاعتقاد
والعبادات، ومراد من أدخل ذلك في تعريف الإيمان، ومن نفاه، إنما هو

٢٥
کتاب الإيمان
بالنظر إلى ما عند الله تعالى، فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان،
وعمل بالأركان، وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله(١)، ومن هنا نشأ لهم
القول بالزيادة والنقص، كما سيأتي. والمرجئة قالوا: هو اعتقاد، ونطق فقط،
والكرّاميّة قالوا: هو نطق فقط، والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد،
والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطاً في صحته، والسلف
جعلوها شرطاً في كماله، وهذا كله كما قلنا بالنظر إلى ما عند الله تعالى.
أما بالنظر إلى ما عندنا، فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقرّ أُجريت عليه
الأحكام في الدنيا، ولم يحكم عليه بكفر، إلا إن اقترن به فعلٌ يدل على كفره،
كالسجود للصنم، فإن كان الفعل لا يدل على الكفر، كالفسق، فمن أطلق عليه
الإيمان، فبالنظر إلى إقراره، ومن نَفَى عنه الإيمان، فبالنظر إلى كماله، ومن
أطلق عليه الكفر، فبالنظر إلى أنه فَعَل فعل الكافر، ومن نَفَى عنه، فبالنظر إلى
حقيقته، وأثبتت المعتزلة الواسطة، فقالوا: الفاسق لا مؤمن، ولا كافر.
[وأما المقام الثاني]: فذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وأنكر
ذلك أكثر المتكلمين، وقالوا: متى قَبِل ذلك كان شكاً، قال الشيخ محيي الدين:
والأظهر المختار، أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر، ووضوح الأدلة، ولهذا
كان إيمان الصدِّيق أقوى من إيمان غيره، بحيث لا تعتريه الشبهة، ويؤيده أن كل
أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حتى إنه يكون في بعض الأحيان الإيمان أعظم
يقيناً، وإخلاصاً، وتوكلاً منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة، بحسب
ظهور البراهين وكثرتها .
وقد نقل محمد بن نصر المروزي في كتابه ((تعظيم قدر الصلاة)) عن
جماعة من الأئمة نحو ذلك، وما نقل عن السلف، صَرّح به عبد الرزاق في
(مصنفه)) عن سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وابن جريج،
ومعمر، وغيرهم، وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم، وكذا نقله أبو القاسم
اللالكائي في ((كتاب السنّة)) عن الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن
راهويه، وأبي عبيد، وغيرهم من الأئمة، ورَوى بسنده الصحيح عن البخاري،
(١) الحقّ أن جنس العمل من شروط صحة وحقيقة الإيمان، فليُتَنَبَّهْ.

٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال: لقيت أكثر من ألف رجل، من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحداً منهم،
يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، وأطنب ابن أبي حاتم
واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد، عن جمع كثير من الصحابة والتابعين، وكلِّ
من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين، وحكاه فضيل بن عياض،
ووكيع عن أهل السنّة والجماعة. وقال الحاكم في (مناقب الشافعي)): حدثنا
أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، قال: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول
وعمل، يزيد وينقص، أخرجه أبو نعيم في ترجمة الشافعي من ((الحلية)) من
وجه آخر، عن الربيع، وزاد: يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ثم تلا: ﴿وَيَزْدَادَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيمَنًا﴾ الآية [المدثر: ٣١]. انتهى (فتح)) ٦٨/١ - ٦٩.
وقال في ((الفتح)) أيضاً في موضع آخر: قد نقل أبو عوانة الإسفراييني في
(صحيحه)) عن المزني، صاحب الشافعي، الجزم بأنهما - أي الإيمان والإسلام -
عبارة عن معنى واحد، وأنه سمع ذلك منه، وعن الإمام أحمد الجزم
بتغايرهما، ولكل من القولين أدلة متعارضة.
وقال الخطابي: صنف في المسألة إمامان كبيران، وأكثرا من الأدلة
للقولين، وتباينا في ذلك، والحق أن بينهما عموماً وخصوصاً، فكل مؤمن
مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً. انتهى كلامه ملخصاً.
ومقتضاه أن الإسلام لا يُطلق على الاعتقاد والعمل معاً، بخلاف
الإيمان، فإنه يطلق عليهما معاً، ويَرُدّ عليه قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ
دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فإن الإسلام هنا يتناول العمل والاعتقاد معاً؛ لأن العامِل
غير المعتقد، ليس بذي دين مرضيّ، وبهذا استدل المزني، وأبو محمد
البغوي، فقال في الكلام على حديث جبريل هذا: جعل النبي ◌َّ الإسلام هنا
اسماً لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد، وليس ذاك
لأن الأعمال ليست من الإيمان، ولا لأن التصديق ليس من الإسلام، بل ذاك
تفصيل لجملةٍ كُلُّها شيء واحد، وجِمَاعُها الدين، ولهذا قال ◌َّ: ((أتاكم
يعلمكم دينكم))، وقال تَُالَ: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال:
﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ولا يكون الدين في
محل الرضا والقبول، إلا بانضمام التصديق. انتهى كلامه.

