النص المفهرس
صفحات 241-260
وسكون الهاء . وهذان البيتان يستدل بهما النحاة على انتصاب الحال١ من الفاعل والمفعول به معاً بلفظ واحد، فان ((صغيرين)) انتصب على الحال من التاء في قوله ((تعلقت)) وهي فاعلة ، ومن ليلى ، وهي مفعولة ، ومثله قول عنترة العبسي٢: روانفُ أليتيك وتستطارا متى ما تلقي فردین تَرْجُفْ نصب ((فردين)) على الحال من ضمير الفاعل والمفعول في ((تلقني))، ذكره ابن الأنباري في كتاب ((أسرار العربية)) في باب الحال٣. وقال الوأواء الدمشقي أيضاً، ذكره في حماسته البياسي المذكور أيضاً: أحلى من الأمن عند الخائفِ الوجلِ وزائرٍ راع كلّ الناس منظرُهُ فهابه الصبح أن يبدو من الخجل ألقى على الليل ليلا من ذوائبه فاستل بالوصل روحي من يديّآجلي أراد بالقتل هجري فاستجرت به صارت ولايةُ أهل العشقِ من قبلي فصرتُ فيه أميرَ العاشقين فقد وقال علي بن عطية البلنسي ابن الزقاق٢: فليدنٌ وأما ردفها .. فَرَدَاحُ ومرتجة الأعطاف أما قوامها يطيرُ وما غير السرور جناح ألمتْ فباتَ الليل من قصرٍ بها تعانقني حتى الصباح صباح وبتّ وقد زارتْ بأنعمِ ليلةٍ وفي خصرها من ساعديّ وشاح على عاتقي من ساعديها حمائلٌ وقال أحمد بن الحسين بن خلف المعروف بابن البي العمري - قلت : ١ س : الفعل ؛ وهو خطأ . ٢٠ ديوان عنترة : ٧٥ . ٣ انظر أسرار العربية : ١٩٠ - ١٩١ . ٤ ديوان الوأواء : ١٨٠ . ٥ ديوان ابن الزقاق : ١٢٩ ١٦-٧ ٢٤١ هو المقدم ذكره في ترجمة يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب ١ - وكان قد أخرجه صاحب ميورقة ، وسيره في البحر ، فساروا يومهم ، فهبت عليهم الريح فردتهم فقال : فأقصونا وقد أزِفَ الوداعُ أحبّتنا الأولى عتبوا علينا فهل في العيش بعد كمُ انتفاع ؟ أُشوقٌ بالسفينةِ أم نزاع كأنّ قلوبنا فيها شراع لقد كنْمْ لنا جذلاً وأنساً أقولُ وقد صدرنا بعد يومٍ إذا طارتْ بنا حامتْ عليكم وقال الواثق باللّه وله فيه غناء : حتی تنادوا بأن قد جيء بالسفنِ ما كنت أعرف مافي البینمن حزّن فجمجمت بعض ما قالت ولم تبن قامتْ تودعني والدمعُ يغلبها كما يميلُ نسيمُ الريح بالغصن مالتْ عليّ تقدّيني وترشفني يا ليتَ معرفتي إياك لم تكن فأعرضت ثم قالت وهي باكية : وأورد في باب القرى والأضياف والفخر والمديح قول أبي الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج اللورفي ٢ : مدَ وهو يمنعُ ما لديهِ عجباً لمن طلب المحا للمجدِ لم يبسط يديه ولباسط آماله أرتاحُ من طرب إليه لم لا أحبّ الضيف أو عندي ويحمدني عليه والضيفُ يأكلِ رزقه ومما ينسب إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال حين كف بصره ؟ : ١ أنظر ما تقدم ص : ١٣٢. ٢ المختار: ابن الحجاج الميورقي؛ وانظر الأبيات في النفح ٣: ٥٩٦ والمغرب ٣: ٢٨٠ والقلائد : ١٤٢ . ٣ نكت الحميان : ٧١ . ٢٤٢ إن يأخذِ اللّه من عينيّ نورهما ففي لساني وقلبي منهما نورُ وفي فمي صارمٌ كالسيف مطرور قلي ذكي وذهني غير ذي دخلٍ وذكر في باب الهجاء والعتاب وما يتعلق بهما لأبي العالية أحمد بن مالك الشامي١: من بعد ما خبرة وتجريبٍ أذم بغدادَ والمقام بها رفد ولا فرجةٌ لمكروب ما عند أملاكها لمرتقبٍ ونازعوا في الفسوق والحوب خلوا سبيل العلى لغيرهم إلى ثلاثٍ من بعد تقريب يحتاجُ راجي النجاح عندهم وعمرُ نوح وصبرٌ أيوبٍ كنوزُ قارونَ أن تكون له وأنشد أبو بكر محمد بن يحيى الصولي لأبي العطاف الكوفي صالح بن عبد الرحمن بن نشيط : يا ابن الوليد أبنْ لنا إن البيانَ له حدود مالي أراك مسيباً أين السلاسلُ والقيودُ أم ليس بَضْيِطُكَ الحديد أغَلاَ الحديد بأرضكم قلت: إلى هنا نقلت من كتاب ((الحماسة)) المذكور ، وفيه كفاية ، إذا كان الغرض إيراد شيء من أخبار هذا الرجل ليستدل به على معرفته في الشعر . وكان مولده يوم الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة . وتوفي يوم الأحد الرابع من ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وستمائة ، بمدينة تونس ، رحمه الله تعالى . والبياسي : بفتح الباء الموحدة والياء المشددة المثناة من تحتها ، هذه النسبة ١ وردت الأبيات في معجم البلدان ١ : ٦٩١ دون نسبة وجاء بعدها ص ٦٩٢ أبيات أخرى لأبي العالية في ذم بغداد ٢٤٣ إلى بياسة١، وهي مدينة كبيرة بالأندلس معدودة في كورة جيّان ، هكذا قاله ياقوت الحموي في كتابه ((المشترك وضعا ))٢ ٨٥٢ يونس بن حبیب أبو عبد الرحمن يونس بن حبيب النحوي ؛ قال أبو عبيد اللّه المرزباني في كتابه (( المقتبس في أخبار النحويين)» ٣: هو مولى ضبة، وقيل هو مولى بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، وقيل مولى بلال بن هرمي من بني ضبيعة بن بجالة ، وهو من أهل جبّل ، ومولده سنة تسعين ومات سنة اثنتين وثمانين ومائة ، وكان يقول : أذكر موت الحجاج، وقيل مولده سنة ثمانين وانه رأى الحجاج وعاش مائة سنة وسنتين ، وقيل عاش ثمانيا وتسعين سنة . وقال غير المرزباني : أخذ يونس الأدب عن أبي عمرو بن العلاء وحماد ابن سلمة ، وكان النحو أغلب عليه ، وسمع من العرب ، وروى سيبويه عنه كثيراً ، وسمع منه الكسائي والفراء ، وله قياس في النحو ومذاهب ينفرد بها، وكان من الطبقة الخامسة في الأدب ، وكانت حلقته بالبصرة ينتابها الأدباء وفصحاء العرب وأهل البادية . قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : اختلفت إلى يونس أربعين سنة ١ بياسة Baeza: تقع على مسافة عشرين ميلا من جيان وتطل على النهر الكبير . ٢ المشترك : ٧٣ . ٨٥٢- ترجمته في معجم الأدباء ٢٠ : ٦٤ والفهرست : ٤٢ وصفحات متفرقة من المزهر وطبقات الزبيدي : ٤٨ ومراتب النحويين : ٢١ والبيان والتبيين ١ : ٧٧ ومرآة الجنان ١ : ٣٨٨ وبغية الوعاة: ٤٢٦ ونزهة الألباء : ٣١ والمعارف : ٥٤١ وتهذيب التهذيب ٥ : ٣٤٦ . ٣ انظر نور القيس : ٤٨ - ٥٥ . ٢٤٤ أملأ كل يوم ألواحي من حفظه . وقال أبو زيد الأنصاري النحوي : جلست إلى يونس بن حبيب عشر سنين ، وجلس إليه قبلي خلف الأحمر عشرين سنة ، وقال يونس ، قال لي رؤبة بن العجاج : حتام تسألني عن هذه البواطل ، وأزخرفها لك ؟ أما ترى الشيب قد بلغ في لحيتك ؟ وليونس من الكتب التي صنفها كتاب ((معاني القرآن الكريم )) وكتاب (اللغات)) وكتاب ((الأمثال)) وكتاب ((النوادر)) الصغير. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي : عاش يونس مائة سنة وستين ، وقيل عاش ثمانياً وتسعين سنة ، وقيل ثمانياً وثمانين سنة، لم يتزوج ولم يتسر ، ولم تكن له هسة إلا طلب العلم ومحادثة الرجال .. وقال يونس : لو تمنيت أن أقول الشعر لما تمنيت أن أقول إلا مثل قول عدي بن زيد العبادي ١ : أيها الشامت المعير بالدهر أأنتَ الميرأ الموفورُ قلت : وهذا البيت من جملة أبيات سائرة بين الأدباء فيها مواعظ وعبر ، وبعد هذا البيت : أم لديك العهدُ القديمُ من الأيام بل أنت جاهلٌ مغرور ذا عليه من أن يضام خفير من رأیت المنون أخلدن أم من أين كسرى كسرى الملوك أنو شر وان أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرامِ ملوكُ الروم لم يبقَ منهمُ مذكور وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلةُ تجبى إليه والخابور. شاده مرمراً وجلله كلاً فللطير في ذراه وكور لم يهبه صرفُ الزمان فباد الملك عنه فيابه مهجور وتفكّرْ ربّ الخورفق إذا أشرف يوماً والهدى تفكير ديوان عدي : ٨٤ ٠ ٢٤٥ سرّه١ُ ملكه وكثرةُ ما يملكُ والبحرُ معرضاً والسدير فارعوى قلبه فقال : وما غبطةُ حيّ إلى المماتِ يصير ثم بعد الفلاحِ والملكِ والأمة وارتهمُ هناك القبور ثم صاروا كأنهم ورقٌ جَفّ فألوتْ به الصبا والدّبور قلت : وهذه الأبيات تحتاج إلى تفسير طويل٢، ولو شرعت فيه لطال الكلام وخرجنا عن المقصود ، فان أكثرها يتعلق بالتاريخ ، وفيها شيء يتعلق بالأدب ، فاقتصرت على الإتيان بالغرض ٣ وتركت الباقي خوفاً من الإطالة ، فلعل الشرح يدخل في أربع خمس كراريس ، وليس هذا موضعه . وروى محمد بن سلام الجمحي عن يونس أنه قال : ما بكت العرب على شيء في أشعارها كبكائها على الشباب ، وما بلغت كنهه ، فاتبع هذا الكلام منصور النمري "فقال من جملة قصيدة طويلة يمدح بها هارون الرشيد بيتاً وهو": ما كنت أوفي شبابي كُنْهَ غرته حتى انقضى فاذا الدنيا له تبعُ وقال يونس : تقول العرب : فرقة الأحباب سقم الألباب ، وأنشد : عيناي حتى يؤذنا بذهاب شيئان لو بكتِ الدماءَ عليهما شرعُ الشباب وفرقةُ الأحباب لم يبلغا المعشارّ من حقيهما وقال يونس : لم يقل لبيد في الإسلام سوى بيت واحد وهو : ١ س : غره . ٢ طويل : سقطت من س . ٣ س : الأبيات بالعرض . ٤ هو أبو الفضل منصور بن سلمة بن الزبرقان من رأس العين ، وهو من فحولة المحدثين (انظر طبقات ابن المعتز: ٢٤٢ وتاريخ بغداد ١٣: ٦٥ والأغاني ١٣ : ١٤٠) وقد مر ذكره في ترجمة يزيد بن مزيد ٦ : ٣٤٠ . ٥ ورد البيت في طبقات ابن المعتز : ٢٤٥، وهو من قصيدة مطلعها : إذا ذکرت شباباً ليس ير تجع ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ٢٤٦ حتى ليستُ من الإسلام سربالاًا الحمد لله إذ لم يأتني أجلي قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : قدم جعفر بن سليمان العباسي من عند المهدي الخليفة ، فبعث إلى يونس بن حبيب فقال له : أنا وأمير المؤمنين اختلفنا في هذا البيت٢ : والشيبُ ينهضُ في السواد كأنه ليلٌ يصيحُ بجانبيه نهارُ فما الليل والنهار ؟ فقال يونس : الليل الليل الذي تعرف ، والنهار النهار الذي تعرف ، فقال : زعم المهدي أن الليل فرخ الكروان والنهار فرخ الحبارى ، فقال أبو عبيدة : القول في البيت ما قاله يونس ، والذي قاله المهدي معروف في الغريب من اللغة . وقال يونس : كان جبلة بن عبد الرحمن٣ يخرج إلى طباخه الرقاع يستدعي بها الطعام ، وفيها الألفاظ الغريبة الحُوشية ، فلا يدري الطباخ ما فيها ، حتى يمضي بها إلى ابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر وغيرهما يفسرون ما فيها من الألفاظ، فإذا عرف الطباخ ما فيها أتاه بما استدعاه، فقال له يوماً : ويحك، إني أصوم معك ، فقال له الطباخ : سهل كلامك حتى يسهل طعامك ، فيقول : يا ابن اللخناء أفأدع عربيتي لعيك ؟ وكان يونس من أهل جَبّل ، وهي بليدة على دجلة بين بغداد وواسط ، وكان لا يؤثر أن ينسب إليها ، فلقيه رجل من بني أبي عمير فقال له : يا أبا عبد الرحمن ، ما تقول في جبّل أتنصرف أم لا؟ فشتمه يونس . فالتفت العميري فلم ير أحداً يشهده عليه ، حتى إذا كان من الغد وجلس الناس أتاه العميري فقال : يا أبا عبد الرحمن ، ما تقول في جبّل ، أتنصرف أم لا؟ فقال له يونس : الجواب ما قلته لك أمس . ١ راجع مقدمة ديوان لبيد ، ففيها مناقشة تدحض هذا القول . ٢ البيت الفرزدق ، ديوانه ١ : ٣٧٢ ٣ ورد عند الطبري ( ٢: ١٤٥٨) اسم جبلة بن عبد الرحمن مولى باهلة وأنه ولي كرمان ( حوادث سنة ١٠٤) . ٢٤٧ وجبل : بفتح الجيم وضم الباء الموحدة المشددة ، كذا قاله الحافظ ابن السمعاني في كتاب (( الأنساب )»١ . وهذه جبل منها أبو الخطاب الجبلي الشاعر المشهور٢ ، ومن شعره قوله : شوقي عليه لما قدرت أجوبُهُ كم جبتُ نحوك مَهْمَهَاً لو لم يعن: ولحبذا خطرٌ إليك ركوبه وركبتُ أخطاراً إليك غوفةٌ قال السمعاني : وتوفي أبو الخطاب المذكور في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وأربعمائة ، وكان بينه وبين أبي العلاء