النص المفهرس

صفحات 141-160

ستان ، وفيهما قال زهير بن أبي سلمی المزني قصائد منها قوله١
وعند المُقلّين السماحة والبَذلُ
على مكثريهم حقّ من يعتريهمُ
وَتُغْرَسُ إلا في منابتها النّخْلُ
وهل ينبتُ الخطيّ إلا وَشِيجُهُ
هذا آخر ما ذكره في المدرج ، وكان قد قدمه إلى الملك المعظم شرف
الدين عيسى بن الملك العادل صاحب دمشق ، وسمعه عليه هو وولده الملك
الناصر صلاح الدين أبو المفاخر داود ابن الملك المعظم ، وكتب لهما بسماعهما
عليه في آخر رجب سنة تسع عشرة وستمائة ، والله أعلم ؛ انتهى ما نقلته
من المدرج .
ورأيت في ((تاريخ حلب )) الذي جمعه القاضي كمال الدين أبو القاسم
عمر بن أحمد المعروف بابن العديم الحلبي بعد أن ذكر الاختلاف في نسبهم
فقال : وقد كان المعز إسماعيل بن سيف الإسلام ابن أيوب ملك اليمن
ادعى نسباً في بني أمية وادعى الخلافة . وسمعت شيخنا القاضي بهاء الدين
عرف بابن شداد يحكي عن السلطان صلاح الدين أنه أنكر ذلك وقال : ليس
لهذا أصل أصلاً.
قلت : ذكر شيخنا الحافظ عز الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف
بابن الأثير الجزري صاحب التاريخ الكبير في تاريخه الصغير الذي صنفه
للدولة الأتابكية ملوك الموصل ، في فصل يتعلق بأسد الدين شيركوه ، ومسيره
إلى الديار المصرية فقال٢: كان أسد الدين شيركوه ونجم الدين أيوب، وهو
الأكبر، ابنا شاذي من بلد دُوين ، وأصلهما من الأكراد الروادية قد قدما
العراق ، وخدما مجاهد الدين بهروز بن عبد اللّه الغيائي شحنة بالعراق.
(390) قلت: وهذا مجاهد الدين كان خادماً رومياً أبيض اللون تولى شحنة بالعراق
من جهة السلطان مسعود بن غياث الدين محمد بن ملكشاه السلجوقي - المقدم
١ دیوان زهير : ١١٤ - ١١٥
٢ علق ابن المؤلف هنا بأن هذا ورد أيضاً في ترجمة نجم الدين أيوب، قلت : انظر جا:
٢٥٥ وما بعدها؛ وانظر الباهر : ١١٩ .
١٤١

ذكره وذكر والده وجماعة من أهل بيته - وكان صاحب همة في عمل المصالح
الجليلة وعمارة البلاد ، واسع الصدر والصبر في البذول والإنفاقات والمطاولة
والمراجعة إذا امتنع عليه الغرض ، وكانت تكريت إقطاعاً له ، وكان خادم
السلطان محمد والد مسعود المذكور ، وبنى في بغداد رباطاً وقف عليه وقفاً
جيداً ، ومات يوم الأربعاء الثالث والعشرين من رجب سنة أربعين وخمسمائة .
وبهروز : بكسر الباء الموحدة وسكون الهاء وضم الراء وسكون الواو
وبعدها زاي ، وهو لفظ عجمي ، معناه يوم جيد ، على التقديم والتأخير على
عادة كلام العجم .
قال شيخنا ابن الأثير : فرأى مجاهد الدين في نجم الدين أيوب عقلاً
ورأياً حسناً وحسن سيرة ، فجعله دُزْدار تكريت إذ هي له - قلت :
دزدار ، بضم الدال المهملة وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وبعد الألف
راء ، وهو لفظ عجمي معناه حافظ القلعة ، وهو الوالي ، ودزه ١ بالعجمي
القلعة، ودار: الحافظ - فسار إليها ومعه أخوه أسد الدين شيركوه، فلما انهزم
أتابك الشهيد عماد الدين زنكي بالعراق من قراجا - قلت : وهي وقعة مشهورة
خلاصتها أن مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي ، المقدم ذكره١، وعماد
الدين زنكي صاحب الموصل قصدا حصار بغداد في أيام الإمام المسترشد ،
فأرسل إلى قراجا الساقي و اسمه برس صاحب بلاد فارس وخوزستان ، يستنجد
به ، فأتاه وكبس عسكرهما وانهزما بين يديه وانكسرا . وذكر في تاريخ
الدولة السلجوقية أنها كانت في شهر ربيع الآخر يوم الخميس ثاني عشر الشهر
المذكور من سنة ست وعشرين وخمسمائة على تكريت . وقال أسامة بن منقذ
المقدم ذكره في كتابه الذي ذكر فيه البلاد وملوكها الذين كانوا في زمانه :
إنه حضر هذه الوقعة مع زنكي في التاريخ المذكور ، ذكر ذلك في موضعين
أحدهما في ترجمة إربل ، والثاني في ترجمة تكريت -
١ انظر = ٥ : ٠

رجعنا إلى ما كنا فيه :
فوصل زنكي إلى تكريت ، فخدمه نجم الدين أيوب وأقام له السفن ،
فعبر دجلة هناك وتبعه أصحابه ، فأحسن نجم الدين إليهم وسيرهم ، وبلغ
ذلك بهروز ، فسیر إليه وأنکر علیه وقال له : کیف ظفرت بعدونا فأحسنت
إليه وأطلقته !! ثم إن أسد الدين قتل إنساناً بتكريت لكلام جرى
بينهما ، فأرسل مجاهد الدين إليهما فأخرجهما من تكريت ، فقصدا عماد
الدين زنكى - قلت: وكان إذ ذاك صاحب الموصل - قال: فأحسن عماد
الدين إليهما وعرف لهما خدمتهما ، وأقطعهما إقطاعاً حسناً وصارا من جملة
جنده . فلما فتح عماد الدين زنكي بعلبك جعل نجم الدين دزدارها ، فلما
قتل زنكي - قلت: وقد سبق ذكر ذلك في ترجمته - قال : فحصره عسكر
دمشق - قلت : وكان صاحب دمشق يومئذ مجير الدين أبق بن محمد بن بوري
ابن الأتابك ظهير الدين طغتكين ، وهو الذي حاصره نور الدين محمود بن
زنكي في دمشق ، وأخذها منه - قال شيخنا ابن الأثير : فأرسل نجم الدين
أيوب إلى سيف الدين غازي بن زنكي صاحب الموصل ، وقد قام بالملك
بعد والده ينتهي إليه الحال ، ويطلب منه عسكراً ليرحل صاحب دمشق عنه ،
وكان سيف الدين في ذلك الوقت في أول ملكه١، وهو مشغول باصلاح
ملوك الأطراف المجاورين له ، فلم يتفرغ له ، وضاق الأمر على من في
بعلبك من الحصار ، فلما رأى نجم الدين أيوب الحال وخاف أن تؤخذ قهراً
أرسل في تسليم القلعة ، وطلب إقطاعاً ذكره ، فأجيب إلى ذلك ، وحلف
له صاحب دمشق عليه وسلم القلعة ، ووفى له صاحب دمشق بما خلف
عليه من الإقطاع والتقدم وصار عنده من أكبر الأمراء ، واتصل أخوه
أسد الدين شيركوه بالخدمة النورية بعد قتل أبيه زنكي .
قلت : هو نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب٢ ، وكان يخدمه
في أيام والده ، فقربه نور الدين وأقطعه ، وكان يرى منه في الحروب آثاراً
١ المختار : مملكته .
٢ زاد في المختار : يومئذ .
١٤٣

