النص المفهرس
صفحات 61-80
وقال يحيى بن منده: كان من بيت الزهد والستر والعبادة، وقال أبو طاهر: كان متقنا ثبتا ثقة، وقال الذهبي: كان زاهدا عابدا سفياني المذهب توفي سنة (٥٠١ ) (١). ثالثا: سبق أن ذكرت جميع رواة السنن الكبرى في المبحث الخامس من الفصل الأول ضمن تلاميذ النسائي وبينت هناك أنهم حسبما ذكر ابن حجر عشرةٌ وزاد السخاوي على العشرة واحداً كما أشرت إلى توثيقهم وأن معظمهم أئمة في الحديث . وبين رواياتهم اختلاف في الزيادة والنقص قال السخاوي: وبين رواياتهم اختلاف في اللفظ والتقديم والتأخير والزيادة والنقص وأكبرها وأتمها رواية ابن الأحمر (٢) . ولكن ذكر ابن خير الدين أن ابن سیار کان سماعه من النسائي هو وابن الأحمر واحدا (٣) ومعنى ذلك أن رواية ابن سيار، وابن الأحمر سيان من حيث الكمال، ولهذا جمع أبو محمد الباجي تلميذ ابن سيار بين سماعه وسماع ابن الأحمر للسنن ووحدهما في نسخة واحدة، وهي التي كتب لها الانتشار في الغرب (٤) الإسلامي (٤) . (١) التقييد (ص ٣٣٧) العبر (٣٨٢/٢) شذرات الذهب (٢) بغية الراغب (ص ٥٢) (٣) فهرسته ( ص ١١٢) ؟ (٤) مقدمة عمل اليوم والليلة للدكتور فاروق حمادة (ص ٦٨) ٥٧ قلت: والذي ذكره ابن خير الإشبيلي من أن سماعهما كان واحدا فيه نظر لوجود بعض الفروق بين نسختيهما كما نبه عليه غير واحد من أهل العلم لذا قال ابن حجر : « فقد تفرد بعضهم دون غيره برواية بعض الكتب فكتاب التفسير من رواية حمزة الكتاني وحده، وكتاب عمل اليوم والليلة من رواية ابن الأحمر وابن سيار وكتاب خصائص على ظه من رواية ابن سيار (١). وسبب اختلاف الروايات يرجع إلى المؤلف نفسه فهو قد ألف بعض الكتب مستقلة، ثم ظهر له فيما بعد أن يضمها إلى الكبرى، فمن سمع منه قبل ضمها إلى الكبرى صارت روايته خالية عن تلك الكتب والله أعلم. وهذه ترجمة موجزة لهؤلاء العشرة الذين ذكر ابن حجر أنهم من رواة السن الکبری عنه. ١= ابن السني أبو أحمد بن محمد الدينوري تقدمت ترجمته قبل سطور . ٢- ابنه عبد الكريم بن أحمد بن شعيب أبو موسى النسائي روى عن أبيه كتاب السنن والمنجنيقي وروى عنه أيوب بن الحسين قاضي الثغرة توفي سنة (٢) (٣٤٤) (٢). ٣= الحسن بن رشيق الإمام المحدث مسند مصر أبو محمد العسكري منسوب إلى عسكر مصر المعدل ولد سنة (٢٨٣) سمع من أحمد بن حماد زغبة وأبي عبد الرحمن النسائي فاكثر عنه، وعنه الدارقطني وعبد الغني بن سعيد. (١) مقدمة تهذيب التهذيب ( ٦/١) (٢) فهرسة ابن ير ( ص ١١٣ وما بعدها وتهذيب التهذيب (٣٢/١ ) ٥٨ قال يحيى بن الطحان: ما رأيت عالما أكثر حديثاً منه، وقال الدار قطني: شيخنا ثقة لا بأس به، وقال الذهبي: كان محدث مصر في زمانه، ولينه عبد الغني بن سعيد قليلا توفي سنة (٣٧٠) (١) ٤= أبو علي الحسن بن الخضر الأسيوطي يروي عن النسائي سننه وعن أبي يعقوب المنجنيقي وعنه ابن نظيف ويحيى الطحان. قال الذهبي: المحدث الإمام توفي (٣٦١) (٢). ٥= محمد بن معاوية بن عبد الرحمن بن معاوية أبو بكر القرطبي المعروف بابن الأحمر سمع من النسائي وجعفر الفريابي وعنه محمد بن عبد الله بن حکم، ومحمد بن إبراهيم بن سعيد. دخل الهند للتجارة فغرق له ما قيمته ثلاثون ألف دينار ثم رجع إلى الأندلس وفي طريقه