النص المفهرس

صفحات 81-100

وإنما قلت ذلك لأن الكتاب الذي يأتي بعده من حيث الحجم من بين
السنن الأربعة سنن أبي داود باتفاق، وعدد أحاديثه مع المكرر كما قال أبو داود
(٤٨٠٠) (١) ولكن لو جردت الأحاديث عن المكرر في الكتابين لجاءت سنن
أبي دواد أكبر بكثير من سنن النسائي الصغرى ، وذلك لقلة الأحاديث المكرر
في سنن أبي داود، وكثرتها في سنن النسائي ( المجتبى).
وأما عدد أحاديث السنن الكبرى فهي (١١٧٧٠) (٢) ولكن في هذه
الطبعة أحاديث مأخوذة من المجتبى، ولم تكن أصلا من السنن الكبرى، وإنما
أضافها المحققان من باب تتميم الفائدة على قولهم، وأشاروا إلى ذلك في الهامش،
ومن ذلك وضعهم كتاب الإيمان وشرائعه في الكبرى مع الجزم بأنه مما تنفرد به
الصغرى، وفي المقابل هناك كتب، وأبواب ليست في المطبوعة مع أنها في
الكبرى، وقد نبهت على ذلك في المبحث السابق.
وأعتقد أنه لوجمعت جميع روايات السنن الكبرى مما زاد بعض الرواة
على بعض لصارت أكبر الكتب الستة حجما.
٢ = ترتيب الأحاديث في الكتاب
وأما ترتيب الأحاديث داخل الكتاب فهي على الأبواب الفقهية لأن هذا
النوع من التأليف في السنة أعني به الكتب المسماة «بالسنن» يقصد بها جمع
الأحاديث المتعلقة بالأحكام الفقهية تحت تراجم يضعها المؤلف للدلالة على تلك المسائل.
(١) رسالة أبي داود لأهل مكة (ص ٣٤)
(٢) وهذا العدد حسب ماجاء في ترقيم الدكتور عبد الغفار البنداري وسيد كسروي حسن في
تحقيقهما للكبرى
٧٧

وعليه فإن النسائي - رحمه الله تعالى - قسم كتابه ( المجتبى) إلى ثلاثة
وخمسين كتاباً فبدأ كعادة كثير من المؤلفين بكتاب الطهارة، وانتهى إلى كتاب
الأشربة، ثم وزع الأحاديث داخل كل كتاب إلى أبواب، وبلغت أبوابه
(٢٥٧٢) باباً، وتحت كل باب مجوعة من الأحاديث، تقل تارة وتكثر تارة
أخرى، وقد ذكرت سابقا أن عدد الأحاديث بلغت ( ٥٧٥٨) بالمكرر.
وللوقوف على ترتيب النسائي لمادة المحتى أحببت أن أسرد لك أسماء
الكتب التي احتوت المجتبى حسب ورودها في الكتاب.
١= الطهارة
١٥ = الجمعة
٢٩= الأحباس
٤٣= الصيد والذبائح
٢= المياه
١٦ = تقصير الصلاة
٣٠= الوصايا
٤٤ =الضحايا
٣= الحيض
٤ = الاستحاضة
١٩= صلاة الخوف
١٨ = الاستسقاء
٣٢ - الهبة
٤٨ قطع السارق
٥= الغسل والتيمم
٢٠ = صلاة العيدين
٦= الصلاة
٣٥= الأيمان والنذور
٥٠ = الزينة
٧= المواقيت
٢١ = الجنائز
٣٦ - المزارعة
٥١ = آداب القضاة
٢٢ =الصيام
٨= الأذان
٣٧= عشرة النساء
٥٢ = الاستعاذة
٩= المساجد
٥٣ = الأشربة
٣٨ = تحريم الدم
١٠= القبلة
٣٩= قسم الفيء
١١= الإمامة
٢٦= النكاح
٤٠ == البيعة
١٢= الافتاح
٢٧ - الطلاق
٤١= العقيقة
١٣ = التطبيق
٤٢= الفرع والعتيرة
٢٨= الخيل
١٤= السهو
١٧=الكسوف
٣١= النحل
٤٥ = البيوع
٤٧= القسامة
٣٣= الرقى
٣٤ = العمرى
٤٩ = الإِيمان والنذور
٢٣ = الزكاة
٢٤= مناسك الحج
٢٥= الجهاد
٧٨

