النص المفهرس
صفحات 21-40
خاصة أوضح من أي شيء آخر ، ويروي المؤلف أن جده أبا بكر ابن . خلكان كان من تلامذة أبي اسحاق الشيرازي في الفقه ، وأنه أول شخص من الأسرة ذهب في هذا الاتجاه وتوفي سنة ٥٢٥ وقد ناهز التسعين من عمره ١. ومع ذلك فإن المصادر لم تذكر شيئاً عن ما أحرزه أبناء تلك الأسرة من شهرة علمية قبل ظهور أبناء ((ابراهيم بن أبي بكر)) وهو الجدّ المباشر للمؤلف، أي أن تلك الشهرة العلمية لا ترتفع إلى ما قبل القرن السادس الهجري : على أي حال . وقد عرفنا من أبناء ابراهيم أربعة هم : عبد الرحمن ونجم الدين أبو حفص عمر وأبو عبد اللّه أو أبو يحيى الحسين ركن الدين، وشهاب الدين محمد . أما عبد الرحمن فلم تترجم له المصادر وإنما ورد اسمه في ترجمة ابنه أحمد ٢ . وأما الفقيه نجم الدين أبو حفص عمر بن ابراهيم بن أبي بكر بن خلكان فانه كان مدرساً بالمدرسة المجاهدية باربل ، وكان مظفر الدين صاحب اربل ينفذه إلى مكة لتوزيع الصدقات ، والانفاق على قنوات أنشأها هنالك تحت جبل عرفات ليشرب منها الحجاج ، وغير ذلك من أمور البرّ ؛ ومن أساتذته ابن أبي الضيف التميمي ، وله اجازة من أبي أحمد عبد الوهاب بن علي وأبي الفرج ابن كليب الحراني وابن أبي الكرم البغدادي ، توفي باربل سنة ٦٠٩ ودفن بمقبرتها العامة ٣ . وأما الحسين بن ابراهيم بن أبي بكر بن خلكان؛ فكان فقيهاً عالماً عارفاً ١ مقدمة الجزء الرابع : ط . ٢ ابن الشعار ١: ٤٤٧ أحمد بن عبد الرحمن بن ابراهيم بن أبي بكر بن خلكان بن باوك ابن عبد اللّه بن شاكل، الاربلي الأصل، من أبناء الأكراد، ومن بيت فقه وعلم، شاب قصير يتزيا بزي الأجناد . أخبرني أنه ولد بالجزيرة العمرية يوم الخميس آخر النهار ثالث عشر ذي الحجة سنة تسع وتسعين وخمسمائة ، ولم يكن عنده ما عند أهله من الفقه ( ثم أورد له نموذجين من شعره) . ٣ تاريخ اربل : ٢٧٣ وانظر الاسنوي ١ : ٤٩٥ والسبكي ٥ : ١٣٠. ٤ تاريخ اربل : ٣٢٥ والاسنوي ١ : ٤٩٥ وذكر أن وفاته كانت سنة ٦٢٣ . 21 ٠.٠ ١٠،٠٠ ٠ بمذهب الشافعي كثير تلاوة القرآن ، له سمت حسن ووقار ، سمع من يحيى ابن محمود بن سعد المكي كتاب الحجة في بيان المحجة؛ وكتاب ((شرح مذهب السلف )) جمع أبي القاسم اسماعيل بن محمد بن الفضل ، وكان به مرض بقي عدة سنين ثم برأ منه ، وتوفي باربل سنة ٦٢٢ ودفن بالمقبرة العامة شرقي البلد . ورابع الاخوة شهاب الدين محمد هو والد أحمد الذي عرف من بعد بکتابه وفيات الأعيان ؛ ولد محمد في حدود سنة ٥٥٧ ورحل في طلب الحديث إلى الشام ومصر والحجاز والعراق ، وتفقه بالموصل ، وكان من أساتذته فيها عماد الدين ابن يونس بن منعة ، قرأ عليه - فيما قرأ - كتاب الوسيط للغزالي ، ويذكر حفيده موسى أنه رأى نسخة من هذا الكتاب عند والده أحمد وعليها خط ابن منعة بأن ( شهاب الدين ) قرأه عليه قراءة اتقان ومعرفة ١ وتفقه أيضاً ببغداد على ابن فضلان وعيّن معيداً بالمدرسة النظامية بعد مدة من تعيين ابن منعة في ذلك المنصب ، ثم عاد إلى الموصل وأقام فيها أربع عشرة سنة ، وفي خلال تجوّله في الطلب والاشتغال بالعلم كوّن صداقات كثيرة ، فكان من أصدقائه ابن الأثير المؤرخ وأخوه ضياء الدين وبهاء الدين المعروف بابن شدّاد وغيرهم ، وقد كانت هذه الصداقات مفيدة لابنائه من بعد وخاصة لابنه أحمد . وبعد الاقامة الطويلة بالموصل انتقل إلى إربل وأحرز مكانة عند صاحبها مظفر الدين كوكبوري وصار مشاراً إليه في الفتوى ومدرساً بالمدرسة المظفرية ، وفيها أدركته وفاته في ٢٢ شعبان سنة ٦١٠ هـ ٢ . وقد تزوج شهاب الدين امرأة من الموصل تدعى آمنة كان أبوها شيخاً للطائفة الحنفية بالموصل ولقبه شمس الدين ٣ ، وهي ترجع في نسبها إلى خلف بن أيوب صاحب الإمام أبي حنيفة ٤ . وقد رزق شهاب الدين من ١ الوفيات جـ ٤ : الحاشية رقم : ١ ٢ الاسنوي ١ : ٤٩٦ . ٣ مقدمة الجزء الرابع: ط ، وقد ترك موسى بياضاً بعد لفظة شمس الدين لذكر الاسم . ٤ مقدمة الجزء الرابع: ط والمنهل الصافي ؛ وخلف بن أيوب بلغي أيضاً ، قيل انه توني سنة ٢١٥ وقيل سنة ٢٢٠ (انظر الجواهر المضية ١ : ٢٣١ - ٢٣٢). 