لقي النسائي وأخذ عنه سننه وجلب إلى الأندلس فكان أول من أدخل السنن الكبرى فيها. قال الذهبي كان شيخاًنبيلاً ثقة معمرا، توفي في رجب سنة ( ٣٦٨ ) (٢) ٦= ابن حيوة وهو الشيخ الإمام المعمر الفقيه القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيوة النيسابوري ثم المصري الشافعي قدم مصر وهو صغير وسمع من بكر بن سهل الدمياطي وأبي عبد الرحمن النسائي وعنه عبد الغني بن سعيد الحافظ وهارون بن يحيى الطحان. (١) التذكرة ٩٥٩/٣ الميزان ٤٩٠/١ السير (١٦ / ٢٨٠) اللسان ٢٥٩/٢ (٢) العبر (١١١/٢) شذرات الذهب (٣٢٤/٤) (٣) السير (١٦/ ٦٨) العبر (١٠٣/٢) شذرات الذهب (٣٠٥/٤) ٥٩ قال ابن ماكولا: كان ثقة نبيلا، وقال الدار قطني: كان لا يترك أحدا يتحدث في مجلسه توفي سنة (٣٦٦) (١). ٧= حمزة بن محمد بن علي بن العباس الإمام الحافظ القدوة محدث الديار المصرية أبو القاسم الكناني المصري، سمع عمران بن موسى الطيب، وأبي عبد الرحمن النسائي، وعنه الدار قطني وابن منده. قال الذهبي: جمع وصنف، وكان متقنا مجودا ذا تأله تعبد، وقال الحاكم: هو على تقدمه في معرفة الحديث أحد من يذكر بالزهد والورع، والعبادة، وقال ابن العماد: كان حافظا ثبتا، توفي سنة (٣٥٧) (٢). ٨= محمد بن قاسم بن محمد بن سيار الحافظ أبو عبد الله البياني القرطبي سمع أباه وبقي بن مخلد وأبا عبد الرحمن النسائي وعنه ولده أحمد بن محمد وخالد بن سعید. قال أبو محمد الباجي: لم أدرك بقرطبة من الشيوخ أكثر حديثاً منه وكان عالماً ثقة وكان سماعه للسنن وسماع ابن الأحمر واحداً ولذا جمعهما أبو محمد الباجي توفي سنة (٣٢٨) (٣). ٩= الطحاوي وهو الإمام العلامة الحافظ أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحنفي سمع من يونس بن عبد الأعلى والنسائي وعنه أحمد بن القاسم الخشاب الطبراني. (١) السير (١٦/ ١٦١) العبر (١٢٥/٢) حسن المحاضرة (٤٠٢/١) شذرات الذهب (٣٥٥/٤) (٢) السير (١٦/ ١٧٩) التذكرة (٩٣٢/٣) طبقات الحفاظ (٣٧٧) شذرات الذهب (٢٩٩/٤) (٣) التذكرة (٨٤٤/٣) العبر (٢/ ٢٨) شذرات الذهب (٤ /١٤١). ٦٠ انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة في مصر ، قال ابن يونس: كان ثقة ثبتا فقيها عاقلا لم يخلف مثله. صنف في مشكل الآثار ومعاني الآثار وفي الشروط توفي سنة (٣٢١) (١). ١٠= ابن المهندس أحمد بن محمد بن إسماعيل محدث ديار مصر روى عن البغوي ومحمد بن محمد الباهلي، وذكر ابن خير الإشبيلي روايته لسنن النسائي، ومن جملة ما روى من الكتب في الكبرى كتاب التفسير (٢). هذا ما أحببت أن أنبه عليه فيما يتعلق برواة السنن الكبرى واختلاف رواياتهم مع العلم بأن ذكر رواة السنن الكبرى، وبيان اختلاف رواياتهم ليس من موضوع بحثي بل هو خارج عنه لأن بحثي يتعلق بالصغرى لا بالكبرى. المبحث الخامس: المقارنة بينه وبين أصله «السنن الكبرى»،وتتم المقارنة بينهما من وجوه ثلاثة: أولا : علاقة المجتبى بالكبرى وكيفية اختصارها من الكبرى. لا شك أن للمجتبى علاقة قوية بالكبرى، فالكبرى هي الأصل ومادة المجتبى من حيث الجملة، فالاجتباء في معناه اللغوي الاصطفاء والاختيار، فالنسائي - رحمه الله - اختارها من الكبرى واختصر الكبرى في نصف حجمه وسماه ( أي