يعجز عنها غيره لشجاعته وجرأته ، فصارت له حمص والرحبة وغيرهما ،
وجعله مقدم عسكره .
قلت : ثم خرج شيخنا ابن الأثير بعد هذا إلى حديث سفر أسد الدين
إلى الديار المصرية ، وما تجدد لهم هناك ، وليس هذا موضع هذا الفصل ،
بل تتم حديث صلاح الدين صاحب هذه الترجمة من مبدأ أمره حتى نصير
إلى آخره إن شاء الله تعالى ، ويندرج فيه حدیث المملکة وما صار حالهم إليه ،
وإن كان قد سبق في ترجمة أسد الدين شيركوه طرف من أخبارهم ، لكن
ما استوفيته هناك اعتماداً على استيفائه ها هنا إن شاء الله تعالى.
قلت : اتفق أرباب التواريخ أن صلاح الدين مولده سنة اثنتين وثلاثين
وخمسمائة بقلعة تكريت لما كان أبوه وعمه بها ، والظاهر أنهم ما أقاموا بها
بعد ولادة صلاح الدين إلا مدة يسيرة ، لأنه قد سبق القول أن نجم الدين
وأسد الدین لما خرجا من تکریت، كما شرحناه، وصلا إلى عماد الدين زنكيّ
فأكرمهما وأقبل عليهما ، ثم إن عماد الدين زنكي قصد حصار دمشق فلم
تحصل له ، فرجع إلى بعلبك فحصرها أشهراً ، وملكها في رابع عشر صفر
سنة أربع وثلاثین وخمسمائة، کما ذكره أسامة بن منقذالمقدم ذ کره في كتابه
الذي ذكر فيه البلاد وملوكها. وذكر أبو يعلى حمزة بن أسد المعروف بابن
القلانسي الدمشقي في تاريخه الذي جعله ذيلا على تاريخ أبي الحسين هلال
ابن الصابي٢: أن عماد الدين حاصر بعلبك يوم الخميس العشرين من ذي
الحجة سنة ثلاث وثلاثين ثم ذكر في مستهل سنة أربع وثلاثين
أنه ورد الخبر بفراغ عماد الدين من ترتيب بعلبك وقلعتها وترميم ما تشعث
منها ، والله أعلم . وإذا كان كذلك فيكون قد خرجوا من تكريت في بقية
سنة اثنتين وثلاثین التي ولد فيها صلاح الدين ، أو في سنة ثلاث وثلاثین ؛
لأنهما أقاما عند عماد الدين بالموصل ، ثم لما حاصر دمشق وبعدها بعلبك
وأخذها رتب فيها نجم الدين أيوب ، وذلك في أوائل سنة أربع وثلاثين.
١ المختار : اتصلا بخدمة عماد الدين ..
٢ ذيل تاريخ دمشق : ٢٦٩ ، ٢٧٠
١٤٤

كما شرحته ، فيتعين أن يكون خروجهم من تكريت في المدة المذكورة تقديراً،
والله أعلم - قلت : ثم أخبرني بعض أهل بيتهم ، وقد سألته : هل تعرف
متى خرجوا من تكريت ؟ فقال : سمعت جماعة من أهلنا يقولون : إنهم
أخرجوا منها في الليلة التي ولد فيها صلاح الدين ، فتشاءموا به وتطيروا منه ،
فقال بعضهم : لعل فيه الخيرة وما تعلمون ، فكان كما قال ، والله أعلم .
ولم يزل صلاح الدين تحت كنف أبيه حتى ترعرع . ولما ملك نور الدين
محمود بن عماد الدين زنكي دمشق في التاريخ المذكور في ترجمته لازم نجم
الدين أيوب خدمته ، وكذلك ولده صلاح الدين ، وكانت مخايل السعادة عليه
لائحة ، والنجابة تقدّمه من حالة إلى حالة ، ونور الدين يرى له ويؤثره ،
ومنه تعلم صلاح الدين طرائق الخير وفعل المعروف والاجتهاد في أمور الجهاد،
حتى تجهز للمسير مع عمه شيركوه إلى الديار المصرية ، كما سنشرحه إن
شاء اللّه تعالى .
وجدت في بعض تواريخ المصريين أن شاور - المقدم ذكره١ - هرب
من الديار المصرية من الملك المنصور أبي الأشبال ضرغام بن عامر بن سوّار
الملقب فارس المسلمين اللخمي المنذري لما استولى على الدولة المصرية وقهره
وأخذ مكانه في الوزارة کعادتهم في ذلك ، وقتل ولده الأ کبر طيّ بن شاور ،
فتوجه شاور إلى الشام مستغيئاً بالملك العادل نور الدين أبي القاسم محمود بن
زنکي ، وذلك في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ، ودخل دمشق
في الثالث والعشرين من ذي القعدة من السنة ، فوجه نور الدين معه الأمير
أسد الدين شيركوه بن شاذي في جماعة من عسكره كان صلاح الدين في
جملتهم في خدمة عمه ، وهو کاره للسفر معهم . و کان لنور الدين في إرسال
هذا الجيش غرضان : أحدهما قضاء حق شاور لكونه قصده ودخل عليه
مستصرخاً ، والثاني أنه أراد استعلام أحوال مصر فإنه كان يبلغه أنها ضعيفة
من جهة الجند وأحوالها في غاية الاختلال ، فقصد الكشف عن حقيقة ذلك ،
١ انظر = ٢ : ٤٣٩
١٠-٧
١٤٥