٢٧
كتاب الإيمان
قال الحافظ: والذي يظهر من مجموع الأدلة، أن لكل منهما حقيقة
شرعية، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكن كل منهما مستلزم للآخر، بمعنى
التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلماً كاملاً، إلا إذا اعتقد (١)، فكذلك
المعتقد لا يكون مؤمناً كاملاً، إلا إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان في موضع
الإسلام، أو العكس، أو يطلق أحدهما على إرادتهما معاً، فهو على سبيل
المجاز. ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا معاً في مقام السؤال، حُمِلا على
الحقيقة، وإن لم يردا معاً، أو لم يكونا في مقام سؤال، أمكن الحمل على
الحقيقة أو المجاز بحسب ما يظهر من القرائن، وقد حكى ذلك الإسماعيلي عن
أهل السنّة والجماعة، قالوا: إنهما تختلف دلالتهما بالاقتران، فإن أُفْرِدَ أحدهما
دخل الآخر فيه، وعلى ذلك يُحمَل ما حكاه محمد بن نصر، وتبعه ابن عبد البر
عن الأكثر، أنهم سووا بينهما، على ما في حديث عبد القيس، وما حكاه
اللالكائي، وابن السمعانيّ عن أهل السنّة، أنهم فرقوا بينهما على ما في حديث
جبريل. والله تعالى وليّ التوفيق. انتهى ((فتح)) ١٥٧/١ - ١٥٨ بتصرّف يسير.
وقال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى: في ((شرحه)) لهذا الكتاب: أهم ما
يُذكر في الباب اختلاف العلماء في الإيمان والإسلام، وعمومهما
وخصوصهما، وأن الإيمان يزيد وينقص، أم لا؟ وأن الأعمال من الإيمان أم
لا، وقد أكثر العلماء رحمهم الله تعالى من المتقدمين والمتأخرين، القول في
كل ما ذكرناه، وأنا أقتصر على نقل أطراف، من متفرقات كلامهم، يحصل
منها مقصود ما ذكرته، مع زيادات كثيرة.
قال الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي الفقيه
الأديب الشافعي المحقق نَّهُ في كتابه ((معالم السنن)): ما أكثر ما يَغلَط الناس
في هذه المسألة، فأما الزهري، فقال: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج
بالآية يعني قوِله ◌َلَ: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ
اُلْإِيمَنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٤]. وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان
، فَا وَحَدْنَا فِيهَا
٣٥
شيء واحد، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
(١) التعبير بـ((كاملاً)) فيه شيء؛ لأن من عمل بلا اعتقاد ليس له إيمان أصلًا، فليتُنَبَّه.

٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[الذاريات: ٣٥ -٣٦]، قال الخطابي: وقد تكلم في هذا
(٣٦)
غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ
الباب رجلان، من كبراء أهل العلم، وصار كل واحد منهما إلى قول من هذين،
ورد الآخر منهما على المتقدم، وصنف عليه كتاباً يبلغ عدد أوراقه المئين.
قال الخطابي: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا، ولا يُطلَق،
وذلك أن المسلم قد يكون مؤمناً في بعض الأحوال، ولا يكون مؤمناً في
بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم
مؤمناً، وإذا حملت الأمر على هذا، استقام لك تأويل الآيات، واعتدل القول
فيها، ولم يختلف شيء منها .
وأصل الإيمان: التصديق، وأصل الإسلام: الاستسلام، والانقياد، فقد
يكون المرء مستسلماً في الظاهر، غير منقاد في الباطن، وقد يكون صادقاً في
الباطن، غير منقاد في الظاهر.
وقال الخطابي أيضاً في قول النبي ◌َّ: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة)):
في هذا الحديث، بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنّى ذي شُعَب وأجزاء، له
أدنى وأعلى، والاسم يتعلق ببعضها، كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع
شعبه، وتستوفي جملة أجزائه، كالصلاة الشرعية، لهذا شُعب وأجزاء، والاسم
يتعلق ببعضها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها، وتستوفيها، ويدل عليه
قوله : ((الحياء شعبة من الإيمان))، وفيه إثبات التفاضل في الإيمان، وتباين
المؤمنين في درجاته. هذا آخر كلام الخطابيّ.
وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي تَّتُهُ، في
حديث سؤال جبريل ظلّل عن الإيمان والإسلام، وجوابه، قال: جعل النبيّ وَلّ
الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسماً لما بطن من
الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، والتصديق بالقلب ليس
من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة، هي كلها شيء واحد، وجِمَاعها الدين،
ولذلك قال ◌َ: ((ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم))، والتصديق والعمل،
يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعاً، يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ
اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، ﴿وَمَن
يَبْتَخْ غَيّرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، فأخبر تُعَلَ، أن الدين