المختصر ) بالمجتبى. (١) التقييد (١٧٤) التذكرة (٣/ ٨٠٨) العبر (٢ / ١١) شذرات الذهب (٤ / ١٠٥) (٢) العبر (٢/ ١٦٦) شذرات الذهب (٤/ ٤٤٩) فهرسة ابن خير (ص ١١١). ٦١ ولكن ليس المراد بالاختصار هنا ما قد يتبادر إلى الذهن من أن كل ما في المجتبى من الأحاديث موجود في الكبرى كما هي العادة في المختصرات، بل المرد بالاجتباء هنا أن معظم مادة المجتبى مأخوذ من الكبرى، وإنما قلت ذلك لوجود أبواب بكاملها بل وكتب أحيانا في المجتبى ليست في الكبرى. فالمصنف قد زاد أحاديث في المجتبى ( الكبرى ) ولكن ما زاد فيه قليل جدا إذا قورن بما نقص منه من أحاديث الأصل، وسيتضح ذلك عند مقارنة الكتابین من حيث الحجم. وهذا الأحاديث التي زادها في المجتبى سببها أن المصنف رحمه الله تعالي كان واسع الرواية فقد تجمعت لديه في طول رحلته العلمية آلاف الأحاديث فوضع بعضها في الكبرى، وبقي كثير منها خارج السنن الكبرى لسبب أولآخر، وحين شرع في اختيار المجتبى من الكبرى كان ينظر في تلك الأحاديث فيأخذ منها ما كان على شرطه، وتدعو الحاجة إليه فيضعه في المجتبى(١). ثانيا : المقارنة بين الكتابين من حيث الحجم وعدد أحاديث كل منهما. كما يستفاد من اسمي الكتابين لاشك أن الكبرى أكبر بكثير من المجتبى وقد مر قول ابن كثير « وقد جمع ( أي النسائي » السنن الكبير، وانتخب منه ما هو أقل حجما منه بمرات (٢). (١) وهذا يحل إشكالا وهو أن بعض المحدثين يكون لهم مؤلفات في الحديث كعبد الرزاق مثلا فيروى عنهم بعض الأحاديث وهي غير موجودة أحيانا في مصنفاتهم ، ويكون تفسير ذلك أن تلك الأحاديث من مرويا تهم التي لم يضعوها في مصنفاتهم بسبب من الأسباب. (٢) البداية (١١ / ١٣١) ٦٢ ١= هناك كتب تفردت بها الكبرى دون الصغرى وهي بضع وعشرون كتاباً، وهذه الكتب تختلف في حجمها صغراً وكبراً، فبعضها كبير جداً مثل التفسير، وعمل اليوم والليلة، ومناقب الصحابة، في حين أن المجتبى لم تنفرد إلا بكتاب ( الإيمان وشرائعه ) وقيل أيضا الصلح على ما حكاه أبو علي الغساني ولم أجده في المطبوع. ولكي ندرك حجم الكبرى بالنسبة للصغرى فأذكر هذه الإحصائية من خلال الكتب التي انفردت بها الكبرى عن الصغرى. اسم الكتاب ٢٥٧/٢ ١ = الاعتكاف ٩٤ ١٦٨/٣ ٢= العتق ١٧٥ ٤٢٤/٣ ٤ = إحياء الأموات ٢٠ ٤٠٩/٣ ٥= العارية ١٤ ٤١٤/٣ ٦ = الضوال ١٥ ٤١٧/٣ ٧= اللقطة ٢٥ ٤٢٥/٣ ٨= العلم ١١٦ ٦٣/٤ ٩- الفرائض ١٠ = الوليمة ١٣٧/٤ ١٨٢ ١١= الوفاة ( أي وفاة النبي رضـ ٤٧ ٢٥١/٤ ١٢ = الرجم ٢٣٠ ٢٦٦/٤ عدد الأحاديث فيه الجزء والصفحة ٤ ٣ - الركاز ٤٠٤/٣ ٧٩ ٦٣ ١٣ = الطب ٣٥١/٤ ١٤٣ ١٤ = التعبير ٣٨ ٣٨٢/٤ ١٥= النعوت ١١١ ٣٩٣/٤ ١٦= فضائل القرآن ١٢٥ ٣/٥ ٣٥/٥ ١٨= خصائص علي رضي الله عنه ١٨٩ ١٠٥/٥ ١٩ = السير ٣١٠ ١٧٠/٥ ٢٠ = عمل اليوم والليلة ٣/٦ ١١٥٢ والمستقل ١١٤١ ٢١ - التفسير ٧٣٥ ٢٨٢/٦ ومجموع أحاديث هذه الكتب ( ٤٠٩٣) ، وهذا العدد يقارب عدد أحاديث المجتبى بأجمعها البالغ عددها (٥٧٥٨). ملحوظة: هناك كتب أخرى مما انفردت به الكبرى عن الصغرى لكن النسخة المطبوعة خالية منها لأنها من رواية ابن الأحمر وابن سيار، وهذه الكتب هي كتاب الشروط، والحدود، والرقائق، والمواعظ، والملائكة، والبهم . فحتى هذه الكتب التي