النص المفهرس

صفحات 201-220

الأربعاء سادس عشر شوال ، وفيها أولاده : الملك الأفضل ، والملك
الظاهر، والملك الظافر مظفر الدين الخضر المعروف بالمشمر ، وأولاده
الصغار . وكان يحب البلد ويؤثر الإقامة فيه على سائر البلاد . وجلس للناس
في بکرة یوم الخمیس السابع والعشرين منه، وحضروا عندهم وبلوا شوقهم منه،
وأنشده الشعراء ، ولم يتخلف أحد عنه من الخاص والعام ، وأقام ينشر جناح
عدله ويهطل سحاب إنعامه وفضله ، ويكشف مظالم الرعايا . فلما كان يوم
الإثنين مستهل ذي القعدة عمل الملك الأفضل دعوة للملك الظاهر ، لأنه لما
وصل إلى دمشق وبلغه حركة السلطان أقام بها ليتملى بالنظر إليه ثانياً ، وكأن
نفسه كانت قد أحست بدنو أجله ، فودعه في تلك الدفعة مراراً متعددة .
ولما عمل الملك الأفضل الدعوة أظهر فيها من الهمم العالية ما يليق بهمته ،
وكأنه أراد بذلك مجازاته عما خدمه به حين وصل إلى بلده ، وحضر الدعوة
المذكورة أرباب الدنيا والآخرة ، وسأل السلطانَ الحضورَ فحضر جبراً لقلبه ،
وكان يوماً مشهوداً على ما بلغني .
ولما تصفح الملك العادل أحوال الکرك وأصلح ما قصد إصلاحه فیه ، سار
قاصداً إلى البلاد الفراتية، فوصل إلى دمشق في يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة
وخرج السلطان إلى لقائه ، وأقام يتصيد حوالي غباغب إلى الكسوة حتى لقيه ،
وسارا جميعاً يتصيدان . وكان دخولهما إلى دمشق آخر نهار يوم الأحد حادي
عشر ذي الحجة ١ سنة ثمان وثمانين ، وأقام السلطان بدمشق يتصيد هو وأخوه
وأولاده ، ويتفرجون في أراضي دمشق ومواطن الصبا ، وكأنه وجد راحة
مما كان به من ملازمة التعب والنصب وسهر الليل ، وكان ذلك كالوداع
لأولاده ومراتع نزهه ، ونسي عزمه إلى مصر، وعرضت له أمور أخر وعزمات
غير ما تقدم .
قال ابن شداد٢: ووصلي کتابه إلى القدس يستدعيني لخدمته ، و کان شتاء
شديداً ووحلا عظيماً ، فخرجت من القدس في يوم الجمعة الثالث والعشرين
١ كتب فوقها في المسودة : القعدة ؛ وهو لا يتفق مع ما تقدم .
٢ السيرة : ٢٤١.
٢٠١

من المحرم سنة تسع وثمانين ، وكان الوصول إلى دمشق في يوم الثلاثاء ثاني
عشر صفر من السنة . وركب السلطان لملتقى الحاج يوم الجمعة خامس عشر
صفر ، وكان ذلك آخر ركوبه .
ولما ١ كان ليلة السبت وجد كسلاً عظيماً ، وما تنصف الليل حتى غشيته
حمى صفراوية ، وكانت في باطنه أكثر منها في ظاهره ، وأصبح يوم السبت
متكسلا عليه أثر الحمى ، ولم يظهر ذلك للناس ، لكن حضرتُ عنده أنا
والقاضي الفاضل ، ودخل ولده الملك الأفضل وطال جلوسنا عنده ، وأخذ
يشكو قلقه في الليل ، وطاب له الحديث إلى قريب الظهر ، ثم انصرفنا وقلوبنا
عنده ، فتقدم إلينا بالحضور على الطعام في خدمة ولده الملك الأفضل ، ولم
تكن للقاضي الفاضل في ذلك عادة فانصرف ، ودخلت إلى الإيوان القبلي وقد
مد السماط ، وابنه الملك الأفضل قد جلس في موضعه ، فانصرفت ، وما
كانت لي قوة في الجلوس استيحاشاً له ، وبكى في ذلك اليوم جماعة تفاؤلاً
الجلوس ولده في موضعه . ثم أخذ المرض يتزيد من حينئذ ونحن نلازم التردد
طرفي النهار ،وندخل إليه آنا والقاضي الفاضل في النهار مراراً ، وكان مرضه
في رأسه ، وكان من أمارات انتهاء العمر غيبة طبيبه الذي كان قد عرف
مزاجه سفراً وحضرا ، ورأى الأطباء فصده ففصدوه في الرابع فاشتد مرضه
وقلت رطوبات بدنه ، وكان يغلب عليه اليبس ، ولم يزل المرض يتزايد حتى
انتهى إلى غاية الضعف . واشتد مرضه في السادس والسابع والثامن ، ولم يزل
یتزاید ویغیب ذهنه . ولما كان التاسع حدثت له غشية وامتنع من تناول المشروب
واشتد الخوف في البلد ، وخاف الناس ونقلوا أقمشتهم من الأسواق ، وعلا
الناس من الكآبة والحزن ما لا تمكن حكايته . ولما كان العاشر من مرضه
حُقْن دفعتين ، وحصل من الحقن بعض الراحة وفرح الناس بذلك ، ثم اشتد
مرضه وأيس منه الأطباء ، ثم شرع الملك الأفضل في تحليف الناس .
ثم إنه توفي بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر
١ السيرة : ٢٤٣ .
٢٠٢