وكان كثير الاعتماد على شيركوه لشجاعته ومعرفته وأمانته ، فانتدبه لذلك ،
وجعل أسد الدين شيركوه ابنّ أخيه صلاح الدين مقدم عسكره، وشاور
معهم ، فخرجوا من دمشق في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين فدخلوا
مصر واستولوا على الأمر في رجب من السنة .
وقال شيخنا القاضى بهاء الدين أبو المحاسن يوسف المعروف بابن شداد
- المقدم ذكره - في كتابه الذي وسمه: ((سيرة صلاح الدين))١: إنهم
دخلوا مصر في ثاني جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ، والقول
الأول أصح ؛ لأن الحافظ أبا طاهر السُّلفي ذكر في ((معجم السَّفَر)) أن
الضرغام بن سوار قتل في سنة تسع وخمسين وخمسمائة ، وزاد غيره فقال :
يوم الجمعة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة من السنة عند مشهد السيدة
نفيسة رضي الله عنها ، فيما بين القاهرة ومصر، واحتز رأسه وطيف به
على رمح ، وبقيت جثته هناك ثلاثة أيام تأكل منها الكلاب ، ثم دفن عند
بركة الفيل ، وعمرت عليه قبة - قلت : والقبة إلى الآن باقية في موضعها
تحت الكبش٢ المستجدّ بناؤه، ورأيت فيها جماعة من الفقراء الجُوالقية مقيمين.
وقد قيل إن الضرغام إنما قتل في رجب من سنة تسع وخمسين. وقد
اتفقوا على أن الضرغام إنما قُتل عند قدوم أسد الدين شيركوه وشاور إلى
مصر، فما يمكن أن يكون دخولهم مصر في سنة ثمان وخمسين؛ لأن الضرغام
لاخلاف في قتله في سنة تسع وخمسين ، وأنه كان في أول وصولهم ، والحافظ
السلفي أخبر بذلك لأنه كان مقيماً في البلاد أول وصولهم، وهو أضبط لهذه
الأمور من غيره ، لأن هذا فنه ، وهو من أقعد الناس به .
ولما وصل أسد الدين وشاور إلى الديار المصرية واستولوا عليها وقتلوا
١ سيرة صلاح الدين: ٣٦
٢ ذكر المقريزي ( الخطط ٢: ١٣٣) أن مناظر الكبش بين بركة الفيل وبركة قارون أنشأها
الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل في أعوام بضع وأربعين وستمائة ، وظلت
بعده من المنازل الملوكية حتى خرب الكبش بعد سنة ٧٦٨ وظل خراباً لا ساكن فيه حتى
سنة ٧٧٥ ثم بنى فيه الناس دوراً لهم.
١٤٦

الضرغام ، وحصل لشاور مقصوده وعاد إلى منصبه وتمهدت قواعده واستمرت
أموره ، غدر بأسد الدين شيركوه واستنجد بالفرنج عليه، وحصروه في
بلبيس . وكان أسد الدين قد شاهد البلاد وعرف أحوالها ، وأنها مملكة بغير
رجال ، تمشي الأمور فيها بمجرد الإيهام والمحال ، فطمع فيها ، وعاد إلى
الشام في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وخمسين ، وقال شيخنا
ابن شداد : في السابع والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ، بناء على
ما قرره أولاً أن دخولهم البلاد كان في سنة ثمان وخمسين. وأقام أسد الدين بالشام
مدة مفكراً في تدبير عَوده إلى مصر ، محدثاً نفسه بالملك لها ، مقرراً قواعد
ذلك مع نور الدين ، إلى سنة اثنتين وستين وخمسمائة ، وبلغ شاور حديثه
وطمعه في البلاد فخاف عليها ، وعلم أن أسد الدين لا بد له من قصدها ،
فكاتب الفرنج وقرر معهم أنهم يجيئون إلى البلاد ويمكنهم منها تمكيناً كلياً
ليعينوه على استئصال أعدائه .
وبلغ نور الدين وأسد الدين مكاتبةُ شاور الفرنج وما تقرر بينهم ، فخافا
على الديار المصرية أن يملكوها ويملكوا بطريقها جميع البلاد ، فتجهز أسد
الدين، وأنفذ معه نور الدين العساكر، وصلاح الدين في خدمة عمه أسد الدين.
وكان توجههم من الشام في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة ،
وكان وصول أسد الدين إلى البلاد مقارناً لوصول الفرنج إليها . واتفق شاور
والمصريون بأسرهم والفرنج على أسد الدين ، وجرت حروب كثيرة ووقعات
شديدة ، وانفصل الفرنج عن البلاد ، وانفصل أسد الدين أيضاً راجعاً
إلى الشام
وكان سبب عود الفرنج أن نور الدين جرد العساكر إلى بلادهم ، وأخذ
المنيطرة منهم في رجب من هذه السنة ، وعلم الفرنج ذلك فخافوا على بلادهم
فعادوا إليها . وكان سبب عود أسد الدين إلى الشام ضعف عسكره بسبب مواقعة
الفرنج والمصريين ١ وما عانوه من الشدائد، وعاينوه من الأهوال ، وما
١ المختار : بسبب الحروب التي جرت
١٤٧

