النص المفهرس
صفحات 121-140
نعيم عن جابر ظته ثم قال: خالفه هشام رواه عن يحيى عن أبي سلمة عن جابر ثم قال: خالفهما محمد بن عمرو فقال: عن أبي سلمة عن أبي سعيد ظه. ومجموع الأحاديث التي صرح بالاختلاف على الراوي بهذه الطريقة أكثر من ثلاثين حديثاً. الطريقة الثالثة: أن يشير إلى الاختلاف بذكر ما يدل عليه، ولا يصرح به كأن يسوق إسنادا مرفوعاً إلى النبي ﴿ل ثم يعقبه بإسناد آخر موقوفا ثم يرجِّح أحدهما على الآخر. ومن ذلك على سبيل المثال أنه رواه حديث أنس مظلته « أن رسول اللّه ◌َلّ قطع في مجن» من طريق هشام عن قتادة عن أنس ظه مرفوعا ثم رواه من طريق سفيان عن شعبة عن قتادة عن أنس ظته قال : قطع أبو بكر موقوفاً. ثم قال هذا ( أي الموقوف) هو الصواب (١) . ومعنى هذا أن الحديث اختلف في إسناده على قتادة مرفوعا وموقوفاً بلغ مجموع أحاديث هذا النوع أكثر من خمسين حديثاً. الطريقة الرابعة: أن يصرح عقب أحد الطرق بتفرد الراوي وعدم متابعة غيره له على وجهه كقوله في غير موضع « لا أعلم أحداً تابع فلاناً على روایته»». (١) انظر المجتبى (٧٧/٨) ١١٧ والتفرد عنده نوعان: الأول - وهو الأغلب - أن يكون الراوي بالفعل قد خالف الجماعة في الإسناد أوالمتن، وهذا النوع في حقيقته داخل في الطريقة الثانية، وإنما خصه بالذكر لأن الاختلاف فيه وقع بين راو وحده وبين جماعة من الرواة كثيرين والسرُّ فيه أن إدراك وجه العلة في هذا النوع أظهر وأبين من غيره لأن رواية الراوي خلاف ما رواه الجماعة فيه دلالةٌ واضحةٌ على شذوذ هذه الرواية. ومن ذلك قوله« لا أعلم أحداً تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية ، وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ» (١). والنوع الثاني: أن يعل رواية الراوي لأنها مخالفة لما عُرف عن الشيخ وإن لم يخالف الراوي أحداً في ذلك الحديث، وليس لذلك الراوي من الضبط ما يؤهله لقبول ذلك منه، كقوله « عبد الملك بن نافع ليس بالمشهور، ولا يحتج بحديثه، والمشهور عن ابن عمر خلاف حكايته» (٢). وهو قليل في الكتاب قد لا يصل عدد الأحاديث بهذه الطريقة إلى خمسة أحاديث. الطريقة الخامسة: أن يصرح بعدم سماع الراوي عن شيخه في هذا الحديث مستدلاً بالروايات الأخرى التي يذكرها بعد ذلك، وفيها التصريح بالواسطة، ولها حالتان: (١) انظر المجتبى (٤٣/٣) (٢) انظر المجتبى (٣٢٤/٨) ١١٨ الأولى: أن يكون الإسقاط ممن دون الشيخ من الرواة عنه كأن يروي جماعة عنه بإسقاط الواسطة، وآخرون عنه بذكر تلك الواسطة، فهذا اختلاف داخل في باب إعلال الحديث بالاختلاف. الثانية: أن يكون الإسقاط من الشيخ نفسه دون الرواة عنه فلايعد - والحالة هذه - اختلافاً بل هو تدليس، أو إرسال خفي أو انقطاع على حسب حالة الراوي وشيخه. ٥= ذكر نوعية الاختلاف التي أعل بها الأحاديث. ١= أن يُعل الحديث باختلاف الرواة بعضهم لبعض في استبدال راو بآخر في الإسناد كأن يروي شخصُ أوجماعةٌ مثلا عن السبيعي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، ويخالفهم آخرون فيروونه عن السبيعي عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد يكون الاستبدال بأكثرَ من راوٍ كأن يروي شخص أوجماعة عن الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما، ويخالفهم