اتفقت فيها الكبرى مع الصغرى نجد أن بينهما في هذه الكتب فروقا في العدد، فمثلا وجود كتاب ما في الصغرى والكبرى لا يعني أن جميع أبوابه وأحاديثه فيهما على السواء بل الأغلب أن النسائي - رحمه الله تعالى - يترك أبوابا بأحاديثها في الكبرى لا يأخذ منها شيئا في المجتبى. ٦٤ ١٧ = المناقب ٢٨٩ فعلى سبيل المثال حين أراد أن يختصر كتاب الصوم الذي في الكبرى قسمه إلى قسمين فأخذ القسم الأول فوضعه بكامله في المجتبى وحذف القسم الثاني. ويمكن تقسيم اختيار النسائي لأحاديث المجتبى إلى أربعة أقسام: القسم الأول: كتب في الكبرى لم يختر منها شيئا. القسم الثاني: كتب في الكبرى أخذ بجميع ما فيها فوضعها في المجتبى. القسم الثالث: كتب في الكبرى أخذ منها بعض أحاديثها وترك الباقي. القسم الرابع: ما انفردت به الصغرى من الكتب والأبواب والأحاديث. أما القسم الأول: وهي الكتب في الكبرى التي لم يختر منها شيئا، فهذا القسم تقدم الحديث عنه بذكر أسماء تلك الكتب مع حصر جميع ما فيها من أحادیث. وأما القسم الثاني: الكتب التي في الكبرى، واختار جميعها، فوضعها في المجتبى ، ومن تلك الكتب على سبيل المثال - الزكاة - الجنائز - الجهاد - الطلاق - الضحايا . فبالمقارنة بين الكتابين من خلال تلك الكتب تبين لي ما يلي: فأما كتاب الزكاة فيشتمل على (١٠٠) باب من أبواب الزكاة في حين أن كتاب الزكاة في الكبرى اشتمل على (١٠٢) بابا أي بزيادة بابين في الكبرى، وهما باب تراجع الخليط في صدقة المواشي .. أورد فيه حديث وائل بن حجر، ولكن هذا الحديث موجود في المجتبى أدخله النسائي في الباب الذي قبله - باب الجمع بين المتفرق والتفريق بين المجتمع. ٦٥ وأما الباب الثاني الذي لم يَرِد في المجتبى وهو باب الرذالة أورد فيه حديث عوف بن مالك الأشجعي، ولكن هذا الحديث موجود أيضا في المجتبى مع الباب الذي قبله وهو باب قوله تعالى ﴿ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ . وعليه فإن النسائي - رحمه الله - بهذا يكون قد أخذ جميع ما في الكبرى من كتاب الزكاة من الأحاديث، ووضعها في المجتبى غير أنه حذف من المجتبى بابين في الكبرى، ولكنه أخذ أحاديث البابين فوزعها على الأبواب التي قبلها. وجاءت أحادیث کتاب الزكاة في الكتابین (١٨٥) سواء بسواء. وأما كتاب الجنائز فجميع الأبواب والأحاديث الموجودة في الكبرى موجودة في الصغرى غير أنه زاد في المجتبى بابين وهما باب - من قدم ثلاثة من الولد، و - باب آخر في آخر الكتاب. ولكنه بالنسبة للأحاديث لم يزد فيها بشيء بل فرق أحاديث باب في الكبرى في بابين في الصغرى، وجاءت أحاديث كتاب الجنائز في الكتابين (٢٧٢) مع المكرر سواء بسواء. وأما كتاب الجهاد فجاءت عدد أبوابه في الكبرى (٤٤) بابًا مقابل (٤٨) بابًا في المجتبى أي بزيادة أربعة أبواب وأرقامها (١٣ - ١٤ - ١٥ - ٢٠) ولكن جميع أحاديث هذه الأبواب الأربعة كلها موجودة في الكبرى ضمن أبواب مشابهة. وعدد أحاديث الجهاد في الكبرى (١٠٨) وفي المجتبى (١١٠) بزيادة حديثين فقط. وأما كتاب الطلاق فجميع ما في الأبواب والأحاديث على السواء في الكتابين. ٦٦ وأما كتاب الضحايا فإن المجتبى تشتمل على (٤٤) بابا في حين أن الكبرى تشتمل على (٤٥) بابا