عاد حتى صالح الفرنج على أن ينصرفوا كلهم عن مصر . وعاد إلى الشام
في بقية السنة ، وقد انضاف إلى قوة الطمع في الديار المصرية شدة الخوف
عليها من الفرنج لعلمه بأنهم قد كشفوها كما قد كشفها وعرفوها كما عرفها ،
فأقام بالشام على مَضَض وقلبه قلق ، والقضاء يقوده إلى شيء قُدّر لغيره
وهو لا يشعر بذلك ، وكان عوده في ذي القعدة من هذه السنة إلى الشام ،
وقيل إنه عاد في ثامن عشر شوّال من السنة ، والله أعلم١.
ورأيت في بعض المسوّدات التي بخطي ، ولا أعلم من أين نقلته ، أن
أسد الدين لما طمع في الديار المصرية توجه إليها في سنة اثنتين وستين ، وسلك
طريق وادي الغزلان، وخرج عند إطفيح ، فكانت فيها وقعه البابَيْن عند
الأشمونَيْن ، وتوجه صلاح الدين إلى الإسكندرية فاحتمى بها ، وحاصره
شاور في جمادى الآخرة من السنة ، ثم عاد أسد الدين من جهة الصعيد إلى
بلبيس ، وتم الصلح بينه وبين المصريين ، وسيروا له صلاح الدين ، فساروا
إلى الشام .
ثم إن أسد الدين عاد إلى مصر مرة ثالثة، قال شيخنا ابن شداد٢: ((وكان
سبب ذلك أن الفرنج جمعوا فارسھم وراجلهم ، وخرجوا یریدون الدیار
المصرية ناكثين لجميع ما استقر مع المصريين وأسد الدين طمعاً في البلاد ،
فلما بلغ ذلك أسد الدين ونور الدين لم يسعهما الصبر دون أن سارعا إلى قصد
البلاد ، أما نور الدين فبالمال والرجال ، ولم يمكنه المسير بنفسه خوفاً على
البلاد من الفرنج ، ولأنه كان قد حدث له نظر إلى جانب الموصل بسبب
وفاة علي بن بكتكين)) - قلت : هو زين الدين والد السلطان مظفر الدين
کوکبوري صاحب إربل وقد تقدم ذكره في ترجمة ولده كوكبوري - قال:
((فإنه توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وخمسمائة ، وسلم ما كانٍ في
يده من الحصون لقطب الدين أتابك ما عدا إربل فانها كانت له من أتابك
زنكي؛ وأما أسد الدين فبنفسه وماله وإخوته وأهله ورجاله . ولقد
١ - وأقام أسد الدين ... أعلم: أكثره منقول عن سيرة صلاح الدين: ٣٧ - ٣٨.
٢ - سيرة صلاح الدين: ٣٨ - ٤٠
١٤٨

قال لي السلطان صلاح الدين قدس الله روحه: كنت أكره الناس للخروج
في هذه الدفعة وما خرجت مع عمي باختياري، وهذا معنى قوله تعالى ﴿ وعسی
أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾ (البقرة: ٢١٦))).
((وكان شاور لما أحس بخروج الفرنج إلى مصر على تلك القاعدة سير إلى
أسد الدين يستصرخه ويستنجده ، فخرج مسرعاً ، وكان وصوله إلى مصر.
في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمائة . ولما علم الفرنج بوصول
أسد الدين إلى مصر على اتفاق بينه وبين أهلها رحلوا راجعين على أعقابهم
ناكصين ، وأقام أسد الدين بها يتردد إليه شاور في الأحيان ، وكان وعدهم
بمال في مقابلة ما خسروه من النفقة ، فلم يوصل إليهم شيئاً ، وعلقت محاليب
أسد الدين في البلاد ، وعلم أنه متى وجد الفرنج رخصة أخذوا البلاد ،
وأن شاور يلعب به تارة وبالفرنج أخرى ، ومُلاّكها فقد كانوا على البدعة
المشهورة ، وتحقق أسد الدين أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء
شاور ، فأجمع رأيه على القبض عليه إذا خرج إليه . وكان الأمراء الواصلون
مع أسد الدين يترددون إلى خدمة شاور ، وهو يخرج في الأحيان إلى أسد
الدين يجتمع به ، وكان يركب على عادة وزرائهم بالطبل والبوق والعلم ،
ولم يتجاسر على قبضه أحد من الجماعة إلا السلطان بنفسه ، وذلك أنه لما سار
إليهم تلقاه راكباً ، وسار إلى جانبه وأخذ بتلابيبه ، وأمر العسكر بأن قصدوا
أصحابه١ ، ففروا ونهبهم العسكر ، وأنزل شاور إلى خيمة مفردة . وفي
الحال ورد توقيع على يد خادم خاص من جهة المصريين يقول : لا بد من
رأسه ، جرياً على عادتهم في وزرائهم ، فحز رأسه وأرسل إليهم ، وسيروا
إلى أسد الدين خلع الوزارة فليسها ، وسار ودخل القصر وترتب وزيراً ،
وذلك في سابع عشر ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمائة ، ودام آمراً
وناهياً ، والسلطان صلاح الدين رحمه اللّه تعالى مباشر الأمور مقرر لها لمكان
كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته ، إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة
من السنة المذكورة . فمات أسد الدين)) - قلت: وقد تقدم حدیث أسد الدين
١ في السيرة : وأمر العسكر أن خذوا أصحابه .
١٤٩

وصورة موته ، فلا حاجة إلى شرحها ها هنا ، وكذلك وفاة شاور ، وهذا
كله نقلته من كلام شيخنا ابن شداد في ((سيرة صلاح الدين)) ولكنني أتيت
منه بالمقصود وحذفت الباقي
ورأيت بخطي في جملة مسوداني أن أسد الدين دخل القاهرة يوم الأربعاء
سابع شهر ربيع الآخر من سنة أربع وستين وخمسمائة ، وخرج إليه العاضد
عبد الله العبيدي آخر ملوك مصر - المقدم ذكره - وتلقاه، وحضر يوم الجمعة
التاسع من الشهر إلى الإيوان ، وجلس إلى جانب العاضد وخلع عليه، وأظهر
له شاور وداً كثيراً ، فطلب منه أسد الدين مالاً يتفقه في عسكره ، فدافعه،
فأرسل إليه أن الجند تغيرت قلوبهم عليه بسبب عدم النفقة ، فإذا خرجت
فكن على حذر منهم ، فلم يكترث شاور بكلامه ، وعزم أن يعمل دعوة
يستدعى إليها أسد الدين والعساكر الشامية ويقبض عليهم ، فأحس أسد الدين
بذلك، فاتفق صلاح الدين وعز الدين جُورديك النوري وغيرهما على قتل
شاور ، وأعلموا أسد الدين فنهاهم عنه . وخرج شاور إلى أسد الدين،
وكانت خيامهم على شاطيء النيل بالمفس ، فلم يجده في جهته٢، وكان قد
راح إلى زيارة تربة الإمام الشافعي رضي الله عنه بالقرافة ، فقال شاور :
نمضي إليه، فالتقوه فساروا جميعاً، فاكتنفه صلاح الدين وجورديك وأنزلاه
عن فرسه وكتفوه ، فهرب أصحابه ، فأخذوه أسيراً ، ولم يمكنهم قتله
بغير إذن نور الدين، وجعلوه في خيمة ورسموا عليه جماعة، فأرسل العاضد
يأمرهم بقتله فقتلوه، وسيروا رأسه على رمح إلى العاضد، وذلك يوم السبت لسبع
عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة . وقيل إن أسد
الدين لم يحضر ذلك ، بل لما قصد شاور جهة أسد الدين لقيه صلاح الدين
وجورديك ومعهما بعض العسكر ، فسلم بعضهم على بعض وساروا ، ثم
فعلا به هذه الفعلة ، والله أعلم .
ثم إن العاضد استدعى أسد الدين عقيب قتل شاور ، وكان في الخيتم
١
١ انظر ج ٣ : ٠٩
٢ ربما قرئت في المسودة (خيمته)).
١٥٠