22 زوجته آمنة ثلاثة أولاد١ وهم : محمد الملقب ببهاء الدين ، وعيسى ضياء الدين ، وأحمد شمس الدين . أما محمد فقد ولد سنة ٦٠٣ وتوفي في ١٤ رجب سنة ٦٨٣ ببعلبك وهو يتولى قضاءها ، ودفن بتربة الشيخ الكبير عبد اللّه اليونيني ٢ . وقد ذكر المؤلف أخاه ضياء الدين عيسى في معرض حديثه عن الحاجري الشاعر ، وذكر أنه كانت بين الاثنين صداقة متينة ، ومن إشارته هذا عرفنا أيضاً أن ضياء الدين كان ما يزال باربل سنة ٦١٩ ٣ . ويشير المؤلف أيضاً إلى أنّ أحد هذين الأخوين كان قد سبقه إلى الهجرة من اربل ونزل حلب ، ليدرس فيها على علمائها ، ومنهم بهاء الدين المعروف بابن شداد ٤ ، ولكنه لم يبين أي الأخوين يعني ، ومن العسير الترجيح في ذلك . ٣ - سيرة حياته وكان أحمد أصغر الاخوة الثلاثة - على الأرجح - إذ أنه ولد بالمدرسة المظفرية التي كان أبوه يدرس فيها - بمدينة اربل - يوم الخميس بعد صلاة العصر حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة ٦٠٨ ° ولم يكن قد أكمل السنة الثانية من عمره حين فقد أباه ، ولكن ذلك الوالد كان حريصاً على أن يتجه ابنه في الطريق العلمية ، ولذلك استدعى له الاجازات من العلماء المشهورين في عصره - حسبما كان العرف جارياً يومئذ - فنال الطفل اجازة من زينب بنت الشعري كتبتها في بعض شهور سنة ٦١٠ ٦ ، وكانت هي قد تلقت العلم عن جماعة من أعيان العلماء رواية واجازة ، ومنهم عبد الغافر الفارسي ١ هؤلاء هم الذين ورد لهم ذكر في المصادر . ٢ عيون التواريخ ( الورقة: ١٢٩) حوادث سنة ٦٨٣، نسخة طويقبوسراي. ٣ الوفيات ٣ : ٥٠٢ . ٤ الوفيات ٧ : ٩٠ . ٥ الوفيات ٢ : ٣٤٤ مقدمة الجزء الرابع: ط وفيها ((وقت أذان العصر)) والمنهل الصافي. ٦ الوفيات ٢ : ٣٤٤ . 23 صاحب السياق والزمخشري ، وغيرهما ، فكان لأحمد من بعد حقّ الرواية لما روته عن أولئك الأعلام أو أجازوه لها . واستدعى له والده أيضاً اجازة أخرى من أبي الحسن المؤيد بن محمد رضي الدين النيسابوري فكتب إليه بالاجازة من خراسان في جمادى الآخرة سنة ٦١٠ أيضا١ً . ولقد كان من السهل أن تختلّ كل تلك الترتيبات التي اتخذها الوالد ، إذ يترك أولاداً صغاراً عاجزين لا عن متابعة العلم وحسب ، بل عن السعي في طلب الرزق ، لولا تلك الصداقة المتينة التي كانت تربط بين شهاب الدين وكوكبوري صاحب إربل ، فقد تولى رعاية أبناء صديقه بعد وفاته ، وإلى هذه الرعاية أشار المؤلف - من بعد - بقوله في ترجمة مظفر الدين: (( وليعذر الواقف على هذه الترجمة ففيها تطويل ، ولم يكن سببه إلا ما له علينا من الحقوق التي لا نقدر على القيام بشكر بعضها ولو عملنا مهما عملناه ، وشكر المنعم واجب ، فجزاه الله أحسن الجزاء ، فكم له علينا من الأيادي ولاسلافه على أسلافنا من الأنعام ، والإنسان صنيعة الاحسان)) ٢ . ولهذا استطاع أحمد أن ينصرف إلى طلب العلم في إربل ، وكان أحمد بن كمال الدين بن منعة قد خلف والده شهاب الدين في التدريس بالمظفرية سنة ٦١٠ ( وصل إليها في أوائل شوال من ذلك العام ) ، وكان شرف الدين ابن منعة من أوائل الأساتذة الذين تلقى أحمد العلم منهم ، إذ كان يحضر دروسه وهو صغير ، فما سمع أحداً يلقي الدروس مثله ، وكان لهذا الاستاذ أثر بالغ في نفس ذلك الفتى حينئذ، ولشدة تأثره به قال: (( ولقد كان من محاسن الوجود ، وما أذكره إلا وتصغر الدنيا في عينيّ)) ٣؛ ومع ذلك فانه لم ينس أن هذا الأستاذ العظيم في نفسه استعار من أسرته ( بني خلكان ) كتاب التنبيه ليشرحه ، فوجد على حواشي النسخة التي استعارها تعليقات كثيرة بخط الشيخ رضي ١ الوفيات ٥ : ٣٤٥ . ٢ الوفيات ٤ : ١٢٠ . ٣ الوفيات ١ : ١٠٩ . 24 الدين الجيلي الشافعي ، فلم يتورع عن نقل تلك الحواشي وإدراجها في شرحه واضافتها إلى نفسه ١ . وكان أكبر مجال ثقافي لأحمد بمدينة اربل - بعد المدرسة المظفرية - هو مجلس أبي البركات شرف الدين ابن المستوفي الذي لم يكن يدع أحداً من الفضلاء يصل اربل إلا ويبادر إلى اكرامه ، ولهذا كان منزله مألفاً لجميع الغرباء الذين يقصدون تلك المدينة . وقد شهد ياقوت بذلك حين قال وهو أحد من قصدها - (( ودخلتها فلم أر فيها من ينسب إلى فضل غير أبي البركات المبارك بن أحمد بن المبارك بن موهوب بن غنيمة بن غالب ، يعرف بابن المستوفي ، فانه متحقق بالأدب ، محب لأهله مفضل عليهم ... )) ٢ ووصفه ابن الشعار أحد من امتاحوا فضله بقوله: ((شمس إربل وبدرها وعالمها البارع وصدرها وفخر أماثلها وجمال فضائلها ... ربعه مقصد الوافدين وخباؤه كعبة القاصدين ، فهو من إسداء المعروف وسعة الانفاق ما سارت به الأمثال في أقطار الآ فاق ... ولم يزل في منزله ملازماً مطالعة الكتب والنسخ والتأليف إلى أن هجم التتار الملاعين على اربل )) ٣، فلا عجب إذا اتخذ أحمد دار ابن المستوفي محجته لطلب العلم ، فسمع منه كثيراً ، وسمع بسماعه على المشايخ الواردين على تلك المدينة ، فانه كان يعتمد القراءة بنفسه٤ ولم ينس وهو في حدود الحادية عشرة من عمره (٦١٨) حادثة الاعتداء على ذلك الرجل العالم ، ووثوب شخص عليه وطعنه بسكين قاصداً قتله٥ . وقد اختزنت ذاكرته من تلك الفترة باربل ذكريات مختلفة . منها حادثة رجلٍ حضر سماعاً قبل سنة ٦٢٠ والمغني فيه الشجاع بن جبريل ، فغنى الشجاع قصيدة لسبط ابن التعاويذي مطلعها : ١ الوفيات ١ : ١٠٩ . ٢ معجم البلدان : ( اربل ) . ٣ عقود الجمان ٦ : ٣٥ - ٣٧. ٤ الوفيات ٤ : ١٤٧ . ٥ المصدر السابق : ١٤٩ . 