بزيادة باب واحد، وهو باب الذبح قبل الصلاة لكن أحاديثه كلها موجودة في المجتبى فقد ضمها إلى الباب الذي قبله، وهو باب ذبح الضحية قبل الإمام. وفي الكتابين أمثلة مشابهة بما ذكرت، وبما تقدم يحصل به المقصود، ويكفي للدلالة على أن في الكبرى كتبا لم يختصرها النسائي بل أخذها كلها. والذي ظهر لي أن النسائي يفعل ذلك غالبا بالكتب التي أحاديثها قليلة، ولكن ليس ذلك مطردا. وأما القسم الثالث: وهي الكتب التي في الكبرى أخذ بعض أحاديثها وترك البعض الآخر، وهذا القسم في الكتابين كثير لأنه هو المقصود في الاختصار. ومن أمثلة هذا النوع على سبيل المثال كتاب الصوم كما تقدم فالكبرى تشتمل على (٢١٦) بابا، وعدد أحاديثه (١٨٩١) ولكنه في المجتبى اختار من تلك الأبواب ( ٨٢) فقط، وعدد أحاديثها (٣٤٥) أي أن أحاديث الصوم في المجتبى لاتصل إلى خمس أحاديثه في الكبرى. ثم إن الغريب أنه أخذها على الترتيب لاعلى الاختيار حيث أخذ أول الكتاب إلى باب (٨٢) كما هي في الكبرى بعناوينها، وأحاديثها على نفس الترتيب اللهم إنه زاد بابا في المجتبى وهو باب برقم (٧٩) أورد فيه رواية من روايات حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في قيامه الليل وصيامه النهار، وهو موجود في الكبرى من طرق أخرى. ٦٧ ومن هذا النوع أيضا كتاب عشرة النساء ففي الكبرى سبعة أبواب بست وتسعين حديثا في حين أنه أخذ في المجتبى الأبواب الأربعة الأول بأحاديثها وهي (٢٧) وحذف الثلاثة الباقية بأحاديثها. وأما القسم الرابع: وهي ما انفردت به المجتبى من الكتب والأبواب والأحاديث. أما بالنسبة للكتب فلم تنفرد المجتبى عن الكبرى إلا بكتاب واحد وهو كتاب الإِيمان وشرائعه، وهو آخر كتاب المجتبى، ومجموع أحاديثه مع المكرر ( ٥٥) حديثا. وأما الأبواب التي زادت بها الصغرى على الكبرى فكثيرة، فمعظم الكتب فيها بعض الأبواب مع أحاديثها زائدة على ما في الكبرى، ولكن هذه الأبواب قليلة إذا ما قورنت بالأبواب التي زادت بها الكبرى على الصغرى. وخير ما يمثل به في هذا القسم كتاب الطهارة الذي هو أو ل الكتب فيهما، وقد أجرى الشيخ عبد الصمد شرف الدين مقارنة بين الكتابين في أحاديث الطهارة وخلص إلى هذه النتائج. وفي المجتبى (٢٧٥) فعد أبواب الطهارة في الكبرى ( ١٨٥) وعدد أحاديث الطهارة في الكبرى (٣٠٨) وفي المجتبى (٤٥١) والأحاديث المشتركة بين الكتابين في الطهارة (٢٨٦) حديثا. و(٢٣) حديثا تختص بها الكبرى دون الصغرى و(١١٢) تختص بها الصغرى دون الكبرى والمجموع (٤٢١) حديثا (١). (١) انظر مقدمة السنن الكبرى بتحقيق عبد الصمد شرف الدين (ص ٢٥ وص ٤٩). ٦٨ وما فعله الإمام النسائي في كتاب الطهارة من المجتبى من زيادة تلك الأبواب والأحاديث على الكبرى لم يتكرر في باقي الكتب، والظاهر أنه رحمه الله كان ينوي في بداية التأليف أن يكون المجتبى كتابا آخر مساويا للكبرى أو أكبر منه ثم عدل عن ذلك بسبب من الأسباب إلى الاكتفاء بما يشبه الاختصار. وأما كتاب الصلاة الذي يلي كتاب الطهارة فهو بعكس كتاب الطهارة تماما، فقد قسم كتاب الصلاة إلى مجموعة من الكتب بلغت ( ١٨) كتابا بـ (١٦٣١) حديثا. وهذه الكتب الثمانية عشر كلها موجودة في المجتبى إلا أنه أدخل كتاب الوتر