فدخل القاهرة ، فرأى جمعاً كبيراً من من العامة فخافهم فقال لهم : إن
مولانا العاضد أمركم بنهب دار شاور ، فتفرقوا ومضوا لنهبها ، ودخل
على العاضد فتلقاه وأفاض عليه خلّع الوزارة ، ولقبه الملك المنصور أمير
الجيوش . ثم إنه مات يوم الأحد لسبع بقين من جمادى الآخرة من السنة
المذكورة بعلة الخوانيق، وقيل إنه سم في حنك الوزارة لما خلع عليه . وكانت
وفاته بالقاهرة ودفن بدار الوزارة ، ثم نقل إلى المدينة النبوية على ساكنها
أفضل الصلاة والسلام ، فكانت مدة وزارته شهرين وخمسة أيام . وقيل
إن أسد الدين دخل على العاضد يوم الاثنين التاسع عشر من شهر ربيع الآخر
من السنة المذكورة ، والله أعلم
قلت : قد تقدم في ترجمة كل واحد من شاور وأسد الدين ذكر شيء
من هذه الأمور التي ذكرتها ها هنا ، وإنما أعدت الكلام فيها لأني استوفيتها
ها هنا أكثر من هناك، وأيضاً فإن المقصود في هذا كله ذكر سيرة صلاح
الدين وتنقلاته وما جرى له من أول أمره إلى آخره ، فأحببت ذكر ذلك
على سياقة واحدة كي لا ينقطع الكلام فيبقى أبتر ، فأقول :
ذكر المؤرخون! أن أسد الدين لمامات استقرت الأمور بعده للسلطان
صلاح الدين يوسف بن أيوب، وتمهدت القواعد ومشى الحال على
أحسن الأوضاع ، وبذل الأموال وملك قلوب الرجال ، وهانت عنده الدنيا
فملكها ، وشكر نعمة الله تعالى عليه ، فتاب عن الخمر وأعرض عن أسباب
اللهو ، وتقمص بقميص الجد والاجتهاد ، وما زال على قدم الخير وفعلٍ
ما يقربه إلى اللّه تعالى ، إلى أن مات
قال شيخنا ابن شداد٢: وسمعته يقول رحمه اللّه تعالى: لما يسر لي الله
الديار المصرية علمت أنه أراد فتح الساحل لأنه أوقع ذلك في نفسي . ومن حين
استتب له الأمر ما زال يشن الغارات على الفرنج إلى الكرك والشوبك وبلادهما
١. انظر سيرة صلاح الدين : ٤٠
٢ المصدر السابق : ٤١ .
١٥١

وغشي الناس من سحائب الإفضال والإنعام ما لم يؤرخ عن غير تلك
الأيام ، وهذا كله وهو وزير متابع القوم ، لكنه يقول بمذهب أهل السنة ،
غارسٌ في البلاد أهل الفقه والعلم والتصوف والدين ، والناس يهرعون إليه
من كل صوب ويفدون عليه من كل جانب ، وهو لا يخيب قاصداً ولا
يعدم وافداً إلى سنة خمس وستين وخمسمائة )).
((ولما عرف نور الدين استقرار أمر السلطان بمصر أخذ حمص من نوّاب
أسد الدين وذلك في رجب سنة أربع وستين )).
((ولما علم الفرنج ما جرى من المسلمين وعساكرهم وما تم للسلطان من
استقامة الأمر بالديار المصرية، علموا أنه يملك بلادهم ويخرب ديارهم ويقلع
آثارهم ، لما حدث له من القوة والملك؛ واجتمع الفرنج والروم جميعاً
وقصدوا الديار المصرية ، فقصدوا دمياط ومعهم آلات الحصار وما يحتاجون
إليه من العُدَد . ولما سمع فرنج الشام ذلك اشتد أمرهم ، فسرقوا حصن
عكار من المسلمين وأسروا صاحبها ، وكان مملوكاً لنور الدين يقال له خُطْلُخ
العلم دار ، وذلك في شهر ربيع الآخر من سنة خمس وستين . ولما رأى
نور الدين ظهور الفرنج ونزولهم على دمياط قصد شَغْل قلوبهم ، فنزل على
الكرك محاصراً لها في شعبان من السنة المذكورة ، فقصده فرنج الساحل فرحل
عنها وقصد لقاءهم فلم يقفوا له ، ثم بلغه وفاة مجد الدين ابن الداية ، وكانت
وفاته بحلب في شهر رمضان سنة خمس وستين ، فاشتغل قلبه لأنه كان
صاحب أمره ، وعاد يطلب الشام، فبلغه أمر الزلازل بحلب التي أخربت كثيراً
من البلاد ، وكانت في ثاني عشر شوال منها ، فسار يطلب حلب ، فبلغه
خبر موت أخيه قطب الدين بالموصل - قلت : وقد ذكرت ذلك في ترجمته
واسمه مودود١- قال: وبلغه الخبر وهو بتل باشر ، فسار من ليلته طالباً
بلاد الموصل))
((ولما بلغ صلاح الدين قصد الفرنج دمياط استعد لهم بتجهيز الرجال وجميع
١ انظر جـ ٥ : ٣٠٢ - ٣٠٣.
١٥٢