المعري مشاعرة، وكتب إليه أبو العلاء قصيدته التي أولها : غير مجد في ملي واعتقادي قلت : وهذا غلط منه ، بل كتبها أبو العلاء المعري إلى أبي حمزة الحسن بن عبد اللّه الفقيه الحنفي قاضي منبج ، كان ، وقد ذكر ذلك الفقيه القاضي كمال الدين عرف بابن العديم الحلبي ٣ . وحبيب : اسم أمه ولهذا لا يصرفونه ، فانه لا يعرف له أب ، ويقال إنه ولد ملاعنة ، ويقال إنه اسم أبيه فينصرف ، والله أعلم ، وكذلك محمد ابن حبيب النسابة أيضاً . ودخل يونس المسجد يوماً وهو يتّهادى بين اثنين من الكبر ، فقال له رجل كان يتهمه في مودته : بلغت ما أرى يا أبا عبد الرحمن ، فقال : ١ الأنساب ٣ : ١٩٥. ٢ هو محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم الجبلي (ياقوت: جبل)؛ وقد أورد ياقوت ما ذكر. ابن السمعاني حول إرسال قصيدة أبي العلاء له ، وهو مما استدركه المؤلف والصحيح أن الجبلي مدح أبا العلاء فأجابه أبو العلاء بقصيدة مطلعها: (شروح السقط : ١٥٣) . . أشفقت من عبء البقاء وعابه ومثلت من أري الزمان وصابه وانظر في ترجمته تاريخ بغداد ٣: ١٠١ وابن الأثير ٩ : ٥٤٣ والنجوم الزاهرة ٥ : ٤٤. ٣ وهذه جبل ... الحلبي: لم يرد في س؛ قلت: وانظر بغية الطلب ٤ : ٢٩٣ وقد توفي الفقيه قبل الأربعمائة . ٢٤٨ هو الذي ترى ، لا بلغته ، فأخذ هذا المعنى جماعة من الشعراء فنظموه . وقال أبو الخطاب زياد بن يحيى : مثل يونس كمثل كوز ضيق الرأس لا يدخله شيء إلا بعسر، فاذا دخله لم يخرج منه ، يعني أنه لا ينسى شيئاً . وقد ذكرت تاريخ مولده وموته في أول الترجمة ، وقيل إنه توفي سنة ثلاث وثمانين ، وقيل خمس وثمانين ، وقال عبد الباقي بن قانع : سنة أربع وثمانين ومائة، والله أعلم . وقيل إنه عاش ثمانياً وتسعين سنة ، رحمه اللّه تعالى . ٨٥٣ يونس بن عبد الأعلى الصدفي أبو موسى يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حفص بن حيان ، الصدفي المصري الفقيه الشافعي ؛ أحد أصحاب الشافعي رضي الله عنه ، والمكثرين في الرواية عنه والملازمة له ، وكان كثير الورع متين الدين ، وكان علامة في علم الأخبار والصحيح والسقيم ، لم يشاركه في زمانه في هذا أحد - وقد سبق في هذا الكتاب ذکر حفيده أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد ابن يونس١، وهو المنجم المشهور، صاحب الزيج، وكل واحد منهما إمام. في فنه - . ٨٥٣ - ترجمته في تهذيب التهذيب ١١: ٤٤٠ وغاية النهاية ٢ : ٤٠٦ وطبقات السبكي ١: ٢٧٩ والانتقاء : ١١١ ومرآة الجنان ٢: ١٧٦ وطبقات الشيرازي: ٩٩ وطبقات العبادي: ١٨ وابن قاضي شهية: ٤٦ والاسنوي ١: ٣٣ والعبر ٢: ٢٩ والحسيبي : ٧ والشذرات ٢: ١٤٩ والباب ( الصدق) ١ انظر ج ٣ : ١٣٧ ٢٤٩ وأخذ يونس القراءة عرضا عن ورش وسقلاب بن شيبة ١ومعلى بن دحية٢، عن نافع و عن علي بن أبي كيسة٣ عن سليم؛ عن حمزة بن حبيب الزيات. وسمع سفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب المصري . وروى القراءة عنه مواس بن سهل ومحمد بن الربيع وأسامة بن أحمد ومحمد بن إسحاق بن خزيمة° ومحمد ابن جرير الطبري وغيرهم . وكان محدثاً جليلا . وذكره أبو عبد الله القُضاعي في كتاب ((خطط مصر))، فقال: كان من أفضل أهل زمانه وكان من العقلاء ، يروى عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : ما رأيت بمصر أعقل من يونس بن عبد الأعلى . وصحب الشافعي وأخذ عنه الحديث والفقه ، وحدث بهما عنه جماعة ، وله حُبُسس في ديوان الحكم وعقب ، وله دار مشهورة في خطة الصدف مكتوب عليها اسمه ، وتاريخها سنة خمس عشرة ومائتين ، وكان أحد الشهود بمصر ، أقام شاهداً ستين سنة . وذكر غير القضاعي أن يونس بن عبد الأعلى روى عنه الإمام مسلم بن الحجاج القشيري وأبو عبد الرحمن النسائي وأبو عبد اللّه