النص المفهرس
صفحات 1-20
فَضَائِلُ القرآن للإمَام أحمدبن شَعَيْبُ النّسَائِى المتوفى ٣٠٣ هـ تحقيق الدكتور فَاروق جَمَادة أُسْتَاذْ كُرُسَي السُّنّة وَعُلومِهَا بكليَّة الآداب - جَامعَة محمّد الخامِس الرَّبَاط دَارُ الثّقَافَة الدار البَيضَاء دَارِ الحَيَاء العلوم بَيروت فَضَائِلُ القُرآن ٨ للإمَام احمدبن شعيب النَّائى المتوفى ٣٠٣ هـ تحقيق الدكتور فَاروق جَمَارة أُسْتَاذَ كُرُسِي السُّّة وَعُلومهَا بكليَّة الآداب - جَامعَة محمّد الخامِس الرّبَاط دَارُ الثقَافَة الدار البيضاء دَار الحَيَاء العُلوم بَيروت حقوق الطبع محفوظة الشركة الجديدة دَار الثقافة الدار البيضاء دَاراحياء العُلوم بيروت الطَّبعَة الثَّانِيَة ١٩٩٢ مـ -١٤١٣هـ ٠/٦ فَضَائِلُ القُرآن ◌ِلَهِالَّمِالرَّحِيمِ 13.1 مقدمة الطبعة الثانية إنَّ الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيآت أعمالنا ، من يهدِ الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشداً . وأشهد أن لا إله إلّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون . وصلَّى الله على هذا النبي القائل: ((ما من نبي من الأنبياء إلَّ قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ . فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)) فالقرآن العظيم كرامة النبي وَّر العظمى، ومعجزته الكبرى الباقية على مرِّ الدهور مع تطاول القرون والعصور تشهدها البشرية كلها قاصيها ودانيها ، أحمرها وأسودها ، وتضعها تحت الفحص والدرس ، والبحث والتأمل في شتى المجالات وجميع الاتجاهات فتوقن بصدق هذا الكتاب وصحة ما جاء فيه ، وأنه فوق البشر في جميع الأزمنة والأمكنة، فتنعطف عليه قلوب وتتجه إليه أفئدة من كل مكان ومن كل جنس وبذلك يعلو في الخافقين دين الإِسلام وترتفع راية ـ-٢٥ القرآن لما تضمنه من حق ، ولما فيه من الخير والصلاح والرشد للخلق ، فالحاجة أساساً قائمة لتعريف الناس بالقرآن الكريم ، وبمقاصده ودعوته للعالمين ، وإحاطته وشموله لشؤون الناس أجمعين . وفي هذا الوقت بالذات الذي سقطت فيه مبادىء وأفكار ، وتهاوت صروح الأوهام البشرية على أرض الواقع فأبانت بتهاويها وانحسارها وسرعة اندثارها صدق القرآن العظيم : أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها ، فاحتمل السيل زبداً رابياً ، ومما يوقدون عليه في النار ابتغاءَ حليةٍ أو متاع زبد مثله ، كذلك يضرب الله الحق والباطل . فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ، كذلك يضرب الله الأمثال ﴾ [ الرعد ١٧ ]. وإن أعظم عمل يقوم به المسلم اليوم هو التعريف بالقرآن العظيم ، والدلالة عليه ، وبيان ما فيه جملة أو تفصيلاً، قولاً وعملاً ، وبذلك يكون منقذاً للخلق ، وصوتاً للحق ، وارثاً للأنبياء عاملاً برسالة السماء ، كما قال عزَّ من قائل: ﴿ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحاً ، وقال : إنني من المسلمين ﴾ [ فصلت ٣٣ ] . ومن انخنث عن ذلك ، أو حاد عن درب القرآن ، ومنته نفسه الأماني ، فلن يجني غير الضيعة والخسران دنيا وآخرة ، ولن يلقى غير الذلة والهوان ، فالقرآن منبع العزة والمؤمنون به هم الأعزة ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ، ولكن المنافقين لا يعلمون ﴾ [ المنافقون الآية ٨] . وإنها لسنة ربانية في هذا الكون تحيق بالفرد ، والجماعة ، والبشرية كلها . وإنَّ نبينا عليه الصلاة والسلام حين يؤكد على كل مسلم أن يتلو ٦ القرآن ، وأن يحفظ شيئاً من القرآن العزيز ، إن كان لا يستطيع حفظه كله ، وأن يجعله محور حياته ، ودائرة وجوده ، وأن يعيش معه وله ، إنَّما يريد صلوات الله عليه بذلك أن يكون المسلم إنساناً ربانياً، مَعْلماً من معالم الخير ، ميزاناً من موازين الحق الذي تلقي إليه البشرية كلها المقاد بالتسليم ، والرضى ، والاطمئنان . ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ﴾ [الشورى ١٧ ]. وإن محاولة الإِنسان المسلم تعلم القرآن ومجاهدته في هذا السبيل وإصراره عليه لفيها أجر عظيم ودلالة على صدق النية ، وعمق الإِرادة ، ولن يترك الله سبحانه وتعالى مَنْ كان هذا شأنه بل سيأخذ بيده ، ويهديه إلى رشده ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإنّ الله لمع المحسنين ﴾ [ العنكبوت ٦٩ ] . وإن تأكيده صلوات الله وسلامه عليه على كل مسلم أن يكون في جوف كل مسلم آيات مخصوصة وسور مخصوصة كحدٍّ أدنى من هذا الكتاب العزيز هو إنشاء لأمة تشترك جميعها في جزء لا بدّ منه من مفاهيم القرآن الأساسية : كآية الكرسي ، وسورة الإِخلاص ، والآيتين من آخر سورة البقرة وغير ذلك مما جاء التأكيد عليه في ثنايا هذا الكتاب وغيره . ولأن هذه المفاهيم أساس في النظرة إلى الحياة والكون وموقع الإِنسان فيهما . إنَّ هذا الكتاب الذي نقدمه في طبعته الثانية جليل ونافع للخاص والعام فهو بغية للدارس المتخصص وطِلْبة للمثقف الباحث ، ودليل للقارىء المسترشد ، وقد لقي بفضل من الله تعالى القبول والاستحسان عند أهل العلم والمعرفة في كل صقع دخل إليه ، أو اطلع أهله عليه ، وما ٧ ذلك إلَّ لأنه قبس من القرآن العظيم ، وبشرى صادقة بأن نوره ، قريباً إن شاء الله ، سيغمر الخافقين . وقد أعدنا النظر في طبعته الثانية هذه ، وشكّلنا جميع حروفه تقريباً لتسهل قراءته على كل شادٍ وراغب، وزدناه توثيقاً بمقابلته على نسخة ثانية تيسرت لنا مما جعله على غاية من الضبط والإِتقان إن شاء الله . وإنه لمما يحزّ في النفس أن الانحطاط الخلقي لا زال مستشرياً في هذه الأمة - وهي في الأصل أمة الفضيلة - رغم ما يحلّ بها من محنٍ ونكبات ، ومن علامات ذلك أن نفراً يختلسون الكلمة والفكرة ، والكتاب ، ويمسخونها ، ويتاجرون فيها . وقد عرا هذا الكتاب النافع ما عرا أمثاله من كتبنا وغير كتبنا ، إذ اعتدى عليه ناشر فحذف ما حذف ، وأخرج نصوص الأحاديث مجردة من سوابقها ولواحقها ، ولم تأخذه ذرة من حياء فأعلن أنه يطبع النص عن طبعتنا الأولى، وقد فعّد لنا النبي وَله ميزاناً للفرد والجماعة والأمة في قوله: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوّة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) فحرم بذلك القراء فوائد جمّة ، ولربما بقي بعض النصوص غير واضح أمام القارىء ، وبعضها فيه لبس وإشكال ، وإلى الله المشتكى من تجار الحروب !! وكتب عليه : حقوق الطبع محفوظة !!! وختاماً أيها القارىء الكريم ، فإن بين يديك كتاباً جليلاً عضّ عليه بنواجذك ، واعمل بما يهدي إليه تكن من الفائزين إن شاء الله ، وخصني وأولادي الذين قابلوا معي نصوصه بدعوة صالحة ، إذا نظرت فيه وانتفعت به . ٨ فير وإني لأضرع إلى الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل ، وأن يأخذ بنواصينا إلى الحق وإلى صراط مستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ، ولا الضالين . آمين