النص المفهرس
صفحات 41-60
والخلاصة : أن النسائي مات بالرملة بفلسطين، ودفن هناك فرحم الله هذا الإمام رحمة واسعة وضاعف له المثوبة فيما قدمه لأمة محمد طات . و = مؤلفاته: إن النسائي - رحمه الله - خلّف لنا ثروة علمية هى حصيلة حياته وعصارة جهده وأفكاره أخلد بها لنفسه ذكرا حسنا فهو وإن مات إلا أنه حي بآثاره العلمية يذكره أهل العلم وطلبته بالخير صباح مساء في كل زمان فتحقق له بإذن الله ما أخبر به النبي: ﴿ « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ... وعلم ينتفع به (١) . وهو - رحمه الله - يُعد من المكثرين في التأليف، وجلّ تصانيفه بل كلها في الحديث وعلومه ولكن مع الأسف الشديد أن معظم مؤلفاته قد فقدت ولم يبق منها إلا أسماؤها مذكورة في ترجمته، ومن كتبه مما وقفت عليها: ١= كتابه العظيم - السنن الكبرى - وهو أعظم مؤلفاته على الإطلاق، وطبع أخيرا بعد أن كان مفقودا في الأزمان الأخيرة بدار الكتب العلمية، بتحقيق الدكتور عبد الغفار البنداري وسيد كسروي حسن، وتحقيقهما ليس على المستوى المطلوب، وقد بدأ الشيخ عبد الصمد شرف الدين بتحقيقه فأخرج المجلد الأول، فلو قدر له إكماله كان عملا رائعا لما للشيخ من الخبرة في مجال التحقيق. ٢= السنن الصغرى ( المجتبى) وهو كتاب عظيم اختصره النسائي من الكبرى في نصف حجمه في آخر حياته وهو أيضا كتاب عظيم حاز شهرة من (١) أخرجه النسائي في المجتبى في الوصية باب فضل الصدقة عن الميت (٢٥١/٦ ح ٣٦٥١) ٣٧ بين كتب السنة وقد طبع عدة طبعات بتحقيقات متنوعة وأشهر تلك الطبعات تداولا طبعة دار البشائر الإسلامية باعتناء الشيخ أبي غدة ٣= خصائص على بن أبي طالب، أو فضائل علي بن أبي طالب لعبه . ٤ = التفسير ٥= الجمعة ٦= فضائل الصحابة، أو مناقب الصحابة ٧= فضائل القرآن . ٨= عمل اليوم والليلة. فكل هذه الكتب الستة ألفها النسائي في أول الأمر استقلالا ثم ضمها في الأخير إلى سننه الكبرى، ولذا انفرد بعض الرواة عنه ببعضها عن بقية الرواة كما سبق التنبيه عليه في مبحث روايات الكتاب، وكلها موجودة حاليا في السنن الكبرى. ولهذا انتقد ابن حجر على المزي في إفراده رمزا لبعض هذه الكتب في تهذيب الكمال مما يشعر أنها كتب مستقلة فقال ابن حجر: « وأفرد ( أي المزي ) عمل اليوم والليلة للنسائي عن السنن وهو من جملة كتاب السنن في رواية ابن الأحمر، وابن سيار وكذلك أفرد خصائص علي وهو من جملة المناقب في رواية ابن سيار ولم يفرد التفسير وهو من رواية حمزة وحده ولا كتاب الملائكة والاستعاذة والطب وغير ذلك، وقد تفرد بذلك راو دون راو عن النسائي فما تبين لي وجه إفراده الخصائص وعمل اليوم والليلة»(١) (١) تهذيب التهذيب = المقدمة (٧/١ ) ٣٨ وبعض هذه الكتب قد طبعت مستقلة عن الكبرى كعمل اليوم والليلة وكتاب الجمعة وكتاب التفسير . ٩= مسند حديث سفيان بن سعيد الثوري. ١٠= مسند حديث شعبة بن الحجاج. ١١= مسند حديث ابن جريج. ١٢= مسند حديث يحيى بن سعيد القطان. ١٣= مسند حديث فضيل بن عياض وداود الطائي، وفضيل بن مهلهل السعدي. ١٤= ومسند حديث