25 ٠ ١ سقاك سار من الوسمي هتان ولا رقت للغوادي فيك أجفان وكيف أن أحد الحاضرين وقع عندما سمع الغناء ، فظنه الناس مغمىً عليه ، وإذا هو قد فارق الحياة ١ ، وتلك كانت بداية تعرفه إلى شعر سبط ابن التعاويذي الذي أصبح فيما بعد نموذجاً للشعر الرائع في نظره ، وكذلك ظلّ يذكر ما كان يردده الناس من أن ابن عم لابن المستوفي نقل كتاب ((نصيحة الملوك)) للغزالي من الفارسية إلى العربية٢؛ وربما كان اهتمامه بذلك لأهمية المؤلف من ناحية ولجلالة ما أقدم عليه المترجم من ناحية أخرى . وهو يحدثنا أنه سمع في بعض شهور سنة ٦٢١ صحيح البخاري على أبي جعفر محمد بن هبة الله بن المكرم الصوفي البغدادي بحق سماعه من أبي الوقت السجزي٣ فابن المكرم الصوفي على هذا الاعتبار واحد من أساتذته في هذا الدور المبكر ، ولكنه يذكر أن ابن المكرم توفي في شهر المحرم من تلك السنة ( أي في أوائل العام المذكور ) ولعلّه سها هنا عن تدوين التاريخ بدقة ، وربما كان سماعه منه في شهور السنة السابقة ( ٦٢٠ ) . وفي سنة ٦٢٣ ورد ابن عنين الشاعر الدمشقي إلى مدينة اربل رسولاً من الملك المعظم شرف الدين عيسى صاحب دمشق ، ورآه أحمد ، ولكنه لم يأخذ عنه شيئاً ، وربما كان سبب ذلك قصر المدة التي قضاها ابن عنين بتلك المدينة ٤؛ وكان أحمد في هذه الأثناء كثير الترداد من اربل إلى الموصل ، حتى انه زار هذه المدينة الثانية أكثر من عشر مرات ، وكان نصر الله ابن الأثير مقيماً بالموصل ، وكان أحمد يعرف ما بينه وبين والده من صداقة ويحب لو يتاح له الاجتماع به في بعض سفراته ليأخذ عنه ، ولكن التوفيق لم يحالفه في ذلك ° ولعله حمد - في سره - ما قدّرته الظروف ، إذ لا ريب أنه كان يسمع عن ما يتمتع به ضياء الدين من خيلاء شديدة ، تحول دون أن يلقاه فىّ ناشىء ولو كان من أبناء أصدقائه . ١ الوفيات ١ : ٣١٧ - ٣١٨ . ٢ الوفيات ٤ : ١٥١ . ٣ الوفيات ٣ : ٢٢٦ . ٤ الوفيات ٥ : ١٥ . الوفيات ٥ : ٣٩١ . 26 وكان أحمد في تعطشه إلى العلم - في هذه الفترة الاربلية - لا يستطيع أن يعتمد كثيراً على ما تهيئه اربل وبيئتها المحلية من فرص ، ولذلك كان أكبر همه أن يلقى الوافدين إليها ويأخذ عنهم ، وقد أتيح له أن يلقى الشيخ جمال الدين ابن السنينيرة الشاعر ، فانه نزل عندهم بالمدرسة المظفرية ، وكان مجلسه مجمعاً لمحبي الأدب ، حيث تجري بينهم محاضرات ومذاكرات لطيفة١ ، كان من أثرها أن قوَّت الميل إلى الاتجاه الأدبي لدى الفتى أحمد ؛ وكان من الوافدين على اربل عام ٦٢٥ ( واستمرّ في العام الذي يليه ) الشيخ أثير الدين المفضل بن عمر الابهري صاحب التعليقة في الخلاف والزيج ، قادماً إليها من الموصل ، فنزل بدار الحديث ، فانتهز أحمد هذه الفرصة ، وأخذ يدرس عليه الخلاف . وذات يوم كان في حضرة أستاذه إذ دخل عليه بعض فقهاء بغداد ، وأخذا يتحدثان في شئون مختلفة ، ووصل الحديث بهما إلى كمال الدين ابن يونس فقال الأثير لمحدثه : لما حج الشيخ کمال الدین و دخل بغداد كنت هناك ؟ فقال نعم ، فقال : كيف كان اقبال الديوان العزيز عليه ؟ فقال ذلك الفقيه : ما أنصفوه على قدر استحقاقه ؛ فأبدى الأثير تعجبه من ذلك وقال : والله ما دخل إلى بغداد مثل الشيخ ، ودهش الفتى ابن خلكان لهذا القول وظن أستاذه يغالي في الثناء على كمال الدين فقال له : يا سيدنا كيف تقول هذا ؟ فأجابه أستاذه مطمئناً بقوله : يا ولدي ، ما دخل إلى بغداد مثل أبي حامد الغزالي ووالله ما بينه وبين الشيخ (كمال الدين ) نسبة٢. وكان من أبرز الوافدين إلى اربل أبو الخطاب ابن دحية ، ولما رأى هذا الحدث الأندلسي اهتمام مظفر الدين كوكبوري بالاحتفالات التي تقام كل عام بمناسبة المولد النبوي، ألف له كتاباً سمّاه ((التنوير في مولد السراج المنير )) ؛ وقد سرّ مظفر الدين بالكتاب ، وأخذ يقرؤه على الناس ، ليرووه عنه . وقد قرأه ابن خلكان على مظفر الدين في شهر شعبان سنة ٣٦٢٦ . ١ الوفيات ١ : ٢١٥ . ٢ الوفيات ٥ : ٣١٣ ٠ ٣ الوفيات ١ : ٢١١ - ٢١٢ . 