سنة تسع وثمانين وخمسمائة . وكان يوم موته يوماً لم يُصَّب الإسلام والمسلمون
بمثله منذ فُقد الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم ، وغشي القلعة والملك والدنيا
وحشةٌ لا يعلمها إلا الله تعالى. وبالله لقد كنت أسمع من الناس أنهم يتمنون
فداء من يعز عليهم بنفوسهم ، وكنت أتوهم أن هذا الحديث على ضرب من
التجوز والترخص ، إلى ذلك اليوم فاني علمت من نفسي ومن غيري أنه لو
قبل الفداء لفدي بالأنفس .
ثم جلس ولده الملك الأفضل للعزاء ، وغسله الدولعي .
(391) قلت: الدولعي المذكور١، هو ضياء الدين أبو القاسم عبد الملك بن زيد
ابن ياسين بن زيد بن قائد بن جميل التغلبيّ الأرقمي الدولعي الشافعي ، خطيب
جامع دمشق . توفي في ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وخمسمائة
وسئل عن مولده فقال : في سنة سبع وخمسمائة ، ثم ذكر غير هذا ، واللّه
أعلم ؛ ودفن بمقابر الشهداء بباب الصغير .
قال: وأخرج بعد صلاة الظهر ، رحمه اللّه، في تابوت مسجى
بثوب فُوّط ، فارتفعت الأصوات عند مشاهدته وعظم الضجيج وأخذ
الناس في البكاء والعويل ، وصلوا عليه أرسالا ، ثم أعيد إلى الدار التي في
البستان ، وهي التي كان متمرضا بها ، ودفن في الصُّفّة الغربية منها ، وكان
نزوله في حفرته قريباً من صلاة العصر .
ثم أطال ابن شداد القول في ذلك فحذفته خوفاً من الملالة ، وأنشد في
آخر ((السيرة »٢ بيت أبي تمام الطائي ، وهو:
ثم انقضت تلك السنون وأهلها. فكأنها وكأنهمْ أحلام
١ ترجمة الدولعي في معجم البلدان (دولع) والذيل على الروضتين: ٣١ وعبر الذهبي ؛ :
٣٠٣ والبداية والنهاية ١٣: ٣٣ والنجوم الزاهرة ٦: ٨١ والاسنوي ١ : ٥١٣ وشذرات
الذهب ٤ : ٣٣٦ واين قاضي شهبة : ١٥١ .
٢ السيرة : ٢٤٧
٢٠٣

رحمه الله تعالى وقدس روحه ، فلقد كان من محاسن الدنيا وغرائبها .
وذكر سبط ابن الجوزي في تاريخه في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة
ما مثاله ١ : وفي خامس المحرم خرج صلاح الدين من مصر ، فنزل البركة
قاصداً الشام ، وخرج أعيان الدولة لوداعه ، وأنشده الشعراء أبياتاً في الوداع ،
فسمع قائلاً يقول في ظاهر الخيمة :
تمتع من شميم عرار نجد فما بعد العشية من عرار
فطلب القائل فلم يوجد ، فوجم السلطان وتطير الحاضرون ، فكان كما
قال ، فإنه اشتغل ببلاد الشرق والفرنج ، ولم يعد بعدها إلى مصر .
قلت: وهذا البيت من جملة أبيات في ((الحماسة)) في باب النسيب ٢ .
وذكر شيخنا عز الدين ابن الأثير في تاريخه الكبير هذه القضية على
صورة أخرى ، فقال ٣: ومن عجيب ما يحكى من التطير أنه لما برز عن
القاهرة أقام بخيمته حتى تجتمع العساكر ، وعنده أعيان دولته والعلماء وأرباب
الآداب ، فمن بين مودع له وسائر معه ، وكل واحد منهم يقول شيئاً في
الوداع والفراق ، وفي الحاضرين معلم لبعض أولاده ، فأخرج رأسه من بين
الحاضرين ، وأنشد هذا البيت ، فانقبض صلاح الدين وتطير بعد انبساطه
وتنكد المجلس على الحاضرين ، فلم يعد إليها إلى أن مات مع طول المدة .
وذكر ابن شداد أيضاً في أوائل ((السيرة)) أنه مات ولم يخلف في خزانته
من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهماً ناصرية ، وجرْماً واحداً ذهباً
صوريا ، ولم يخلف ملكا : لا داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا قرية ولا مزرعة .
وفي ساعة موته كتب القاضي الفاضل إلى ولده الملك الظاهر صاحب
حلب بطاقة مضمونها﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (الأحزاب:
١ مرآة الزمان : ٣٦٨ - ٣٦٩ .
٢ الحماسية رقم: ٤٦٦ (شرح المرزوقي) .
٣ تاريخ ابن الأثير ١١ : ٤٧٨
٢٠٤

٢١) ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ (الحج: ١) كتبت إلى مولانا السلطان
الملك الظاهر أحسن الله عزاءه وجبر مصابه ، وجعل فيه الخلف في الساعة
المذكورة ، وقد زلزل المسلمون زلز الاً شديداً ، وقد حفرت الدموع المحاجر،
وبلغت القلوب الحناجر ، وقد ودعت أباك ومخدومي وداعاً لا تلاقي بعده ،
وقد قبّلت وجهه عني وعنك ، وأسلمته إلى الله تعالى مغلوب الحيلة ضعيف
القوة ، راضياً عن اللّه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبالباب من
الجنود المجندة والأسلحة المعدّة ما لم يدفع البلاء ، ولا مُلكٌ يرد القضاء،
وتدمع العين ويخشع القلب ، ولا نقول إلا ما يرضي الرب ، وإنا عليك
لمحزونون يا يوسف . وأما الوصايا فما تحتاج إليها ، والآراء فقد شغلني
المصاب عنها ، وأما لائح الأمر فإنه إن وقع اتفاق فما عدمتم إلا شخصه
الكريم ، وإن كان غيره فالمصائب المستقبلة أهونها موته وهو الهول العظيم ،
والسلام )).
· قلت : لله دره ، فلقد أبدع في هذه الرسالة الوجيزة ، مع ما تضمنته
من المقاصد السديدة ، في مثل تلك الحالة التي يذهل فيها الإنسان عن نفسه .
قلت : وقد ذكرت كل واحد من أولاده المذكورين ، وهم الأفضل
والظاهر والعزيز في ترجمة مستقلة ، وعينت تاريخ مولده وموته ، سوى
الملك الظافر المشهور بالمشمر ، فاني لم أذكر له ترجمة مستقلة ، وقد ذكرته
ها هنا فيحتاج إلى ذكر شيء من أحواله ، فأقول :
(392) لقبه مظفر الدين وكنيته أبو الدوام، وأبو العباس الخضر، وإنما قيل له
المشمر لأن أباه، رحمه اللّه تعالى ، لما قسم البلاد بين أولاده الكبار قال : وأنا
مشمر ، فغلب عليه هذا اللقب . وكان مولده بالقاهرة في سنة ثمان وستين
وخمسمائة ، في خامس شعبان ، وهو شقيق الملك الأفضل ، وتوفي في جمادى
الأولى سنة سبع وعشرين وستمائة بحران ، عند ابن عمه الملك الأشرف ابن
الملك العادل ، ولم يكن الأشرف يومئذ ملكا وإنما كان مجتازاً بها عند دخوله
بلاد الروم لأجل الخوارزمية .
٢٠٥