الزهري بعلله والكلام عليه. ١٥= مسند حديث شعبة وسفيان الثوري مما رواه شعبة ولم يروه سفيان ورواه سفيان ولم يروه شعبة من الحديث أو الرجال وهو كتاب الإغراب. فهذه الكتب الستة ذكرها ابن خير الإِشبيلي في فهرسته وذكر أسلنيده التي يروي بها هذه الكتب عن النسائي رحمه الله تعالى (١) . ١٦= كتاب الضعفاء والمتروكين طبع عدة مرات منها طبعة مؤسسة الكتب الثقافية بتحقيق كمال الحوت وبوران الضناوي. (١) انظر في فهرسته من صفحة (١٤٥ - ١٤٨) وقد ذكر بعض هذه الكتب غيره من المصنفين في مواضع من كتبهم ، وإنما اخترته دون غيره لأنه وثق نسبتها إلى النسائي بذكره أسانيده التي يروي بها هذه الكتب إلى النسائي. ٣٥ ١٧ = الطبقات. ١٨= تسمية فقهاء الأمصار. ١٩= تسمية من لم يرو عنه غير رجل واحد. فهذه الكتب الثلاثة مطبوعة ضمن رسائل في علوم الحديث للإمام النسائي والخطيب البغدادي طبعة دار الخاني بتحقيق وتخريج نصر أبو عطاء . ٢٠= الكنى قال الذهبي وهو كتاب حافل (١) . ٢١= ذكر من حدث عنه ابن أبي عروبة ولم يسمع منه (٢) ٢٢= مسند منصور بن زادان الواسطي(٣) ٢٣ - التمييز (٤) ٢٤ = الجرح والتعديل (٥) ٢٥= الرجال (٦) ٢٦= كتاب معرفة الإخوة والأخوات (٧) ٢٧ = أسامي شيوخه (٨). (١) السير (١٣٣/١٤) وتدريب الراوي (٣٦٤/٢) وفهرسة ابن خير (ص ٢١٤) (٢) توجد منه نسخة في سراي أحمد برقم (٣/٦٣٤) (٣) تدريب الراوي (٣٦٤/٢) (٤) تدريب الراوي (٣٦٤/٢) (٥) تهذيب التهذيب في ترجمة أبان بن عبد الله بن أبي حازم (٩٧/١) (٦) توجد منه نسخة في المتحف البريطاني برقم (٣٩٠) (٧) علوم الحديث لابن الصلاح (٢٩٣) ٨) تهذيب التهذيب ٢٥/١، ٢٨، ٤٤، ٤٠ ٢٨= شيوخ الزهري (١). ٢٩= المناسك قال ابن الأثير ألفه على مذهب الإمام الشافعي (١) هذا ما وقفت عليه من أسماء كتبه في ترجمته وما ذكره أهل العلم وأنا أظن أن للنسائي غيرها من الكتب ويحتاج إلى التنقيب والبحث عنها في المكتبات العامة والخاصة. (١)التلخيص لا بن حجر (١/ ( (٢) مقدمة جامع الأصول ( ١٩٥/١) ٤١ رَقعُ عبد الرّحمع التجري أسس البي الفرد في www.moswarat.com الفصل الثاني: دراسة الكتاب، وتشمل المباحث التالية: المبحث الأول : تحقيق اسم الكتاب: اشتهر کتاب النسائي المتحدث عنه باسمین هو بهما مشهور. أولهما المجتبى(١)، وهذه التسمية من المؤلف - رحمه الله ــ يدل عليه ما جاء في كتاب القسامة من المجتبى (٦٢/٨) في قول النسائي باب ما جاء في كتاب القصاص من المجتبى مما ليس في السنن (أي الكبرى) تأويل قول الله عز وجل ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها (٢)﴾ (٣) وهذا صريح في أن تسمية الكتاب بالمجتبى من النسائي - رحمه الله تعالى - ومما يؤكد ذلك أن الباب المشار إليه ليس له ذكر في الكبرى، ولذا حين أتى المحققان للكبرى إلى هذا الموضع أخذا هذا الباب بكامله من المجتبى، ووضعله في الكبرى، وأشارا في الهامش إلى ذلك (٤). ومما يدل أيضا على أن اسم الكتاب هو المجتبى ما جاء في النسخة الهندية حيث كتب على غلافها كتاب المجتبى للإمام النسائي. (١) المجتبى