27 ولكن لا نظن أن ابن خلكان أكن احتراماً كبيراً لابن دحية ، فقد كان في آخر كتابه قصيدة مطلعها : لولا الوشاة وهمُ أعداوْنا ما وهموا وقد ((أوهم)) ابن دحية أهل اربل أنها من نظمه ، ولكن حين اتسع اطلاع الفتى ابن خلکان وجدها في دیوان الأسعد ابن مماتي ، فصحّ لدیه ما كان ينسب لابن دحية من الكذب ، وان كان تحرجه المتأدب يمنعه من التصريح السافر بذلك ١ . كان أحمد قد تجاوز الثامنة عشرة بقليل حين عقد النية على أن يغادر اربل طلباً للعلم ، ولم يكن يقدّر وهو يرتحل عنها أنه لن يعود إليها من بعد ، وكان أحد أخويه في صحبته في تلك الرحلة ؛ وكان اعتماده - بعد التعاون المشترك بينه وبين أخيه في مواجهة ظروف الحياة - على شيئين : كتب توصية حملاها من صديق الأسرة ، حاكم اربل ، مظفر الدين كوكبوري ، ووفرة أصدقاء والدهما في المدن التي سيحلان فيها ؛ وتلقتهما الموصل ، وأخذ أحمد يتردد إلى خدمة كمال الدين موسى بن يونس بن منعة لما كان بينه وبين والده من المؤانسة والمودة الأكيدة ٢ ، وقد تردد إليه عدة مرات في شهر رمضان سنة ٦٢٦ ، بينا سبقه أخوه في طريقه إلى حلب ، ولكنه لم يستطع أن يتتلمذ عليه ، رغم إعجابه الشديد به ، إذ كانت حلب لا الموصل حينئذ هي مطمح أنظاره ، ولكنه أضمر في نفسه انه إن قدّر له أن يتزوج وأن يرزق ولداً، فانه سيسمي ذلك الولد ((موسى))، تيمناً باسم ذلك الأستاذ العظيم ، ذي المكانة الكبيرة في نفسه ٣ . ورغم أن إقامته في الموصل لم تطل فانه اجتمع فيها إلى بعض الأدباء ، ويدلّ تسجيله لبعض ما سمعه منهم في ١ الوفيات ١ : ٢١١ - ٢١٢ وقد تعقبه من بعد على نحو مباشر لأنه أخطأ فعد الوزير يحيى بن هبيرة من نسل الوالي الأموي عمر بن هبيرة (( ومثل ابن دحية لا يعذر فقد كان حافظاً ومطلعاً على أمور الناس)) (٦: ٢٤٣). ٢ الوفيات ٥ : ٣١١. ٣ الوفيات ٥ : ٣١٧ . 28 تلك الرحلة السريعة على شغفه ـ في دور مبكر - بتقييد كلّ ما يعتقد فيه فائدة علمية ١ ، وواصل سفره إلى حلب فمرّ في طريقه إليها بمدينة حرّان ( في شوال سنة ٦٢٦) وكان الملك الكامل الأيوبي هنالك ومعه العساكر المصرية وهو يكشف أحوال المدينة ويرتب أمورها ٢؛ وفي مستهل ذي القعدة من ذلك العام (٦٢٦) دخل مدينة حلب ٣ ، ومنذ حلوله في تلك المدينة تبدأ أخصب فترة في حياته من حيث تلقي العلم على الشيوخ المشهورين ، فقد كانت حلب بفضل القاضي بهاء الدين ابن شداد تشهد نشاطاً تعليمياً كبيراً ، ذلك أن هذا القاضي الذي كان صديقاً لصلاح الدين ، كان قد أصبح منذ سنة ٥٩١ قاضياً ومستشاراً للملك الظاهر ابن صلاح الدين ، فبدأ بفتح المدارس وتحبيس الوقوف عليها ، فعمر مدرسة قبالة المدرسة النورية (٦٠١ ) وبنى داراً للحديث ، وأصبحت المدينة بفضل جهوده مقصداً للفقهاء وطلاب العلم الذين كانوا يجدون المأوى والنفقة الجارية ٤ . وكان من حسن حظ أحمد وأخيه أن كان ابن شداد صديقاً لوالدهما منذ عهد الاشتغال بمدينة الموصل ، وكانا يحملان إليه كتاب توصية من كوكبوري جاء فيه (( أنت تعلم ما يلزم من أمر هذين الولدين ، وأنهما ولدا أخي وولدا أخيك، ولا حاجة مع هذا إلى تأكيد وصية)) °. ورعاية لحق الصداقة ومكانة الموصي ، تلقاهما ابن شداد بكل ترحيب وأنزلهما في مدرسته ، وقرّر لكل منهما مرتباً عالياً يساوي مرتب الطلبة الكبار ، رغم حداثة سنيهما . ولم يكن ابن شداد يقوم بمهمة التدريس في ذلك الوقت لكبر سنه ، وإنما كان قد رتب في مدرسته أربعة معيدين يشتغل الطلاب عليهم . فبدأ أحمد وأخوه يقرءان على بلديّهما ورفيق والدهما أيضاً الشيخ جمال الدين أبي بكر ١ انظر مثلا الوفيات ٧: ٩٨، ٤ : ١٦١ . ٢ الوفيات ٥ : ٨١، ٣٣٢. ٣ الوفيات ٦: ١٣٩، ٧ : ٤٨ . ٤ الوفيات ٧ : ٨٩ - ٩٠ . ٥ الوفيات ٧ : ٩٠ . ٣ - ٠٧ 29 الماهاني ، ولكن هذا الشيخ توفي بعد سنة من اقامتهما بحلب ، فأخذ أحمد يتردد إلى الشيخ أبي عبد الله ابن الخباز الموصلي الفقيه، وهو إذ ذاك يدرّس بالمدرسة السيفية، فقرأ عليه كتاب ((الوجيز)) للغزالي وبلغ فيه حتى ((باب الاقرار ))١، وبالجملة قرأ عليه صدراً صالحاً من فقه الامام الشافعي وتميز فیما قرأ عليه٢ . وفي أثناء ذلك كان ابن شداد يعقد مجالس الحديث في داره ، وخاصة تلك المجالس التي كان يعقدها عقب صلاة الجمعة ، وكان رجلاً حسن المحاضرة ، تجري في مجالسه الفوائد الكثيرة ، إلا أن الكبر كان قد أوهنه بحيث أصبح ((كفرخ الطائر من الضعف)) وأخذ جسمه يعجز عن تحمل البرد ، فکان دائماً يجعل في غرفته منقلاً كبيراً تؤجج فیه النار ، وقد تدثر بالثياب الثقيلة، والطلاب من حوله في كرب وضيق لشدة الحرّ ٣؛ وإذا كان أحمد لم يدرك ابن شداد في السن التي يمكنه فيها أن يفيد منه فائدة كبيرة ، فانه أفاد كثيراً من مجلسه الحافل بشتى أنواع الفوائد ، وفي ذلك المجلس تعرّف إلى عدد كبير من علماء المدينة وأدبائها ، وتعرف إلى عدد آخر من طلاب العلم ، وانعقدت بينه وبين بعضهم صداقات متينة . وكان الأساتذة المذكورون قادرين على تخريج الطلاب في علوم الفقه والحديث ، ولكن حرص ابن خلكان على دراسة اللغة والنحو جعله يتجه إلى أستاذ آخر ، كان يعد في عصره شيخ الجماعة في الأدب ، وذلك هو موفق الدين ابن يعيش ، وكان يقرىء بعد العصر بجامع حلب في المقصورة الشمالية منه ، وبين الصلاتين بالمدرسة الرواحية ، وكان قد التف حوله جماعة من الطلبة المتميزين لا يفارقون دروسه ، فأخذ أحمد في القراءة عليه ، وابتدأ بكتاب اللمع لابن