وبهذا يتضح مدى مطابقة اسم الكتاب للمحتوى إذ إن هذه الكتب
التي ذُكرت في المجتبى تتعلق بالأبواب الفقهية اللهم إلاكتاب الإيمان وشرائعه،
فهذا الكتاب موضوعه في الكتب الجوامع.
وذكرت فيما سبق أن الكتب التي تفردت بها الكبرى عن الصغرى
(٢١) كتاباً ومن بين تلك الكتب - التفسير - السير ـ المناقب - العلم -
الطب - فضائل القرآن.
والسنن الكبرى باشتمالها هذه الكتب تكون أقرب إلى الجوامع منها إلى
كتب السنن، والغريب أن الكبرى خالية من كتاب الإِيمان وشرائعه، وهذا
الكتاب بالكبرى أليق لكونها تشتمل على معظم كتب الجوامع بخلاف الصغرى
فإنها خالية من كتب الجوامع كلها إلا كتاب الإيمان وشرائعه.
٣ = الصناعة الحديثية
إن الوقوف على الصناعة الحديثية في كتاب من كتب أئمة الحديث
الأوائل لهو أهمية كبرى لما في ذلك من جمع مادة علمية لهؤلاء الأئمة من كتبهم
وهي غالبا في غير مظانها ثم إن هذه العلوم المفرقة في كتب أئمة الحديث تعتبر
هي الأساس لما عرف مؤخرا بمصطلح الحديث.
وتظهر أهمية ذلك أن المتأخرين قد خصصوا بعض المصطلحات
كالمرسل، والمنقطع لنوع محدد من أنواع الحديث، ولم يكن ذلك التحديد
معهودا لدى أئمة الحديث المتقدمين، فجمع مصطلحات إمام من أئمة الحديث،
وبيان مراده من ذلك ومقارنته بمصطلحات المتأخرين لاشك أن في ذلك إثراء
لمصطلح الحديث، وخدمة لطلبة العلم.
٧٩

فأقول وبالله التوفيق: إن الصناعة الحديثية في هذا الكتاب كثيرة،
ومتنوعة مبثوثة في ثنايا الكتاب، وكثير منها مشهور ومعروف لدى المحدثين
قديما وحديثا على السواء فذكر هذا النوع - والحالة ما ذكر - تطويل لا
تتعلق به فائدة، ولذا سأذكر منها ما يعتبر سمة بارزة عند النسائي - رحمه الله
- مما يحصل بذكره فائدة لدى القارئ.
١ = صياغته للأبواب:
لما كانت الأبواب هي المدخل الرئيسي للأحاديث، والمحور الأساسي
لتوزيعها داخل الكتاب، وتأليف بعضها لبعض تفنن النسائي في وضعها، وشابه
في ذلك البخاري إلى حد كبير، ومن ذلك أنه - رحمه الله - يصدر الباب
أحيانا بأية من كتاب الله الكريم بل استفتح كتابه في أول باب منه بآية من
كتاب الله تعالى وذلك قوله في أول كتاب الطهارة « باب قول تأويل قوله عز
وجل ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ﴾» (١)
وقد بلغت الآيات التي صدر بها بعض أبواب الكتاب عشرين آية من
كتاب الله تعالى (٢)
(١) المجتبى (٦/١) والآية من سورة المائدة (٦)
(٢) وهذه أماكن تلك الآيات التي صدر بها الأبواب في المجتبى (١٥٢/١) - ١٧٨/١ - ١٣٩/٢ -
١٤١/٢_ ١٧٧/٢- ١٤٧/٤ - ١٩٠/٤ - ٩٣/٥ - ٢٣٣ - ١١٠/٦ - ١٥١/٦- ٩٣/٧-
١٥٤/٧-١٨/٨-٣٦/٨-٦٢/٨-١٠٣/٨-٢٣١/٨ _٢٩٤/٨
٨٠

وقد بالغ النسائي في التقسيم والتفريعات بحثاًعن الأحكام التي يمكن أن
تُستنبط من الأحاديث، وقد بلغ به الأمر في ذلك أنه وضع أبواباً متعددة لحديث
واحد بُغية استخراج أحكام متنوعة، وهو في الكتاب كثير، ومن ذلك على
سبيل المثال قوله في كتاب الضحايا «باب العوراء «ثم باب العرجاء » « ثم
باب العجفاء »، وذكر في كل من هذه الأبواب حديثا واحداً وهو حديث
البراء بن عازب رضي (١) ثم والى بعد ذلك أربعة أبواب ذكر في كل منها حديث
علي بن أبي طالب عليه أن النبي ◌َّ أمرنا أن نستشرف العين ... الحديث.(٢)
والنسائي - رحمه الله - يتميز في صياغة تراجم أبوابه بوضوح العبارة
في الدلالة على الحكم الفقهي المستنبط من الحديث بحيث لا يتطلب من القارئ
أيّ جهد لمعرفة المناسبة بين الحديث وبين الباب، وقد يأتي بعبارة مجملة إذا
تعددت الأحاديث التي يذكرها تحت تلك الترجمة، لتكون شاملة لها، ولو على
سبيل الإجمال.
وقد يضع الترجمة على صيغة الاستفهام إما لأن المسألة خلافية، كل
استدل بالحديث على مذهبه، وإما لأن القصد من ذلك توجيه القارئ للتركيز
على المسألة المأخوذة من ذلك الحديث بل قد يضع باباً لشيء ثم باباً آخر لضده
كقوله في كتاب الافتتاح باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم ثم قال باب ترك
(١) انظر المجتبى (٢١٤/٧ - ٢١٥)
(٢) المجتبى (٧ /٢١٦-٢١٧)
٨١

قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب، وذلك مراعاة منه للخلاف في
المسألة وذكر دليل كل فريق (١) .
ومن نظر في كتابه وجد أشياء كثيرة من هذا القبيل وقصدت مما ذكرت
التنبيه على بعضها، وقد ذكر السخاوي في بغية الراغب كثيرًا من ذلك فمن
أراد مزيدًا على ما ذكرت فليراجعه (٢).
ب = صيغ التحديث
من الملفت للنظر أنه - رحمه الله - أكثر من استعمال صيغة
« أخبرنا» في الرواية عن شيوخه دون غيرها من الصيغ حتى قال ابن خير
الإشبيلي نقلاً عن بعض شيوخه: « لم يقل النسائي قط في أول إسناده
<< حدثنا » (٣).
قلت: وليس الأمر على إطلاقه بل في الكتاب مواضع قليلة استعمل
النسائي في الرواية عن شيوخه صيغة « حدثنا» دون أخبرنا، ومن ذلك قوله
في المجتبى (٤٢/٢) حدثنا إسحاق، ومثله في (١٤٨/٦) ومن ذلك أيضا قوله
(٢٧١/٢) حدثنا قتيبة، ومثله في (٢٧٩/٧، ٣٠٩، ١٤٨/٨، ١٤٩، ومن
ذلك أيضا قوله (٢٠٣/١) حدثنا هناد .
ولذا كان السخاوي أكثر دقة منه حيث قال: فإن أكثر ماروى في سننه
عن شيوخه بصيغة أخبرنا ، وروايته فيها بحدثنا قليلة، بل ربما يروي عن شيخه
(٢) انظر المجتبى (٢/ ١٣٣ - ١٣٥)
(٢) انظر بغية الراغب في ختم سنن النسائي من (ص ٢٧ - ٣٥)
(٣) فهرسته ( ص ١١٢ ).
٨٢

الواحد كقتيبة، وإسحاق وهناد بالصيغتين ، ومعلوم أن أخذه عن شيخه غير
منحصر في أحد التحملين بل هو دائر بين التحديث والعرض (١) .
ومما يذكر هنا مما يدل على تحريه والدقة في استعمال صيغ التحديث أنه
كان بينه وبين الحارث بن مسكين جفوة، قيل كان سببها أن النسائي دخل عليه
يزي العساكر فخاف منه الحارث أن يكون عينا للسلطان، فمنعه من حضور
مجلسه، فكان النسائي - رحمه الله - يحضر مختفيا من وراء الباب، فإذا أراد أن
يروي عنه لم يكن يقول: أخبرنا أو حدثنا مع أن له ذلك لأنه كان يسمع صوته
لكن من باب الدقة كان يقول: قرئ على الحارث بن مسكين، وأنا أسمع،
وأحيانا يقول أخبرنا الحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا أسمع، وهكذا في طول
الكتاب لايمل من ذلك مع كثرة ماروى عنه رحمهم الله جميعا وعفى عنهم.
ج= طريق سوقه للأسانيد، والمتون.
لاشك أن الإسناد هو السلم إلى المتن، وعلى الإسناد يتوقف الأمر قبولا
أوردا، ولهذا اهتم الإمام النسائي بالإسناد فاحتاط في رواة السنن فترك كثيرا ممن
تكلم فيهم بعد أن استخار الله تعالى، وحرص على اتصال السند، ولهذا لم يقع
في الكتاب بلاغات فيما بينه وبين شيوخه ولاأخرج المعلقات، بل لم يخرج
الموقوف والمنقطع والمرسل قصدا واستقلالا وإنما أخرج ذلك من باب إعلال
المرفوع بالموقوف، والمتصل بالمنقطع، والموصول بالمرسل.
فهو عادة يسوق إسناد كل متن حتى ولو كثرت الأسانيد للحديث
الواحد فلايمل أن يسوق كل إسناد على حدة، وقل أن يستعمل في ذلك
(١) بغية الراغب (ص ٤٠)
٨٣