قال غير ابن شداد: ثم إن السلطان صلاح الدين ، رحمه الله تعالى ، بقي
مدفوناً يقلعة دمشق إلى أن بنيت له قبة في شماليّ الكلاسة التي هي شمالي
جامع دمشق ، ولها بابان أحدهما إلى الكلاسة والآخر في زقاق غير نافذ ،
وهو مجاور المدرسة العزيزية - قلت : ولقد دخلت إلى هذه القبة من الباب
الذي في الكلاسة ، وقرأت عنده وترحمت عليه ، وأحضر لي القيم ومتولي
القبة بقجة فيها ملبوس بدنه وكان في جملته قباء أصفر قصير ورأس كميه
بأسود فتبركت به - قال : ثم نقل من مدفنه بالقلعة إلى هذه القبة في يوم
عاشوراء ، وكان الخميس من سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ، ورتب عنده
القراء ومن يخدم المكان . ثم إن ولده الملك العزيز عماد الدين عثمان - المقدم
ذكره١ - لما أخذ دمشق من أخيه الملك الأفضل بنى إلى جانب هذه القبة المدرسة
العزيزية٢، ووقف عليها وقفاً جيداً .. وللقبة المذكورة شباك إلى هذه المدرسة ،
وهي من أعيان مدارس دمشق .
وزرت قبره في أول جمعة من شهر رمضان سنة ثمانين وستمائة فقرأت
على صندوق قبره بعد تاريخ وفاته ما مثاله : اللهم فارض عن تلك الروح ،
وافتح له أبواب الجنة فهي آخر ما كان يرجوه من الفتوح ؛ وذكر قيم المكان
أن هذا من كلام القاضي الفاضل .
قلت : ولما ملك السلطان صلاح الدين الديار المصرية لم يكن بها شيء
من المدارس ، فإن الدولة المصرية كان مذهبها مذهب الإمامية ، فلم يكونوا
يقولون بهذه الأشياء ، فعمر في القرافة الصغرى المدرسة المجاورة لضريح الإمام
الشافعي رضي الله عنه - وقد تقدم ذكرها في ترجمة نجم الدين الخبوشاني -
وبنى مدرسة بالقاهرة في جوار المشهد المنسوب إلى الحسين بن علي رضي الله
عنهما ، وجعل عليها وقفاً كبيراً ، وجعل دار سعيد السعداء خادم المصريين
خانقاه ، ووقف عليها وقفاً طائلاً ، وجعل دار عباس المذكور في ترجمة
الظافر العبيدي والعادل ابن السلار مدرسة للحنفية ، وعليها وقف جيد أيضاً ،
١ انظر جـ ٣ : ٢٥١ .
٢ انظر عن هذه المدرسة كتاب الدارس ١ : ٣٨٢.
٢٠٦

والمدرسة التي بمصر المعروفة بزين التجار وقفاً على الشافعية ووقفها جيد أيضاً ،
وبنى بالقاهرة داخل القصر مارستانا ، وله وقف جيد ، وله بالقدس مدرسة
أيضاً ، وقفها كثير ، وخانقاه بها أيضاً ، وله بمصر مدرسة للمالكية ..
ولقد فكرت في نفسي في أمور هذا الرجل وقلت : إنه سعيد في الدنيا
والآخرة ، فإنه فعل في الدنيا هذه الأفعال المشهورة من الفتوحات الكبيرة
وغيرها ، ورتب هذه الأوقاف العظيمة ، وليس فيها شيء منسوباً إليه في
الظاهر ، فإن المدرسة التي في القرافة ما يسميها الناس إلا بالشافعي ، والمجاورة
للمشهد لا يقولون إلا المشهد ، والخانقاه لا يقولون إلا خانقاه سعيد السعداء ،
والمدرسة الحنفية لا يقولون أيضاً إلا مدرسة السيوفية ، والتي بمصر لا يقولون
إلا مدرسة زين التجار ، والتي بمصر مدرسة المالكية ، وهذه صدقة السر على
الحقيقة . والعجب أن له بدمشق في جوار البيمارستان النوري مدرسة يقال
لها الصلاحية فهي منسوبة إليه وليس لها وقف، وله بها مدرسة المالكية أيضاً
ولا تعرف به ، وهذه النعم من ألطاف اللّه تعالى به .
وكان ، مع هذه المملكة المتسعة والسلطنة العظيمة ، كثير التواضع واللطف
قريباً من الناس رحيم القلب كثير الاحتمال والمداراة ، وكان يحب العلماء
وأهل الخير ويقربهم ويحسن إليهم ، وكان يميل إلى الفضائل ، ويستحسن
الأشعار الجيدة ، وير ددها في مجالسه ، حتى قيل إنه كان كثيراً ما ينشد قول
أبي منصور محمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن إسحاق الحميري ، وقيل
إنها لأبي محمد أحمد بن علي بن خيران العامري ، كان أميراً بالمرية من بلاد
الأندلس ، وكان جده خيران من سبي المنصور بن أبي عامر فنسب إليه ،
والله أعلم ، وهي هذه :
من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا
وزارني طيفُ من أهوىعلىحذرٍ
وكاد يهتكُ ستر الحب بي شعفا
فكدت أوقظُ من حولي به فرحاً
ثم انتبهتُ وآمالي تخيّل لي نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا
وقيل إنه كان أيضاً يعجبه قول نشؤ الملك أبي الحسن علي بن مفرج
٢٠٧