من الاجتباء وهو الاصطفاء والاختيار وهذه التسمية تنطبق على الكتاب من حيث الواقع لأن المؤلف اصطفاه واختاره من سننه الكبرى. وورد في بعض المصادر كالسير للذهبي (١٣١/١٤) المجتنى بالنون من جنى إذا اجتنى الثمرة واقتطفها وصح ذلك لأنه اقتطف هذه الأحاديث من السنن الكبرى. (٢) سورة النساء الآية (٩٣) (٣) (٣) انظر الكبرى (٢٤٩/٤). (٤) انظر الكبرى (٢٤٩/٤) ٤٢ بل وأصرح من ذلك أنه جاء في الهندية « كتاب الحيض والاستحاضة من المجتبى(١) » أي أن كتاب الحيض والاستحاضة مما تنفرد به المجتبى عن الكبرى، وهو كذلك، فهذا الكتاب ليس له ذكر في الكبرى على الأقل في الرواية التي اعتمدها المحققان للكبرى، وأن الأبواب التي ذكرت تحت ذلك العنوان من باب = ( ١ إلى باب ١٧ ) هذه الأبواب كلها زائدة على ما في السنن الكبرى . وقد سماه غير واحد من أهل العلم هذه السنن بالمجتبى منهم: ١= أبو علي الغساني قال: «كتاب الأيمان والصلح (٢) ليسا من الكبرى إنما هو من المجتبى في السنن المسندة لأبي عبد الرحمن ... )»(٣) ٢= ابن الأثير صاحب جامع الأصول حيث قال: « ... فصنع المجتبى فهو المجتبى من السنن (٤)» ٣= الذهبي فقد قال: « سمعت المجتبى من السنن كله من طريق أبي زرعة المقدسي»(٥) وإن كان الذهبي يرى أن المجتبى من عمل ابن السني لكنه يتفق مع الجماعة في تسميته بالمجتبى. (١) انظر المجتى النسخة الهندية. (٢) وكتاب الصلح ليس له وجود في المجتبى وإنما انفرد بالرواية به عن النسائي (٣) فهرسة ابن خير الإشبيلي ( ١١٢) (٤=) جامع الأصول - المقدمة (١٩٧/١) (٥) التذكرة (٧٠١/٢) وبنحوه في السير (١٣١/١٤) ٤٣ ثانيهما الذي اشتهر به كتاب النسائي هذا هو السنن الصغرى، وقد أطلق عليه غير واحد من أهل العلم باسم الصغرى منهم السيوطي قال: «له من المصنفات السنن الكبرى والصغرى، وهي من الكتب الستة» (١) وبمثل قول النسائي قال ابن العماد الحنبلي (٢). ويقول عمر رضا كحالة: «من تصانيفه السنن الكبرى والصغرى »(٣) وقال الكتانيّ: «والمراد بالسنن هي الصغرى عند الإطلاق »(٤). قلت: لا تعارض بين الاسمين لأن من أطلق على المجتبى بهاسم الصغرى ليس ذلك من باب التسمية إنما هو من باب وصفها بذلك لأنها صغرى بالنسبة لسننه الكبرى فالصغرى إذًا وصفٌّ مأخوذ من واقع الكتاب باعتبار أصله، وأما الاسم الحقيقي فهو المجتبى. المبحث الثاني: تحقيق مُن المختصر للكتاب هل هو النسائي نفسه، أو تلميذه ابن السني ؟. والذي عليه الجمهور من أهل العلم قديما وحديثا أن المجتبى من عمل النسائي فهو الذي اختصره من سننه الكبرى، وليس لابن السني فيه إلا روايته لها، والأدلة على ذلك كثيرة منها: (١) حسن المحاضرة (ص ٣٤٩) (٢) شذرات الذهب (٢٤٠/١) (٣) معجم المؤلفين (١٥١/١) (٤) الرسالة المستطرفة (ص ١٢) ٤٤ ١- أن جميع الأدلة التي سبقت في مبحث نسبة الكتاب لمؤلفه النسائي هي أدلة في هذا المبحث لأنه إن ثبت الكتاب ( المجتبى ) له ثبت أن يكون هو المختصر لتلازم الأمرين. ٣- وقع التصريح من ابن السني نفسه أنه سمع المجتبى من لفظ النسائي رحمه الله