في كتاب قيام الليل كما أدخل كتاب صفة الصلاة في كتاب الصلاة. ومجموع أحاديث كتاب الصلاة في المجتبى (١٣٧٠) أي أن الكبرى تزيد في عدد أحاديث كتاب الصلاة على الصغرى بـ (٢٦١) حديثا. ثم إنه من الملاحظ أن النسائي قد أجاد في ترتيب الكتب داخل كتاب الصلاة حسب تسلسل المعني بخلاف الكبرى فإن ترتيب الكتب فيها مشوش مما جعلني أعتقد أن هذا من فعل الرواة عنه أو النساخ، ولكي تتضح الصورة، فهذه أسماء كتب الصلاة حسب ترتيبها في الكتابين. السنن الكبرى السنن الصغرى (المجتبى) اسم الكتاب اسم الكتاب ١= الصلاة ١= كتاب الصلاة الأول ٢= السهو ٢ = المواقيت ٣ = التطبيق ٣- الأذان ٦٩ ٤ = المساجد ٥= الإمامة الجماعة ٦ = القبلة ٧= افتتاح الصلاة ٨= صفة الصلاة ٩= قيام الليل وتطوع النهار ١٠ = الوتر ١١ = مواقيت الصلاة ١٢= الكسوف ١٢ = الأذان ١٣= الاستسقاء ١٣ = الجمعة ١٤ = صلاة العيدين ١٥ = الاستسقاء ١٦= كسوف الشمس والقمر ١٧ = قصر الصلاة ١٨= صلاة الخوف ٤= المساجد ٥ = القبلة ٦= الإمامة ٧= الافتتاح ٨= التطبيق ٩= السھو ١٠ = الجمعة ١١= تقصير الصلاة ١٤= صلاة الخوف ١٥= صلاة العيدين ١٦= قيام الليل وتطوع النهار وأنت تلاحظ أن ترتيب الكتب بالنسبة للسنن الكبرى فيها خلل، فكتاب المواقيت والأذان يأتيان بعد السهو، والإمامة والجماعة بل وبعد قيام الليل. ٧٠ ثم إن هناك شيئا آخر، وهو أن أحاديث كثيرة مكررة في الصلاة فتجد أبوابا من الوتر وصلاة العيد، والجمعة، وخطبتها، وأبواب من الاستسقاء وصلاة المسافر، وصلاة الخوف. كل هذه الأبواب ذكرها في الكبرى في كتاب الصلاة الأول، ثم أعادها أو معظمها في كتبها التي أفردها بالاسم من بين كتب الصلاة. وأظن أنني بهذا قد أعطيت القارئ الكريم تصورا جيدا للكتابين من حيث حجم كل منهما وطريقة اختيار المجتبى من الكبرى. الجانب الثالث: مقارنة الكتابين من حيث درجة أحاديثهما قوة وضعفا: إنه مما لاشك فيه أن مقارنة الكتابين من حيث القوة، والضعف من الصعوبة بمكان لأنه يتطلب إن أريد الوقوف على حقيقة ذلك دراسة جميع أحاديث الكتابين، والحكم عليها، وعندها تتضح الصورة على أكمل وجهها. ولكن هناك معالم بارزة في الكتابين يمكن من خلالها أن نخرج بتصور واضح يمكن الاعتماد عليه إلى حد كبير. وقبل ذلك أحب أن أشير إلى أن النسائي - رحمه الله تعالى - احتاط الكتابيه - الصغرى والكبرى - فترك من أجل ذلك الرواية عن شيوخ كان يعلو بهم فجاءت سننه الكبرى والصغرى في المرتبة الأولى من بين السنن الربعة، وسيأتي ذلك بالدلائل عند الحديث عن شرطه في كتابه. والمقصود هنا بيان هل المجتبى أصح حديثا من الكبرى كما شاع عند بعضهم و يتقدمهم ابن الأثير حيث قال في مقدمة الجامع : « ... فصنع المجتبى فهو المجتبى من السنن ترك كل حديث أورده في السنن مما تكلم في إسناده بالتعليل ». ٧١ قلت: وما قاله ابن الأثير وكذلك غيره ممن أطلق اسم الصحة على المجتبى لا يسلم لهم، بل واقع الكتاب يردهم، والذي ظهر لي من خلال معايشتي للكتابين طوال هذه المدة أن النسائي - رحمه الله - حين تأليفه للمجتبى لم يكن قصده أن تكون أحاديث المجتبى أقوى وأصح من أحاديث الكبرى، ومن الدلائل على ذلك أمور منها: ١= موضوع الرسالة التي هذه