المعروف بابن المنجم المعري الأصل المصري الدار والوفاة ، وهو في خضاب
الشيب ، ولقد أحسن فيه :
وأقبحُ منه .. حين يظهرُ ناصلُه
وما خَضّبَ الناسُ البياض لقبحه
على الرسم من حزن عليه منازله
ولكنه مات الشبابُ فسودت ١
قالوا : فكان إذا قال ولكنه مات الشباب يمسك كريمته وينظر إليها
ويقول : أي والله مات الشباب .
وذكر العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب ((الخريدة)) أن السلطان صلاح
الدين في أول ملكه كتب إلى بعض أصحابه بدمشق هذين البيتين :
أيها الغائبون عنا وإن كنتم لقلبي بذكركم جيرانا
إنني مذ فقدتكم لأراكم بعيونِ الضمير عندي عيانا
وأما القصيدتان اللتان ذكرت أن سبط ابن التعاويذي أنفذهما إليه من
بغداد، فإن إحداهما وازن بها قصيدة صَرّدُرّ - المقدم ذكره ــ وقد ذكرت
منها أبياتاً في ترجمة الوزير الكُنْدُري ، وأولها :
أكذا يجازى ود كل قرين
وقصيدة سبط ابن التعاويذي أولها ٢ :
فقفِ المطيّ برملَتَّيْ يَبرِينِ
إن كان دينك في الصبابة ديني
أيدي المطيّ لثمته يجفوني
والثم تَرَى لو شارفتْ بِي هَضْبَهُ
فبغير غزلان الصريم جنوني
وانشُدْ فوادي في الظباء معرّضاً
غالطتُ عنها بالظباء العينِ
ونشيدتي بين الخيام ، وإنما
وقدودها بجوازىء وغصون
لولا العدا لم أكْنِ عِن ألحاظها
١ بهامش المسودة ، خ : فسخمت
٢ ديوانه : ٤٢٠ .
٢٠٨

اللّه ما اشتملتْ عليه قبابهمْ
من كلّ تائهةٍ على أترابها.
خَوْدٍ ترى قمرَ السماء إذا بدت
غادِينَ ما لمعتْ بروقُ ثغورهم
إن تنكروا نَفّسَ الصبا فلأنها
وإذا الركائبُ في الجبالِ تلفتت
یا سلمَ إن ضاعتْ عهودي عندكم
أو عدتُ مغبوناً فما أنا في الهوى
رفقاً فقد عَسَفَ الفراقُ بمطلق العَبَراتِ في أسْرِ الغرام رهين
ولقد بخلْنَ عليّ بالماعون
بلحاظهنّ إذا لوين ديوني
أَرَبٌّ وقد أربى على الخمسين
جدوى بخيلٍ أو وفاءَ خوْون
لقن السماحَةَ من صلاح الدين
ما لي ووصل الغانيات أروُمهُ.
وعلام أشكو والدماءُ مطاحةٌ
هیهات ما للبيض في ودّ امرىء
ومن البلية أن تكون مطالبي
ليت الضنينَ على المحبّ بوصله
وأما القصيدة الثانية فهي ١ :
حتّامَ أرضى في هواك وتغضسبُ
ما كان لي لولا ملالُكَ زِلةٌ
خذْ في أفانين الصدودِ فإنّ لي
أتظنني أضمرتُ بعدَك سلوةٌ
لي فيك نارُ جوانح ما تنطفي
أنسيتَ أياماً لنا وليالياً
أيامَ لا الواشي يَعُدّ ضلالة
يومَ النوى منْ لؤلؤ مكنون
في الحسن غانيسة عن التحسين
ما بين سالفة لها وجبين
إلا استهلتْ بالدموع شؤوني
مَرّتْ بزفرةٍ قلبيّ المحزون
فحنينها لتلفي وحنيني
فأنا الذي استودعتُ غيرَ أمسين
لكمُ بأولٍ عاشقٍ مغبون
وإلى متى تجني علي وتعتب٢ُ
لما مللتَ زعمتَ أنيَ مذنب
قلباً على العلاّتِ لا يتقلّب
هيهات عطفك من سلوي أقرب
حُرْقاً وماءُ مدامع ما تنضب
للهو فيها والبطالة ملعب
ولهي عليك ولا العذولُ يونب
١ ديوانه : ٢٢ ٠
٢ بضم التاء الثانية وكسرها، وفوقها ((معاً)) في المسودة.
١٤-٧
٢٠٩

قد كنتَ تنصفي المودةَ راكباً
واليومَ أقنعُ أن يمرّ بمضجعي
ما خلتُ أن جديدَ أيام الصبا
في الحبّ من أخطاره ما أركب
في النوم طيفُ خيالك المتأوّب
يبلى ولا ثوبَ الشبيبة يسلب
ساري الدجى وانجاب ذاك الغيهب
حتى انجلى ليلُ الغواية واهتدى
عنيّ سعادُ وأنكرتني زينب
وتنافر البيضُ الحسانُ فأعرضت
ونحول جسمي : بان منك الأطيب
قالت وريعتْ من بياضٍ مفارقي
أو تنكري شيبي فتغرك أشنب
إن تنقمي سقمي فخصرك ناحلٌ
قلت : لله دره ، فلقد أجاد في هذا المعنى كل الإجادة ، غير أنه قد ظن
أن الشنب بياض الثغر ، وعليه بنى هذا المعنى حتى تم له مقصوده ، فانها
لما عيرته بالسقم قابلها بنحول الخصر ، فقال لها : إن كنت نحيلا فخصرك
أيضاً نحيل ، فلما أنكرت شيبه قابلها بأن ثغرها أشنب ، فكأنه قال لها : بياض
شيبي في مقابلة ثغرك الأشنب ، وليس الأمر كما ظن ، فان الشنب في اللغة
ليس البياض ، وإنما هو حدة الأسنان ، ويقال : بردها وعذوبتها ، والصحيح
أنه حدتها ، وهو دليل على الحداثة ، لأن الأسنان في أول طلوعها تكون حادة ،
فاذا مرت عليها السنون احتكت وذهبت حدتها . وهذا المعنى ينظر إلى قول
النابغة الذبياني في جملة قصيدته المشهورة وهو١ :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب
وقد تقدم ذكر هذا البيت في ترجمة عروة بن الزبير فيكشف هناك٢.
ومثله أيضاً ما أنشدني بهاء الدين زهير بن محمد الكاتب - المقدم ذكره -
لنفسه من جملة أبيات ، وهو قوله٣ :
فتور عينيه فقطْ
ما فيه من عيب سوى
١ ديوان النابغة : ٦٠
٢ أنظر = ٣ : ٢٥٧ .
٣ ديوان البها زهير: ١٩٠ وترجمته ٢ : ٣٣٢.
٢١٠