٢٩
كتاب الإيمان
الذي رضيه، ويقبله من عباده هو الإسلام، ولا يكون الدين في محل القبول
والرضا، إلا بانضمام التصديق إلى العمل. هذا كلام البغوي.
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميميّ
الأصبهانيّ الشافعيّ كَُّهُ في كتابه ((التحرير في شرح صحيح مسلم)): الإيمان
في اللغة هو التصديق، فإن عُنِي به ذلك، فلا يزيد ولا ينقص؛ لأن التصديق
ليس شيئاً يتجزأ، حتى يتصور كماله مرة، ونقصه أخرى، والإيمان في لسان
الشرع، هو التصديق بالقلب، والعمل بالأركان، وإذا فُسر بهذا، تطرق إليه
الزيادة والنقص، وهو مذهب أهل السنّة، قال: فالخلاف في هذا على
التحقيق، إنما هو أن المصدّق بقلبه، إذا لم يَجمَع إلى تصديقه العملَ بموجَب
الإيمان، هل يُسمى مؤمناً مطلقاً، أم لا؟ والمختار عندنا أنه لا يسمى به، قال
رسول الله وقدر: ((لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن))، لأنه لم يعمل
بموجب الإيمان، فيستحق هذا الإطلاق. هذا آخر كلام صاحب ((التحرير)).
وقال الإمام أبو الحسن عليّ بن خَلَف بن بطال المالكيّ المغربيّ، في
(شرح صحيح البخاري)): مذهب جماعة أهل السنة، من سلف الأمة وخلفها،
أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه، ما أورده
البخاريّ من الآيات - يعني قوله رَكْ -: ﴿لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا مَعَ إِيمَنِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]،
وقوله تعالى: ﴿وَزِدْنَهُمْ هُدِّى﴾ [الكهف: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ
اهْتَدَوْاْ هُدَى﴾ [مريم: ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أُهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدَى﴾ [محمد: ١٧]،
وقوله تعالى: ﴿وَزْدَادَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِمَا﴾ [المدثر: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ
فَأَمَا
ايمنا
هَذِهِچ
[التوبة: ١٢٤]، وقوله تعالى:
إِیمنا﴾
الَّذِينَ ءَامَنُوا فزادتهم
﴿فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلََّ إِيَمَنَا
وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
قال ابن بطال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص، قال: [فإن قيل]:
الإيمان في اللغة التصديق، [فالجواب]: أن التصديق يكمل بالطاعات كلها،
فكلما ازداد المؤمن من أعمال البر كان إيمانه أكمل، وبهذه الجملة يزيد
الإيمان، وبنقصانها ينقص، فمتى نقصت أعمال البر، نقص كمال الإيمان،
ومتى زادت زاد الإيمان، كمالًا، هذا توسط القول في الإيمان، وأما التصديق

٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
بالله تعالى، ورسوله وَل﴾، فلا ينقص، ولذلك توقف مالك ◌َّتُهُ في بعض
الروايات، عن القول بالنقصان، إذ لا يجوز نقصان التصديق؛ لأنه إذا نقص
صار شكّاً، وخرج عن اسم الإيمان، وقال بعضهم: إنما توقف مالك عن
القول بنقصان الإيمان؛ خشية أن يُتَأَوَّل عليه موافقة الخوارج، الذين يُكَفِّرون
أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب، وقد قال مالك بنقصان الإيمان، مثل قول
جماعة أهل السنّة، قال عبد الرزاق: سمعت من أدركت من شيوخنا،
وأصحابنا: سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر، والأوزاعيّ،
ومعمر بن راشد، وابن جريج، وسفيان بن عيينة، يقولون: الإيمان قول وعمل،
يزيد وينقص، وهذا قول ابن مسعود، وحذيفة، والنخعيّ، والحسن البصريّ،
وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعبد الله بن المبارك.
فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح، والولاية من المؤمنين، هو إتيانه
بهذه الأمور الثلاثة: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح،
وذلك أنه لا خلاف بين الجميع، أنه لو أقرّ وعمل على غير علم منه ومعرفة
بربِّه، لا يستحق اسم مؤمن، ولو عرفه وعمل، وجحد بلسانه وكذّب ما عُرف
من التوحيد، لا يستحق اسم مؤمن، وكذلك إذا أقرّ بالله تعالى وبرسله
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولم يعمل بالفرائض، لا يسمى مؤمناً
بالإطلاق، وإن كان في كلام العرب يسمى مؤمناً بالتصديق، فذلك غير مستحق
في كلام الله تعالى، لقوله رَك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَلُونَ
اُلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ
٢
وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، فأخبرنا ◌ُعَالَ:
أن المؤمن من كانت هذه صفته.
وقال ابن بطال تَخُّْ في ((باب من قال الإيمان هو العمل)): [فإن قيل]: قد
قَدّمتم أن الإيمان هو التصديق، [قيل]: التصديق هو أول منازل الإيمان، ويوجب
للمصدِّق الدخول فيه، ولا يوجب له استكمال منازله، ولا يسمى مؤمناً مطلقاً،
هذا مذهب جماعة أهل السنّة أن الإيمان قول وعمل، قال أبو عبيد: وهو قول
مالكٍ، والثوريّ، والأوزاعيّ، ومن بعدهم، من أرباب العلم والسنّة، الذين كانوا
مصابيح الهدى، وأئمة الدين، من أهل الحجاز، والعراق، والشام، وغيرهم.