الدراسة مقدمة لها وهي الأحاديث التي أعلها النسائي بالاختلاف وبلغت قرابة ستين ومائة مسألة، وكل مسألة في الغالب تحتها اختلافات كثيرة، فلو كان قصده من الاختصار أن يراعي جانب القوة لاكتفى بإخراج الوجوه المحفوظة دون المعلة كما فعل صاحبا الصحيحين. صحيح أن النسائي ترك أحاديث في الكبرى معلة، ولكن لم يكن تركه لها لكونها معلة ولكنه ترك تلك الأبواب مع أحاديثها الصحيحة والمعلة اختصارا، ومن ذلك أن النسائي حين أتى على كتاب الصوم في الكبرى، وأراد أن يختصره أخذ الشطر الأول من كتاب الصوم على الترتيب، ووضعه في المجتبى بما فيه من الأحاديث الصحيحة والمعلة، وحذف الشطر الثاني بما فيه أيضا من الأحاديث الصحيحة والمعلة، فلو كان قصده مراعاة لجانب القوة والصحة لأخذ من جميع كتاب الصوم بشطريه ما كان من أحاديثه أقوى وأصح، وهي كثيرة. بل إن النسائي - رحمه الله - زاد في الشطر الأول من كتاب الصوم الذي وضعه في المجتى زاد فيه حديثا واحدا تحت باب صوم خمسة أيام ٧٢ وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما« أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام » (١) رواه من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن المليح. والحديث بهذا الإسناد ضعيف لعنعنة أبي قلابة - عبد الله بن زيد الجرمي - وهو مدلس، فلك أن تتصور زيادة حديث واحد من كتاب الصوم في المجتبى على الكبرى ويكون الحديث بذلك الإسناد ضعيفا، فأين مراعاة جانب الصحة من هذا؟. والذي يظهر لي أنه إنما فعل ذلك مراعاة للجانب الفقهي، وذلك أنه ذكر صوم عشرة أيام من الشهر وبعده صيام أربعة أيام من الشهر، ثم صوم ثلاثة أيام من الشهر، فرأى استكمالا للجانب الفقهي إضافة باب صوم خمسة أيام من الشهر، ولم يجد فيه إلا حديث عبد الله بن عمرو السابق، فهو وإن كان في إسناده ضعف لکنه ینجبر بأحاديث الباب. ٢= أن في المجتبى أحاديث حكم عليها النسائي نفسه بأنها ضعيفة ومن ذلك قوله عقب حديث جابر في قتل السارق في المرة الخامسة « هذا حديث منكر، و مصعب بن ثابت - أحد رواته - ليس بالقوي في الحديث »(٢). فهذا الحديث منكر تفرد به من لا يحتمل تفرده، وهو وحيد في بابه ليس له من الأحاديث ما يقويه، وفي الكتاب أحاديث من هذا القبيل، بل وأصرح من هذا قوله عقب حديث أنس ظ « اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ... » سعيد بن سلمة شيخ ضعيف ، وإنما أخرجناه للزيادة في الحديث. (١) في المجتبى (٢١٥/٤ ح٢٠٤٢) (٢) المجتبى (٩١/٨) ٧٣ فأنت ترى أنه أخرج هذا الحديث الضعيف عنده في المجتبى كما هو في الكبرى، وعلل بذلك أنه أراد زيادة في الحديث مع أنه أخرج في الأبواب التي قبله، والتي بعده أحاديث أخرى هي في معنى هذا الحديث. ٣= إن حديث رافع بن خديج ربه في النهي عن كراء الأرض يعتبر أطول حديث أعله النسائي بالاختلاف على أسانيده، فقد أطال فيه النفس، وأكثر من بيان الاختلافات الواردة فيه حيث أخرجه أكثر من سبعين طريقا ، ومعظم طرقه وقع فيها اختلاف بينه النسائي في المجتبى (١). والشاهد من ذكر حديث رافع بن خديج م أن النسائي - رحمه الله تعالى - حين أتى إلى هذا الحديث في الكبرى أخذه بجميعه مع ما فيه من إعلاله بالاختلافات