رجع :
من عيشه ذَهَبَ الزمانُ المذهبُ
يا طالباً بعد المشيب غضارة
وصل الدّمى١؟ هيهات عز المطلب
أترومُ بعد الأربعين تعدّها
بَفَعَاً تطلّبُهُ وفَوْدك أشيب
ومن السفاه وقد شآك طلابُهُ
ما هاج لي طرباً وميضّ ◌ُخُلَّب
لولا الهوى العذري يا دار الهوى
وندى صلاح الدين هامٍ صيب
كلا ولا استجديتُ أخلافَ الحيا
وقد مدحه جميع شعراء عصره وانتجعوه من البلاد ؛ فمنهم العلم الشاتاني،
واسمه الحسن - وقد تقدم ذكره٢ - مدحه بقصيدته الرائبة التي أولها :
فسرْ واملكِ الدنيا فأنت بها أحرى
أرى النصر مقروناً برايتك الصفرا
ومدحه المهذب أبو حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي نصر المعروف بابن
الشحنة الموصلي الشاعر المشهور٣ بقصيدته التي أولها :
سلامُ مشوقٍ قد براه التشوقُ على جيرةٍ الحيّ الذين تفرقوا
وعدة أبياتها مائة وثلاثة عشر بيتاً ، وفيها البيتان السائران ، أحدهما :
سمعتُ بها، والأذن كالعين تعشق
وإني امرؤ" أحببتكم لمكارم.
وقد أخذه من قول بشار بن برد - المقدم ذكره - وهو :
يا قوم أنني لبعضِ الحيّ عاشقةٌ والأذن تعشقُ قبلَ العين أحيانا
والبيت الثاني من قصيدة ابن الشحنة قوله :
وقالت لي الآمال إن كنت لاحقاً بأبناء أيوب فأنت الموفّقُ
[ومما قيل فيه لبعض أهل المشرق :
+ بهامش المسودة: الدمى جمع دمية وهي الصورة من العاج ونحوه
٢ = ٢: ١١٣، وانظر الروضتين ٦٩٦:٢/١.
٣ البدر السافر : ٤٧ وتوفي سنة ٦٠٦
٢١١

ورام أسهم دين الله راميها
الله أكبر ، جاء القوس باريها
باليوسفين فهل أرض تدانيها
فكم لمصر على الأمصار من شرف
وباين أيوب هزت عطفها تيها
فبابن يعقوب هزت جيدها طربا
فقد أتي آخذ الدنيا ومعطيها
قل للملوك تخلى عن ممالكها
فلما أنشدها إياه أعطاه ألف دينار ]١ .
ومدحه ابن قلاقس وابن الذروي وابن المنجم وابن سناء الملك وابن
الساعاتي والبحراني الإربلي ، وابن دُهن الحصى الموصلي٢، ومحمد بن إسماعيل
ابن حمدان الحَيْزاني وغير هؤلاء ، وقد ذكرت أكثر هذه الجماعة في هذا
التاريخ . وعذري في تطويل هذه الترجمة قول المتنبي :
وقد أطال ثنائي طولُ لابسه. إن الثناء على التِنبال تِنبالُ
التنبال : الرجل القصير ، وهو بكسر التاء المثناة من فوقها وبعدها نون
ساكنة وباء موحدة وبعد الألف لام .
قلت : قد تقدم في هذه الترجمة عند ذكر إرسال العاضد إلى صلاح الدين
وطلبه إياه ليخلع عليه ويوليه الوزارة ذكر المثل المشهور ، وهو ((أردت عمراً
وأراد الله خارجة)) وقد يقف عليه من لا يعرف سبب هذا المثل ، ولا المراد
منه، فأحببت أن أشرحه كيلا يحتاج مَنْ يقف عليه إلى كشفه من مكان
آخر ، فأقول :
(393) عمرو المذكور٣ هو عمرو بن العاصي بن وائل بن هاشم بن سعيد بن
سعد بن سهم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لوْي القرشي السهمي ،
١ لم يرد في المسودة والمختار .
٢ ابن دهن الحصى : الحسن بن هبة الله بن دهن الحصى الموصلي ، كان بالموصل يمدح صاحبها ،
فلما حاصرها صلاح الدين مدحه بقصيدة ، فتغير عليه صاحب الموصل ، فهرب ولحق بصلاح
الدين وكانت وفاته سنة ٦٠٣ ( انظر الغصون اليانعة: ٨١ - ٨٢).
٣ له ترجمة في كتب الصحابة ، وأخباره في كتب التاريخ العامة .
٢١٢