آخرون فيروونه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ره . ب= أن يعل الحديث باختلاف الرواة في اسم راو في إسناده، فيسميه بعضهم باسم وبعضهم باسم آخر . ج= أن يعل الحديث بالاختلاف عليه بين رواته في الوصل، والإرسال فیرسله بعضهم ويوصله آخرون. هــ=أن يعل الحديث بسبب اختلاف رواته فيه رفعا ووقفا فيرفعه بعضهم ویوقفه آخرون ١١٩ و= أن يعل الحديث بسبب اختلاف رواته في اتصال سنده وانقطاعه. ز = أن يعل الحديث بسبب اختلاف رواته فيه بزيادة راو في الإسناد مما يعرف في المصطلح « المزيد في متصل الأسانيد » . ح = أن يعل الحديث بسبب تفرد أحد رواته بما لايتابع عليه. ط =أن يعل الحديث بسبب دمج بعض رواته الموقوف بالمرفوع ي = أن يعل الحديث بسبب اختلاف رواته فيه بذكر زيادة في المتن (١) ٦= القواعد التي استخدمها للترجيح بها بين الوجوه المختلفة إن النسائي - رحمه الله تعالى - لم يكتف في إظهار العلة بجمع طرق الحديث بل قد أظهر عناية فائقة في الترجيح بين الوجوه المختلفة على أسس علمية متينة على ضوءها صوب، وخطأ وضعف، وصحح. ولقد بلغت ترجيحاته بين الوجوه ما يربو على خمسين بمختلف أنواع الترجيحات، ولكن مما ينبغي أن يعلم أن الحديث الواحد قد يختلف في إسناده على أكثر من ستة وجوه، فيرجح النسائي مثلا بين وجهين فقط، ويسكت عن بقية الوجوه. ومن القواعد التي اعتمدها في الترجيح بين الوجهين ما يلي: ١= أن يرجح بين الوجهين أو الوجوه بكثرة رواته فيرجح ما رواه اثنان على ما رواه واحد بشرط أن لا يتفوق عليهما بمزيد من الضبط، والأمثلة على هذا النوع كثيرة من ذلك ما تقدم ذكره من ترجيح رواية سالم ونافع (١) وسأذكر بإذن الله إحصائية لكل نوع من هذه الأنواع في الخاتمة. ١٢٠ وطاوس على رواية علي الأزدي (١) ويدخل في هذا النوع إعلاله بما تفرد به راو عن الجماعة لأنه بذلك قد خالف من هو أكثر عددا. ومن ذلك أنه أخرج حديث ابن عمر ظلته عن حفصة رضي الله عنها «أنه ◌ُ كان يصلى ركعتي الفجر ركعتين خفيفتين » من طريق عبد الحميد ابن جعفر عن نافع عن صفية عن حفصة مرفوعا، ثم قال: الحديث خطأ ثم رواه من اثني عشر طريقاً عن نافع عن ابن عمر عن حفصة رضي الله عنها مرفوعا (٢) وقد لا يصرح بالترجيح اكتفاء بسرد الطرق المخالفة لأحد الوجوه وهذا أيضا في الكتاب كثير كما نبهت عليه عند الحديث عن طريقة سوقه للأسانید. ٢= إنه يرجح بين الوجوه بقوة الضبط، والحفظ ومن ذلك قوله في كتاب الزكاة عقب وجوه ثلاثة « وسلمة بن كهيل خالف الحكم في إسناده والحكم أثبت من سلمة بن كهيل» (٣) ومن ذلك أيضا قوله « وهذا الحديث ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي وهارون بن رئاب أثبت منه، وقد أرسل الحديث وهو ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم(٤). (١) انظر المجتبى ( (٢٢٧/٣) (٢) انظر المجتبى (٢٥٣/٣) (٣) المجتبى (٤٩/٥) (٤) المجتبى (٥٩/٦) ١٢١ ٣= إذا اختلف الرواة في الحديث وكان العدد الأقل أكثر ضبطا، والمخالفون لهم أكثر عدداً ففي هذه الحالة تختلف وجهات النظر ولكني لاحظت أن النسائي يرجح الوجه بالأقوى ضبطاً، وإن كان أقل عدداً بشرط أن تؤيد القرائن الأخرى. ومن ذلك قوله في قيام الليل « ( أبو نعيم ( الفضل بن دكين) أثبت عندنا من محمد بن عبيد، ومن