الكثيرة بحروفها فوضعه في المجتبى، فلو كان هدفه من اختصار الكبرى في المجتبى مراعاة جانب الصحة لحذف كثيرا من هذه الاختلافات ، ولفعل مثل ما فعل الشيخان في صحيحهما من إخراج الوجوه المحفوظة من الحديث فقط، وحذف بقية الوجوه الأخرى. ٤= أن النسائي - رحمه الله - استخار الله في الرواية عن قوم من الرواة تكلم فيهم كعبد الله ابن لهيعة فوقعت الخيرة على ترك حديثهم، فلم يخرج لهؤلاء لافي السنن الكبرى ولا في المجتبى مما يدل على أنه احتاط في الجملة للكتابين ولم يخصص أحدهما بمزيد من الاحتياط. (١) انظر حديث رافع بن خديج في كتاب المزارعة باب ذكر الأحاديث المختلف في النهي عن كراء الأرض ... (٣٣/٧ برقم ٣٨٦٢) ٧٤ والخلاصة: أن النسائي - رحمه الله - لم يكن قصده من الاختصار مراعاة جانب القوة والصحة، ومن قال بذلك فعليه الدليل، بل كان قصده أن يكون المجتبى نموذجا مصغرا لسننه الكبرى، وكان قد احتاط للكبرى من قبل سندا ومتنا، فاكتفى بذلك فيما يتعلق بالمجتبى، ثم إنه راعى في المجتبى جودة الترتيب والاختصار مع مراعاة الجانب الفقهي. المبحث السادس: منهج المؤلف في كتابه: إن إبراز منهج لمؤلف مثل الإمام النسائي - رحمه الله تعالى - الذي اعترف له الجميع بالتقدم في هذا الفن في عصره لهو أهمية كبرى إذ إن منهجه يعتبر مدرسة، لها ملامحها المتميزة تضيء الدرب للباحثين في جوانب عدة للحياة العلمية عند أسلافنا رحمهم الله تعالى فضلا عن الفوائد العديدة التي تعود على الباحث من خلال محاولته لاستكشاف ذلك. والنسائي قد أودع في كتابه دررا من العلوم وأبدع فيها، وليس أدل على ذلك من قول ابن رشيد « كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفاً وأحسنها ترصيفاً وكأن كتابه جامع بين طريقي البخاري، ومسلم مع حظ كبير من بيان العلل(١). (١) النكت لا بن حجر (٤٨٤/١) وزهر الربي (١٠/١) ٧٥ رَمُ عبد الرحمن الجِّيّ أَسِتَ الله الفرد في www.moswarat.com وأحاول بعون الله تعالى أن أبين منهجه من خلال النقاط الآتية: ١= عدد الأحاديث وترتيبها في الكتاب: فأما عدد الأحاديث في المجتبى فقد بلغت حسب ترقيم الشيخ عبد الفتاح أبي غدة (٥٧٥٨) حديثا، وأدخل في هذا العد جميع الروايات المكررة، والآثار، وهي قليلة، وغالبها إنما يذكرها لتعليل الروايات المرفوعة. وأعتقد أنه لو جردت الأحاديث المكرر ما وصلت إلى نصف العدد السابق لأن النسائي - رحمه الله - قد أكثر من ذكر المتابعات للحديث الواحد، وأكثر من تكراره أيضا في أبواب متعددة، وسبب ذلك أمران: ١= الأمر الأول: كونه - رحمه الله - ركز على الجوانب المتعلقة بعلة الحديث وبيانها، وأعطى هذا الجانب اهتماما ، ومعلوم أن ذلك يتطلب جمع طرق الحديث لتتبين العلة، ويظهر الراجح من المرجوح، فلهذا يورد الحديث الواحد من طرق متعددة. والأمر الثاني: كونه سلك مسلك البخاري في استنباط الأحكام المتعددة من الحديث الواحد فمن أجل ذلك كرر أحاديث في أبواب متفرقة بغية استخراج أحكام أخرى منها. وسيأتي مزيد من الإيضاح عند الحديث عن الصناعة الحديثية في الكتلب إن شاء الله تعالى. والخلاصة: أن المجتبى بما فيها من الأحاديث المكررة، والآثار أكبر السنن الأربعة حجما، وأكثرها حديثا. ٧٦