٣١
كتاب الإيمان
قال ابن بطال: وهذا المعنى أراد البخاري تَخّْثهُ إثباته في ((كتاب
الإيمان))، وعليه بوّب أبوابه كلها، فقال: ((باب أمور الإيمان))، و((بابٌ الصلاةُ
من الإيمان))، و((بابٌ الزكاةُ من الإيمان))، و((بابٌ الجهادُ من الإيمان))، وسائر
أبوابه، وإنما أراد الردّ على المرجئة في قولهم: إن الإيمان قول بلا عمل،
وتبيينُ غلطهم، وسوء اعتقادهم، ومخالفتهم للكتاب والسنّة، ومذاهبِ الأئمة.
ثم قال ابن بطال في باب آخر: قال المهلب: الإسلام على الحقيقة هو
الإيمان، الذي هو عقد القلب، المصدق لإقرار اللسان، الذي لا ينفع عند الله
تعالى غيره. وقالت الكرامية وبعض المرجئة: الإيمان هو الإقرار باللسان، دون
عقد القلب، ومن أقوى ما يُرَدّ به عليهم إجماعُ الأمة على إكفار المنافقين، وإن
كانوا قد أظهروا الشهادتين، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَىَ أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا
وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ
كَفِرُونَ﴾ [التوبة: ٨٤ - ٨٥]، هذا آخر كلام ابن بطال.
وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح تَخُّْهُ: قوله ◌ٍَّ: ((الإسلام أن
تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة،
وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، والإيمان أن تؤمن بالله،
وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره))، قال:
هذا بيان لأصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، وبيان أصل الإسلام، وهو
الاستسلام والانقياد، وحكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين، وإنما أضاف
إليهما الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام،
وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يُشعر بانحلال قيد انقياده، أو
اختلاله، ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فُسر به الإسلام في هذا الحديث، وسائر
الطاعات؛ لكونها ثمرات للتصديق الباطن، الذي هو أصل الإيمان، ومقويات،
ومتمِّمات، وحافظات له، ولهذا فسر ◌َّر الإيمان في حديث وفد عبد القيس،
بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وإعطاء الخمس من المغنم،
ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق، على من ارتكب كبيرة، أو بدل فريضة؛
لأن اسم الشيء مطلقاً، يقع على الكامل منه، ولا يستعمل في الناقص ظاهراً
إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله وقال : ((لا يسرق السارق حين

٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
يسرق، وهو مؤمن))، واسم الإسلام يتناول أيضاً ما هو أصل الإيمان، وهو
التصديق الباطن، ويتناول أصل الطاعات، فإن ذلك كله استسلام، قال: فخرج
مما ذكرناه، وحققنا أن الإيمان والإسلام، يجتمعان، ويفترقان، وأن كل مؤمن
مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، قال: وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات
نصوص الكتاب والسنّة الواردة في الإيمان والإسلام، التي طالما غَلِط فيها
الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل الحديث
وغيرهم. هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح.
فإذا تقرر ما ذكرناه من مذاهب السلف، وأئمة الخلف، فهي متظاهرة،
متطابقة على كون الإيمان يزيد وينقص، وهذا مذهب السلف، والمحدثين،
وجماعة من المتكلمين، وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه، وقالوا: متى
قبل الزيادة كان شكّاً وكفراً، قال المحققون من أصحابنا المتكلمين: نفس
التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته، وهي
الأعمال ونقصانها، قالوا: وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت
بالزيادة، وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه في اللغة، وما عليه المتكلمون،
وهذا الذي قاله هؤلاء، وإن كان ظاهراً حسناً، فالأظهر(١) - والله أعلم - أن
نفس التصديق يزيد بكثرة النظر، وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين،
أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشُّبَه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض،
بل لا تزال قلوبهم منشرحة نَيِّرة، وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من
المؤلفة، ومن قاربهم، ونحوهم، فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره،
ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق تظلانه لا يساويه تصديق
آحاد الناس، ولهذا قال البخاري في («صحيحه»: قال ابن أبي مليكة: أدركت
ثلاثين من أصحاب النبيّ وَّر، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد
يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل، والله أعلم.
(١) هذا هو الحقُّ الأبلج، والصواب الأبهج، وأما قولهم: إن التصديق لا يزيد ولا
ينقص، فمما لا يُلْتَفَتُ إليه، فتبصر، ولا تكن أسير التقليد، والله الهادي إلى سواء
السبيل.