والحمد لله رب العالمين . و کتبه الدكتور فاروق حمادة بشارع الإِمام علي بالقنيطرة من مدن المغرب الأقصى فجر يوم الأحد ٨ ربيع الآخر ١٤١١ هـ ٢٨ أكتوبر ١٩٩٠ م ,۵٠ هـ ثي ٩ بِسْـ ١٠٤٠٤ ◌ِللَّهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ تقديم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيِّد المرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد : فقد أكرم الله تبارك وتعالى البشرية في جميع أعصارها وأدوارها بهدايته ووحيه ، فبعث الرسل الكرام ، وأنزل عليهم الوحي الهادي المبين ليَهْلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حيي عن بينة ، وكان من حكمته سبحانه وتعالى أن ختم كلمات الوحي المقدسة إلى البشرية بالقرآن الكريم ، وتكفل عز وجل بحفظه وصيانته دون غيره من الكتب ﴿ إنا نحن نَزَّلنا الذِّكر وإنّا له لحافظون﴾ . وبما أودع الله سبحانه في كلماته القرآنية المقدَّسة من الهداية إلى الطريق الأقوم ، والعمل الأسلم ليصل الإِنسان إلى النهاية الحسنى ، والنتيجة العظمى ﴿ إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، ويبشِّرُ المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنَّ لهم أجراً كبيراً، وأنَّ الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذاباً أليماً﴾ جعل التزام حدوده فرضاً، والعمل بما جاء به حياة ترضى ، لا تفريق ولا انفصام بين أمور الآخرة وأمور الدنيا ﴿ قد جاءكم من الله نورٌ وكتاب مبين ، يهدي به الله من اتّبع رضوانه سبل ١١ السلام ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ، ويهديهم إلى صراط مستقيم ﴾ ﴿فقد جاءكم بيِّنة من ربكم وهدى ورحمةٌ فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصَدَف عنها ، سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون ﴾ ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟! فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردّون إلى أشدّ العذاب ، وما الله بغافل عما تعملون ﴾ . ولقد تنزَّل هذا الكتاب الكريم في أمَّة عايشت حضارات اختلت فيها الموازين ، واضطربت المُثُل ، وانحرفت عن النهج المستقيم ، فلما أيقن أولو الألباب صدق وصحة ما جاء في هذا الكتاب أصبح شغلهم الشاغل في مدارسته وحفظه ، والعمل بما جاء به ، وتبليغه ، فكانت نتيجة ذلك أن جعل من اضطرابهم ثباتاً ، ومن اعوجاجهم استقامة ، ومن جهلهم علماً مستنيراً ، وأصبحوا بشهادة الله تبارك وتعالى خير أمة أخرجت للناس . وإن من أعظم مِنَن هذا الكتاب على الإِنسانية عامة ، والأمة العربية خاصة ، أن أصبحت بفضله تعرف للقلم حقّه ، وتَقْدُر للمعرفة ولتدوينها قَدْرها ، إذ كان تدوين النص القرآني وحفظه والحفاظ عليه ، مع توجيهاته وأوامره في هذا الباب منطلقاً أساسياً لكل المعارف والعلوم التي نشأت في رحاب الحضارة العربية الإسلامية ، وبه فُجّرت أهمّ وأعظم ثورة علمية في تاريخ البشرية . كما أن حفظ الله تبارك وتعالى لهذا الكتاب قد هيأ له العقول الثاقبة ، والقلوب الواعية والجهود المتضافرة والتي تفتقت عن مناهج علمية ، ووسائل منطقية جدّ دقيقة لتتناقله جيلاً بعد جيل ، وعصراً بعد عصر ، كما أنزل على النبي المصطفى الكريم دون خلل أو تحريف ، فكان النص ١٢ القرآني - كما هو مبين داخل هذا الكتاب - يكتب أمام ناظري رسول الله وعليه بالأيدي الأمينة ، وتتشربه الأفئدة الواعية ، وتتدبره