الآلات إليها ، ووعدهم بالإمداد بالرجال إن نزلوا عليهم ، وبالغ في العطايا
والهبات ، وكان وزيراً متحكماً لا يرد أمره في شيء . ثم نزل الفرنج عليها
واشتد زحفهم وقتالهم عليها ، وهو رحمه الله يشن عليهم الغارات من خارج ،
والعسكر يقاتلهم من داخل ، ونصر الله تعالى المسلمين به وبحسن تدبيره ،
فرحلوا عنها خائبين ، فأحرقت مناجيقهم ونهبت آلانهم ، وقتل من رجالهم
خلق كثير ، واستقرت قواعد صلاح الدين ، وسير طلبَ والده نجم الدين
أيوب ليتم له السرور وتكون قصته مشاكلة لقصة يوسف الصديق عليه السلام،
فوصل والده إليه في جمادى الآخرة من سنة خمس وستين - قلت : هكذا.
ذكر ابن شداد تاريخ وصوله إلى مصر ، والصواب فيه هو الذي ذكرته
في ترجمته١- وسلك معه من الأدب ما جرت به عادته ، وألبسه الأمر كله ،
فأبى أن يلبسه وقال : يا ولدي ما اختارك اللّه لهذا الأمر إلا وأنت كفء
له ، ولا ينبغي أن يُغيّر موضعُ السعادة ، فحكَّمه في الخزائن كلها ، ولم
يزل وزيراً حتى مات العاضد في التاريخ المقدم ذكره)) - قلت: أكثر ما
ذكرته في هذا الفصل منقول من كلام شيخنا ابن شداد في ((سيرة صلاح
الدين )) ، وفيه زوائد من غيرها .
والذي ذكره شيخنا الحافظ عز الدين ابن الأثير المذكور قبل هذا في
تاريخه الأتابكي٢ أن كيفية ولاية صلاح الدين ((أن جماعة من الأمراء النورية
الذين كانوا بمصر طلبوا التقدم على العساكر وولاية الوزارة ، يعني بعد موت
أسد الدين ، منهم الأمير عين الدولة الياروقي، وقطب الدين خسرو بن تُليل
وهو ابن أخي أبي الهيجاء الهذباني الذي كان صاحب إربل - قلت : هو
صاحب المدرسة القطبية التي بالقاهرة - ومنهم سيف الدين علي بن أحمد
الحكّاري، وجده كان صاحب القلاع المكارية - قلت : هو المعروف بالمشطوب
والد عماد الدين أحمد بن المشطوب ، وقد تقدم ذكره في ترجمة مستقلة٣.
١ ذكر في ترجمته أنه دخل القاهرة لست بقين من رجب سنة خمس وستين وخمسمائة
(١: ٢٥٧) .
٢ التاريخ الباهر : ١٤١ وما بعدها.
٣ ترجمة عماد الدين ابن المشطوب في جـ ١ : ١٨٠
١٥٣

قال : ومنهم شهاب الدين محمود الحارمي ، وهو خال صلاح الدين ، وكل
واحد من هؤلاء يخطبها لنفسه ، وقد جمع ليغالب عليها ، فأرسل العاضد
صاحب مصر إلى صلاح الدين ، وأمره بالحضور في قصره ليخلع عليه خلع
الوزارة ويوليه الأمر بعد عمه ، وكان الذي حمل العاضد على ذلك ضعف
صلاح الدين ، فإنه ظن أنه إذا ولي صلاح الدين وليس له عسكر ولا رجال
كان في ولايته مستضعفاً يحكم عليه ولا يجسر على المخالفة ، وأنه يضع على
العسكر الشامي من يستميلهم إليه ، فاذا صار معه البعض أخرج الباقين ،
وتعود البلاد إليه ، وعنده من العساكر الشامية من يحميها من الفرنج ونور
الدين ، والقصة مشهورة ، أردت عمراً وأراد الله خارجة » قلت: هذا
المثل مشهور بين العلماء وسيأتي الكلام عليه بعد الفراغ من هذه الترجمة إن
شاء الله تعالى .
عُدنا إلى تمام الكلام الأول :
((فامتنع١ صلاح الدين وضعفت نفسه عن هذا المقام فألزمه وأخذ كارهاً،
إن الله ليعجب من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل . فلما حضر في القصر
خلع عليه خلع الوزارة: الجبة والعمامة وغيرهما ، ولقب الملك الناصر وعاد
إلى دار أسد الدين فأقام بها ، ولم يلتفت إليه أحد من أولئك الأمراء الذين
يريدون الأمر لأنفسهم ولا خدموه ، وكان الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري
معه)) - قلت: وقد سبق ذكره في ترجمة مفردة - قال ابن الأثير: ((فسعى
مع سيف الدين علي بن أحمد حتى أماله إليه، وقال له: إن هذا الأمر لا بصل
إليك مع وجود عين الدولة والحارمي وابن قليل ، فمال إلى صلاح الدين .
ثم قصد شهاب الدين الحارمي وقال له : إن هذا صلاح الدين هو ابن أختك
وملكه لك ، وقد استقام الأمر له ، فلا تكن أول من يسعى في إخراجه عنه ،
ولا يصل إليك، ولم يزل به حتى أحضره أيضاً عنده وحلفه له؛ ثم عدل إلى
١ النقل مستمر عن التاريخ الأتابكي : ١٤٢.
٢- انظر : ٣ : ٤٩٧ .
١٥٤

قطب الدين وقال له : إن صلاح الدين قد أطاعه الناس ، ولم يبق غيرك وغير
الباروقي ، وعلى كل حال فيجمع بينك وبين صلاح الدين أن أصله من الأكراد
فلا يخرج الأمر عنه إلى الأتراك ، ووعده وزاد في إقطاعه فأطاع صلاح
الدين أيضاً؛ وعدل إلى عين الدولة الباروقي ، وكان أكبر الجماعة وأكثرهم
جمعاً ، فلم تنفعه رُقّاه ولا نفذ فيه سحره، وقال: أنا لا أخدم يوسف أبداً،
وعاد إلى نور الدين ومعه غيره، فأنكر عليهم فراقه، وقد فات الأمر ليقضي
الله أمراً كان مفعولاً))
((وثبت قدم صلاح الدين ورسخ ملكه، وهو نائب عن الملك العادل
نور الدين ، والخطبة لنور الدين في البلاد كلها ، ولا يتصرفون إلا عن أمره ،
وكان نور الدين يكاتب صلاح الدين بالأمير الاصفهسلاّر١، ويكتب علامته
في الكتب تعظّماً أن يكتب اسمه ، وكان لا يفرده في كتاب ، بل يكتب :
الأمير الإصفهسلار صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية يفعلون كذا
وكذا . واستمال صلاح الدين قلوب الناس ، وبذل الأموال مما كان أسد الدين
قد جمعه، وطلب من العاضد شيئاً يخرجه فلم يمكنه منعه، فمال الناس إليه
وأحبوه ، وقويت نفسه على القيام بهذا الأمر والثبات فيه ، وضعف أمر
العاضد، فكان كالباحث عن حتفه بظلفه))
[قال ابن الأثير في تاريخه الكبير٢: ((قد اعتبرت التواريخ، ورأيت كثيراً
من التواريخ الإسلامية فرأيت كثيراً ممن يبتدىء الملك تنتقل الدولة عن صلبه
إلى بعض أهله وأقاربه ، منهم في أول الأسلام معاوية بن أبي سفيان أول من
ملك من أهل بيته، فانتقل الملك عن أعقابه إلى بني مروان من بني عمه، ثم
من بعده السفاح أول من ملك من بني العباس انتقل الملك من أعقابه إلى أخيه
المنصور ، ثم السامانية أول من استبد فيهم نصر بن أحمد فانتقل الملك عنه
إلى أخيه إسماعيل بن أحمد وأعقابه ، ثم يعقوب بن الليث الصفار وهو أول
١ الاضفهسلاو (أو الاستهلار): مقدم العسكر
٢ تاريخ ابن الأثير ١١: ٣٤٤.
١٥٥