٣٣
كتاب الإيمان
وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال، فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله
في الكتاب والسنّة، أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تشهر، قال الله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أجمعوا على أن المراد صلاتكم،
وأما الأحاديث، فستمر بك في هذا الكتاب، منها جُمَلٌ مستكثرات، والله أعلم.
واتفق أهل السنّة من المحدثين، والفقهاء، والمتكلمين، على أن المؤمن
الذي يُحكَم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، لا يكون إلا من اعتقد
بقلبه دين الإسلام، اعتقاداً جازماً، خالياً من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن
اقتصر على إحداهما، لم يكن من أهل القبلة أصلاً، إلا إذا عجز عن النطق؛
لخلل في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية، أو لغير ذلك، فإنه يكون
مؤمناً، أما إذا أتى بالشهادتين، فلا يشترط معهما، أن يقول: وأنا بريء من كل
دين، خالف الإسلام، إلا إذا كان من الكفار، الذين يعتقدون اختصاص رسالة
نبينا ◌َّ بالعرب، فإنه لا يُحكم بإسلامه، إلا بأن يتبرأ، ومن أصحابنا يعني
أصحابَ الشافعي تَّتُهُ مَن شرط أن يتبرأ مطلقاً، وليس بشيء، أما إذا اقتصر
على قوله: لا إله إلا الله، ولم يقل: محمد رسول الله، فالمشهور من مذهبنا،
ومذاهب العلماء أنه لا يكون مسلماً، ومن أصحابنا من قال: يكون مسلماً،
ويطالب بالشهادة الأخرى، فإن أبى جُعل مرتداً، ويُحتَجُّ لهذا القول بقوله وَليه :
((أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا ذلك عصموا
مني دماءهم وأموالهم))، وهذا محمول عند الجماهير على قول الشهادتين،
واستغنى بذكر إحداهما عن الأخرى؛ لارتباطهما، وشهرتهما. والله أعلم.
أما إذا أقر بوجوب الصلاة، أو الصوم، أو غيرهما من أركان الإسلام،
وهو على خلاف ملته التي كان عليها، فهل يجعل بذلك مسلماً، فيه وجهان
لأصحابنا، فمن جعله مسلماً، قال: كل ما يكفر المسلم بإنكاره يصير الكافر
بالإقرار به مسلماً أما إذا أقرّ بالشهادتين بالعجمية، وهو يحسن العربية، فهل
يُجعل بذلك مسلماً فيه وجهان لأصحابنا، الصحيح منهما أنه يصير مسلماً؛
لوجود الإقرار، وهذا الوجه هو الحق ولا يظهر للآخر وجه، وقد بينت ذلك
مستقصى في ((شرح المهذب))، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ دَخَذْتُهُ ١٤٤/١ -
١٤٩. وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.

٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(المسألة الرابعة):
قد حقّق هذا الموضوع شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى تحقيقاً
بالغاً، أحببت إيراده؛ تأكيداً، وتفصيلاً لما سبق من كلام الأئمة الذين نقلنا
نصوصهم في المسائل السابقة، قال رحمه الله تعالى:
[اعلم]: أن الإيمان والإسلام يجتمع فيهما الدين كلّه، وقد کَثُر کلام
الناس في حقيقة الإيمان والإسلام، ونزاعهم، واضطرابهم، وقد صُنّفت في
ذلك مجلّدات، والنزاع في ذلك من حين خرجت الخوارج بين عامة الطوائف،
ونحن نذكر ما يُستفاد من كلام النبيّ وَلِّ، مع ما يُستفاد من كلام الله تعالى،
فيصل المؤمن إلى ذلك من نفس كلام الله تعالى ورسوله وَل﴾، فإن هذا هو
المقصود، فلا نذكر اختلاف الناس ابتداء، بل نذكر من ذلك في ضمن ما
يُستفاد من كلام الله تعالى ورسوله وَله ما يبيّن أن ردّ موارد النزاع إلى الله تعالى
وإلى الرسول و ◌َلهو خير وأحسن تأويلاً، وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة.
فنقول: قد فرق النبيّ وَّ في حديث جبريل غلِّ بين مسمّى الإسلامِ،
ومسمّى الإيمان، ومسمّى الإحسان، فقال: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله
إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم
رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً))، وقال: ((الإيمان أن تؤمن بالله،
وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه)). والفرق
مذكور في حديث عمر رؤيته الذي انفرد به مسلم، وفي حديث أبي هريرة
الذي اتّفق البخاريّ ومسلم عليه، وكلاهما فيه أن جبريل جاءه في صورة إنسان
أعرابيّ فسأله، وفي حديث عمر عنه أنه جاءه في صورة أعرابيّ. وكذلك فسّر
الإسلام في حديث ابن عمر المشهور، قال: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة
أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة،
وحج البيت، وصوم رمضان)).
وحديث جبريل يبيِّن أن الإسلام المبنيّ على خمس هو الإسلام نفسه،
ليس المبنيّ غير المبنيّ عليه، بل جعل النبيّ وَّر الدين ثلاث درجات: أعلاها
الإحسان، وأوسطها الإيمان، ويليه الإسلام، فكل محسن مؤمن، وكلّ مؤمن
مسلم، وليس كلّ مؤمن محسناً، ولا كلّ مسلم مؤمناً، كما سيأتي بيانه - إن
.