الألباب الصافية ، فتجعل منه الأرض غير الأرض ، والحياةَ غير الحياة . وبعد نزوله لم يكن يوم يمرّ إلا ويحظى بالمزيد من العناية والدراسة والتفصيل ، وهكذا مع الأيام ومع الزمن ، وسيبقى كذلك تحقيقاً لوعد الله سبحانه ، تخدمه العقول ، ويبيِّنه العلماء كل في ميدان معرفته وتخصصه . فاللغويون تناولوا جانب اللغة - ولا زالوا - فالنحاة بحثوا جانب النحو والحركات الإعرابية ، مما أدى إلى ضبط جميع حركات وسكنات حروف القرآن الكريم . والبلاغيون بحثوا فيه جانب البيان والمعاني والبديع ، وأبرزوا سموه وإعجازه . والصرفيون بحثوا تركيب الكلمات وبنيتها ، وضبطوها . وآخرون بحثوا تاريخ اللغة وكلماتها ومواردها وبينوا ما فيه من لغات القبائل العربية وغيرها على اختلافها . وعلماء الرسم والخط أحصوا رسم كلمات القرآن واحدة واحدة ووضعوا لذلك قواعدهم وأصولهم . والفقهاء والمشرعون استلهموا الآيات وفصلوا أحكامها . والأصوليون .... والوعاظ والمرشدون اهتدوا بالأسلوب القرآني وجدله في معالجة انحراف الفرد والمجتمع واعتمدوا قصصه وجمعوها وصنفوها . وعلماء العقيدة والكلام جعلوا القرآن منطلقهم في معرفة العقيدة الصحيحة المنجية ، ومعرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العليا ، ومنه عرفوا الرسل ومميزاتهم ... والمحدثون جمعوا ما يتعلق بالقرآن الكريم ، في نزوله وأسباب نزوله وتاريخه ، وما جاء في التنويه والإشادة به أو ببعضه ، والحض على تعلمه ونشره عن النبي صلوات الله وسلامه عليه .... وآخرون كثيرون كل فيما علَّمه الله وألهمه . ١٣ وقد جمع العلماء راموزاً لتلك الدراسات التي قامت حول القرآن الكريم وسمّوها ( علوم القرآن ) وهي مفتاح لتلك البحوث المستفيضة التي بلغت في تقسيماتها وأنواعها ثمانين نوعاً حسبما عددها الإِمام السيوطي رحمه الله تعالى(١) . ومن المشاهد المدرك أن العناية بالقرآن الکریم تزداد يوماً بعد يوم مع تقدم العلم والمعرفة الإِنسانية ، وإن المرء ليتملكه العجب حين يجد أن غير المسلمين من النصارى واليهود عندما اخترعوا الطباعة قد أقدموا على طبع القرآن الكريم ، قبل أن يطبعوا كتبهم المقدسة !! ونلاحظهم كذلك اليوم يتفننون في طباعته وإخراجه ، وطباعة الكتب المتعلقة بعلومه ، وليكن مقصدهم في ذلك ما كان ، فهم يُسدون خدمة جليلة لهذا النص من حيث يشعرون أو لا يشعرون . وإذا كانت البشرية اليوم في عمه السكرة التي أبعدتها عن القرآن الكريم وهدايته ، والإِسلام وعظمته ، فهي في ظلام دامس تتخبط ، وفتن عمياء تهوي وتسقط ، فلن تجد لها سبيلاً ومخرجاً إلا في القرآن الكريم ، وقد جاء ذلك في الحديث من طريق سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((ألا إنها ستكون فتنة . فقلت ما المخرج منها يا رسول الله ؟! قال : كتاب الله ، فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، وهو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله ، وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق على (١) انظر الإتقان في علوم القرآن ٧/١ . ١٤ كثرة الردّ ، ولا تنقضي عجائبه ، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا : ﴿ إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرُّشْد فآمنا به ﴾ من قال به ـليه صدق ، ومن عمل به اجِر ، ومن حکم به عدل ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم ))(١) . وإيماناً مني بأن الله عز