كنيته أبو عبد الله، وقيل أبو محمد ، أحد الصحابة رضي الله عنهم ، أسلم
سنة ثمان من الهجرة قبل فتح مكة ، ومكة فتحها رسول الله صلى الله عليه
وسلم في شهر رمضان من هذه السنة ، وقيل بل أسلم بين الحديبية وخيبر ،
والأول أصح ، وقدم هو وخالد بن الوليد المخزومي وعثمان بن طلحة بن أبي
طلحة القرشي العبدري على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة مسلمين ،
فلما دخلوا عليه ونظر إليهم قال لهم : قد رمتكم مكة بأفلاذ كبدها . وقال
الواقدي: قدم عمرو بن العاصي مسلماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أسلم
عند النجاشي ملك الحبشة ، وقدم معه عثمان بن طلحة وخالد بن الوليد ،
فقدموا المدينة في صفر سنة ثمان من الهجرة ، وقيل إنه لم يأت من أرض الحبشة
إلا معتقداً الإسلام ، وذلك أن النجاشي قال له : يا عمرو ، كيف يعزب
عنك أمر ابن عمك ؟ فوالله إنه لرسول اللّه حقاً، قال : أتحقق ذلك ؟ قال :
اي والله، فأطعني ، فخرج من عنده مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرية إلى الشام يدعو أخوال
أبيه إلى الإسلام ، فبلغ السلاسل من بلاد قضاعة ، وهو ماء بأرض جذام ،
وبذلك سميت تلك الغزوة (( ذات السلاسل )) وكان معه ثلثمائة رجل ، فخاف
عمرو ، فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده ، فأمده يجيش
مائتي فارس من المهاجرين والأنصار أهل الشرف ، فيهم أبو بكر
وعمر رضي الله عنهما، وأمرّ عليهم أبا عبيدة بن الجراح رضي اللّه
عنه ، فلما قدموا على عمرو بن العاصي قال : أنا أميركم وإنما أنتم مددي ،
فقال أبو عبيدة : بل أنت أمير من معك وأنا أمير من معي ، فأنى عمرو ،
فقال أبو عبيدة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليّ إذا قدمتَ على
عمرو فتطاوعا ولا تختلفا ، فان خالفتني أطعتك ، قال عمرو : فاني أخالفك ،
فسلم إليه أبو عبيدة ، وصلى خلفه في الجيش كله ، وكانوا خمسمائة . وولى
رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاصي على عُمان، فلم يزل عليها
حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي سنة اثنتي عشرة بعث أبو بكر رضي الله عنه عمرو بن العاصي ويزيد
٢١٣

ابن أبي سفيان الأموي ، وأبا عبيدة بن الجراح ، وشرحبيل بن حسنة ، إلى
الشام ، وسار إليهم خالد بن الوليد رضي الله عنه من العراق ، وأول شيء
فتحوا من الشام بصرى صلحاً . وتوفي أبو بكر رضي الله عنه ، واستخلف
عمر رضي الله عنه فولى أبا عبيدة على الجيش، وفتح الله تعالى عليه الشام ،
فولى يزيد بن أبي سفيان على فلسطين ، وهي كورة قصبتها الرملة . ولما مات
أبو عبيدة استخلف معاذ بن جبل ، ومات معاذ فاستخلف یزید بن أبي سفيان،
ومات یزید فاستخلف أخاه معاوية بن أبي سفيان ، وكتب إليه عمر رضي
اللّه عنه بعهده على ما كان عليه أخوه يزيد ، وكان موت هؤلاء كلهم في
طاعون عَمْواس ، في سنة ثماني عشرة للهجرة .
وعَمْوَاس : بفتح العين المهملة والميم وفي آخرها سين مهملة، وهي قرية
بالشام بين نابلس والرملة ، وكان الطاعون بها في العام المذكور . وقيل بل
مات يزيد بن أبي سفيان في ذي الحجة من سنة تسع عشرة بدمشق ، والله
أعلم ، وذلك بعد فتح قيسارية .
وكان عمر رضي الله عنه قد ولى عمرو بن العاصي بعد موت يزيد بن
أبي سفيان فلسطين والأردن ، وولى معاوية دمشق وبعلبك والبلقاء ، وولى
سعيد بن عامر بن حذيم حمص ، ثم جمع الشام كلها لمعاوية ، وكتب إلى
عمرو فسار إلى مصر فافتتحها في سنة عشرين للهجرة ، فلم يزل عليها والياً
حتى مات عمر رضي الله عنه، فأقره عثمان رضي الله عنه عليها أربع سنين أو
نحوها ، ثم عزله وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري ، وكان أخا
عثمان رضي الله عنه من الرضاعة ، فاعتزل عمرو بن العاصي في ناحية فلسطين
وكان يأتي المدينة أحياناً .
فلما قتل عثمان رضي الله عنه سار إلى معاوية باستجلاب معاوية إياه، وشهد
صفين مع معاوية وكان منه في صفين وقضية التحكيم ما هو مشهور عند أهل
العلم بهذا الفن ، وكان قد طلب من معاوية أنه إذا تم له الأمر يوليه مصر ،
وكتب إليه في بعض أيام طلبه :
٢١٤

"به منك دنيا فانظُرَنْ كيف تصنع
معاويّ لا أعطيك ديني ولم أقلْ
أخذتَ بها شيخاً يضرّ وينفع
فان تعطي مصراً فأرْبِحْ بصفقة
ثم ولاه معاوية مصر، فلم يزل بها أميراً إلى أن مات يوم عيد الفطر من سنة
ثلاث وأربعين للهجرة ، وقيل سنة اثنتين وأربعين ، وقيل سنة ثمان وأربعين ،
وقيل سنة إحدى وخمسين ، والأول أصح ، وعمره تسعون سنة . ودفن
بسفح المقطم ، وصلى عليه ابنه عبد الله . ولما رجع صلى بالناس العيد . ثم
عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاصي ، وولى أخاه عتبة بن أبي سفيان ،
فمات عتبة بعد سنة أو نحوها فولى معاوية مسلمة بن مخلد .
وكان عمرو بن العاصي من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية ، وكان من
الدهاة في أمور الدنيا المقدمين في الرأي . وكان عمر رضي الله عنه إذا استضعف
رجلاً في رأيه قال : أشهد أن خالقك وخالق عمرو واحد ، يريد خالق
الأضداد .
وذكر أبو العباس المبرد في كتاب ((الكامل))١ أن عمرو بن العاصي لما
حضرته الوفاة دخل عليه ابن عباس رضي الله عنهما ، فقال له : يا أبا عبداللّه،
كنت أسمعك كثيراً ما تقول : وددت لو رأيت رجلا عاقلاً حضرته الوفاة
حتى أسأله عما يجد ، فكيف تجد ؟ فقال : أجد كأن السماء مطبقة على الأرض
وكأني بينهما ، وكأنما أتنفس من خُرْتِ إبرة ، ثم قال : اللهم خذ مني حتى
ترضى . فدخل عليه ولده عبد الله فقال له : يا ولدي ، خذ ذلك الصندوق
قال : لا حاجة لي به ، فقال : إنه مملوء مالا ، فقال : لا حاجة لي به ،
فقال : ليته مملوء بعراً ، ثم رفع يديه وقال : اللهم إنك أمرت فعصينا ،
ونهيت فارتكبنا، فلا بريء فأعتذر ، ولا قويّ فأنتصر، ولكن لا إله إلا
أنت ، ثم فاظ .
قلت : يقال فاظ وفاض ، بالظاء والضاد ، أي مات ، قال الشاعر :
١ الكامل ١ : ٢٦٧ .
٢١٥