٣٥
كتاب الإيمان
شاء الله تعالى - في سائر الأحاديث، كالحديث الذي رواه حمّاد بن زيد، عن
أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أهل الشام، عن أبيه، عن النبيّ وَّ قال
له: ((أسلِم تسلم))، قال: وما الإسلام؟ قال: ((أن تُسلم قلبك الله، وأن يسلم
المسلمون من لسانك، ويدك))، قال: فأيّ الإسلام أفضل؟ قال: ((الإيمان))،
قال: وما الإيمان؟ قال: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث
بعد الموت))، قال: فأيّ الإيمان أفضل؟ قال: ((الهجرة))، قال: وما الهجرة؟
قال: ((أن تهجر السوء))، قال: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال: ((الجهاد))، قال: وما
الجهاد؟ قال: ((أن تجاهد))، أو ((تقاتل الكفّار إذا لقيتهم، ولا تغلُل، ولا
تجبُن))، ثم قال رسول الله وَل﴾: ((عملان هما أفضل الأعمال، إلا من عمل
بمثلهما)) - قالها ثلاثاً - ((حجة مبرورة، أو عمرة))، رواه أحمد، ومحمد بن نصر
المروزيّ.
ولهذا يذكر هذه المراتب الأربعة، فيقول: ((المسلم من سلم المسلمون
من لسانه، ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من
هجر السيّئات، والمجاهد من جاهد نفسه))، وهذا مرويّ عن النبيّ وَّ من
حديث عبد الله بن عمرو، وفَضَالة بن عُبيد، وغيرهما ◌ُّ بإسناد جيّد، وهو
في ((السنن))، وبعضه في ((الصحيحين)). وقد ثبت عنه من غير وجه أنه قال:
((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن أَمِنَهُ الناس على دمائهم
وأموالهم))، ومعلوم أن من كان مأموناً على الدماء والأموال كان المسلمون
يسلمون من لسانه ويده، ولولا سلامتهم منه لما ائتمنوه، وكذلك في حديث
عُبيد بن عُمير، عن عمرو بن عَبَسَة رَظُه. وفي حديث عبد الله بن عُبيد بن
عُمير أيضاً، عن أبيه، عن جدّه أنه قيل لرسول الله وَّر: ما الإسلام؟ قال:
((إطعام الطعام، وطيب الكلام))، قيل: فما الإيمان؟ قال: ((السماحة،
والصبر))، قيل: فمن أفضل المسلمين إسلاماً؟ قال: ((من سلم المسلمون من
لسانه ويده))، قيل: فمن أفضل المؤمنين إيماناً؟ قال: أحسنهم خُلُقاً، قيل: فما
أفضل الهجرة؟ قال: ((من هجر ما حرّم الله عليه))، قال: أيّ الصلاة أفضل؟
قال: ((طول القنوت))، قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: ((جهد مقلّ))، قال: أيّ
الجهاد أفضل؟ قال: ((أن تجاهد بمالك، ونفسك، فيُعقرُ جوادك، ويُراق

٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
دمك))، قال: أيّ الساعات أفضل؟ قال: ((جوف الليل الغابر)).
ومعلوم أن هذا كله مراتب، بعضها فوق بعض، وإلا فالمهاجر لا بدّ أن
يكون مؤمناً، وكذا المجاهد، ولهذا قال: ((الإيمان السماحة والصبر»، وقال في
الإسلام: ((إطعام الطعام، وطيب الكلام))، والأول مستلزم للثاني، فإن من كان
خلقه السماحة، فعل هذا بخلاف الأول، فإن الإنسان قد يفعل ذلك تخلّقاً،
ولا يكون في خلقه سماحة وصبرٌ، وكذلك قال: ((أفضل المسلمين من سلم
المسلمون من لسانه ويده))، وقال: ((أفضل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)»،
ومعلومٌ أن هذا يتضمّن الأول، فمن كان حسن الخلق فعل ذلك. قيل للحسن
البصريّ: ما حسن الخلق؟ قال: بذل الندى، وكفّ الأذى، وطلاقة الوجه،
فكفّ الأذى جزء من حسن الخلق، وستأتي الأحاديث الصحيحة بأنه جعل
الأعمال الظاهرة من الإيمان، كقوله ◌َ﴾: ((الإيمان بضع وسبعون شعبةً،
أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))، وقوله لوفد
عبد القيس: ((آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟:
شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة،
وأن تؤدّوا خمس ما غنمتم)).
ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيماناً بالله بدون إيمان القلب؛
لِمَا قد أخبر في غير موضع أنه لا بدّ من إيمان القلب، فعلم أن هذه مع إيمان
القلب هو الإيمان. وفي (المسند)) عن أنس ◌َُّه عن النبيّ وَلقول أنه قال:
((الإسلام علانية، والإيمان في القلب))(١)، وقال بَّه: ((إن في الجسد مضغةً إذا
صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ألا وهي القلب))،
فمن صلح قلبه صلح جسده قطعاً، بخلاف العكس.
وقال سفيان بن عيينة: كان العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض
بهؤلاء الكلمات: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه
وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه.
رواه ابن أبي الدنيا في ((كتاب الإخلاص)). فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان
(١) ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))، للشيخ الألباني رحمه الله تعالى ص٣٣٦.