وجل سيُحق الحق بكلماته ، ويقطع دابر الكافرين والظالمين ، والجاحدين والمعاندين وسينصر هذا الدين ، وسيعلي رايته في الخافقين ، أقدِّم هذا الكتاب القيِّم ، الذي يتعلق بالنور والشفاء بالقرآن العظيم ، أقدِّمه للقراء والباحثين والدارسين لما ضمّه من معلومات هامة حول النص القرآني ، ولما جمعه من أحاديث نبوية كريمة تحفز المسلمين وتدفعهم للعودة إلى كتاب ربهم ، ليجعلوه أَسَّ حياتهم ووجودهم ... والله أسأل أن ينفع به ، وأن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم ، أجده بين يديَّ يوم الدين وحسبي الله ونعم الوكيل ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. وكتبه الدکتور فاروق حمادة في رباط الفتح غرة رمضان المبارك ١٣٩٩ هـ (١) أخرجه الدارمي في سننه رقم /٣٣٣٤ - ٣٣٣٥/ والترمذي في جامعه ٥١/٤ . واختصره الإِمام أحمد في مسنده ١/ ٩١ . وفي إسناده الحارث الأعور فيه مقال . ١٥ فضائل القرآن والمؤلفات في هذا الباب ١ - فضائل القرآن، أو ثواب القرآن عنوان لما جاء عن النبي وَل في تعلم القرآن وتعليمه عموماً أو في حق بعض الآيات والسور من الفضل والثواب والأجر الدنيوي والأخروي ... ويلحق بها المصنفون في هذا الباب مسائل أخرى تتعلق بالنص القرآني كَكُتّابه وحفّاظه ... وهي في واقع الأمر تنضوي تحت هذا الباب من جهات عديدة ، فلولا القرآن الكريم لما ارتفع لكتّابه ولحفّاظه ذكر ولما كانت لهم تلك المنزلة وهذا القدر ... وقد بدأ التصنيف في هذا الباب مبكراً فجمع الأئمة ما جاء عن النبي 18َّ والصحابة رضوان الله عليهم في ثواب القرآن وفضله ، إلا أننا نلاحظ من خلال ما نقل في هذا الباب دخول الأحاديث الموضوعة ، وتناقلها المفسرون في كتبهم دون بيان أو تنبيه أو إشارة لوضعها وكذبها ، ومن ذلك الحديث الطويل المنسوب إلى أبيّ بن كعب رضي الله عنه في فضائل سور القرآن سورة سورة ، وهو حديث موضوع ، وقد جاء عن المؤمَّل بن إسماعيل قال : حدثني شيخ بحديث أبيّ بن كعب في فضائل سور القرآن سورة سورة ، فقال : حدثني رجل بالمدائن وهو حيّ ، فصرت ٠١ ١٧ إليه ، فقلت له : من حدَّثك ؟ قال : حدثني شيخ بواسط وهو حيّ ، فصرت إليه ، فقلت : من حدثك ؟ قال : حدثني شيخ بالبصرة ، فصرت إليه فقلت : من حدثك ؟ قال : شيخ بعبادان ، فصرت إليه ، فأخذ بيدي فأدخلني بيتاً فيه من المتصوفة وبينهم شيخ ، فقال : هذا الشيخ حدثني ، فقلت : يا شيخ من حدَّثك ؟ فقال : لم يحدثني أحد ولكننا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن(١). وقد سأل عبد الرحمن بن مهدي ميسرة بن عبد ربه ، من أين جئت بهذه الأحاديث من قرأ كذا فله كذا ؟ قال : وضعتها أرغب الناس فيها(٢). كما سئل نوح الجامع - عصمة بن أبي مريم - من أين لك عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا ؟ فقال : إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة (٣). ولهذا فقد أخطأ بالغ الخطأ من أودع هذه الأحاديث في كتبه ، ومن أكثر الناس لها تداولاً المفسرون كالواحدي ، والثعلبي ، والزمخشري وآخرين ، ولا يعذر بعضهم بنقلها بإسنادها دون النصٍّ على وضعها وافترائها ، لأن نقل هذه الموضوعات في كتب التفسير أو كتب ثواب القرآن وفضائله تحجب معرفة النص القرآني وتشوهها . (١) روى ذلك الخطيب البغدادي عن المؤمَّل بن إسماعيل وانظر التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح للعراقي ص ١٣٤. وفتح المغيث