التحويلة، أوعطف الشيوخ وجمعهم على مدار واحد كما يفعل الإمام
مسلم، وإن وقع في الكتاب ذلك وهو قليل ينبه في الغالب على صاحب اللفظ.
وأما المتون فهو - رحمه الله تعالى - من أشد المحدثين حرصا على
ألفاظ الرواة ويتضح ذلك أنه في باب واحد يكرر حديثا واحدا بطرقه المتعددة،
وهو متحد إما لفظا أو معنى، ومع ذلك يعيد مع كل طريق متنه الخاص به، ولا
يستعمل في ذلك الإحالة على الذي قبله إلا في النادر ، ومن ذلك على سبيل
المثال لا الحصر حديث ابن عمر في كتاب قيام الليل أن النبي مُ لـ « كان يصلي
ركعتي الفجر ركعتين خفيفتين » (١)
رواه من تسع عشرة طريقا، وألفاظ هذه الطرق إما متحدة لفظا وهو
الأغلب أو معنى ومع ذلك ساق لفظ كل طريق متنه، وكان بإمكانه أن يحيل
على ألفاظ الطرق السابقة.
وبعده بخمسة أبواب ذكر حديث أم حبيبة رضي الله عنها « من ثابر
على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة ... » رواه من تسع عشرة طريقا
ذكر متن كل طريق على حدة، ولم يستعمل الإحالة على ما قبله .
وقد يقول قائل: إنما ذكر متن كل طريق لكثرة الاختلافات في أسانيده
يجاب عن هذا بأن الاختلاف في الإسناد لا يستلزم دائما الاختلاف في المتن.
وهذا هو الواقع في هذا الحديث فمعظم ألفاظه متفقة إما في اللفظ أوفي المعني .
(١) المجتبى (٢٥٣/٣) وانظر هذا الحديث في الدراسة برقم (٢٦).
٨٤

وقد بلغ به الأمر أنه رحمه الله تعالى يُعنون على اختلاف الرواة في
الألفاظ مع اتفاقهم على المعني، فيكثر في الكتاب أن يقول: باب كذا وكذا
واختلاف ألفاظ الناقلين لخبر فلان ، ويعني بذلك الأحاديث المختلفة لفظا المتفقة
معني، ومنشأذلك الرواية بالمعنى، ويريد بهذا أن يميز لفظ كل راو عن لفظ غيره.
وأستطيع أن أقول: إن النسائي أشد حرصًا من الإمام مسلم المعروف
عند الجميع بشدة اعتنائه بألفاظ الرواة لأن من يذكر المتن مع كل إسناد أشد
حرصا ممن يحذف المتن، ويشير إلى موضع الاختلاف بين الرواة فقط.
د = تكراره للأحاديث :
ولكون النسائي - رحمه الله - سلك مسلك البخاري في استنباط
الأحكام الكثيرة من الحديث الواحد اضطر إلى إعادة الحديث الواحد أكثر من
موضع في كتابه، إشارة منه إلى صحة استدلال هذا الحديث على تلك المسائل
كلها في تلك الأبواب يقول السخاوي: ((لكونه زاحم إمام الصنعة أبا عبد الله
البخاري في تدقيق الاستنباط والتبويب لما يستنبطه يكرر لذلك المتون ويصور
كونه القصد الأعظم من الفنون) (١) .
وتكراره للحديث على أقسام:
١= أن يكرر الحديث الواحد في الباب الواحد وهذا في الكتاب كثير،
ولا يكون هذا إلا إذا كان للحديث طرق متعددة إذ لا يعقل إعادة الحديث
الواحد في الباب نفسه بإسناد واحد، وغالبا يستقصي طرق الحديث الواحد في
باب واحد إذا كان بين هذه الطرق اختلاف من أجل تبيين العلة.
(١) بغية الراغب (ص ٢٧)
٨٥