في غير موضع من المجتبى، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر قوله في أول كتاب الإيمان وشرائعه باب ذكر أفضل الأعمال (٩٣/٨ ح ٤٩٨٥) حدثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب من لفظه. وهذا في نظري من أقوى الأدلة وذلك أن كتاب الإيمان وشرائعه من الكتب التي انفردت بها المحتى عن الكبرى، فكونه يقول: سمعت من لفظ النسائي لا يحتمل إلا أن يكون من عمل النسائي. ومن ذلك أيضا قول ابن السني في أول كتاب الصيد الذبائح (١٧٩/٧ ح ٤٢٦٣) «أخبرنا الإمام أبو عبد الرحمن النسائي بمصر قراءة عليه، وأنا أسمع عن سويد بن نصر ... » ٢= قد صرح غير واحد من أهل العلم بأن المجتبى اختصار من النسائي رحمه الله ومنهم: ١= أبو علي الغساني فكان من كلامه « ... إنما هو من المجتبى في السنن المسندة لأبي عبد الرحمن النسائي اختصره من كتابه الكبير » (١) (١) فهرة ابن خير الدين الإشبيلي (ص ١١٧) ٤٥ ب= ابن الأثير فقال وهو يتحدث عن المجتبى: « ... فصنع المجتبى فهو المجتبى من السنن ترك كل حديث أورده في السنن مما تكلم في إسناده» (١) ج= ابن كثير فمن قوله في ذلك « وجمع ( النسائي) السنن الكبرى وانتخب منه ما هو أقل حجما منه بمرات وقد وقع لي سماعها » (٢). ٤- إن من ألف في أطراف الأربعة كابن عساكر أوالستة كالمزي أدخلا كل أحاديث المجتبى والكبرى في أطراف الكتب الأربعة أو الستة، مع أن في كل من الكتابين ما ليس في الكتاب الآخر من الكتب، والأبواب، والأحاديث، وقد نسب الأئمة كابن عساكر والمزي وغيرهما كل ذلك للإمام النسائي، فلو كانت المجتبى من عمل ابن السني لما جاز نسبتها للإمام النسائي كما هي العادة في مثل ذلك، وخير شاهد على هذا أن كتب سؤالات التلاميذ لشيوخهم نسبت للتلاميذ لا للشيوخ مع أن جميع ما فيها بلفظه من الشيخ، ومع ذلك لم تنسب إليهم، فكيف يعقل إذا أن ينسب المجتبى للنسائي إذا كانت من عمل ابن السني . وكذلك كل من ألف في رجال الستة كالمزي والذهبي وابن حجر وغيرهم أدخلوا في تهذيبا تهم كل رجال المجتبى والكبرى مع أن في كل من الكتابين من الرواة من ليس لهم رواية في الكتاب الآخر، مع أن هؤلاء الأئمة اعتبروا رجال الكتابين جميعا من رجال النسائي الذين روى لهم ، وهذا يعني أنهم يرون أن الكتابين كليهما له. (١) مقدمة جامع الأصول (١٩٧/١) (٢) البداية والنهاية (١٣١/١١) ٤٦ ٥= إن كل من وقع له سماع بالمجتبى من المشايخ انتهى بهم الإسناد إلى الإمام النسائي وذلك دليل على أن صاحب الكتاب هو النسائي، وإلا لتوقف إسنادهم عند ابن السني إن كان هو المختصر لها. ومنهم على سبيل المثال ابن الأثير فقد قال في مقدمة جامع الأصول « وأما كتاب النسائي فأخبرنا بجميعه ... إلى أن قال أخبرنا الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن إسحاق بن السني قراءة عليه بالدينور حدثنا الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي بكتاب السنن جميعه .. »(١) والمقصود بكتاب السنن عند ابن الأثير هنا هو المجتبى قطعاً لأن ابن الأثير إنما أدخل في كتابه من ضمن الكتب الستة المجتبى لا الكبرى باتفاق، وعليه فالكتاب المتحدث عنه الذي ذكر إسناده إليه إنما هو المجتبى، وأنت قد رأيت في إسناد ابن الأثير أن ابن السني اعترف أنه سمع جميع المجتبى من النسائي. ٦= ومن الأدلة كذلك أيضا أن في المجتبى أحاديث ليست في الكبرى فإن كان ابن السني هو المختصر لها فمن أين له هذه الزيادات الكثيرة؟ فإن كان النسائي هو الذي حدثه خارج سننه الكبرى، فيجب عليه - والحالة هذه - أن يذكر اسم النسائي في كل حديث زائد ليكون الإسناد به متصلا، ثم كان لزاما عليه أن يبين ذلك في مقدمة الكتاب. وإن كان الذي حدثه غير النسائي وزاد ابن السني هذه الأحاديث من عنده، فهذا فيه تهمة لابن السني بوضع أحاديث في الكتاب، وهذا بلا شك مما لا يتصور وقوعه من الإمام ابن السني المتفق على عدالته وإمامته. (١) (١٩٧/١) ٤٧ وبمجموع ما ذُكر يحصل به المقصود ويثبت بلاريب أن المجتبى للنسائي تسمية وتأليفاً. وهناك فريق آخر من العلماء يرى أن المجتبى اختصار من ابن السني - رحمه الله تعالى - وفي مقدمة هؤلاء الإمام الذهبي فقد ذكر في غير موضع من كتبه أن المجتبى من اختصار ابن السني، فقال في السير « ... بل المجتبى اختيار ابن السني(١) » وقال في التذكرة في ترجمة ابن السني « كان ابن السني ديّنا خـيِّراً صدوقا اختصر السنن، وسماه المجتبى (٢)». وتبعه على ذلك تاج الدين السبكي فقال في ترجمة ابن السني << ... صنف في القناعة وفي عمل اليوم والليلة واختصر سنن النسائي» (٣) وبمثل ذلك قال ابن ناصر الدين فقد نقل عنه ابن العماد أنه قال: «ابن السني اختصر سنن النسائي وسماه المجتبى » (٤) *الرد على الذهبي إن الذي ذهب إليه الذهبي من القول بأن ابن السني هو المختصر للمجتبى من الكبرى لاأعلم له في ذلك سلفا، ثم إنه لم يذكر لقوله دليلا يعتمد عليه، ومع ذلك خالفه فيما ذهب إليه من هو أعلم بالسنن منه وهو شيخه المزي، فهو (١) السير (١٣١/١٤) (٢) (٩٦/٣) (٣) طبقات الشافعية ( ٩٦/٣) (٤) شذرات الذهب (٥٠/٣) ٤٨ مع تبحره في الحديث وعلومه كان له مزيد اختصاص بكتب الستة فقد عمل كتاباً في أطرافها وآخر في رجالها، لم يوجد لهما مثيل. بل إن الذهبي حين ذكر إسناده إلى المجتبى انتهى به إلى النسائي فقد قال: «والذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتبى منه انتخاب أبي بكر بن السني سمعته ملفقاً من جماعة من ابن باقا ... إلى أن قال: أخبرنا القاضي أحمد بن الحسن الكسار حدثنا ابن السني عنه» (١) وقوله بعد ابن السني « عنه» يعني به النسائي فتبين من هذا أن المختصر له هو ابن السني. والذي يظهر لي أن الإشكال سببه أن ابن السني تفرد برواية المجتبى عن النسائي عن بقية الرواة كما سيأتي توضيحه فظن بعضهم أنه هو المختصر لها. يقول الشيخ عبد الصمد شرف الدين « وللذهبي نوع عذر في هذا الاعتقاد إذ إنه لم يطلع قط في عمره على كتاب السنن دون مختصره «المجتبى» ومن جهل شيئا تحرص فيه»(١) قلت: فقول الشيخ « ومن جهل شيئا تخرص فيه » في غير محله لأن الذهبي حكم على المجتبى، وقد