قاسم بن يزيد ... » (١) . ٤= ترجيحه بين الوجوه المختلفة على شيخ معين بأثبت الناس فيه وأعرفهم لحديثه، وقد صرح بهذه القاعدة بقوله « أثبت أصحاب سفيان ( الثوري) عندنا - والله أعلم - يحيى القطان، ثم عبد الله بن المبارك، ثم وكيع، ثم عبد الرحمن بن مهدي، ثم أبو نعيم، ثم الأسود» (٢). فهكذا رتب هؤلاء الرواة في ترجيح بعضهم على بعض بالنسبة لحديث سفيان الثوري، وإن كان بعضهم يترجح على البعض الآخر في الجملة أوفي شيوخ آخرين كترجح عبد الرحمن بن مهدي على وكيع في الجملة. وفي حالات نادرة يأتي المرجوح راجحا نظرا لقرائن أخرى في الراوي والمروي، ومن ذلك أن النسائي رجح أشعث ابن عبد الملك الحمراني على قتلدة بن دعامة في حديث معين فقال:« قتادة أثبت وأحفظ من أشعث، وحديث (٣) انظر المجتبى (٢٥٠/٣) (٤) انظر المجتبى (٢٥٠/٣) ١٢٢ أشعث أشبه بالصواب » (١) وكقوله « ابن المبارك أجل وأعلى من الحجاج وحديث حجاج أولى » (٢) وترجيحه لرواية أشعث على رواية قتادة اجتهاد منه ــ رحمه الله تعالى - وقد قال غير واحد من أهل العلم منهم أبو حاتم والبخاري والترمذي بأن كلا الوجهين محفوظ عن الحسن البصري رحمه الله. وهذا ما صرح به النسائي من قواعد الترجيح وهي لا تنحصر فيما ذكر فقط، بل هناك قواعد وقرائن كثيرة يمكن اعتبارها من القواعد للترجيح بها بين الوجوه. ثم إن هذه القواعد التي استخدمها النسائي للترجيح بها بين الوجوه هي متفق عليها بين أئمة الحديث، وأهل المعرفة بالعلل وليست خاصة به وإنما نسبتها إليه لأن الدراسة تتعلق بكتاب من كتبه. تنبيه: قد يختلفون في الترجيح بتلك القواعد في حديث بعينه، بسبب تداخل المرجحات بخلاف المتأخرين فإنهم يحتجون بما رواه الثقة ولو خالف جماعة، وحجتهم في ذلك أنه زيادة الثقة مع موافقتهم في التقعيد أئمة الحديث في اشتراط نفي الشذوذ في حد الصحيح، ولهذا يقول ابن حجر : «واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقا من غير تفصيل ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لايكون شاذا ثم يفسرون بمخالفة انظر المجتبى (٥٨/٦) (١) (٢) انظر السنن الكبرى للنسائي ١٢٣ الثقة من هو أوثق ... والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة» (١). قلت: ولهذا يُكثر ابن خزيمة وابن حبان إخراج الوجوه المعلة في صحيحيهما والحاكم في المستدرك بمجرد أن رجال الإسناد ثقات، وعلى ذلك مشى الخطابي والطحاوي والنووي وغيرهم فكثر تعليلهم بقبول رواية الراوي لأنها زيادة ثقة. وأشد من هذا دخول الأصوليين في هذا المعترك، و قبولهم للزيادة تلرة وردهم لها تارة أخرى بناء على احتمالات عقلية بعيداً عن محيط الرواية من اعتبر حال الراوي والمروي والقرائن التي لا يعلم بها إلا قلة من جهابذة الحديث، فلو تُرك كل فن لأهله لقل الخلاف ولعُرف الراجح من المرجوح. والنسائي - رحمه الله تعالى - لم تقتصر جهوده في علم العلل بل تجاوز إلى جميع أبواب علوم الحديث المتنوعة ومنها: ١= تنبيهه على لطائف في الرواية ومنها قوله « كان يعقوب بن إبراهيم لا يحدث بهذا الحديث إلا بدينار (٢) . ومنه أيضا قوله عقب حديث أبي هريرة ظُهُ مرفوعا ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن من طريق عشرة من الرواة ثم قال: « لا أعرف إسناداً أطول من