وأمثلة هذا النوع كثيرة أيضا في الكتاب وخاصة في قسم الدراسة
للأحاديث المعلة بالاختلاف.
١= أن يعيد الحديث الواحد في أبواب متعددة وهذا أيضا على قسمين:
١ = أن يعيد الحديث في أبواب أخرى لكن من طرق أخرى فيعيده كل
مرة من طريق غير الطريق الأول ليحقق بذلك فائدة إسنادية مع الفائدة الفقهية،
ومن ذلك ما سبق ذكره (١) أنه في كتاب الضحايا ذكر خمسة أبواب تباعا كرر
فيها حديثا واحدا لكن أعاده مع كل مرة من طريق آخر غير الطرق السابقة.
ب= أن يعيد الحديث بإسناده في أبواب أخرى، والذي لاحظته أنه لا
يفعل ذلك إلا إذا ضاق عليه مخرج ذلك الحديث، ولم يجد طريقا آخر على
شرطه، ومن ذلك أنه روى حديث أبي هريرة رضي في الطهارة باب ماء
البحر (٥٠/١) ثم أعاده بسنده، ومتنه في كتاب المياه باب الوضوء بماء البحر
(١٧٦/١).
تقطيعه للأحاديث
وتقطيع الحديث يراد به تفريق الحديث الواحد على أبواب مختلفة،
واشترطوا في جوازه أن يشتمل الحديث على فقرتين فأكثر، كل فقرة مستقلة
من حيث المعنى عن الأخرى بحيث لا يختل معناها إذا ما فصلت عن بقية
الأحاديث بخلاف التكرار، فالمراد منه إعادة الحديث بكامله في أبواب متعددة.
(١) انظر صفحة ( ٨١ )
٨٦

والتقطيع قد فعله غير واحد من المحدثين وخاصة فيمن ألف منهم على
الأبواب الفقهية ويكثر التقطيع في الأحاديث الطوال المشتملة على مسائل كثيرة
في أبواب مختلفة، وتقطيعهم للحديث لأمرين:
١= الاختصار وذلك أن الحديث قد يكون طويلا، ويكون المحدث
بحاجة إلى بعض فقراته فإيراده بطوله في كل مرة يطول به الكتاب فمن أجل
ذلك لجأوا إلى تقطيع الحديث.
٢ = تحديد محل الشاهد من الحديث ذلك أن اقتصار المحدث على إيراد
قطعة من الحديث يساعد القارئ على فهم المسألة المبوب لها من دلالة الحديث
بخلاف ما لو سرد الحديث بكامله فقد يخفى على بعضهم موضع الشاهد من
الحدیث.
والنسائي - رحمه الله - وإن فعله لكنه لم يكثر منه إكثاره من تكرار
الحديث، ولعل ذلك من أجل الخلاف في المسألة، ومما مر بي من هذا النوع في
أحاديث الدراسة تقطيعه لحديث عائشة رضي الله عنها أنه # كان يصوم
شعبان كله، ويتحرى صيام الاثنين والخمس.
ر واه بتمامه في الصوم باب التقدم قبل شهر رمضان ، ثم أعاده في باب
صوم نبي الله بنفس الإسناد لكنه حذف الشطر الأول من الحديث، واقتصر على
الشطر الأخير منه « كان يتحرى صيام الاثنين والخميس» (١) .
(١) انظر المجتبى (١٥١/٤) وايضا في المجتبى (٢٠١/٤) والدراسة حديث برقم (٥١)
٨٧

رَفْعُ
عبد الَّحمع الجَرَيّ
أسكت البي الفرد في
www.moswarat.com
شرط النسائي ومنزلة كتابه من بين الكتب الستة
فالإمام النسائي - رحمه الله تعالى - ككثير من المحدثين لم يفصح عن
شرطه في كتابه ولا عن منهجه الذي سلكه لسبب من الأسباب، وقد يكون
منها أنهم كرهوا الحديث عن مزايا كتبهم هضماً للنفس، وخوفاً من الوقوع في
الرياء، ولذا فمن الصعوبة جداً القولُ بأن شرط فلان في كتابه هو كذا
بالتحديد، ومما يدل على ذلك أنك تجد الذين تحدثوا عن شروط الأئمة يختلفون
فيما بينهم في تحديد شرط الإمام في كتابه مما جعلهم يختلفون حتى في تقديم
بعض الكتب على بعض من حيث القوة بسبب اختلافهم في تحديد شرطه،
وبيان منزلة كتابه.
لذا فمن أراد الوقوف على حقيقة شرط إمام لايتسنى له ذلك على
سبيل الجزم والقطع إلاإذا درس أحاديث كتابه حديثا حديثا، وسبر رجاله
وكان له الأهلية التامة في معرفة ذلك.
ومع عدم توفر ذلك عندي أحاول ـــ بعون الله تعالى - أن أكشف
عن شرط الإمام النسائي على وجه التقريب مستعينا في ذلك بما نقل عن
النسائي نفسه من الكلام خارج سننه مما يمكن عده من شرطه في كتابه، ثم
بكلام أهل العلم في شرطه، ومنزلة سننه ثم ما تبين لي من واقع الكتاب من
النظر في أحاديثه، ورجاله من أحاديث الدراسة.
فأقول ـ وبالله تعالى التوفيق -: إنه مما لاشك فيه أن النسائي - رحمه
الله تعالى - احتاط لكتابه متنا وسندا، فقد روى ابن طاهر بسنده إلى أحمد بن
٨٨