ابن ماجه وغيرهم . وقال أبو الحسن ابن زولاق في كتاب ((أخبار قضاة مصر)): إن القاضي بكار بن قتيبة لما تولى قضاء مصر وتوجه إليها من بغداد لقي في طريقه محمد ابن الليث ، قاضي مصر كان قبله ، بالجفار خارجاً من مصر إلى العراق مصروفاً ، فقال له بكار : أنا رجل غريب ، وأنت قد عرفت البلد فدلني على من أشاوره وأسكن إليه ، فقال له : عليك برجلين : أحدهما عاقل وهو ١ في س: ابن أبي شنينة، ق ع: ابن شنينة؛ ر: سنينة؛ وفي غاية النهاية (١: ٣٠٨) سقلاب بن شيبة أبو سعيد المصري ، مات سنة ١٩١ ٢ معلى بن دحية بن قيس أبو دحية المصري (غاية النهاية ٢: ٣٠٤). ٣ علي بن يزيد بن كيسة أبو الحسن الكوفي نزيل مصر، توفي سنة ٢٠٢ ( غاية النهاية ١: ٥٨٤). ٤ هو سليم بن عيسى بن سليم الكونفي (غاية النهاية ١ : ٣١٨). • مواس بن سهل أبو القاسم المعافري المصري (غاية النهاية ٢: ٣١٦) ومحمد بن الربيع الجيزي (٢: ١٤٠) وأسامة بن أحمد بن عبد الرحمن التجيبي (١: ١٥٥) ومحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري (٢ : ٩٧ ) . ٢٥٠ يونس بن عبد الأعلى ، فاني سعيت في دمه فقدر عليّ فحقن دمي، والآخر أبو هارون موسى بن عبد الرحمن بن القاسم فانه رجل زاهد . فقال له بكار : صف لي الرجلين فقال له : أما يونس فرجل طوال أبيض ، ووصفه ووصف موسى ، فلما دخل بكار مصر ودخل الناس إليه دخل شيخ فيه صفة يونس ، فرفعه بکار وأقبل يحدثه ، ويقول : يا أبا موسى في كل حديثه ، فبينا بكار كذلك إذ قيل له : قد جاء يونس ، فأقبل على الرجل وقال له : يا هذا من أنت ؟ وما سكوتك كذا لو أفشيت إليك سراً لي ! ثم دخل يونس فأكرمه ورفعه ، وأتاه موسى بن عبد الرحمن فاختص بهما وأخذ رأيهما . وقيل إن موسى المذكور اختص به القاضي بكار ، وكان يتبرك به لزهده ، فقال له يوماً : يا أبا هارون من أين المعيشة ؟ قال : من وقف وقفه أبي ، فقال له بكار : أيكفيك ؟ قال : قد تكفيت به ، وقد سألني القاضي فأريد أن أسأله ، قال : سل ، قال : هل ركب القاضي دينٌ بالبصرة حتى تولى بسببه القضاء ؟ قال : لا ، قال : فهل رزق ولداً أحوجه إلى ذلك ، قال : لا، ما نکحت قط ، قال : فهل لك عیال کثيرة ؟ قال : لا ، قال : فهل أجبرك السلطان وعرض عليك العذاب وخوفك ؟ قال : لا ، قال : فضربت آباط الإبل من البصرة إلى مصر لغير حاجة ولا ضرورة، لله عليّ لادخلتُ عليك أبداً . فقال: يا أبا هارون أقلني ، قال: أنت بدأت بالمسألة، ولو سكنَّ لسكت . ثم انصرف عنه ولم يعد إليه بعدها . وقال يونس : رأيت في المنام قائلا يقول لي: إن اسم الله الأكبر ((لا إله إلا الله)). ونقلت من كتاب ((المنتظم في أخبار من سكن المقطم)) قال في ترجمة يونس المذكور : ومن حكاياته التي حكاها عن غيره ، أن رجلاً جاء إلى نحاس ، فقال له : أسلفني ألف دينار إلى أجل ، فقال له النحاس : من يضمن المبلغ ؟ قال : اللّه تعالى ، فأعطاه ألف دينار ، فسافر بها الرجل ٢٥١ يتجر١ ، فلما بلغ الأجل أراد الخروج إليه ، فحبسه عدم الريح ، فعمل تابوتاً وجعل فيه ألف دينار ، وأغلقه وسمره وألقاه في البحر ، فقال : اللهم هذا الذي ضمنته لي ، فخرج صاحب المال ينتظر قدوم الذي معه المال ، فرأى سواداً في البحر فقال : ايتوني بهذا ، فأتي بالتابوت ففتحه ، فاذا فيه ألف٢ دينار . ثم إن الرجل جمع ألفاً بعد ذلك ، وطابت الربح ، فجاء إلى النحاس وسلم عليه ، فقال له النحاس : من أنت ؟ فقال : أنا صاحب الألف ، هذه ألفك ، فقال النحاس : لا أقبلها منك حتى تخبرني ما صنعت بها ، فأخبره بالذي صنع ، وأن الريح لم تطب ، فقال له النحاس : قد أدى الله عز وجل عنك الألف ووصلتْ. وله أخبار كثيرة ، وروايات مأثورة . وكان يونس يروي للشافعي رضي الله عنه : فتول" أنتّ جميعَ أمرك ما حكّ جلَّدَك مثلُ ظفرك فاقصدْ لمعترف بقدرك وإذا قصدتَ لحاجة وقال يونس : قال لي الشافعي رضي الله عنه: يا يونس ، دخلت بغداد ؟ قلت : لا ، قال : ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس . وقال يونس : سمعت من الشافعي كلمة لا تسمع إلا من مثله ، وهي ((رضى الناس غاية لا تدرك، فانظر ما فيه صلاح نفسك في أمر دينك ودنياك فالزمه )) . وقال علي بن قدید : كان يونس بن عبد الأعلى يحفظ الحديث ويقوم به . وذكره أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسوي فقال : هو ثقة ؛ وقال غيره : ولد يونس في ذي الحجة سنة سبعين ومائة ، وتوفي يوم الثلاثاء ليومين ١ س: ليتجر. ٢ س : فإذا هو بألف . ٢٥٢ بقيا من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين ، وهي السنة التي مات فيها المزني رحمه الله تعالى ، وكانت وفاته بمصر ، ودفن بمقابر الصدف ، وقبره مشهور بالقرافة . (396)وأما أبوه عبد الأعلىفانه یکنی أبا سلمة، وكان رجلا صالحاً، ومن کلامہ : من اشتری ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه ، وقال ولده يونس : والأمر عندي كما قال . وتوفي عبد الأعلى المذكور في المحرم سنة إحدى ومائتين ، ومولده سنة إحدى وعشرين ومائة . (397)وأما ابنه أبو الحسن أحمد بنيونس، والد أبي سعيد عبد الرحمنبن أحمد صاحب ((تاريخ مصر))، فان ابنه أبا سعيد عبد الرحمن بن أحمد ذكر في تاريخه أنه ولد في ذي القعدة سنة أربعين ومائتين ، وتوفي يوم الجمعة أول يوم من رجب سنة اثنتين وثلثمائة ، وقال : هو عديد للصدف ، ولیس من أنفس الصدف ، ولا من مواليهم . والصدفي : بفتح الصاد والدال المهملتين وبعدهما فاء ، هذه النسبة إلى الصّدف ، بكسر الدال ، وذكر السهيلي أنه بكسر الدال وفتحها ، وإنما فتحوا الدال في النسب مع كسرها في غير النسب كي لا يوالوا بين كسرتين قبل ياءين كما قالوا في النسبة إلى النمر نمري وغير ذلك . واختلفوا في اسم الصدف فقيل : هو مالك بن سهيل بن عمرو بن قيس ، هكذا قاله القضاعي في كتاب ((الخطط)) وزاد السمعاني في كتاب ((الأنساب))١ على هذا النسب ، فقال : الصدف بن سهيل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس ابن وائل بن الغوث بن حيدان بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن هميسع ابن حمير بن سبأ ، وقال الدارقطني : واسم الصدف شهال٢ بن دعمي بن زياد بن حضرموت، وقال الحازمي في كتاب «العجالة في النسب))٣: هو ١ اللباب ٢ : ٥١. ٢ س ر : سهال . ٣ العجالة : ٨٠ . ٢٥٣ عمرو بن مالك والله أعلم . وقال القضاعي : دعوتهم مع كندة ، وإنما سمي. الصدف لأنه صدف بوجهه عن قومه حين أتاهم سيل العرم ، فأجمعوا على ردمه ، فصدف عنهم بوجهه تلقاء حضرموت فسمي الصدف . وقيل إنما سمي الصدف لأنه كان رجلا شجاعاً لا يذعن لأحد من العرب ، فبعث إليه بعض ملوك غسان رسولا ليقدم به عليه ، فعدا على الرسول فقتله وخرج هارباً ، فبعث الملك إليه رجلا في خيل عظيمة ، فكان كلما جاء حياً من أحياء العرب سأل عن الصدف ، فيقولون : صدف عنا ، وما رأینا له وجهاً ، فسمي الصدف من يومئذ ، ثم لحق بكندة فنزل فيهم ، قال أرباب علم النسب: أكثر الصدف بمصر وبلاد المغرب ، والله أعلم . قلت : قد خرجنا عن المقصود لكنه ما يخلو عن فائدة . ٨٥٤ رضي الدين الإربلي أبو الفضل يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد بن سعد بن سعيد بن عاصم بن عائد بن كعب بن قيس ، الملقب رضي الدين الإربلي ، والد الشيخين عماد الدين أبيحامد محمد، وکمال الدین أبي الفتح موسی۔۔ وقد تقدم ذ کر هما١۔ قلت : هكذا وجدت نسبه بخط بعض أصحابنا المتأدبين ، ولم أعلم من أين له هذه الزيادة ، والذي أعرفه من نسبه هو الذي ذكرته في ترجمة ولديه ، والله أعلم . كان الشيخ يونس المذكور من أهل إربل ومولده بها ، وقدم الموصل ٨٥٤ - ترجم له الاسنوي ٢: ٥٦٩ وابن قاضي شهبة: ١٤٨، ولم ترد هذه الترجمة في المختار . ١ انظر ج ٤ : ٢٥٣ ؛ ٥ : ٣١١ . ٢٥٤ فتفقه بها على تاج الإسلام أبي عبد الله الحسين بن نصر المعروف بابن خميس الكعبي الجهني - المقدم ذكره١- وسمع عليه كثيراً من كتبه ومسموعاته ، ثم انحدر إلى بغداد وتفقه بها على الشيخ أبي منصور سعيد بن محمد بن عمر المعروف بابن الرزاز مدرس النظامية ، ثم أصعد إلى الموصل وتديّرها وصادف بها قبولا تاماً عند المتولي بها الأمير زين الدين أبي الحسن علي بن بكتكين والد الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل - المقدم ذكره في حرف الكاف٢- وفوّض له تدریس مسجده المعروف به و جعل نظره إليه ، فكان يدرس ويفي ويناظر ، وتقصده الطلبة للاشتغال عليه والمباحثة مع ولديه المذكورين ، ولم يزل على قدم الفتوى والتدريس والمناظرة إلى أن توفي بالموصل يوم الاثنين سادس المحرم سنة ست وسبعين وخمسمائة . وسمعت بعض خواصهم يقول: توفي سنة خمس وسبعين ، وأما ولده الشيخ كمال الدين فكان يقول : بل توفي سنة ست وسبعين ، وهو أعلم بذلك . ودفن بتربته المجاورة لمسجد زين الدين المذكور، رحمه الله تعالى ، وكان عمره ثمانياً وستين سنة . وقد تقدم ذكر حفيده أيضاً شرف الدين أحمد بن الشيخ كمال الدين موسى بن يونس المذكور٣، رحمهم الله تعالى . وعلى الجملة فإنه خرج من بيتهم جماعة من الفضلاء ، وانتفع بهم أهل تلك البلاد وغيرهم ، وكانوا مقصودين من بلاد العراق والعجم وغيرها ، رحمهم الله تعالى أجمعين ؛ . وله شعر ، فمن ذلك قوله : تمرّ شهورُ الحول لا نتجمعُ لها زَوْرَةٌ في كلّ عامٍ وتارةً على خلقِ الدنيا تجودُ وتمنع وصالٌ وصدلا لشيءٍ سوی انها وله غير ذلك ، والله أعلم . ١ = ٢ : ٠١٣٩ ٢ = ٤ : ١١٣ ٠ ٣ ج ١ : ١٠٨ . ٤ هنا تنتهي الترجمة في س . ٢٥٥ ٨٥٥ يونس المخارقي يونس بن يوسف بن مساعد الشيباني ثم المخارقي ، شيخ الفقراء اليونسية ، وهم منسوبون إليه ومعروفون به ؛ كان رجلاً صالحاً وسألت جماعة من أصحابه عن شيخه من کان فقالوا : لم يكن له شيخ ، بل كان مجذوباً ، وهم يسمون من لا شيخ له بالمجذوب ، يريدون بذلك أنه جُذب إلى طريق الخير والصلاح ، ويذكرون له کرامات . أخبرني الشيخ محمد بن أحمد بن عبيد، کان قد رآه وهو صغير ، وذكر أن أباه أحمد كان صاحبه ، فقال : كنا مسافرين والشيخ يونس معنا ، فنزلنا في الطريق على عين بوار ، وهي التي يجلب منها الملح البواري ، وهي بين سنجار وعانة ، قال : وكانت الطريق مخوفة ، فلم يقدر أحد منا أن ينام من شدة الخوف ونام الشيخ يونس ، فلما انتبه قلت له : كيف قدرت تنام ؟ فقال لي : والله ما نمت حتى جاء إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وتدرك القُفْل . فلما أصبحنا رحلنا سالمين ببركة الشيخ يونس . قال : وعزمت مرة على دخول نصيبين ، وكنت عند الشيخ يونس في قريته ، فقال : إذا دخلت البلد فاشتر لأم مساعد كفناً ، قال : وكانت في عافية ، وهي أم ولده ، فقلت له : وما بها حتى نشتري لها كفناً ؟ فقال : ما يضر ، فذكر أنه لما عاد وجدها قد ماتت . وذكر له غير هذا من الأحوال والکرامات ٨٥٥ - انظر ترجمته في مرآة الجنان ٤: ٤٦ والشذرات ٥: ٨٧ والدارس ٢ : ٢١٣، " ولم ترد هذه الترجمة في النسخة س؛ وذكر في ر أن هذه الترجمة توجد في بعض النسخ في آخر الكتاب وربما عى أنها قد وضعت هنالك بعد الخاتمة ، وقد وردت في المختار وهذا . يدل على أنها من عمل المؤلف. وذكر المقريزي في الخطط ٢: ٤٣٥ أن الشيخ يونس توفي سنة ٧١٩، ولعله سبق قلم ، إذ لا يمكن أن يكون ممن يترجم لهم ابن خلكان ، وقد علق الشيخ نصر الهوريني بحاشية الطبعة البولاقية بأن ما جاء في المقريزي