جني ، أواخر سنة ٦٢٧ ، ولكنه أكمل الكتاب على غيره لأسباب اقتضت ذلك . وفي الوقت نفسه كان يستمع لدروس من يحضر ١ المصدر السابق . ٢٠ عقود الجمان ١ : ٤٥٥ ٣ الوفيات ٧ : ٩١ 30 عنده ، وقد أعجبته في ذلك الأستاذ خفة روحه ، وصبره الطويل في التفهيم ، للمبتدئين والمنتهين على السواء ، وسجل من نوادره وظرفه صوراً حية عندما ١ ترجم ومنذ أن حلّ ابن خلكان مدينة حلب ، جعل همّه أن يلقى المؤرخ عز الدين ابن الأثير ، وكان حينئذ يقيم في تلك المدينة في صورة الضيف عند الطواشي شهاب الدين طغريل الخادم أتابك الملك العزيز صاحب حلب ، وجعل يتردد إليه طوال إقامته في تلك المدينة ، وابن الأثير يرعاه رعاية خاصة ، لعلاقة وثيقة كانت بينه وبين والده، وانقطع تردده إليه حين سافر ابن الأثير إلى دمشق سنة ٦٢٨ ، فلما عاد إليها ، عاد ابن خلكان يلازمه غير أنه لم يقم طويلاً وسافر إلى الموصل ٢ ، ومن هذه العلاقة على قصرها نجده يتحدث عن ابن الأثير بكثير من الاجلال ، ويعده أحد شيوخه . كذلك فانه يعد عبد اللطيف موفق الدين البغدادي من شيوخه ، ولا بد أن نفترض أنه لقيه بحلب ، إذ نزلها عبد اللطيف في أواخر رمضان سنة ٦٢٦ - أي قبل مقدم ابن خلكان بقليل ، وأقام بها مدة والناس يشتغلون عليه ، وشهاب الدين طغريل الأتابك يرعى جانبه ، وكان يتردد إلى جامع حلب ويسمع الحديث ويقرىء العربية ٣ وكان هناك أستاذ آخر يعقد حلقة التدريس بجامع حلب في المقصورة الشرقية المشرفة على صحن الجامع قبالة المقصورة التي يصلي فيها قضاة حلب يوم الجمعة ، ذلك هو الأستاذ ابن الجبراني ، وكان استاذاً متضلعاً من علم اللغة ، ولكن ابن خلكان لم يدرس عليه وإنما اتيح له أن يتسقط بعض حديثه وهو جالسٌ في قبالة تلك المقصورة ، إلا أنه صادف من بعد عودته من دمشق أحد تلامذة الجبراني وهو أبو المحاسن الشواء ؛ أقول : بعد عودته من دمشق، ١ ترجمته في ج ٧: ٦؛ وانظر بخاصة : ٤٨. ٢ الوفيات ٣ : ٣٤٩ . ٣ ابن أبي أصيبعة ٢: ٢٠٧ - ٢٠٨ وانظر الوفيات ٦ : ٧٦ حيث يقول المؤلف عند ذكر عبد اللطيف ((شيخنا)» 31 لأن فتر دراسته في حلب لم تستمر مطردة ، بل ارتحل منها ، وربما كان لوفاة ابن شداد (١٤ صفر ٦٣٢ ) أثر مباشر في ازماعه الانتقال منها . وتوجه إلى دمشق ، فأقام فيها عاماً كاملاً ، دخلها في شوال سنة ٦٣٢ للاستغال على الشيخ ابن الصلاح ، أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه ، وكان يدرس بالمدرسة الرواحية ودار الحديث بدمشق ومدرسة ست الشام ، ويقوم بوظائف الجهات الثلاث من غير اخلال بشيء منها ١ . ولا يحدثنا ابن خلكان عن المواد التي درسها على ابن الصلاح ، وإن كنا نستطيع أن نقدر أن الحديث كان أهمها ، إلا أنه يقرّ بأنه كان أحد أشياخه الذين انتفع بهم . وقد اتيح لابن خلكان أن يرى الملك الكامل والملك الأشرف في دمشق (٦٣٣) وهما يركبان معاً ويلعبان معاً بالكرة في الميدان الأخضر الكبير في شهر رمضان من ذلك العام ، ويرى تأدب كلّ واحد منهما مع الآخر ٢ ، ولعله في هذه الفترة رفع قصيدة إلى الملك الكامل يمدحه بها ، ومطلعها : وفرط غرام أضمرته السرائر هوىً بين أحناء الضلوع مخامر وفيها يقول في مدحه : ولكنه للدين في الله ناصر لقد خذل الباغين منصور جيشه فعاد بأحزاب الصغار الأكابر فردّ وجوه الروم سوداً ببيضه تعالبها تخشى الليوثُ الخوادر وفي سمره حمر المنايا فمن سُطا وليست هذه أولى محاولاته الشعرية ، بل كان كثيراً ما يجرب قريحته بنظم الشعر ، مثلما كان يعوّد ذاكرته - إلى جانب دراسة الأصول الفقهية وغيرها - حفظ الأشعار الرقيقة ٣ . وقد لقي وهو بدمشق عدداً من طلاب العلم والعلماء ، كان من بينهم رجل فاضل في علوم الرياضة أشكلت عليه ١ الوفيات ٣ : ٢٤٣، ٢٤٤. ٢ الوفيات ٥ : ٣٣٣ . ٣ عقود الجمان ١ : ٤٥٥ . 32 بعض المسائل الرياضية فكتب جميعها في درج وأرسلها إلى ابن منعة بالموصل ليحلّها له، فأجابه بجواب غاية في التواضع بعد أن حلها جميعاً ، مما جعل الرجل يقول لابن خلكان ((ما سمعت مثل هذا الكلام إلا للأوائل المتقنين لهذه العلوم ، ما هذا من كلام أبناء هذا الزمان)) ١ . ومن أولئك محمود الحصيري الذي اجتمع به عده مرات ، إذ كان يدرس بالمدرسة النورية بدمشق ، وكان من أبرز فقهاء الحنفية ، ومن أشد الناس ذكاءً ، ولكنه لم يذكر أنه أخذ عنه شيئاً من العلم ٢ . وبعد اكتمال عام قضاه في دمشق ، عاد إلى مدينة حلب يجدد العهد بالمدرسة البهائية القاضوية ( نسبة للقاضي بهاء الدين ابن شداد ) ويلقى رفاق الطلب ، ومنهم عون الدين ابن العجمي الحلبي ٣ ، ومنهم صديقه كمال الدين ابن الشعار الذي كانت فاتته فرصة لقائه باربل . فقد التقى به بحلب، وأنشده شيئاً من شعره ، وكان فيما أنشده القصيدة التي قالها