لا يدفنون منهم من فاظا
(394) وأما خارجة المذكور في هذا المثل فانه خارجة بن حذافة بن غانم بن عبد
الله بن عوف بن عبيد بن عتويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي، شهد فتح
مصر واختط بمصر، وكان أمير رُبع المدد الذين أمد بهم عمر بن الخطاب رضي
اللّه عنه عمرو بن العاضي في فتح مصر، وكان على شرط مصر في إمرة عمرو
ابن العاصي لمعاوية بن أبي سفيان الأموي . قتله خارجي بمصر سنة أربعين
للهجرة ، وهو يحسب أنه عمرو بن العاصي ، هكذا قاله ابن يونس في (( تاريخ
مصر )).
وذكره في كتاب ((الاستيعاب))١ لابن عبد البر ، وساق نسبه على هذه
الصورة . ثم قال : يقال إنه كان يعد بألف فارس ؛ ذكر بعض أهل النسب
والأخبار أن عمرو بن العاصي كتب إلى عمر رضي الله عنه يستمده بثلاثة
آلاف فارس ، فأمده بخارجة بن حذافة والزبير بن العوام والمقداد بن الأسود
الكندي ، وشهد خارجة فتح مصر، وقيل إنه كان قاضياً لعمرو بن العاصي
بها ، وقيل إنه كان على شرطة عمرو ، ولم يزل بها إلى أن قتل ،
قتله أحد الخوارج الثلاثة الذين كانوا انتدبوا لقتل علي بن أبي طالب ،
رضي الله عنه ، ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاصي ، فأراد الخارجي
قتل عمرو فقتل خارجة هذا وهو يظنه عمراً ، وذلك أنه كان استخلفه
عمرو بن العاصي على صلاة الصبح ذلك اليوم ، فلما قتله أخذ وأدخل
على عمرو فقال : من هذا الذي أدخلتموني عليه ، فقالوا : عمرو بن
العاصي ، فقال : ومن قتلت ؟ فقالوا : خارجة ، فقال : أردت عمرا
وأراد الله خارجة . وقد قيل إن الخارجي الذي قتله لما أدخل على عمرو ، قال
له عمرو : أردت عمراً وأراد الله خارجة ، والله أعلم من قال ذلك منهما .
والذي قتل خارجة هذا رجل من بني العنبر بن عمرو بن تميم ، يقال له داذويه ،
وقيل إنه مولى لبني العنبر . وقد قيل إن خارجة الذي قتله الخارجي بمصر ،
١ الاستيعاب : ٤١٨ .
٢١٦

على أنه عمرو بن العاصي ، رجل يسمى خارجة من بني سهم رهط عمرو بن
العاصي، وليس بشيء؛ انتهى ما قاله صاحب ((الاستيعاب)).
وقال غيره : إن عمرو بن العاصي أصابه شيء في بطنه فتخلف في منزله
تلك الليلة . وكان خارجة يعشي الناس ، فضربه الخارجي ، وكان عمرو يقول:
ما نفعني بطني قط إلا تلك الليلة .
قلت : فهذا أصل المثل في قولهم ((أردت عمراً وأراد الله خارجة)).
وإلى هذا أشار أبو محمد عبد المجيد بن عبدون الأندلسي في قصيدته التي رأى
بها بني الأفطس ملوك بطليوس وأولها :
الدهر يفجع بعد العين بالأثر
بقوله :
فَدَتْ علياً بمن شاءتْ من البشر
وليتها إذ فدتِ عَمْراً بخارجة
وهي من غرر القصائد جمعت تاريخاً كثيراً ، وشرحها الأديب أبو مروان
عبد الملك بن عبد الله بن بُدْرون الحضرمي الشلبي ، شرحاً مستوفىّ.
وهذا البيت يحتاج إلى شرح أيضاً وهو من تتمة الكلام على المثل المذكور
لكنّي أذكره مختصراً فانه طويل :
ذكر أهل علم التاريخ أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما بويع بالخلافة
في اليوم الذي قتل فيه عثمان بن عفان رضي الله عنه خرج عليه مَنْ قاتله
في وقعة الجمل - وقد ذكرت طرفاً من هذه الوقعة في ترجمة يموت بن
المزرّع، ساقها الكلام هناك فذكرت المقصود منه - ثم كانت وقعة صفين
عند خروج معاوية بن أبي سفيان الأموي ، وعمرو بن العاصي ، على علي بن
أبي طالب ، رضي الله عنه فتوجه إليهم من العراق ، وجاءوه من الشام ،
والتقوا على صفين ، وهو موضع على شاطىء الفرات بالقرب من الرحبة ،
وهي واقعة مشهورة ، وكانت في سنة سبع وثلاثين من الهجرة . ولما غلب
٢١٧