محبوب الرملي قال: سمعت أبا عبد الرحمن النسائي يقول: « لما عزمت على
جمع السنن استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض
الشيء، فوقعت الخيرة على تركهم، فنزلت في جملة من الحديث كنت أعلو فيها
عنهم» (١).
وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ شيخ الدارقطني: «من يصبر على
ما يصبر عليه أبو عبد الرحمن النسائي كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة
فما حدث بها، وكان لايرى أن يحدث بحديث ابن لهيعة (٢) .
وقال ابن حجر: «وكان عنده عاليا عن قتيبة عنه، ولم يحدث به لا في السنن
ولا في غيرها »(٣) مما جعل الذهبي يقول: « النسائي نظيف الشيوخ»(٤).
ومن هذا النصوص نأخذ أن من شرط النسائي - رحمه الله - ترك
الرواية عن الضعفاء أمثال ابن لهيعة، ومَن دونه في الضعف في رأيه، وما وقع من
روايته في كتابه عن بعض الضعفاء فلسبب من الأسباب.
وبعد تلك المقدمة التي تعطي تصوراً لموقف النسائي من الرواية عن
الضعفاء أحب أن أُذكر أقوال أهل العلم في شرطه، ومنزلة كتابه، فأقول:
الناس في شرط النسائي طرفان ووسط:
(١) شروط الأئمة ( ص ٢٦)
(٢) المصدر السابق (ص ٢٧) وانظر النكت لابن حجر (٤٨٣/١)
(٣) النكت لابن حجر (٤٨٤/١)
(٤) المغني للضعفاء (٦١/١)
٨٩

فالطرف الأول من اعتبر سننه هذه من الصحاح، أو أطلق عليها اسم
الصحة ومنهم:
١= ابن الأثير فقد قال: «سأل بعض الأمراء أبا عبد الرحمن عن كتابه
« السنن » أكله صحيح؟ فقال: لا، قال: فاكتب لنا الصحيح منه مجرداً، ثم
قال ابن الأثير: فصنع المجتبى فهو المجتبى من السنن تركَ كل حديث أورده في
السنن مما تكلم في إسناده بالتعليل »(١) .
وقال محمد بن معاوية بن الأحمر الراوي عن النسائي « كتاب النسائي
كله صحيح ، وبعضه معلول إلاأنه لم يبين علته، والمنتخب منه المسمى بالمجتبى
صحيح كله» (٢) .
وقال السلفي وهو يتحدث عن سنن النسائي « ... وهو أحد الخمسة
التي اتفق على صحتها علماء الشرق والغرب، والمخالفون لهم كالمتخلفين عنهم
بدار الحرب (٣).
وأسند ابن طاهر عن ابن منده، ومن طريقه ابن نقطة أنه قال: "الذين
أخرجوا الصحيح ، وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة
البخاري ومسلم وبعدهما أبوداود والنسائي " (٤) .
(١) مقدمة جامع الأصول ( ١٩٧/١)
(٢) النكت لا بن حجر (٤٨٤/١)
(٣) مقدمة أبي طاهر السلفي في آخر معالم السنن (٣٣٠/٤) وانظر أيضا النكت لابن حجر (٤٨٨/١)
(٤) التقييد لمعرفة رواة السنن (ص ١٤١) وانظر النكت لابن حجر (٤٨٢/١) وبغية الراغب (١١٥)
٩٠