من ملك من أهل بيته وانتقل الملك عنه إلى أخيه عمرو وأعقابه ، ثم عماد
الدولة بن بويه أول من ملك من أهل بيته، ثم انتقل الملك عنه إلى أخويه معز
الدولة وركن الدولة ، ثم السلجوقية أول من ملك منهم طغرل بك ثم انتقل
الملك إلى أولاد أخيه داود ، ثم هذا شيركوه كما ذكرناه انتقل الملك إلى ولد
أخيه نجم الدين أيوب ، ولولا خوف الإطاله لذكرنا أكثر من هذا ، والذي
أظنه السبب في ذلك أن الذي يكون أول دولته يكثر القتل فيأخذ الملك وقلوب
من كان فيه متعلقة به ، فلهذا يحرم الله أعقابه، ويفعل ذلك لأجلهم عقوبة له)) .
نعود إلی ذکر صلاح الدين] ١
((وأرسل٢صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخوته فلم يجبه
إلى ذلك ، وقال : أخاف أن يخالف أحد منهم عليك فتفسد البلاد)).
(( ثم إن الفرنج اجتمعوا ليسيروا إلى مصر، فسيّر نور الدين العساكر
وفيهم إخوة صلاح الدين، منهم شمس الدولة توران شاه بن أيوب)) - قلت:
وقد تقدم ذكره في ترجمة مستقلة٣- قال: ((وهو أكبر من صلاح الدين ،
فلما أراد أن يسير قال له نور الدين: إن كنت تسير إلى مصر وتنظر إلى
أخيك أنه يوسف الذي كان يقوم في خدمتك وأنت قاعد ، فلا تسر فانك
تفسد البلاد ، وأحضرك حينئذ وأعاقبك بما تستحقه ، وإن كنت تنظر إليه
صاحب مصر وقائم مقامي وتخدمه بنفسك كما تخدمي ، فسر إليه واشدد
أزره وساعده على ما هو بصدده ، فقال : أفعل معه من الخدمة والطاعة ما
يتصل بك إن شاء الله تعالى، فكان معه كما قال)).
ثم قال شيخنا ابن الأثير بعد هذا بأوراق في فصل يتعلق بانقراض الدولة
المصرية وإقامة الدولة العباسية بها في المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة فقال٤:
ا لم يرد في المسودة .
٢ عاد إلى متابعة النقل عن التاريخ الأتابكي : ١٤٢
٣ انظر ج ١ : ٣٠٦.
٤ الباهر : ١٥٦ .
١٥٦

(« قطعت خطبة العاضد صاحب مصر ، وخطب فيها للإمام المستضيء بأمر الله
أمير المؤمنين ، وكان السبب في ذلك أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ثبت
قدمه في مصر وزال المخالفون له ، وضعف أمر العاضد ، ولم يبق من العساكر
المصرية أحد ، كتب إليه الملك العادل نور الدين محمود يأمره بقطع الخطبة
العاضدية وإقامة الخطبة العباسية ، فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل
مصر ، وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك لميلهم إلى دولة المصريين ، فلم يصغ
نور الدين إلى قوله ، وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزاماً لا فسحة له فيه ، واتفق
أن العاضد مرض ؛ وكان صلاح الدين قد عزم على قطع الخطبة ، فاستشار
أمراءه كيف الابتداء بالخطبة العباسية ، فمنهم من أقدم على المساعدة وأشار
بها ، ومنهم من خاف ذلك ، إلا أنه لا يمكنه إلا امتثال أمر نور الدين.
. وكان قد دخل إلى مصر إنسان عجمي يعرف بالأمير العالم ، وقد رأيناه بالموصل
كثيراً ، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال : أنا أبتدىء بها ، فلما كان
أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب ، ودعا للمستضيء بأمر الله
فلم ينكر أحد ذلك ، فلما كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بمصر
والقاهرة بقطع خطبة العاضد وإقامة الخطبة للمستضيء بأمر الله ، ففعلوا ذلك ،
ولم ينتطح فيها عنزان ، وكتب بذلك إلى سائر ديار١ المصرية . وكان العاضد
قد اشتد مرضه فلم يعلمه أهله وأصحابه بذلك ، وقالوا : إن سلم فهو يعلم
وإن توفي فلا ينبغي أن ننغص عليه هذه الأيام التي بقيت من أجله٢ ، فتوفي
يوم عاشوراء ولم يعلم . ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء ، واستولى على
قصره وجميع ما فيه ، وكان قد رتب فيه قبل وفاة العاضد بهاء الدين قراقوش
وهو خَصي يحفظه))- قلت: وقد تقدم ذكره في ترجمة أيضا٣ً - قال:
((وجعله كأستاذ دار العاضد ، فحفظ ما فيه حتى تسلمه صلاح الدين، ونقل
أهل العاضد إلى مكان منفرد ووكل بحفظهم ، وجعل أولاده وعمومته وأبناءهم
١ كذا في المسودة؛ وفي المختار والباهر : « الديار »
٢ المختار: عمرة
٣ انظر ج ٤ : ٩١
١٥٧