٣٧
كتاب الإيمان
صلح الجسد بالإسلام، وهو من الإيمان، يدلّ على ذلك أنه قال في حديث
جبريل ظلّل: ((هذا جبريل جاءكم يُعلّمكم دينكم))، فجعل الدين هو الإسلام،
والإيمان، والإحسان))، فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة، لكن هو درجات ثلاث:
مسلم، ثم مؤمن، ثم محسنٌ، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا
مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالٌِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية
[فاطر: ٣٢]، والمقتصد، والسابق كلاهما يدخل الجنّة بلا عقوبة، بخلاف الظالم
لنفسه، وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب، لكن لم يقم بما يجب
عليه من الإيمان الباطن، فإنه معرّضٌ للوعيد، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وأما الإحسان: فهو أعمّ من جهة نفسه، وأخصّ من جهة أصحابه من
الإيمان، والإيمان أعمّ من جهة نفسه، وأخصّ من جهة أصحابه من الإسلام،
فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخصّ
من المؤمنين، والمؤمنون أخصّ من المسلمين، وهذا كما يقال: في الرسالة
والنبوّة، فالنبوّة داخلة في الرسالة، والرسالة أعمّ من جهة نفسها، وأخصّ من
جهة أهلها، فكلّ رسول نبيّ، وليس كلّ نبيّ رسولاً، فالأنبياء أعمّ، والنبوّة
نفسها جزء من الرسالة، فالرسالة تتناول النبوّة، وغيرها، بخلاف النبوّة، فإنها
لا تتناول الرسالة. والنبيّ ◌َ فسّر الإسلام، والإيمان بما أجاب به، كما
يجاب عن الحدود بالحدّ، إذا قيل: ما كذا؟ قيل: كذا وكذا، كما في الحديث
الصحيح لَمّا قيل: ما الغيبة؟ قال: ((ذكرك أخاك بما يَكره))، وفي الحديث
الآخر: ((الكبر بطر الحقّ، وغمط الناس))، وبطر الحقّ: جحده، ودفعه،
و((غمط الناس)): احتقارهم، وازدراؤهم.
وسنذكر - إن شاء الله تعالى - سبب تنوّع أجوبته، وأنها كلّها حقّ. ولكن
المقصود أن قوله وَله: (بُني الإسلام على خمس))، كقوله: الإسلام هو
الخمس، كما ذكر في حديث جبرائيل علَّا، فإن الأمر مركّبٌ من أجزاء تكون
الهيئة الاجتماعيّة فيه مبنيّة على تلك الأجزاء، ومركّبةً منها، فالإسلام مبنيّ على
هذه الأركان - وسنبيّن إن شاء الله - اختصاص هذه الخمس بكونها هي
الإسلام، وعليها بُني الإسلام، ولم خُصّت بذلك، دون غيرها من الواجبات.
وقد فسّر الإيمان في حديث وفد عبد القيس بما فسّر به الإسلام هنا،

٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لكنه لم يذكر فيه الحجّ، وهو متّفقٌ عليه، فقال: ((آمركم بالإيمان بالله وحده،
هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا
إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم
رمضان، وأن تؤدّوا خمس ما غنمتم، أو خمساً من المغنم)). وقد رُوي في
بعض طرقه: ((الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله))، لكن الأول أشهر، وفي
رواية أبي سعيد ربه: «آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله، ولا
تشركوا به شيئاً)).
وقد فَسَّر في حديث شعب الإيمان الإيمان بهذا وبغيره، فقال: ((الإيمان
بضع وستّون، أو بضع وسبعون شعبةً، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها
إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)). وقد ثبت عنه من وجوه
متعدّدة أنه قال ((الحياءُ شعبة من الإيمان)) من حديث ابن عمر، وابن مسعود،
وعمران بن حصين ﴿ه، وقال أيضاً: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه
من ولده، ووالده، والناس أجمعين))، وقال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ
لأخيه ما يُحبّ لنفسه))، وقال: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن))،
قيل: من يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جاره بوائقه)). وقال: ((من رأى
منكم منكراً فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك
أضعف الإيمان)). وقال: ((ما بعث الله من نبيّ إلا كان في أمته قوم يهتدون
بهديه، ويستنّون بسنّته، ثم إنه يخلُّف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون،
ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه
فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمنٌ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة
خردل))، وهذا من أفراد مسلم. وكذلك في أفراد مسلم قوله وَلير: ((والذي نفسي
بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أو لا أدلّكم على
شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم))، وقال في الحديث المتّفق عليه
من رواية أبي هريرة ظاه، ورواه البخاريّ من حديث ابن عبّاس رضي الله
تعالى عنهما، قال النبيّ وَّ: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا
يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو
مؤمن، ولا ينتهب النهبة، يرفع الناس إليه فيها أبصارهم، وهو مؤمن)).