علم بها ورواها بإسناده، فلو کان قوله في الكبرى التي مارآها لانطبق عليه قوله ((ومن جهل) إلخ، ولكن قد يقال: إن الذهبي لو رأى السنن الكبرى لعلم أن المجتبى من عمل النسائي لما فيها من زيادات كثيرة للأحاديث وإضافات علمية ليست في الكبرى . والغريب أنه كيف لم تقع السنن الكبرى للإمام الذهبي مع وجودها عند أقرب الناس إليه وهو شيخه المزي فقد عمل في أطرافها مع بقية الكتب الستة. (١) مقدمة تحقيقه للسنن الكبرى (٢٠/١) ٤٩ وأما تاج الدين السبكي وابن ناصر الدين فالظاهر أنهما قلدا فيما ذهبا إليه الإمام الذهبي ولم يكن لهما كبير اعتناء في هذا الشأن. والخلاصة: أن المجتبى من عمل النسائي لتوفر الأدلة وهو الذي عليه جمهور أهل العلم. وقد رجح هذا القول السخاوي وهو ممن له عناية بسنن النسائي حيث عمل كتابين في ختمها فقال بعد أن ذكر قول من قال إن النسائي هو الذي اختصره : « وهو أصح مما قاله غيره إن المجرد هو أحد رواته الحافظ أبو بكر بن السني » (١). وإلى هذا ذهب إليه الشيخ عبد الصمد شرف الدين في مقدمة تحقيقه السنن الكبرى وفاروق حمادة في مقدمة تحقيقه لعمل اليوم والليلة للنسائي المبحث الثالث: ما المراد بسنن النسائي عند الإطلاق والخلاف في ذلك. والذي ظهر لي من تتبع أقوال العلم في هذا الموضوع أن إطلاق السنن وإرادة أحدهما أمر نسبي، فقد يشتهر عند قوم أحد الكتابين فيريد به عند الإطلاق، وإن ادعى بعض أهل العلم بان المراد بسننه عند الإطلاق هو المجتبى، ولکن لایسلم لهم بذلك كما سيأتي. وقد عرَّف غير واحد من أهل العلم النسائي بأنه صاحب السنن، ولم يبينوا مرادهم بذلك مع علمهم بأن له كتابين بهذا الاسم. قال أبو يعلى: «وكتابه في السنن مرضي» (٢). (١) بغية الراغب (ص ٥٣) (٢) الإِرشاد (٤٣٦/١) ٥ وقال المزي: «صاحب كتاب السنن وغيرها من المصنفات المشهورة »(١) وقال الذهبي: «صاحب السنن»(٢) وقال ابن كثير: «أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن »(٣) وقال ابن حجر: أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن (٤) وقال تقي الدين الفاسي: « ... أحد الأعلام مؤلف السنن »(٥) ، وقال ابن قاضي شهبة: أبو عبد الرحمن النسائي مصنف السنن (٦) . وقال ابن تغري بردي: أبو عبد الرحمن النسائي مصنف السنن وغيرها من التصانيف (٧). وقال السخاوي: « ... الكتاب الحسن الواضح الجلي الملقب بالسنن للنسائي(٨) » هكذا أطلق هؤلاء الأعلام لفظ السنن دون تحديد مرادهم بالسنن هل هي الصغرى أم الكبرى، ويتبادر إلى ذهني أن مرادهم بذلك السنن الكبرى لأنها أصل التأليف ومادة المجتبى وهي المشهورة عنه فقد رواها عنه عشرات من (١) تهذيب الكمال (٣٢٨/١) (٢) السير (١٢٥/١٤) (٣) البداية (١٣١/١١) (٤) تهذيب التهذيب (٣٢/١) (٥) العقد الثمين (٤٥/٣) (٦) الطبقات (٨٨/١) (٧) النجوم الزاهرة (١٨٨/٣) (٨) بغية الراغب( ص ٢٦) ٥١ العلماء في حياته، وكتب لها الانتشار في المغرب والمشرق بخلاف الصغرى فإنها ألفت في آخر حياته، ولم يرو عنه إلا ابن السني. ويرى فريق من العلماء بأنه إذا أطلق