للسخاوي ٢٤٢/١. والاتقان للسيوطي ١٥٥/٢ . وقيل: إن نوح بن أبي مريم هو الذي وضعه . وتدريب الراوي ١٨٩ . (٢) انظر المجروحين من المحدثين لابن حبان ١/ ٥٤. (٣) أخرج ذلك الحاكم النيسابوري في المدخل . وانظر الإتقان للسيوطي ٢ /١٥٥ . ١٨ وقد صحت أحاديث في فضائل القرآن الكريم وبعض السور والآيات على التعيين جمع أكثرها كتابنا هذا مجانباً فيه مؤلفه رحمه الله الموضوعات ، والواهيات ، والضعاف . ومن الجدير بالذكر هنا أن ما صح في فضائل بعض السور والآيات ، وما جاء في خواصها لا ينتفع به إلا من أخلص لله قلبه ونيته وتدبر الكتاب في سمعه وعقله ، وعَمَر به قلبه ، وأعمل به جوارحه ، وجعله أنسه وسميره في ليله ونهاره ، وتمسك به ، هنالك تأتيه الحقائق - كما يقول الزركشي - من كل جانب ، ومن لم يكن بهذه الصفة كان فعله مكذباً لقوله ، ولن يستفيد شيئاً من ذلك(١) . ٢ - وقد ألفت في فضائل القرآن وثوابه مؤلفات مستقلة كثيرة وصل إلينا بعضها ، وبعضها وصل إلينا بعضه ، وطائفة ذكرت أسماؤها ونقل منها المؤلفون في ذلك ، ولم نعثر لها على أثر . وقد ذكر حاجي خليفة أن أوّل من فتّق التصنيف في هذا الباب هو الإِمام الشافعي محمد بن إدريس رحمه الله تعالى المتوفى ٢٠٤ هـ إذ قال : وأول من صنف فيه الإِمام محمد بن إدريس الشافعي .. هو ( منافع القرآن )(٢)، ثم تلاه : * أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي المتوفى ٢٢٤ هـ، وهو الإِمام المجتهد الفقيه الأديب المشهور ، صاحب التصانيف المشهورة ، والعلوم المذكورة ، سمع منه أحمد بن حنبل ، وزهير بن حرب ، والبخاري وحدَّث عنه في التاريخ ، وأبو داوود ، والترمذي وجماعة ، وكان أحد أئمة (١) انظر البرهان للزركشي ٤٣٦/١. (٢) انظر كشف الظنون ١٢٧٧/٢ . ١٩ الدين ، وعلماً من أعلام المسلمين روى الناس من كتبه نيفاً وعشرين كتاباً ومنها فضائل القرآن . ومن خلال النقول من كتابه والإِحالات عليه يمكننا عدّه أهم كتاب في هذا الموضوع على الإطلاق لما يسوقه من أحاديث ، ويبديه من آراء واجتهادات ، وقد بقي كتابه هذا محفوظاً في أماكن عدَّة منها المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم ( عام ٧٦١٥ ق ١ - ١١٧ )(١). وقد ذكر الدكتور فؤاد سزكين لأبي عبيد كتاباً آخر يتعلق بالقرآن سمّاه ( كتاب جمع أحاديث القرآن وأنبائه في كتابته وتأليفه ، وإفادة حروفه ، وفضائل تلاوته ، وصفته من أدبه )(٢)، ويقيني أنه هو فضائل القرآن لأن موضوعاته نفس موضوعات فضائل القرآن. وكتاب فضائل القرآن قد حققه غير واحد ونالوا به درجات علمية ، ولم يطبع حتى الساعة فيما أعلم ، وقد يسَّر الله فاطلعت على مخطوطة له ، فكان أجمع كتاب في هذا الباب . وخلف بن هشام بن ثعلب بن طالب بن غراب أبو محمد البغدادي المقرىء البزار المتوفى ٢٢٩ هـ أحد الأعلام، وله اختيار في القراءة ، خالف فيه حمزة ، وصنف كتاب فضائل القرآن ذكره له شمس الدين الداوودي في طبقات المفسرين(٣). * وهشام بن عمَّار أبو الوليد السُّلمي الدّمشقي خطيب دمشق . (١) وانظر ترجمة المصنف في تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢٥٧/٢. وتذكرة الحفاظ ٤١٧/٢. وطبقات المفسرين ٣٢/٢. ومفتاح السعادة ٣٠٦/٢. وغيرها. وانظر رواية ابن خير الإِشبيلي لهذا الكتاب في فهرسته ص ٦٩ . (٢) انظر تاريخ التراث العربي ١٧١/١. (٣) انظر ١٦٤/١. وانظر ترجمته في شذرات الذهب ٦٧/٢. وطبقات القراء للذهبي ١٧١/١ وغيرها . ٢٠