هذا » (٣) (١) نزهة النظر ص ٣٤) بتصرف (٢) المجتبى (٤٩/١) (٣) المجتبى (١٧٢/٢) ١٢٤ ب= ذكره ما يتميز به الراوي ومن ذلك قوله « ... إسماعيل عن محمد بن عمرو ... هو ( أي إسماعيل ) ابن جعفر بن أبي كثير القارئ (١) ج= ذكره لأسماء أصحاب الكنى ومن ذلك قوله « قال عاصم الأحول سمعت أبا حاجب وقال أبو عبد الرحمن: واسمه ( أبو حاجب) سوادة بن عاصم » (٢). د = تنبيهه على عدم سماع الراوي من شيخه لهذا الحديث ومن ذلك قوله عقب حديث مخرمة بن بكير عن أبيه فقال: « مخرمة لم يسمع من أبيه شيئا)) (٣) هـ = تفريقه بين المتفق والمفترق ومن أمثلة ذلك في الكتاب قوله « إسماعيل بن مسلم ثلاثة، هذا أحدهم ، لا بأس به، وإسماعيل بن مسلم شيخ يروي عن أبي الطفيل لابأس به، وإسماعيل بن مسلم يروى عن الزهري والحسن متروك (٤) . ومن ذلك أيضا كلامه في الرواة جرحا أو تعديلا وقد تقدمت الإشارة إليه في مبحث مصطلحاته. (١) المجتبى (١٩/١) وانظر مزيدا من ذلك المجتبى (٣٣/١) (٧١/٧) (٢) المجتبى (١٧٩/١) وانظر أيضا في المجتبى في هذا الحديث حديث (٧٠٨، ٣٨٠٩، ٤٠٧٥، ٤١٣٨، ٥٥٦٩، ٠٥٥٧١ (٣) المجتبى (٣٢٥/١) ومثله هذه الأحاديث ٤٤٧، ١٣٨٠، ٤٩٧٤/٤٠٠٥/٣٨٣٧/٣٢١٥/١٨١٥/١٧٩٨/١٦٦٥/١٤٢٠،١٤٠٤. (٤) المجتبى (١٥٠/٥) وانظر أيضا (١٧٢/٤، ١٦٨/٧) ١٢٥ سادسا: تقويم الكتاب ببيان أهم مميزاته والمآخذ عليه أولا: أهم مميزاته: ١= إن كتاب النسائي « المجتبى » له من المزايا مالا يدخل تحت حصر، فالكتاب من الكتب الستة التي تعتبر أصلالكتب الحديث ومرجعا للفقهاء في أحاديث الأحكام، فلو لم يكن له من المزايا إلاذلك لكفاه فكيف والكتاب له من المزايا الأخرى ما يصعب على المرء حصره. ٢= فالمعلوم أن كل كتاب يعظم بعظم مؤلفه قال السخاوي كما سبق (( فترجيح العالم وإن كان ظاهرا في ترجيح مصنفه فذاك في الغالب ) إذا علمت هذا علمت مكانة هذا الكتاب فإن مؤلف الكتاب هو الإمام الحافظ الناقد أعرف أصحاب الكتب الستة بالحديث وعلومه بعد البخاري رحمهم الله تعالی جمیعا. ٣= إن المجتبى من الجملة أصح الكتب الستة بعد الصحيحين، وقد بينت ذلك بالأدلة والإحصائية في معرض حديثي عن شرطه، وبيان منزلة كتابه من بين الكتب الستة مما أغنى عن إعادته في هذا المبحث. ٤= إنه قد تقدم الحديث عن كثير من مزايا الكتاب في جانب عدة سواء فيما يتعلق بطريقته في تأليف الكتاب من حسن الصياغة وجودة الترتيب، أو كان ذلك فيما يتعلق بالصناعة الحديثية من الدقة في صيغ التحديث، والحرص . على ألفاظ الرواة، أوما نثره في ثنايا الكتاب من مصطلحات علمية هي في الكتاب كالدرر المنثورة، أو كان ذلك فيما يتعلق بالجانب الفقهي وما أظهره ١٢٦ المؤلف من براعة في تصوير المسائل الفقهية، وتفريعاتها من خلال وضع تراجم لأبواب الكتاب تنبئ عن مقدرة فائقة في استيعاب المسائل الفقهية، وإظهارها، ثم بيان حكمها من خلال الأحاديث التي يوردها تحتها فلتحقيق تلك الغاية اضطر إلى تكرار الحديث في أبواب متعددة حتى زاحم في ذلك إمام هذه الصنعة البخاري، وقد صدق الحاكم حين قال: (( ومن نظر في كتابه تحير في حسن كلامه ». وكل هذه المزايا تقدم الحديث عنها بالتفصيل في أماكنها، وإنما القصد من ذكرها هنا التنبيه عليها ثم إحالة القارئ عليها في أما كنها. وأما المزايا المتعلقة بعلم العلل