سنن النسائي إنما يراد بذلك الصغرى ومن هؤلاء العلماء: ١= تاج الدين السبكي فقد قال: « سنن النسائي التي هي إحدى الكتب الستة هو الصغرى لا الكبرى، وهي التي يخرجون عليها الرجال، ويعملون الأطراف» (١). ٢= السيوطي قال: « له من المصنفات السنن الكبرى، والصغرى، وهي إحدى الكتب الستة» (٢). ٣= أبو الطيب صديق حسن خان حيث قال: « وإذا أطلق أهل الحديث على أن النسائي روى حديثا فإنما يريدون المجتبى لا السنن الكبرى، وهي إحدى الكتب الستة» (٣). ٤= الكتاني فقد قال: « والمراد بها ( السنن) الصغرى، فهي المعدودة من الأمهات، وهي التي خرج عليها الأطراف، والرجال دون الكبرى خلافا لمن قال: إنها ( أي الكبرى) المرادة» (٤). (١) نقله عنه السيوطي في مقدمة زهر الربى (٥/١) (٢) حسن المحاضرة (ص ٣٥٠) (٣) الحطة (ص ٣٩٦) (٤) الرسالة المستطرفة (ص ١٢) ٥٢ هذا ما وقفت عليه ممن قال بهذا القول ودليلهم فيما ذهبوا إليه أن الصغرى هي التي يخرجون عليها الأطراف والرجال. وقولهم وهي التي يخرجون عليها الرجال والأطراف بعيدٌ عن الصواب كل البعد، والواقع يأباه، وذلك أن أول من عمل الأطراف للسنن الأربعة هو ابن عساكر الدمشقي فيما أعلم وقد أدخل في أطرافه الكبرى، والصغرى لدليل أن المزي يستدرك عليه بعض الأحاديث في الكبرى وخاصة برواية حمزة الكتاني، ثم تبعه المزي فعمل الأطراف في الكتب الستة، فأدخل فيه الصغرى والكبرى باتفاق. وأما الكتب التي ألفت في رجال الأئمة الستة فكثيرة، ومعظمها بين أيدينا، فهذا تهذيب الكمال للإمام المزي ومختصراته للذهبي وابن حجر وغيرهم وفيها جميع رجال السنن الصغرى والكبرى بلاخلاف، بل إن النسائي تفرد بالرواية في الكبرى عن (١١٢) شيخاً من شيوخه ليست لهم رواية في الصغرى ومع ذلك فهم مذ كورون في تهذيب الكمال ومختصراته. وبعد هذا فلايصح أن يقال: إن المراد بالسنن عند الإطلاق الصغرى لا الكبرى، ولهذا سكت المزي وابن كثير وابن حجر عن الخوض في هذا المسألة وهم أعرف بسنن النسائي الصغرى والكبرى من هؤلاء. صحيح أن الابن الأثير حين جمع الأصول الستة أدخل فيها المجتبى دون الكبرى، وما ذلك إلا أنه لم يقع له سماع بالكبرى وإلا لأدخلها في كتابه كما فعله غيره. ٥٣ قال الشيخ عبد الصمد « ولم يسمع هو ( ابن الأثير ) الكبرى أيضا کالذهبي » (١). ثم إن السبكي خالف قوله في المبحث السابق : « إن المجتبى اختصره ابن السني )) ثم يقول هنا: والمراد بسنن النسائي عند الإطلاق المجتبى، وهي ليست من عمله على قوله، ومن جاء بعد السبكي قلده في ذلك، ولم يأت بدليل يمكن الاعتماد عليه. ومهما يكن فالأمر في هذا سهل فلايترتب عليه كبير فرق مع العلم أن السنن الكبرى قد فُقدت في الأزمان المتأخرة ولم يعثر عليها إلا قبل سنوات بحمد الله. المبحث الرابع: روايات الكتاب* فهذا الكتاب المتحدث عنه وهو كتاب «المجتبى» للنسائي تفرد بالرواية عنه أبو بكر بن السني وتفرد به عن ابن السن القاضي أبو الحسن ابن الكسار، وتفرد به عنه الدوني وعنه انتشرت المجتبى من طريقه في المشرق. والقصد من هذا أنه ليس