وقال أبو بكر البرقاني: ذكرت للدار قطني أبا عبيد بن حريويه فذكر
من جلالته وفضله وقال: حدث عنه النسائي في الصحيح، ولعله مات قبله
بعشرين سنة (١) ثم قال ابن طاهر: "فالدارقطني سمى كتابه السنن صحيحا مع
فضله وتحقيقه في هذا الشأن (٢)".
وقد أطلق على سنن النسائي ( المجتبى ) اسم الصحة غيرُ واحد من
الحفاظ منهم أبو علي النيسابوري، وابن السكن وابن عدي وأبوبكر الخطيب(٣)
وكذلك الذهبي (٤) كما أطلق عليه اسم الصحة أيضا عبد الغني بن سعيد
وأبو يعلى الخليلي(٥).
وأما الطرف الآخر - وهم القائلون - إن النسائي يُخرج لكل من لم
يجمع علی تر که، ومنهم:
١ = محمد بن سعد الباوردي: قال ابن منده: سمعت محمد بن سعد
الباوردي بمصر يقول: «كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يخرج عن
كل من لم يجمع على تركه، ثم قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني
يأخذ مأخذه(٦) »
(١) سؤالات السلمي (ص ٣٦٧) وانظر التقييد ( ص ١٤١)
(٢) التقييد (ص ١٤١)
(٣) بغية الراغب (ص ٥٠ )
(٤) الكاشف في ترجمة النسائي
(٥) النكت لابن حجر (٤٨١/١)
(٦) علوم الحديث لابن الصلاح (ص ٤٠) وانظر النكت لابن حجر (٤٨٢/١) وبغية الراغب (٥٥)
٩١

وقال ابن منده: « إن شرط أبي داود والنسائي إخراج أحاديث قوم
لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال
ويكون هذا القسم من الصحيح » (١).
وقال العراقي معلقا على قوله : «وهو مذهب متسع» (٢)
وقال السخاوي: «وهو مذهب متسع إن حمل على ظاهره لاقتضائه
التخريج لجل الضعفاء ... » (٣)
إن ابن رجب بعد أن تحدث عن الضرب الثاني الذين أخرج لهم مسلم
في صحيحه ثم نقل قول الإمام مسلم « ... الثاني: من دونهم في الحفظ والإتقان
ويشملهم اسم الستر والصدق، وتعاطي العلم كعطاء بن السائب» قال:
« وعلى هذا المنوال نسج أبو داود والنسائي والترمذي مع أن (أي الترمذي)
خرج لبعض من هو دون هؤلاء، وبين ذلك ولم يسكت» (٤) .
هكذا يبدو للقارئ لأول وهلة التباين الواضح في الموقفين حول شرط
النسائي في کتابه.
وأحاول بحول الله تعالى التقريب بين الموقفين بما يتوافق مع واقع
الكتاب مع رد الأقوال التي لاتستند إلى دليل.
(١) شروط الأئمة الستة (ص ١٩)
(٢) ألفية العراقي مع شرحها للسخاوي (٩٨/١)
(٣) بغية الراغب (ص ٥٤)
(٤) شرح علل الترمذي (٣٩٨/١)
٩٢

مناقشة أصحاب القول الأول:
أولا: ما حكاه ابن الأثير من قصة الأمير مع النسائي من أنه طلب أن
يجرد الصحيح الخ. فهذه الحكاية غير صحيحة، وقد تولى ردها الذهبي بقوله
عقب حكايتها عنه «هذا لم يصح»(١).
ثم إنني لم أجد هذه الحكاية في شيء من الكتب مسندة، ولو كان
إسنادها صحيحا لكانت باطلة لمخالفتها مع واقع الكتاب إذ كيف يقال: إنه
ترك كل حديث تُكلم في إسناده بالتعليل، مع أن الكتاب مليء بالأحاديث
المعلة التي أعلها النسائي بنفسه، وحكم على كثير من الوجوه بالخطأ، والنكارة،
وفيه أيضا أحاديث ضعفها النسائي لضعف رواتها .
والغريب في الأمر أنه كيف يخفى هذا على ابن الأثير، وقد أدخل المجتبى
من ضمن الكتب الستة في كتابه (جامع الأصول) وقد وقف بنفسه من خلال
ذلك على الأحاديث المعلة بالاختلاف على أسانيدها، ثم يذهب إلى احتجاج
هذه القصة لبيان مكانة المجتبى، وكان الأولى له أن يضعها في ميزان النقد.
يقول عبد الصمد شرف الدين معلقا على تلك الحكاية: « هكذا ذكر
ابن الأثير هذه الواقعة المزعومة بين أمير مجهول، وبين إمام من حفاظ الحديث،
وحامليه في عصره بدون أي إسناد في إثباتها ... » (٢)
(١) السير (١٤ / ١٣١)
(٢) مقدمة تحقيقه السنن الكبرى (١٩/١)
٩٣