في الكتاب فأذكرها مجملا في النقاط التالية، قد سبق تفصيلها ١= إنه - رحمه الله تعالى - قد اهتم بعلل الحديث اهتماما بالغا، وصرف في ذلك جهودا جبارة حتى إنني أستطيع أن أقول: إنه لم يهتم بعلل الحديث وبيانها أحد من أصحاب الكتب الستة بمثل ما اهتم به النسائي - رحمه الله - فلو قال قائل إن كتاب النسائي كتاب علل لم يبعد عن الصواب. وقد يتبادر إلى ذهن القارئ أن الأحاديث في الكتاب غالبها ضعاف من أجل ما ذكرت من وجود أحاديث كثيرة معلة، وهذا أيضا يتناقض في ظاهره مع ما تقدم من أن هذا الكتاب هو أصح الكتب الستة بعد الصحيحين. أقول في الجواب عن ذلك: ليس هناك تعارض بين وجود أحاديث كثيرة معلة في هذا الكتاب، وبين كونه في نفس الوقت أصح الكتب الستة بعد ١٢٧ الصحيحين، وذلك أن العلة تدخل كما هو معروف في أحاديث الثقات وأنها ( أي العلة ) في حقيقتها هي اختلاف الرواة في الإسناد أوفي المتن ويكون أحد الوجهين مرجوحا والآخر راجحا. وعليه فإن الحدیث المعل یکون له أكثر من إسناد غالبا حتى يكون بينها اختلاف فيكون الحديث عند التحقيق بأحدهما معلا، وبالآخر صحيحا، فيأتي البخاري ومسلم، فيخرجان الحديث من الوجه الصحيح، ويكتفيان بذلك وأما النسائي فيخرج الحديث من الوجه الصحيح، ثم يخرجه من الوجوه المعلة لبيان علته بإحدى الوسائل التي تقدم ذكرها. فبالمثال يتضح المقال أخرج النسائي في كتاب قيام الليل (٢٥١/٣) حديث عائشة رضي الله عنها « كان رسول الله :﴿ٌ لا يدع أربع ركعات قبل الظهر وركعتين قبل الفجر» من طريق عثمان بن عمر بن فارس البصري عن شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها. ثم قال: «خالفه عامة أصحاب شعبة ممن روى هذا الحديث فلم يذكروا فيه مسروقا»»، ثم رواه من طريق محمد بن جعفر ( غندر) عن شعبة به بإسقاط مسروق من الإسناد ثم قال النسائي: «هذا الصواب عندنا، وحديث عثمان خطأ » والله أعلم . ١٢٨ فحينما أتى البخاري في صحيحه على هذا الحديث أخرجه في كتاب التهجد باب المحافظة على الركعتين قبل الفجر من طريق يحيى بن سعيد القطان عن شعبة به بإسقاط الواسطة ( أي مسروق) فأنت ترى في هذا الحديث أن النسائي قد صنع ما صنعه البخاري في صحيحه فأخرج الحديث من الوجه الصحيح كما أخرجه البخاري ثم أضاف النسائي خدمة أخرى للحديث فأخرج الوجه الآخر المعل، ثم أبان علته، وذلك بمخالفة عثمان بن عمر عامة أصحاب شعبة بذكر رجل لم يذكروه أي أن النسائي أعل رواية عثمان بن عمر بالشذوذ لمخالفته من هو أكثر عددا منه، وعلى هذا المنوال أحاديث الكتاب المعلة، فقل أن تجد حديثا معلا بجميع الوجوه ٢= من المزايا في جانب العلل أنه - رحمه الله - قد أكثر من إيراد الحديث الواحد من طرق متعددة بقصد تحديد العلة، وبيانها مما وفر للباحث والقارئ وقتا في البحث عن الطرق والمتابعات. ٣= لما كانت العلة في حقيقتها لا تخرج عن الاختلاف بين الرواة أخذ النسائي على عاتقه أن يبين ذلك حتى إنه يتعرض لذكر الاختلاف في الحديث الواحد أكثر من موضع مبالغة في بيان العلة حتى أورد حديث رافع بن خديج من سبعين طريقا معظم طرقه أعلها بالاختلاف كما سبق. ٤= إنه - رحمه الله تعالى - بجانب اهتمامه بما ذكر من تخريج الطرق، وبيان الاختلاف أضاف خدمة أخرى وهي ترجيحاته بين الوجوه كما سبق ١٢٩ عند ذكر قواعد التي استخدمها للترجيح بها بين الوجوه، ولاشك أن أحكامه على تلك الوجوه من تصحيح أوتضعيف كنز عظيم لأنها من إمام له باع في هذا المضمار. ٥- إنه - رحمه الله تعالى - اعتمد في ترجيحه بين الوجوه على أمور وأحوال أمكن أن يستخلص منها قواعد عامة في الترجيح بها بين الوجوه كما تقدم في مبحث قواعد الترجيح عنده. ٦= إن النسائي استخدم في معرض ترجيحه بين الوجوه مصطلحات علمية أطلقها على بعض الأحاديث كالمرسل، والمتصل، والمنكر، والخطأ، وغير ذلك فأمكن من خلال ذلك معرفة مدلولاتها عند المتقدمين ثم المقارنة بينها وبين ما تقرر في المصطلح لدى المتأخرين. ثانيا: المآخذ علیه: هكذا طغى بي القلم، فوضعت هذه الجملة في الخطة التي تقدمت بها إلى قسم السنة بكلية أصول الدين ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما وضعت هذه الجملة، ولعفوت نفسي عن إقحامها فيما ليست بأهل له، وذلك أن النسائي أجل وأعظم من أن يأخذ عليه مثلي، ولا أعني بذلك أن النسائي فوق النقد فإن المرء مهما بلغ من العلم مرتبة فإنه بشر يعتريه نقص كغيره من بني البشر، فهذا من طبيعة البشر فالكمال كله لله، ولكن قصدي أن الذي يمكن أن يأخذ على النسائي هو من كان في درجته من أئمة الحديث. ١٣٠ ولكن عزائي في ذلك أن المقصود من مثل هذا العمل في الرسائل العلمية إنما هو تدريب الطالب، وتنميةُ قدراته على استكشاف ما يمكن أن يُعدَّ من المآخذ، وإن لم تكن في حقيقتها مآخذ لتكون لديه مَلَكة في المستقبل في تمييز الجيد وغيره. ولذا ستكون مآخذي على الكتاب في الجوانب الفنية، وبين تقديم الحسن على الأحسن، فأقول ـ وبالله تعالى التوفيق ــ ومما يؤخذ عليه: ١= أنه - رحمه الله - أكثر تعليل الأحاديث بذكر الاختلاف عليها في بعض الكتب داخل المجتبى في حين أنه سكت عن تعليل الأحاديث في الكتب الأخرى بأكملها، أو أنه أعل منها حديثا أو حديثين فقط، فعلى سبيل المثال فالنسائي قد أكثر من إعلال أحاديث الصوم حتى بلغت قرابة ثلث أحاديث الدراسة في رسالتي للدكتوراه مجتمعة مع العلم أن في الكتب التي سكت عن أحاديثها فيها أحاديث كثيرة معللة (١) ٢ = اعتباره ما ليس بعلة علةً وذلك بذكره أيّ اختلاف في الإسناد وإن لم يكن في حقيقته قادحاً، ومن ذلك أنه أكثر من ذكر الاختلاف في حديث رافع بن خديج بينه وبين أعمامه، فجعل رواية رافع عن النبي ﴿ مرفوعا مخالفة عن روايته عن عمه، وجعل رواية رافع عن عمه مخالفة عن روايته عن عميه مع أن الحديث بجميع هذه الصور محفوظ، ولهذا أخرجه الشيخان في صحيحيهما (١) انظر في الفهارس - فهرسة الأحاديث على الأبواب الفقهية فهي تعطيك تصورا عن توزيع الأحاديث المعلة على الكتب داخل المجتبى . ١٣١ لأن أصل الرواية عن رافع عن عميه فهو تارة يسند عن أحدهما وتارة يسند عن الآخر، وتارة عنهما جميعا، وتارة يرسل عنهما ويكون من باب مراسيل الصحابة، وعلى هذا درج المحدثون ولم يعتبروا ذلك علة في حين أن النسائى أكثر فيه بذكر الاختلاف بين تلك الوجوه (٢) وهو يعلم أن ذلك غير قادح، وكان الأولى في نظري أن يقتصر على الاختلاف الذي به يعتل الحديث من الاختلافات الأخری داخل حدیث رافع بن خديج ٣= إن النسائي - رحمه الله تعالى - يرجح أحيانا بين الوجوه بحسب الرواة عن المدار كثرة وضبطا بتحميل