٣٩
كتاب الإيمان
فيقال: اسم الإيمان تارةً يُذكر مفرداً، غير مقرون باسم الإسلام، ولا
باسم العمل الصالح، ولا غيرهما، وتارة يُذكر مقروناً، إما بالإسلام، كقوله في
حديث جبرائيل: ((ما الإسلام، وما الإيمان؟))، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ
وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥]، وقوله رَّت: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ
ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]، وقوله رمَى: ﴿فَأَخْرَحْنَا
[الذاريات: ٣٥
٣٦)
مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥ ◌َا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ
- ٣٦]. وكذلك ذكر الإيمان مع العمل الصالح، وذلك في مواضع من القرآن،
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ﴾ الآية [الكهف: ١٠٧]، وإما مقروناً
بالذين أوتوا العلم، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَنَ﴾ الآية [الروم:
٥٦]، وقوله: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ الآية
[المجادلة: ١١]، وحيث ذكر الذين آمنوا، فقد دخل فيهم الذين أوتوا العلم،
فإنهم خيارهم، قال تعالى: ﴿وَاَلَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلِّ مِّنْ عِنْدِ رَيْنَا﴾
الآية [آل عمران: ٧]، وقال: ﴿لَّكِنِ الرَّسِخُونَ فِىِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ
إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكٌ﴾ الآية [النساء: ١٦٢].
ويذكر أيضاً لفظ المؤمنين، مقروناً بالذين هادوا، والنصارى، والصابئين،
ثم يقول: ﴿مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَِلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا
خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فالمؤمنون في ابتداء الخطاب غير
الثلاثة، والإيمان الآخر عمّهم، كما عمّهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِلُواْ
[البينة: ٧]، وسنبسط هذا إن شاء الله.
٧
الصَِّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ
فالمقصود هنا العموم والخصوص بالنسبة إلى ما في الباطن والظاهر من
الإيمان، وأما العموم بالنسبة إلى الملل، فتلك مسألة أخرى، فلما ذكر الإيمان
مع الإسلام، جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة: الشهادتان، والصلاة،
والزكاة، والصيام، والحجّ، وجعل الإيمان ما في القلب، من الإيمان بالله،
وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وهكذا في الحديث الذي رواه أحمد،
عن أنس ظُه عن النبيّ وَّ أنه قال: ((الإسلام علانيةٌ، والإيمان في القلب))(١).
(١) تقدم أنه حديث ضعيف.

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وإذا ذكر اسم الإيمان مجرّداً دخل فيه الإسلام، والأعمال الصالحة، كقوله وكلهم
في حديث الشعب: ((الإيمان بضع وسبعون شعبةً، أعلاها قول: لا إله إلا الله،
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))، وكذلك سائر الأحاديث التي يُجعل فيها
أعمال البرّ من الإيمان.
ثم إن نَفَى الإيمان عند عدمها دلّ على أنها واجبة، وإن ذَكر فضل إيمان
صاحبها، ولم ينف إيمانه دلّ على أنها مستحبّةٌ، فإن الله تعالى ورسوله وَ لَّ لا
ينفي اسم مُسمّى أمر، أمر الله به رسوله وَله إلا إذا ترك بعض واجباته، كقوله:
((لا صلاة إلا بأمّ القرآن))، وقوله: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا
عهد له))، ونحو ذلك.
فأما إذا كان الفعل مستحبّاً في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحبّ، فإن هذا
لو جاز لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان، والصلاة، والزكاة،
والحجّ؛ لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البرّ مثل
ما فعلها النبيّ وَّر، بل ولا أبو بكر، ولا عمر، فلو كان من لم يأت بكمالها
المستحبّ يجوز نفيها لجاز أن تُنْفَى عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين،
وهذا لا يقوله عاقل. فمن قال: إن المنفيّ هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال
الواجب الذي يُذمّ تاركه، ويتعرّض للعقوبة، فقد صدق، وإن أراد أنه نفي الكمال
المستحبّ، فهذا لم يقع قط في كلام الله رَك ورسوله ◌َّر، ولا يجوز أن يقع،
فإن من فعل الواجب كما وجب عليه، ولم ينتقص من واجبه شيئاً، لم يجز أن
يقال: ما فعله، لا حقيقةً، ولا مجازاً، فإذا قال للأعرابيّ المسيء في صلاته:
((ارجع، فصلٌ، فإنك لم تصلّ))، وقال لمن صلّى خلف الصفّ، وقد أمره
بالإعادة: ((لا صلاة لفذّ خلف الصفّ))، كان لترك واجب، وكذلك قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَحَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ
[الحجرات: ١٥]، يبيّن أن الجهاد واجب،
سَبِيلِ اللَّهِ أُؤْلَئِكَ هُمُ الضَدِقُونَ
وترك الارتياب واجب، والجهاد، وإن كان فرضاً على الكفاية، فجميع المؤمنين
يخاطبون به ابتداء، فعليهم كلّهم اعتقاد وجوبه، والعزم على فعله، إذا تعيّن،
ولهذا قال النبيّ ◌َّ: ((من مات، ولم يغز، ولم يُحدّث نفسه بغزو، مات على
شعبة نفاق))، رواه مسلم، فأخبر أنه من لم يهمّ به كان على شعبة نفاق.