بدمشق في مدح الكامل، وكان انشاده لها في جمادى الآخرة من سنة ٦٣٤ ٤ ؛ ومنذ أواخر العام السابق انعقدت أواصر الصداقة بينه وبين أبي المحاسن الشوّاء ، أحد المتحققين بعلم العروض والقوافي ، وكان يعجبه أن يسمع شعره وأكثره مقطوعات يتلاعب فيها بالمصطلحات النحوية واللغوية ، ويقيد منها ما يسمع، وقد بقيا صديقين إلى أن توفي الشوّاء (١٩ محرم سنة ٦٣٥ ) °. وأكبر الظن أنه تعرّف بحلب لا بغيرها إلى الشاعر الماجن المدعو شيطان الشام واسمه أبو العز يوسف بن النفيس الاربلي، فهو يدعوه (( صاحبنا )) ٦ ؛ ١ الوفيات ٥ : ٣١٥ . ٢ الوفيات ٤ : ٢٥٩ . ٣ الوفيات ٦ : ٢٥١ . ٤ عقود الجمان ١ : ٤٥٦ . ٥ الوفيات ٧ : ٢٣٦. ٦ الوفيات ٤ : ١٥١ . 33 وكان شيطان الشام يسلك في الشعر طريقة ابن حجاج وينظم الزكالش العامية ، وقد رحل إلى البلاد من إربل وامتدح الملوك ، ثم أقام في كنف بدر الدين لولوْ صاحب الموصل! لقد عرف ابن خلكان كثيراً من شئون مدينة حلب وضواحيها ، وأحداثها، ومعالمها البارزة ، وتوفي الملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر وهو فيها (سنة ٦٣٤) فنظم في رثائه قصيدة مطلعها : هوى من نظام الملك واسطة العقد ولم يك من صرف المنية من بدّ ٢ وكثيراً ما كان يعود بذاكرته - وهو يؤلف كتابه - إلى ما رأى وسمع، من ذلك مثلا وقفته عند مقتل السهروردي فانه قد تصدّى لتلك الحادثة بقوله: (( وقد أقمت بحلب سنين للاشتغال بالعلم الشريف ، ورأيت أهلها مختلفين في أمره ، وكل واحد يتكلم على قدر هواه ، فمنهم من ينسبه إلى الزندقة والالحاد ، ومنهم من يعتقد فيه الصلاح وأنه من أهل الكرامات ... )) ٣ ؛ وكان لقاؤه للناس لا يقل فائدة عما أفاده في مجالس الشيوخ، إذ كان قلمه سريعاً إلى التقييد، وحسبنا أن نعلم أن ما رواه من شعر ابن باجه إنما أخذه عن بعض شيوخ المغاربة ٤ . وبعد أن أقام في ديار الشام ما يقرب من عشر سنوات أزمع الرحلة إلى مصر. متى رحل ولماذا؟ لقد أثبت المؤلف بخطه نفسه في ترجمة شيخه ابن شداد أنه غادر حلب في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة ٦٣٥ ° ، ولكنه في موضع آخر من كتابه يقول انه سافر إلى الديار المصرية سنة ٦٦٣٦ ، ١ عقود الجمان ١٠: ٥٢٥ وما بعدها . ٢ عقود الجمان ١ : ٤٥٩ ٣ الوفيات ٦ : ٢٧٣ ٤ الوفيات ٤ : ٤٣٠ . ٥ الوفيات ٧ : ١٠٠ . ٦ وقع في ٥ : ٣١٧ في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ، وصوابه في سنة ست وثلاثين . 34 والظاهر أن المؤلف تجوّز في هذا الموضع وجعل التاريخ تقريبياً ، أو أنه تجوّل قليلاً في جنوب الشام وأنه وصل الديار المصرية في أوائل سنة ٦٣٦ . أما ارتحاله من حلب فربما كانت وراءه أسباب عدة منها : يأسه من العودة إلى إربل بعد إذ اجتاحها التتر وخربوها سنة ٦٣٤؛ ومنها - فيما أقدّر - عدم الاطمئنان إلى الأوضاع السياسية في ديار الشام ، بعد إذ أصبحت مهددة بالغزو التريّ ، وعدم نجاح ابن خلكان في الاتجاه الشعري والاتصال بملوك آل أيوب ، ولعل أهمها ارتياد دار جديدة من دور العلم ، فانه كان ما يزال يرى نفسه في دور الطلب ، فلعلّ مصر أن تكون هي البيئة العلمية التي توفر له أعلاماً آخرين من الأساتذة ، بعدما تتلمذ على أشهر الأساتذة في ديار الشام . ومع ذلك فاننا لا نجد له شيخاً متميزاً في مصر سوى عبد العظيم المنذري ، صاحب التكملة١ ؛ صحيح ان إقامته بمصر جمعته بتلامذة ابن فيره الشاطبي ٢ وأنه لقي كثيراً من أصحاب ابن بري وأخذ عنهم رواية وإجازة٣ كما لقي أصحاب الخشوعي وسمع عليهم وأجازوه ، ولقي ابن الخشوعي واجازه جميع مسموعاته واجازاته من أبيه٤ وتعرف إلى ابن الحاجب من بعد وألقى عليه بعض الأسئلة وأفاد من علمه° ؛ ولكن الصداقات التي كوّتها مع جماعة من الأدباء بمصر ، كانت أقوى بكثير من العلاقات التي ربطته بالشيوخ . هل وجد ابن خلكان أن ما طلبه من العلم في ديار الشام قد كان زاداً كافياً له في الديار المصرية ؟ أتراه كان ما يزال يعتقد أنه سيكون ابن خلكان ((الأديب الشاعر )» لا الفقيه ابن العائلة التي لم يمكنها أصلها الكردي من اجادة مرموقة في البلاغة العربية ؟ أم أن أعباء الحياة ربطته - في دور مبكر - بالوظيفة ، فانصرف إليها عن الطلب المنظم ولقاء الشيوخ ؟ أسئلة ١ انظر مقدمة المحقق لهذا الكتاب ٢ الوفيات ٤ : ٧٢. ٣ الوفيات ٣ : ١٠٩. ٤ الوفيات ١ : ٢٧٠. ٠ الوفيات ٣ : ٢٥٠ 35- ليس من المهم أن نجيب عنها بيقين قاطع ، إذ من ذا الذي يستطيع أن يقطع بالحسم في مثل هذه الشئون ؟ اتجه ابن خلكان إلى الاسكندرية ، وقضى في تلك المدينة خمسة أشهر (من عام ٦٣٦ ) ١، وفيها لقي أحد الحساب فشرح له قضية الشطرنج إذا ضوعف العدد في كل بيت٢ منه. وبدلاً من أن يلقى الأساتذة الأحياء أخذ يلقى الأموات منهم في منامات عجيبة ، فرأى المبرد وحاكمه على خطأ وقع فيه في شعر أبي نواس في كتابه ((الروضة))٣. والحقيقة أن منامات ابن خلكان - سواء هذا الذي رآه في الاسكندرية أو المنام الذي رأى فيه أبا علي الفارسي ٤ أو ذلك الذي رأى فيه ابن عنين بعد سنوات ( ٦٤٩)°- تلفت الانتباه بوضوحها وحدّتها ودلالتها على انشغال نفسه بالقضايا اللغوية والأدبية وفي ٢٧ ذي القعدة سنة ٦٣٧ نجد ابن خلكان في القاهرة حين وصل إليها الملك الصالح ومعه الملك الناصر صاحب الكرك ٦ ، ونراه لا يستشرف إلى شيء استشرافه إلى لقاء بهاء الدين زهير ، وقد استطاع أن يحقق هذه الأمنية في أواخر ذلك العام (٦٣٧) ، وكان ذلك اللقاء فاتحة صداقة امتدت حتى وفاة البهاء (٦٥٦)؛ وكان إعجاب ابن خلكان بشعره أحد العوامل التي قوّت تلك الصداقة ، وأجازه البهاء رواية ديوانه ٧ . ويجب أن نذكر أن البهاء كان ذا مقام مرموق في الدولة الأيوبية، وان ابن خلكان الذي لم يعد له سند من مستقرّ أو مرتب جار كان بحاجة إلى من يصله بذوي السلطان . وجرّت صداقته للبهاء إلى صداقة أخرى مع ابن مطروح ، فقد كان البهاء ١ الوفيات ٤ : ٣١٨. ٢ الوفيات ٤ : ٣٥٨ . ٣ الوفيات ٤ : ٣١٨. ٤ الوفيات ٢ : ٨١ . ٥ الوفيات ٥ : ١٨ . ٦ الوفيات ٥ : ٨٥ . ٧ الوفيات ٢: ٣٣٢، ٣٣٦. 36 وابن مطروح كالأخوين ، ولكن ابن مطروح كان في خدمة الملك الصالح ، ولم يرجع إلى مصر إلا في سنة ٦٣٩ وظلّ فيها حتى سنة ٦٤٣، وفي هذه الفترة تأكدت الصلة بين ابن مطروح وابن خلكان ، وكانا يكثران اللقاء ، وكان ابن مطروح ينشده شعره حتى انه أنشده أكثر ديوانه ، وبعد سنة ٦٤٧ انقطع ابن مطروح في داره، فكان ابن خلكان يجتمع به في كل وقت. وقبل هذا الانقطاع (٦٤٣ - ٦٤٧) كانت المكاتبات تجري بينهما باستمرار. ومرة تأخر ابن خلكان عن زيارة صديقه وهو يشكو ألماً في عينيه انتهى به إلى مقاربة العمى ، فكتب إليه ابن مطروح : لم يخل قلبي منه من أنس يا من إذا استوحش طرفي له عليه ، مأوى البدر والشمس ١ والطرف والقلب على ما هما ولم تقف هذه العلاقات الأدبية عند البها زهير وابن مطروح، بل تجاوزتهما إلى آخرين ممن كانوا بمصر وفي مقدمتهم ابن الخيمي٢ وأبو الحسين الجزار ٣. ولعلّ ثلاثة عوامل عملت في ايجاد منصب لابن خلكان، أولها وأهمها : شخصيته المحببة وعلمه ، وثانيهما صداقته لاثنين من كبار المسئولين في الدولة وهما البها زهير وابن مطروح ، وثالثهما النسب الزرزاري الذي كان يجمع بينه وبين قاضي القضاة بمصر : بدر الدين السنجاري المعروف بقاضي سنجار (- ٦٦٣) ٤. فوّلي نيابة القضاء بمصر، ولا ندري متى تولى هذا المنصب ، ولكنا نجده يحتله سنة ٦٤٥ ° حين يحكي قصة صاحبه جمال الدين بن عبد الاربلي وقد جاءه في مجلس الحكم العزيز بالقاهرة المحروسة ، والناس يزدحمون لكثرة اشغالهم حينئذ ، وکیف فقد ابن عبد مداسه، وشكا إلى النائب ابن خلكان ما جرى له في أبيات شعريةٍ. ولم يكن ((مجلس ١ الوفيات ٦: ٢٦٠، ٢٦٢، وفي الشمس اشارة إلى لقب ابن خلكان ((شمس الدين)). ٢ الوفيات ٢: ١٠٦، ٣٤٢ ٠ ٣ الوفيات ٦ : ٢٦٥ . ٤ الوفيات ٦ : ٢٦٢، ٢٦٦. ٥ الوفيات ٢: ٩٨ - ٩٩ . 37 الحكم العزيز )) قاصراً على استماع الشكاوى والفصل في القضايا ، فكثيراً ما كان معرضاً لشئون أخرى : فهو يسأل ابن الحاجب عن بعض شئون النحو حين يحضر لأداء الشهادة، وأحياناً يجتمع عنده بعض الأدباء والشعراء فيتحول المجلس إلى مطارحات أو انشادات؛ دخل عليه مرة فخر الدين الشاطبي ، وهو ينوب في الحكم بالقاهرة ، فأنشده فخر الدين قصيدة منها وإذا الرقيب درى به فلأنه أخفى لديه من النسيم وألطفُ فانتقده القاضي لأنه بالغ في وصف تحول المحب وقال له : يا شيخ فخر الدين ، لطفته لطفته إلى أن عاد لا شي ، فالتفت فخر الدين إلى جارٍ له وقال بلهجته الأندلسية : القاضي حمار ما له دوك شي ( أي ماله ذوق )١. وفي بعض التعليقات أنه ولي قضاء المحلة ، مترقياً إلى تلك الوظيفة من النيابة عن قاضي سنجار ، ولكن ليس ثمة في المصادر التي حصلتها ما يؤيد هذه الرواية ٢ . وفي سنة ٦٤٩ فقد صديقه ابن مطروح الذي دفن بسفح المقطم وحضر الصلاة عليه ودفنه ٣ . وفي القاهرة تمّ لابن خلكان التأهل ((بعد تقلب الأحوال )) ورزق بابن سمّاه موسى - حسبما كان قد أوقع الله في نفسه حين أعجب بالشيخ موسى ابن منعة - وكان مولد موسى وقت طلوع الشمس حادي عشر صفر سنة ٦٥١ بالقاهرة ؛ ، وهو يقول ان موسى ١ القوات ٢ : ٣٢٢. ٢ أشار إليها دي سلان في الوفيات (مقدمة الترجمة الانجليزية). ٣ الوفيات ٦ : ٢٦٦ . ٤ انظر الوفيات ٥ : ٣١٧؛ وكان عمر موسى تسع سنوات حين انتقل أبوه قاضياً إلى دمشق وأخذه معه ، وقد كان ذا ذكاء ، واتجه نحو الاشتغال بالعلم ، فأجاز له البسيط وسمع من