خطأ محض . ٢٥٦ وأنشد له مواليا ، وهو : وأنا رميت الخلايق في بحار التيه أنا حميت الحمى وانا سكنتو فيه أنا فتى ما أداني من به تشبيه من كان يبغي العطا مني أنا أعطيه وذكر لي الشيخ محمد المذكور أن الشيخ يونس توفي سنة تسع عشرة وستمائة في قريته، وهي القُنَيّة من أعمال دارا، وهي بضم القاف وفتح النون وتشديد الياء المثناة من تحتها ، تصغير قناة ، وقبره مشهور بها يزار ، وكان قد ناهز تسعين سنة من عمره ، رحمه الله تعالى . ٢٥٧ قال المصنف ما مثاله: نَجَزَ الكتاب الذي سميته ((وفيات الأعيان ، وأنباء أبناء الزمان)) بحمد الله ومنّه، وذلك في يوم الاثنين العشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين وستمائة بالقاهرة المحروسة . يقول الفقير إلى الله تعالى أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان مؤلف هذا الكتاب : إنني كنت قد شرعت في هذا الكتاب في التاريخ المذكور في أوله على الصورة التي شرحتها هناك ، مع استغراق الأوقات في فصل القضايا الشرعية والأحكام الدينية بالقاهرة المحروسة ، فلما انتهيت فيه إلى آخر ترجمة يحيى بن خالد ابن برمك حصلت لي حركة إلى الشام المحروس في خدمة الركاب العالي المولوي السلطاني المجاهدي المرابطي المفاخري المؤيدي المنصوري الغيائي المنعمي المحسني الملكي الظاهري ، ركن الدنيا والدين ، سلطان الإسلام والمسلمين ، أبي الفتح بيبرس قسيم أمير المؤمنين ، خلد الله سلطانه ، وشيد بدوام دولته قواعد الملك وثبت أركانه ، وكان الخروج من القاهرة المحروسة يوم الأحد سابع شوال سنة تسع وخمسين وستمائة ، ودخلنا دمشق يوم الاثنين سابع ذي القعدة من السنة المذكورة ، وقلدني الأحكام بالبلاد الشامية يوم الخميس ثامن ذي الحجة من السنة المذكورة ، فتراكمت الأشغال ، وكثرت الموانع الصارفة عن إتمام هذا الكتاب ، فاقتصرت على ما كنت قد أثبته من ذلك ، وختمت الكتاب ، واعتذرت في آخره بهذه الشواغل عن إكماله وقلت: إن قدر الله تعالى مهلة في الأجل وتسهيلا في العمل ، أستأنف كتاباً يكون جامعاً لجميع ما تدعو الحاجة إليه في هذا الباب . ٢٥٨ ثم حصل الانفصال عن الشام والرجوع إلى الديار المصرية ، وكان مدة المقام بدمشق المحروسة مدة عشر سنين كوامل لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً ، فاني دخلتها في التاريخ المذكور ، وخرجت منها بكرة نهار الخميس ثامن ذي القعدة من سنة تسع وستين وستمائة . فلما وصلت إلى القاهرة صادفت بها كتباً كنت أوثر الوقوف عليها ، وما كنت أتفرغ لها ، فلما صرت أفرغ من حَجّام ساباط بعد أن كنت أشغلَ من ذات النّحيين١، كما يقال في هذين المثلين ، طالعت تلك الكتب ، وأخذت منها حاجتي ثم تصديت لإتمام هذا الكتاب حتى كمل على هذه الصورة ، وأنا على عزم الشروع في الكتاب الذي وعدت به إن قدر الله تعالى ذلك، والله يعين عليه ويسهل الطرق المؤدية إليه ، فمن وقف على هذا الكتاب من أهل العلم ، ورأى فيه شيئاً من الخلل ، فلا يعجل بالمواخذة فيه ، فاني توخيت فيه الصحة حسبما ظهر لي ، مع أنه كما يقال: أبى الله أن يصح إلا كتابه، لكن هذا جهد المقل، وبذل الاستطاعة، وما يكلف الإنسان إلا ما تصل قدرته إليه ، وفوق كل ذي علم عليم ؛ وقد تقدم في أول هذا الكتاب الاعتذار عن الدخول في هذا الأمر والحامل عليه، فأغنى عن إعادته ها هنا ، والله يستر عيوبنا بستر كرمه الضافي ، ولا يكدر علينا ما منحنا من مشرع اغضائه النمير الصافي ، إن شاء الله تعالى . ١ مجمع الأمثال : ٢٢:٢، ٢٥٥:١، ومن قصة الحجام أنه كان ملازماً لساباط المدائن ، وكان يحجم الجند الذاهبين إلى الغزو نسيئة إلى حين رجوعهم ، ويظل فارغاً دون عمل أثناء غيابهم ، أما ذات النحيين فلها قصة أخرى تراجع في الأمثال . ٢٥٩ 1