أهل الشام طلبوا من عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه التحكيم ، فأجابهم إليه
بعد معاودات كثيرة ، فخرج على عليّ جماعة من أصحابه ، وقالوا :
حكمت في دين الله، ولا حكم إلا لله، ورحلوا إلى النهروان ، فمضى إليهم
وقاتلهم واستأصلهم إلا اليسير منهم، وهي أيضاً واقعة مشهورة بقتال الخوارج.
ولما طال الأمر في ذلك اجتمعوا وقالوا : إن علياً ومعاوية وعمرو بن العاصي
قد أفسدوا أمر هذه الأمة ، فلو قتلناهم لعاد الأمر إلى حقه ، فقال عبد الرحمن
ابن مُلْجَم المرادي : أنا أقتل علياً ، قالوا : فكيف لك بذلك ؟ قال :
أغتاله ، وقال الحجاج بن عبد الله الصريمي : أنا أقتل معاوية ، ويعرف هذا
الصريمي بالبُرّك ، وقال داذويه ، وقيل زاذويه - وقد تقدم الكلام عليه في
الكلام على خارجة بن حذافة - : أنا أقتل عمراً ، وأجمعوا آراءهم على أن
يكون ذلك في ليلة واحدة ، فدخل ابن ملجم الكوفة ، وعليّ رضي الله عنه
بها ، فاشترى سيفاً بألف درهم وسقاه السم حتى لفظه ، فلما خرج علي
لصلاة الصبح ، كان ابن ملجم قد كمن له فضربه على رأسه وقال : الحكم
لله يا علي ، لا لك ، وقيل إنه ضربه وهو في صلاة الصبح ، وذلك في صبيحة
الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان من سنة أربعين للهجرة ،
وقيل غير هذا التاريخ .
وقدم البرك الصريمي على معاوية بدمشق فضربه فجرح أليته ، وهو في
الصلاة ، ويقال إنه قطع عرق النسل ، فما أحبل بعدها .
وأما عمرو فقد سبق الكلام عليه عند قتل خارجة ، وهذا تفسير المثل
والبيت الشعر على سبيل الاختصار ، والله أعلم .
٢١٨

٨٤٧
الموفق بن الخلال الكاتب
أبو الحجاج يوسف بن محمد المعروف بابن الخلال ، الملقب بالموفق ،
صاحب ديوان الإنشاء بمصر في دولة الحافظ أبي الميمون عبد المجيد العُبَيْدي
- المقدم ذكره١ - وَمَنْ بعده ؛ قال عماد الدين الكاتب الأصبهاني في كتاب
((الخريدة)) في حقه٢: ((هو ناظر مصر وإنسان ناظره، وجامع مفاخره ،
وكان إليه الإنشاء ، وله قوة على الترسل يكتب كما يشاء ، عاش كثيراً
وعطل في آخر عمره وأضر ، ولزم بيته إلى أن تعوض منه القبر ، وتوفي
بعد مُلك الملك الناصر مصر بثلاث أو أربع سنين)) وذكر له عدة مقاطيع من
الشعر نورد شيئاً منها بعد هذا إن شاء الله تعالى .
وذكره ضياء الدين أبو الفتح نصر الله المعروف بابن الأثير الجزري ثم
الموصلي - المقدم ذكره٣- في الفصل الأول من كتابه الذي سماه ((الوشي
المرقوم في حل المنظوم )) فقال : حدثني القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي
البيساني ، رحمه اللّه تعالى ، بمدينة دمشق في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ،
وكان إذ ذاك كاتب الدولة الصلاحية فقال : كان فن الكتابة بمصر في زمن
الدولة العلوية غضاً طرياً ، وكان لا يخلو ديوان المكاتبات من رأسٍ يرأسُ
٨٤٧ - ترجمته في الخريدة (قسم مصر) ١: ٢٣٥ ونكت الهميان: ٣١٤ وومرآة الجنان
٣: ٣٧٩ والشذرات ٤: ٢١٩ وحسن المحاضرة١ : ٣٢٤.
١ انظر جـ ٣ : ٢٣٥
٢ الخريدة ١ : ٢٣٥ .
٣ أنظر ج ٥ : ٣٨٩
٢١٩

مكانا وبيانا ، ويقيم لسلطانه بقلمه سلطانا ، وكان١ من العادة أن كلا من
أرباب الدواوين إذا نشأ له ولد وشدا شيئاً من علم الأدب أحضره إلى ديوان
المكاتبات ليتعلم فن الكتابة ویتدرب ویری ويسمع٢ قال : فأرسلني والدي ،
وكان إذ ذاك قاضياً بثغر عسقلان ، إلى الديار المصرية في أيام الحافظ ، وهو
أحد خلفائها ، وأمرني بالمصير إلى ديوان المكاتبات ، وكان الذي يرأس به
في تلك الأيام رجلاً يقال له ((ابن الخلال))؛ فلما حضرت الديوان ومثلتُ
بين يديه وعرفته من أنا وما طَلِبي ، رَحّبَ بي وسهل ، ثم قال لي : ما
الذي أعددتَ لفن الكتابة من الآلات ؟ فقلت : ليس عندي شيء سوى
أني أحفظ القرآن الكريم، وكتاب ((الحماسة)) فقال ٣: في هذا بلاغ،
ثم أمرني بملازمته ، فلما ترددت إليه وتدربت بين يديه ، أمرني بعد
ذلك أن أحل شعر الحماسة ، فحللته من أوله إلى آخره ، ثم أمرني أن
أحله مرة ثانية فحللته ؛ انتهى ما ذكره ابن الأثير .
قلت : وبعد أن نقلت ما قاله ضياء الدين ابن الأثير على هذه الصورة،
اجتمع بي مَنْ له عناية بالأدب خصوصاً هذا الفن ، وهو من أعرف الناس
بأحوال القاضي الفاضل، وقال لي: هذا الذي ذكره ابن الأثير ما يمكن تصحيحه
ولعله قد غلط في النقل ، فان القاضي الفاضل لم يدخل إلى الديار المصرية إلا
في أيام الظافر ابن الحافظ ، وكان وصوله إليها مع أبيه في أمر يختص
بهم . ثم إني وجدت في بعض تعاليقي بخطي ، وما أدري من أين نقلته ،
أن القاضي الأشرف والد القاضي الفاضل كان من أهل عسقلان ، وكان
ينوب في الحكم والنظر٤ بمدينة بيسان ، فدخل إلى مصر في زمان الظافر بن
الحافظ لكلام جرى بينه وبين والي الناحية من أجل كُند° كبير كان عندهم
١ س : فكان
٢ زاد في المطبوعة المصرية هنا: أشياء من علم الأدب ؛ ولا وجود لهذه العبارة في المسودة
وسائر المخطوطات .
٣ س : فقال لي إن ...
٤ س : النظر والحكم .
٥ كذا هو في المسودة والنسخة ق ؛ وفي س ع : كيد ، وسقط التعليق كله من ر . ووردت=
٢٢٠