النجيب وحدث ، وفي سنة ٦٧٧ نراه يحضر الدرس بالمدرسة الظاهرية ، وكان مدرس الشافعية رشيد الدين اسماعيل المعروف بالفارقي أحد أصحاب والده، وقرأ عليه مختصراً في علم البيان للرماني وآخر في العلم المذكور القيرواني ، وأجازه صدر الدين سليمان الحنفي مدرس الحنفية بمصنفاته ومسموعاته وكذلك أجازه مجد الدين أبن الصاحب كمال الدين ابن العديم ، وقد درس بالمدرسة النجيبية في حياة أبيه وبعد وفاته وولي الدواوين الحكمية ، ونراه سنة ٧٠٢ في بعلبك ثم ينتقل إلى دمشق حيث توفي سنة ٧١٧ . ويقال انه لم يكن حسن= 38 ولده ((الأكبر)) مما يدل على أنه رزق أولاداً آخرين ولكنا لا نعرف شيئاً عنهم ؛ ومن اشارة لابن المؤلف نعلم أن والده كان يقطن حينئذ بحارة الباطلية بخط الجامع الأزهر ١ . وتحتجب عنا أخباره بعد ذلك بضع سنوات ، حتى ٢٤ شوال سنة ٦٥٦ عندما عمّ القاهرة مرض لم يكد يسلم منه أحد ؛ ولم يكن هذا المرض قاصراً على القاهرة، فانه كان أيضاً قد انتشر في ديار الشام ومات بسببه خلق كثير٢؛ وبسببه لزم ابن خلكان الفراش . وبعد حوالي عشرة أيام من بدء انتشاره وصلته الأخبار بأنه فقد صديقاً من أقرب أصدقائه إلى نفسه وهو البها زهير، فلما أبلّ من مرضه مضى إلى تربته وقرأ عنده شيئاً من القرآن الكريم وترحم عليه ٣ ؛ وفي العام نفسه ، بل وفي اليوم الذي قضى البها زهير فيه تحبه ، توفي شخص آخر، كان يحظى من ابن خلكان بكل تقدير واحترام وذلك هو شيخه عبد العظيم المنذري . وقبل انتشار المرض ، ومن بعد انزياح ظله، كان ابن خلكان قد أخذ يشغل نفسه بتأليف كتاب في التراجم، وهو ما سأتحدث عنه في موضع آخر . وجاء الانتصار في عين جالوت ، ثم مقتل قطز ، بطل تلك المعركة ، محققاً الفرصة لتولي الظاهر بيبرس الحكم ؛ وبمجيئه يدخل ابن خلكان في دور جديد ، إذ وقع عليه اختيار الظاهر ليكون قاضياً للقضاة في ديار الشام ، ولا بد من أن يكون ابن خلكان النائب قد لفت إليه انتباه رجال الدولة بكفايته ومزاياه حتى يرشح لمثل هذا المنصب ؛ كان القاضي بالشام هو نجم = السيرة وأنه كان ذا تأثير على أبيه؛ وكنيته أبو الفتح، ولقبه كمال الدين (الدرر الكامنة ٥ : ١٤٣ والوفيات ٤ : ١٥٧ الحاشية). ١ الوفيات ٤: ٢٥٨ (الحاشية) وانظر الخطط ٢: ٨ حيث يقول ان حارة الباطلية احترقت سنة ٦٦٣؛ وفي هذا التاريخ كان ابن خلكان بدمشق، وهذا يعني شيئين: أنه فقد داره إن كان له ثمة دار يمتلكها ، وأنه حين عاد إلى القاهرة بعد عزله وجد لنفسه مسكناً جديداً في حارة أخرى ٢ السلوك ٢/١ ٤١٠ : .٣ الوفيات ٢ : ٣٣٨. 39 الدين ابن السني ، وقد تحدث الناس فيه بأمور بلغت الظاهر ، فقرر أن يعزله ، واستشار الأمير جمال الدين ايدغدي العزيزي في من يوليه مكانه ، فأشار عليه بابن خلكان ١ . وصدر الأمر إلى ابن خلكان بأن يتأهب للسفر في صحبة الملك الظاهر، فطوى أوراقه وجمع مسوّداته، وخرج في ((الركاب العالي المولوي السلطاني المجاهدي المرابطي )) من القاهرة يوم الاحد ٧ شوال سنة ٦٥٩ ، ووصل الركب دمشق يوم الاثنين ٧ ذي القعدة ، أي أن المسافة استغرقته شهراً كاملا٢ً . وفي يوم الخميس ٨ ذي الحجة (بعد الاستقرار بدمشق شهراً آخر ) عزل النجم ابن سني الدولة عن القضاء ، وتولى القضاء ابن خلكان ، وأمر النجم بالسفر إلى الديار المصرية وكان حاكماً جائراً فاجراً ظالماً متعدياً فاستراح منه العباد والبلاد ٣ ؛ وفي يوم الجمعة بعده قرىء بالشباك الكمالي بجامع دمشق تقليد القضاء لابن خلكان ((ويتضمن أنه فوض إليه الحكم في جميع بلاد الشام من العريش إلى سلمية ، يستنيب فيها من يريده وفوض إليه النظر في أوقاف الجامع والمصالح والبيمارستان والمدارس وغيرها مما كان تحت يد الحاكم المعزول ، وفوض إليه تدريس سبع مدارس كانت تحت يد المعزول وهي : العذراوية والعادلية والناصرية والفلكية والركنية والاقبالية والبهنسية))٤ ، وكان أبو شامة ممن حضر قراءة هذا التقليد . وبدأ ابن خلكان بممارسة هذه المهامّ الكثيرة من تعيين نواب له في البلاد " ، وضبط لما تحت يده من أوقاف ، وتنصيب معيدين في المدارس ، ومراجعة للأحكام وفصل في القضايا ، ولم ينس ما يفرضه عليه منصبه الجديد ١ ذيل مرآة الزمان ٢: ١٢٤. ٢ الوفيات ٧ : ٢٥٧؛ وقد وقع في المنهل الصافي خطأ في تاريخ توليه القضاء إذ كتب ٦٦٦ . ٣ ذيل الروضتين: ٢١٤ وعقد الجمان الورقة: ١٣٤ والنقل فيه عن أبي شامة وعن تاريخ النويري . ٤ ذيل الروضتين: ٢١٥ وعقد الجمان (نقلا عن أبي شامة): ١٣٤ وابن كثير ١٣ : ٢٣٩ ومخطوطة برلين 61 .Spr 9449 والدارس ١ : ١٩٢، وانظر الحديث عن هذه المدارس في الكتاب الأخير في صفحات متفرقة . ٥ نعرف من نوابه على القضاء علي بن محمود الشهرزوري الكردي ( الدارس ١ : ٤٤١) وقد توفي سنة ٦٧٥ . 40