العلة على بعض الرواة عن ذلك المدار مع أنه ( أي المدار) نفسه ضعيف، والرواة عنه أقوى، فتحميل العلة عليه - والحالة ما ذكر - أولى في نظري من تحميلها على الرواة عنه من الثقات. ومن الأمثلة على ذلك أنه أخرج حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصيام باب رؤية الأعرابي للهلال من طريق الفضل بن موسى عن الثوري عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ورواه من طرق أخرى عن الثوري عن سماك عن عكرمة مرسلا ثم قال: «هذا أولى ( أي المرسل) من حديث الفضل بن موسى، ثم قال: وسماك إذا تفرد بأصل لم يكن حجة لأنه كان يلقن فيتلقن ». وهو بهذا قد حمل علة الحديث في وصل المرسل على الفضل بن موسى، وجعل وجهه مرجوحا والمرسل راجحا، وأنت إذا دققت النظر في هذا الحديث فليس هناك وجه أولى بالصواب من الآخر، فالفضل بن موسى ثقة، وتابعه (٢) انظر المجتبى (٣٣/٧) ١٣٢ على الوجه الموصول غيره عن الثوري، ورواه أيضا غير الثوري عن سماك موصولا، ورواه آخرون عن الثوري عن سماك به مرسلا، ورواه غير الثوري عن سماك مرسلا، والعلماء مجمعون على أن رواية سماك عن عكرمة مضطربة، وعليه فالخطأ من سماك لامن الفضل بن موسى، فهو ( أي سماك ) هو الذي يرسل الحديث تارة، ويوصل تارة أخرى بسبب تخليطه في أحاديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، فكان الأولى في نظري أن يقال: إن الحديث بوجهيه ( المرسل والموصول) ضعيف لأنه من رواية سماك عن عكرمة، وهي مضطربة. ٤= إن النسائي - رحمه الله تعالى - مع تركيزه على جانب العلل كان يهتم بالجانب الفقهي كما تقدمت الإشارة إليه، وهذا حسن بلا شك، ولكن أدى هذا أحيانا إلى أن يورد الحديث في باب من بعض طرقه بذكر الاختلاف عليه، ثم يعيده من طرق أخرى من أجل الاستدلال به على مسائل فقهية في باب آخر، فأدى هذا إلى تفريق طرق الحديث الواحد المعلل. ومن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى النبي صل* يصفر لحيته فاختلف عليه من ثلاثة وجوه فَذَكر وجهًا من هذه الوجوه في باب وأعلد الحديث في باب مع وجهين من وجوه الاختلاف (١) فكان الأولى في نظري أن يخرج الحديث بجميع طرقه في المكان الذي فيه إعلاله بالاختلاف عليه، ثم يعيده إن احتاج إليه مع بعض تلك الطرق التي تقدمت لأن ذكر الطرق مجتمعة في (١) انظر المجتبى في كتاب الزينة باب الخضاب بالصفرة (١٤٠/٨) وفي باب تصفير اللحية (١٨٦/٨) ١٣٣ مكان واحد تعطي الباحث عن علة الحديث تصوراً لعلة الحديث ويسهل عليه تحدیدها. ٥= إن النسائي - رحمه الله تعالى - يحكم أحيانا على بعض الوجوه بالخطأ، أو الصواب أو غير ذلك، ولكنه لايقرن الحكم بعلته فلا يقول مثلا، هذا خطأ بسبب كذا وكذا، أوصواب بسبب كذا كذا، إلا النادر اليسير، وهذا لا يحتاج إلى ضرب أمثلة لكثرته في الرسالة. وهذا كما قلت مجردُ محاولات مني في استكشاف ما ظاهره مآخذ، وإن لم يكن في حقيقته كذلك، وإنما كما قلت من باب تقديم الحسن على الأحسن. ملحوظة: يلاحظ القارئ في هذه الدراسة التركيز في هذه الصفحات الأخيرة على الجوانب المتعلقة بالعلل لأن هذه الدراسة كانت في الأصل مقدمة للرسالة المتعلقة بدراسة الأحاديث المعلة في المجتبى والتي آمل من الله أن يمكنني من طباعتها بعد مراجعتها وتهذيبها. الخاتمة: أولا: تبين لي من خلال الدراسة والنظر في جهود النسائي في الحديث وعلومه وخاصة في تعليله للأحاديث بالاختلاف وترجيحاته بين الوجوه المختلفة ومقارنة كل ذلك بأقوال أئمة الحديث في العلل أن النسائي من كبار أئمة الحديث المتمكنين من علم علل الحديث وأنه حقا كما قال الذهبي جار في مضمار البخاري رحمهما الله جميعا. ١٣٤ ثانيا: توصلت من خلال مقارنة رواة السنن الصغرى والكبرى للنسائي من المتكلم فيهم برواة بقية السنن الأربعة ممن تكلم فيهم بجرح إلى أن سنن النسائي أقل السنن الأربعة رجلاً مجروحاً وحديثاً ضعيفاً، وأن شرطه في الرجلل أقوى من شرط أبي داود والترمذي وابن ماجه، وهذا تصديق لما اشتهر عنه - رحمه الله تعالى - من أنه احتاط لرواة كتابيه فاحترز الرواية عن الضعفاء غالبا وإن روى عنهم فلأسباب اقتضت ذلك لااعتمادا عليهم. ثالثا: لاصحة لما قال به بعض أهل العلم من أن في النسائي قليل تشيع وانحراف عن خصوم علي ◌ّه والرد على شبهتهم وإثبات أن النسائي كان يحب جميع الصحابة ويواليهم بما فيهم معاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم وذلك من خلال النصوص المنقولة عنه بل وثبت عنه أنه جرَّح بعض الرواة بالتشيع وعابهم به فكيف يعقل أن يعيب غيره بشيء هو به متصف. رابعا: إن النسائي رحمه الله هو الذي اختصر المجتبى من الكبرى في نصف حجمه كما يدل عليه صنيعه في المجتبى في أكثر من موضع وتظافرت الأدلة على ذلك وهو الذي عليه المحققون من العلماء الذين لهم مزيد اختصاص بسنن النسائي خلافاً لمن قال: إن المختصر لها هو ابن السني تلميذ النسائي. خامسا : أثبتُّ بالدلائل أن لافرق بين المجتبى ( السنن الصغرى ) وبين أصله ( السنن الكبرى ) فيما يعود إلى شرط النسائي في كل من الكتابين، والأحاديث في الكتابين من حيث القوة على حد سواء، وإنما كان قصد النسائي باختصار المجتبى أن يكون نموذجاً مصغراً من الكبرى وإنما روعي في هذا ١٣٥ الاختصار في الغالب الجانب الفقهي وتفريعاته وجودة الترتيب وبهذا يعلم أن لاصحة لما اشتهر عند بعض أهل العلم من أن المجتبی أقوی إسنادا وأصح حديثا من الكبری. صحيح أن النسائي قد احتاط في كل من الكتابين سندا ومتنا وثبت عنه أنه استخار الله في الرواية عن قوم من الضعفاء كابن لهيعة فوقعت الخيرة في ترك الرواية عنهم ولكنه لم يخص المجتبى بمزيد من الاحتياط في السند أو المتن أكثر من السنن الكبرى. والأدلة على هذا كثيرة ومن أراد الوقوف على الحقيقة في هذا الأمر فلينظر في صفحة (٧١) من هذا الكتاب . سادسا: إن تعليل الأحاديث يقوم في الأساس على اختلاف الرواة ولا يخرج عنه اللهم ما كان من تفرد بعض الرواة، وكثير من حالات التفرد ترجع إلى الاختلاف وهذا هو السر في اختياري لدراسة الأحاديث المعللة بالاختلاف عنوانا لرسالتي لأنه يشمل جميع الأحاديث المعللة في الكتاب. سابعا: إن ما اشتهر لدى كثير من المتأخرين من الفقهاء وغيرهم من ترجيحهم للمرفوع على الموقوف والموصول على المرسل والمتصل على المنقطع دائما لايعرف عن أحد من أئمة الحديث المتقدمين بل العبرة عندهم قوة الضبط وكثرة العدد والنظر إلى القرائن بصرف النظر عن كون الوجه موصولا أو مرسلا أو مرفوعا أو موقوفا . والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. ١٣٦