للمجتى روايات متعددة يكون بينها فروق كما هو الحال بالنسبة للكبرى ولكني أنبه على أمور منها: (١) مقدمة السنن الكبرى (٢٠/١) * هذا المبحث وضعته في بداية الأمر حين تقدمت بالخطة للقسم ظنا مني أن للمحتى أكثر من راو عن النسائي ، وبالتالي بكون بين رواياتهم فروق تتطلب التنبيه عليها ولكن تبين لي حين الشروع أن ابن السني تفرد بها عن المؤلف، وعليه فليس هناك فروق بين الروايات بالنسبة للمجتبى. ٥٤ أولا: وقت سماع ابن السني للمجتبى وقد تقدم في المبحث الثاني أن ابن السني صرح بالسماع للمجتى عن النسائي بمصر قراءة عليه، وهو يسمع. وكان سماعه منه بمصر سنة اثنتين وثلاثمائة، وممن صرح بذلك أبو بكر بن نقطة في ترجمة ابن السني فقال: « إنه حدث بالسنن عن النسائي، وقد كان سماعه منه بمصر سنة اثنتين وثلاثمائة»(١) وعنه نقله السخاوي وارتضاه (٢). قلت: وهذا عندي هو السر في تفرد ابن السني برواية المجتبى عن النسائي حتى ظن بعض العلماء أنه المختصر، وذلك أن النسائي اجتباه من الكبرى قبيل خروجه من مصر، فلم يتمكن من السماع منه إلا ابن السني لقربه وملازمته له، وقد توفي النسائي عقب خروجه من مصر في بداية سنة (٣٠٣) كما تقدم في مبحث وفاته. ثانيا: ترجمة الرواة للمجتبى المتفردين بها باختصار، وتفرد بالمجتبى عن النسائي ابن السني وتفرد بها عنه أبو نصر بن الكسار وتفرد بها عن ابن الكسار عبد الرحمن بن حمد الدوني وعنه انتشرت، وهذه ترجمة موجزة لهؤلاء المتفردين بالمجتبى : ١= الراوي عن النسائي المتفرد بها عنه هو الحافظ الثقة أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم أبو بكر الدينوري مولى جعفر بن أبي طالب الهاشمي مولاهم المعروف بابن السني روى عن النسائي كثيرا وعن أبي خليفة الجمحي (١) التقييد (١٩٤/١) (٢) بغية الراغب (ص ٥٢) ٥٥ وخلق كثير، وعنه أحمد بن الحسين الكسار وأحمد بن عبد الله البغوي، ويحيى بن صاعد في آخرين، وحدث بالسنن عنه أبو نصر الكسار. قال أبو يعلى: حافظ ثقة عارف صاحب تصانيف في الأبواب له في فقه الشافعي معرفة وعلمٌ، وقال الحافظ عبد الغني: كان حمزة الكناني يُرفع بابن السني، وقال الذهبي: حافظ ثقة توفي في يوم الأربعاء العاشر من شوال سنة (٣٦٤) (١) . ٢= ابن الكسار = هو أحمد بن الحسين بن محمد بن عبد الله الإمام أبو نصر الدينوري قال ابن نقطة: حدث بالسنن لأبي عبد الرحمن النسائي عن ابن السني وكان سماعه منه في جمادى الأولى سنة ٣٦٣ وحدث عنه أبو محمد عبد الرحمن الدوني، وسماعه منه في شوال سنة ثلاث وستين وأربعمائة وقال الذهبي: كان الكسار صدوقا صحيح السماع ذا علم وجلالة توفي سنة ٤٣٣ (٢) ٣= الدوني وهو عبد الرحمن بن حمد بن الحسن بن عبد الرحمن أبو محمد الصوفي قال ابن نقطة: سمع سنن النسائي من القاضي أبي نصر حمد بن الكسار وحدث عنه الحفاظ أبو بكر السمعاني، وأبو طاهر السلفي. (١) انظر مصادر ترجمته الإِرشاد في معرفة علماء الحديث (١٦٩/٢ التقييد (ص ١٦٩) السير (٢٥٥/١٦) وتذكرة الحفاظ. (٢) تاريخ بغداد ٣٢/٦ التقييد (ص ١٣٦) السير (٥١٤/١٧) ٥٦