ثانيا: ما نقله ابن حجر عن محمد بن معاوية بن الأحمر من قوله
« كتاب النسائي كله صحيح، وبعضه معلول ... » فالظاهر إن ثبت ذلك
عن محمد بن معاوية إنما قال ذلك على التخمين لأنه من المعلوم أنه لم يسمع
المجتبى من النسائي، وقد سبق أنه تفرد بالرواية عنه ابن السني حتى قيل إنه هو
المختصر كما سبق، ولعل محمد بن معاوية حين بلغ أن النسائي انتخب المجتبى
من الكبرى ظن أنه أفرده للأحاديث الصحيحة.
وأنا أشك كثيرا في صحة هذا القول وذلك لما فيه من التناقض الواضح
فقوله « كله صحيح » ينافي قوله « وبعضه معلول» إذ إن العلة تنافي
الصحة، وأغرب من هذا كله قوله في الكبرى « ... إلا أنه لم يبين علته »
وهذا لا يقوله أحد نظر في السنن الكبرى مجرد نظرة فضلا عمن كان من أحد
رواتها المختصين بها.
والكل يعلم أن النسائي شغله الشاغل في الكتابين جميعا بيانُ علل
الأحاديث
وقد أثنى عليه بذلك غيرُ واحد من أهل العلم يقول أبو عبد الله
بن رشيد: « وهو (أي سننه) جامع بين طريقتي البخاري ومسلم مع حظ كبير
من بيان العلل التي كأنها كهانة » (١).
(١) بغية الراغب (ص ٤٨)
٩٤

ويقال في رده ما قيل في رد حكاية ابن الأثير وأنا أشك في ثبوت ذلك
عنه لأن ابن حجر ذكرها مطلقة عن الإسناد ولو صح ذلك منه لما قُبِل منه
لمناقضته لواقع الكتاب و للأدلة السابقة.
ثالثا: أما من أطلق على كتابه المجتبى اسم الصحة وهم جماعة من العلماء سبق
ذكرهم فقد رد عليهم غير واحد من أهل العلم ممن له اختصاص بالسنن، وعلى
رأسهم ابن الصلاح فقد قال معقبا على قول السلفي اتفق على صحتها علماء
الشرق والغرب الخ قال: « هذا منه تساهل لأن فيها ( أي السنن الأربعة) ما
صرحوا بكونه ضعيفا أومنكرا أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف»(١).
وقال النووي: « وأما تقسيم أحاديث المصباح إلى حسان وصحاح
مريدًا بالحسان ما في السنن فليس بصواب لأن في السنن الصحيح، والحسن،
والضعيف، والمنكر » (٢).
فإذا كان النووي ينكر على البغوي تسمية أحاديث السنن بالحسان فمن
باب أولى أنه ينكر على من أطلق عليها اسم الصحة.
وقال ابن كثير وهو يرد على من أطلق على المجتبى اسم الصحة فقال:
« فيه نظر فإن فيه رجالا مجهولين إما عينا أوحالا، وفيهم المجروح، وفيه
أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة» (٣).
(١) علوم الحديث (ص ٤٧)
(٢) التقريب (١٦٥/١)
(٣) اختصار علوم الحديث (ص ٢٥)
٩٥

وقال العراقي في الرد على من أطلق عليها الصحة (( ومن أطلق عليها
الصحيحا فقد أتي تساهلا صريحا)) (١).
وقد اعتذر لهؤلاء ابنُ حجر فقال عقب حكاية ابن الصلاح عن الحاكم
في إطلاقه على سنن الترمذي الصحة مع إنكار ابن الصلاح عليه في ذلك
فقال: « ذلك أن كتاب الترمذي مشتمل على الأنواع الثلاثة لكن المقبول فيه
- وهو الصحيح والحسن - أكثرُ من المردود، فحكم للجميع بالصحة بمقتضى
الغلبة ثم قال: وإذا تقرر هذا ينبغي حمل كلام السلفي على نحو ما حملنا عليه
كلام الحاكم» (٢).
وكلام الحافظ ابن حجر جيد في توجيه كلام هـؤلاء الأئمة في أن
المقصود بإطلاقهم عليها اسم الصحة إنما هو بحكم الأغلب إذ إن الصحيح
والحسن في السنن الأربعة هما الأصل فيها، والضعيف فيها بالنسبة إليهما قليل
فحكموا على جميع أحاديثها بالصحة باعتبار الأغلبية.
مناقشة أصحاب القول الثاني
وقد سبق أنهم قالوا: «إن النسائي أخرج لكل من لم يجمع على
تركه»، وهذا بلاريب كما قال غير واحد من أهل العلم مذهب متسع إن
حُمل على ظاهره لأنه يقتضي أنه أخرج لجل الضعفاء، وهذا الظاهر غير مراد
في كلامهم لأمور منها:
(١) ألفيته مع شرحها السخاوي (٨٧/١)
١
(٢) النكت لابن حجر (٤٨٩/١)
٩٦