في إيوان في القصر وجعل عندهم من يحفظهم، وأخرج من كان من العبيد
والإماء ، فأعتق البعض ووهب البعض وباع البعض ، وأخلى القصر من أهله
وسكانه ، فسبحان من لا يزول ملكه، ولا يغيره مجر الأيام وتعاقب الدهور.
ولما اشتد مرض العاضد أرسل يستدعي صلاح الدين ، فظن أن ذلك خديعة
فلم يمض إليه ، فلما توفي علم صدقه ، فندم على تخلفه عنه)» .
((وكان ابتداء الدولة العبيدية بافريقية والمغرب في ذي الحجة سنة تسع وتسعين
ومائتين ، وأول من ظهر منهم المهدي أبو محمد عبيد الله وبنى المهدية وملك
إفريقية كلها)) - قلت: هكذا ذكر شيخنا ابن الأثير تاريخ استيلاء المهدي
عبيد الله على إفريقية، والصواب فيه هو الذي ذكرته في ترجمته فيكشف
منه١ - ثم إنه قال: ((ولما مات المهدي عبيد الله قام بالأمر بعده ولده القائم
أبو القاسم محمد )) ثم ذكرهم واحداً واحداً حتى انتهى إلى العاضد المذكور
فقال: ((وانقرضت دولتهم ، فكانت مدة دولتهم مائتي سنة وستاً وستين
سنة ، وكان مقامهم بمصر مائتي سنة وثماني سنين ، وملك منهم أربعة عشر
وهم : المهدي والقائم والمنصور والمعز والعزيز والحاكم والظاهر والمستنصر
والمستعلى والآمر والحافظ والظافر والفائز والعاضد آخرهم» - قلت: وقد
ذكرت كل واحد من هؤلاء بترجمة مستقلة في هذا الكتاب فمن اختار
الوقوف على أحوالهم فليطلبه في اسمه ، ولا حاجة إلى ذكره ها هنا - قال
شيخنا ابن الأثير: ((وقد أتينا على ذكر ما أجملناه مستقصى في التاريخ الكبير»
يعني كتابه الذي سماه ((الكامل)) وهو مشهور، ومن أنفع الكتب في بابه
قال٢: ((ولما استولى صلاح الدين على القصر وأمواله وذخائره اختار منه
منه ما أراد ووهب أهله وأمراءه ، وباع منه كثيراً ، وكان فيه من الجواهر
والأعلاق النفيسة ما لم يكن عند ملك من الملوك ، قد جمع على طول السنين
وممر الدهور ، فمنه القضيب الزمرذ ، طوله نحو قبضة ونصف ، والجبل
١ ذكر في ترجمته (٣ : ١١٩) أنه دعي له سنة سبع وتسعين ومائتين.
٢ الباهر : ١٥٧ ٠
١٥٨

الياقوت وغيرهما ، ومن الكتب المنتخبة بالخطوط المنسوبة والخطوط الجيدة
نحو مائة ألف مجلد)»
((ولما خطب للمستضيء بأمر الله بمصر أرسل نور الدين إليه يعرفه ذلك ،
فحل عنده أعظم محل ، وسيّر إليه الخلع الكاملة مع عماد الدين صَنْدل المقتفوي
إكراماً له ، لأن عماد الدين كان كبير المحل في الدولة العباسية ، وكذلك
أيضاً سير خلعاً لصلاح الدين ، إلا أنها أقل من خلع نور الدين ، وسيّرت
الأعلام السود لتنصب على المنابر ، وكانت هذه أول أهبة عباسية دخلت
مصر بعد استيلاء العبيديين عليها)) ؛ انتهى ما قاله شيخنا ابن الأثير .
قلت : ولما وصل الخبر إلى الإمام المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن
ابن الإمام المستنجد ، وهو والد الإمام الناصر لدين الله ، بما تجدد من أمر
مصر وعود الخطبة والسكة بها باسمه ، بعد انقطاعها بمصر هذه المدة الطويلة ،
نظم أبو الفتح محمد سبط ابن التعاويذي - المقدم ذكره١- قصيدة طنانة مدح
بها الإمام المستضيء ، وذكر هذا الفتوحالمتجدد له ، وفتوح بلاد اليمن أيضاً،
وهلاك الخارجيّ بها الذي سمى نفسه المهدي وذلك في سنة إحدى وسبعين
وخمسمائة ، وكان صلاح الدين قد أرسل له من ذخائر مصر وأسلاب المصريين
شيئاً كثيراً ، وأولها ؟
قبل للسحاب إذا مَرَتْهُ بدُ الجنائبِ فارْجَحَنْ
عُجْ باللوى فاسمحْ بدمعك للمعاهدِ والدّمن
يا منزل الأنس الجميع وملعب الحيّ الأغن
سكنتْ بك الآراءُ من بعد الأحبة والسكن
أين استقلّتْ بالحبيب ركابه ومتى ظَعَنْ
سُفي الغوادي من زمن
شوقي إلى زمن الحمى
١ انظر ج ٤ : ٤٦٦ .
٢ لم ترد في ديوان التعاويذي المطبوع .
١٥٩

شوقُ المغرَّبِ شَرّدتسه يدُ البعادِ عن الوطن
. نُ بشملنا بك ما فَطَنْ
ولقد عهدتك والزما
رحُهُ وماوك ما أجن
وثراك ما اغبرّتْ مسا
وطرٌ ، وتزبك لي وطن
وظباؤُك الأترابُ لي
وجدي وبلبالي بمن
لام العذولُ وما دری ..
وجدي بمن فضح القضيسبَ وأخجل الرشأ الأغن
لو کان یرحمُ من فتن
ما ضرّ مَنْ هو فتنستي
دمعي طليقٌ في محبته وقلبي مرتَهن
دُ بعاشقٍ بك ممتحن
یا محتّي أودى الصدر .
غادرته وقفاً على العبرات بعدك والحزن
بين الإقامة - والظعن
كلفَ الفوادِ معذّباً
ن بعید عهد بالوسن!
عطفاً على قَرِح الجفو
هب بهجة الوجه الحسن
لا تبخلي فالبخلُ يُدْ
ولربّ ليلٍ بتّ فيسه صريعَ باطية ودَنّ
أختالُ من مرحٍ وأسِبُ فضل ذيلي والرُّدُن
معَ مُخْطفٍ لدنِ القوا" م إذا انثنى رخصِ اليدن
لكنني كفرتُ ليلة زرته عني وعن
ء أبي محمد الحسن
بمدائحي للمستضي
فة في الشواهق والقُنَّنْ
المستقرّ من الخلا
ومنها :
سُنن النني على سَنَّن
يا جارياً في العدل من
ة والخلافة في قَرَن
يا جامعاً خُلُقَ النبو
١ المختار : بالوطن .
٦٠
Com