النص المفهرس
صفحات 61-80
حول المدينة ومعه شيء معلق، فتأمله الناس فوقع فإذا كف فيها خاتم نقشه: عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد . ثم إن كل مَنْ بين مكة والمدينة ممن قرب من البصرة أو بعد علموا بالوقعة مما نقلت النسور إليهم من الأيدي والأقدام. قلت: وذكر كشاجم في كتاب ((المصايد والمطارد))١ أن العقاب ألقت كف عبد الرحمن بمكة، وكذلك ذكره في كتاب ((المهذب)» في الفقه في باب الصلاة على الميت ، وذكر ابن الكلبي وأبو اليقظان في كتابيهما أن العُقَاب ألقتها باليمامة ، والله أعلم بالصواب . ٨٣٥ ابو يعقوب البويطي أبو يعقوب يوسف بن يحيى المصري البويطي ، صاحب الشافعي رضي اللّه عنه؛ كان واسطة عقد جماعته وأظهرهم نجابةً ، اختص به في حياته ، وقام مقامه في الدرس والفتوى بعد وفاته ، سمع الأحاديث النبوية من عبد الله بن وهب الفقيه المالكي - المقدم ذكره٢ - ومن الإمام الشافعي ، وروى عنه أبو إسماعيل الترمذي٣ وإبراهيم بن إسحاق الحربي والقاسم بن المغيرة الجوهري وأحمد بن منصور الرمادي وغيرهم . وكان قد حمل في أيام الواثق بالله من مصر إلى بغداد في مدة المحنة وأريد على القول بخلق القرآن ١ المصايد والمطارد : ٩٨ . ٨٣٥- ترجمته في تاريخ بغداد ١٤: ٢٩٩ والفهرست : ٢٩٨ وتهذيب التهذيب ١١ : ٤٢٧ وطبقات السبكي ١: ٢٧٥ وعبر الذهبي ١: ١١؛ والشذرات ٢ : ٧١ وحسن المحاضرة ١ : ١٢٣ وطبقات العبادي: ٧ والاسنوي ١: ٢٠ والنجوم الزاهرة ٢: ٢٣١ والحسيبي: ٤ ومعجم البلدان ( بويط ) وابن قاضي شهبة : ٤٥ . ٢ = ٣ : ٠٣٦ ٣ هو محمد بن اسماعيل الترمذي المحدث الحافظ الثقة (انظر تذكرة الحفاظ : ٦٠٤). الكريم فامتنع من الإجابة إلى ذلك ، فحبس ببغداد، ولم يزل في السجن والقيد حتى مات . وكان صالحاً متنسكاً عابداً زاهداً . قال الربيع بن سليمان: رأيت البويطي على بغل ، في عنقه غل وفي رجليه قيد ، وبين الغل والقيد سلسلة من حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلاً، وهو يقول: إنما خلق الله سبحانه الخلق" بكُنْ، فإذا كانت كن مخلوقة فكان مخلوقاً خلق مخلوقاً ، فوالله لأموتن في حديدي حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه مات في هذا الشأن قوم في حديدهم ، ولئن أدخلت عليه لأصدقته - يعني الواثق وقال أبو عمر ابن عبد البر الحافظ في كتاب ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء١)): إن ابن أبي الليث الحنيفيّ قاضي مصر كان يحسده ويعادية ، فأخرجه في وقت المجنة في القرآن العظيم فيمن أخرج من مصر إلى بغداد ، ولم يخرج من أصحاب الشافعي غيره ، وحمل إلى بغداد وحيس ، فلم يجب إلى ما دعي إليه في القرآن ، وقال : هو كلام الله غير مخلوق ، وحبس ومات في السجن وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب ((طبقات الفقهاء))٢: كان أبو يعقوب البُوَيْطي إذا سمع المؤذن وهو في السجن يوم الجمعة اغتسل ولبس ثيابه ومشى حتى يبلغ باب السجن، فيقول له النجان : أين تريد ؟ فيقول : أجيب داعيّ اللّه، فيقول: ارجع عافاك الله ، فيقول أبو يعقوب: اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك فمنعوني . وقال أبو الوليد ابن أبي الجارود٣ : كان البُوَيْطي جاري فما كنت أنتبه ساعة من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلي . وقال الربيع : كان أبو يعقوب أبداً يحرك شفتيه بذكر الله تعالى ، وما الانتقاء : ٠١٠٩ ١ ٢ طبقات الفقهاء : ٩٨ ٣ تاريخ بغداد : ٣٠٠ ٦٢ رأيت أحداً أنزع بحجة من كتاب الله تعالى من أبي يعقوب البويطي . وقال الربيع أيضاً : كان لأبي يعقوب منزلة من الشافعي ، وكان الرجل ربما يسأله عن المسألة فيقول له : سل أبا يعقوب ، فإذا أجابه أخبره فيقول : هو كما قال . وقال أيضاً : ربما جاء رسول صاحب الشرطة إلى الشافعي فيوجه أبا يعقوب البُوَيْطي ويقول : هذا لساني . وقال الخطيب البغدادي في تاريخه١ : لما مرض الشافعي مرضه الذي مات فيه جاء محمد بن عبد الحكم ينازع البُوَيْطي في مجلس الشافعي ، فقال البويطي : أنا أحق به منك ، وقال ابن عبد الحكم : أنا أحق بمجلسه منك ، فجاء أبو بكر الحميدي ، وكان في في تلك الأيام بمصر ، فقال ، قال الشافعي : ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى وليس أحد من أصحابي أعلم منه ، فقال له ابن عبد الحكم : كذبت ، فقال الحميدي : كذبت أنت وكذب أبوك وكذبت أمك، وغضب ابن عبد الحكم، فترك مجلس الشافعي وتقدم فجلس في الطاق ، وترك طاقاً بين مجلس الشافعي ومجلسه ، وجلس البويطي في مجلس الشافعي في الطاق الذي كان يجلس فيه . وقال أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم٢: رأيت أبي في المنام فقال لي : يا بني عليك بكتاب البُوَيْطي فليس في الكتب أقل خطأ منه . وقال الربيع بن سليمان: كنت عند الشافعي أنا والمزني وأبو يعقوب البويطي، فنظر إلينا فقال لي : أنت تموت في الحديث ، وقال المزني : هذا لو ناظره الشيطان قطعه أو جّدله ، وقال للبويطي : أنت تموت في الحديد ، قال الربيع : فدخلت على البويطي أيام المحنة فرأيته مقيداً إلى أنصاف ساقيه مغلولةً يداه إلى عنقه . وقال الربيع أيضاً : كتب إليّ أبو يعقوب من السجن : إنه ليأتي علي أوقات لا أحس بالحديد أنه على بدني حتى تمسه بدي ، فاذا قرأت كتابي ١ تاريخ بغداد : ٣٠١. ٢ متابع النقل عن تاريخ بغداد؛ وانظر ترجمة الأصم في تذكرة الحفاظ الذهبي : ٨٦٠. ٣ ورد في = ٢ : ٢٩١ ٦٣ هذا فأحسن خُلقك مع أهل حلقتك ، واستوص بالغرباء خاصة خيراً ، فكثيراً ما كنت أسمع الشافعي رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت : أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ولن تُكرِمَ النفسَ التي لا تَهينها وأخباره كثيرة ؛ وتوفي يوم الجمعة قبل الصلاة في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين، في القید والسجن ببغداد ، وقيل إنه توفي سنة اثنتين وثلاثين ، والأول أصح ، رحمه الله تعالى؛ وقال ابن القرّاب في تاريخه : توفي يوم الثلاثاء في رجب ، والله أعلم . والبويطي ، بضم الباء الموحدة وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها طاء مهملة ، هذه النسبة إلى بُوَيْط ، وهي قرية من أعمال الصعيد الأدنى من ديار مصر . ويوسف : فيه ستّ لغات ، ضمّ السين وفتحها وكسرها مع الواو وضم السين وفتحها وكسرها مع الهمزة عوض الواو ، فالمجموع ست لغات ، والياء أوله مضمومة في اللغات الست ، وسيأتي نظيره في يونس . ٦٤ ٨٣٦ ابو القاسم ابن كجّ القاضي أبو القاسم یوسف بن أحمد بن يوسف بن کچ الکجي الدینوري ؛ كان أحد أئمة الشافعية ، صحب أبا الحسين ابن القطان ، وحضر مجلس أبي القاسم عبد العزيز الداركي ، وجمع بين رياسة العلم والدنيا ، وارتحل الناس إليه من الآفاق للاشتغال عليه بالدينوَرَ رغبة في علمه وجودة نظره، وله وجه في مذهب الشافعي رضي الله عنه ، وصنف كتباً كثيرة انتفع بها الفقهاء . قال أبو سعد ابن السمعاني : لما انصرف أبو علي الحسين بن شعيب السنجي من عند الشيخ أبي حامد الإسفرايني اجتاز به فرأى علمه وفضله ، فقال له : يا أستاذ ، الاسم لأبي حامد والعلم لك ، فقال: ذاك رفعته بغداد وحطتني الدينور. وتولى القضاء ببلده ، وكانت له نعمة كثيرة . وقتله العیّارون بالدينور في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة خمس وأربعمائة، رحمه الله تعالى. وكج : بكاف مفتوحة وجيم مشددة . وقد تقدم الكلام على الدينور فأغنى عن الإعادة ، والكَجّي : نسبة إلى جده المذكور . ٨٣٦- ترجمته في طبقات السبكي ٤: ٢٩ ومرآة الجنان ٣: ١٢ وعبر الذهبي ٣: ٩٢ والشذرات ٣: ١٧٧ وطبقات الشيرازي: ١١٨ - ١١٩ والانساب واللباب ( الكجي) وطبقات العبادي: ١٠٧ والبداية والنهاية ١١: ٣٥٥ والاسنوي ٢ : ٣٤٠ والحسيبي: ٤٢. وابن قاضي شهبة : ٩٠ ٥-٧ ٦٥ ٨٣٧ ابن عبد البرّ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي ؛ إمام عصره في الحديث والأثر وما يتعلق بهما ، روى بقرطبة عن أبي القاسم خلف بن القاسم الحافظ وعبد الوارث بن سفيان وسعيد نصر وأبي محمد ابن عبد المؤمن وأبي عمر الباجي وأبي عمر الطلمنكي وأبي الوليد ابن الفرضي وغيرهم . وكتب إليه من أهل المشرق أبو القاسم السقطي المكي وعبد الغني بن سعيد الحافظ وأبو ذر الهروي وأبو محمد ابن النحاس المصري وغيرهم . قال القاضي أبو علي ابن سكرة١: سمعت شيخنا القاضي أبا الوليد الباجي يقول : لم يكن بالأندلس مثلُ أبي عمر ابن عبد البر في الحديث ؛ وقال الباجي أيضاً : أبو عمر أحفظ أهل المغرب . وقال أبو علي الحسين بن أحمد بن محمد الغساني الأندلسي الجياني - المقدم ذكره٢ -: ابن عبد البر شيخنا من أهل قرطبة ، بها طلب الفقه ولزم أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم الفقيه الإشبيلي وكتب بين يديه ، ولزم أبا الوليد ابن الفرضي الحافظ وعنه أخذ كثيراً من علم الحديث ، ودأب في ٨٣٧- ترجمته في الصلة: ٦٤٠ وبغية الملتمس رقم: ١٤٤٢ والجذوة : ٣٤٤ والمغرب ٢: ٤٠٧ والمطمح: ٦١ والديباج المذهب ٣٥٧ وترتيب المدارك ٤: ٨٠٨ وتذكرة الحفاظ : ١١٢٨ وعبر الذهبي ٣: ٢٥٥ والشذرات ٣ : ٣١٤. ١ هو أبو علي الحسين بن محمد الصدفي، انظر ترجمته في النفح ٢ : ٩٠ وفي الحاشية ذكر لمراجع أخرى . ٢ = ٢ : ١٨٠ ٠ ٦٦ طلب العلم وافتنّ فيه ، وبرع براعة فاق فيها من تقدمه من رجال الأندلس . وألف في ((الموطأ)) كتباً مفيدة، منها كتاب ((التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد)) ورتبه على أسماء شيوخ مالك على حروف المعجم ، وهو كتاب لم يتقدمه أحد إلى مثله ، وهو سبعون جزءاً ؛ قال أبو محمد ابن حزم : لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله ، فکیف أحسن منه ؟ ثم صنع کتاب ((الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار)) شرح فيه الموطأ على وجهه ونسَقِ أبوابه. وجمع في أسماء الصحابة رضي الله عنهم كتاباً جليلاً مفيداً سماه (( الاستيعاب)) وله كتاب ((جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله)) وكتاب ((الدرر في اختصار المغازي والسير))١ وكتاب (( العقل والعقلاء وما جاء في أوضافهم)) وله كتاب صغير في قبائل العرب وأنسابهم٢ ، وغير ذلك من تواليفه . وكان موفقاً في التأليف معاناً عليه ، ونفع الله به. وكان، مع تقدمه في علم الأثر وَبَصره بالفقه ومعاني الحديث ، له بسطة كبيرة في علم النسب . وفارق قرطبة وجال في غرب الأندلس مُدَّةً ، ثم تحول إلى شرق الأندلس وسكن دَانِيَةً من بلادها، وَبَلْنسية وشاطبة ، في أوقات مختلفة . وتولى قضاء الأشبونة وشنترين في أيام ملكها المظفر بن الأفطس ؛ وصنف كتاب (( بهجة المجالس وأنس المجالس))٣ في ثلاثة أسفار، جمع فيه أشياء مستحسنة تصلح للمذاكرة والمحاضرة : من ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم رأى في منامه أنه دخل الجنة ورأى فيها عذْقاً مُدَلّى فأعجبه وقال : لمن هذا ؟ فقيل: لأبي جهل ، فشقّ ذلك عليه وقال : ما لأبي جهل والجنة ؟ والله لا يدخلها أبداً ، فإنها لا تدخلها ١ طبع هذا الكتاب بتحقيق الدكتور شوقي ضيف ( القاهرة : ١٩٦٦). ٢ مطبوع باسم ((القصد والأمم في التعريف بأصول أنساب العرب والعجم)) ومعه كتيب آخر هو ((الانباه على قبائل الرواة)) (القاهرة: ١٣٥٠). ٣ صدر من هذا الكتاب جزء واحد بتحقيق الأستاذ محمد مرسي الخولي ( القاهرة ١٩٦٢). ٦٧ إلا نفس مؤمنة ، فلما أتاه عكرمة بن أبي جهل مسلماً فرح به وقام إليه ، وتأول ذلك العذْقَ عكرمة ابنه . ومنه أيضاً أنه قيل لجعفر بن محمد ، يعني الصادق : كم تتأخر الرؤيا ؟ قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم کان کلباً أبقع يلغ في دمه ، فكان شمر ابن ذي الجوشن قاتل الحسين بن علي رضي الله عنه ، وكان أبرص ، فكان تأخير الرؤيا بعد خمسين سنة . ومن ذلك أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا فقصها على أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال: يا أبا بكر ، رأيت كأني أنا وأنت نرقى درجةً ، فسبقتك بمرقاتين ونصف ، فقال: يا رسول الله ، يقبضك الله تعالى إلى رحمته ومغفرته وأعيش بعدك سنتين ونصفا . ومن ذلك أن بعض أهل الشام قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: رأيت كأن الشمس والقمر اقتتلا ، ومع كل واحد منهما فريق من النجوم قال : مع أيهما كنت ؟ قال: مع القمر ، قال: مع الآية الممحُوّة، لا. عملتَ لي عملاً أبداً ، فِعزله ، وقُتل مع معاوية بن أبي سفيان بصفين . وقالت عائشة رضي الله عنها: رأيت كأن ثلاثة أقمار سقطن في حجْري، فقال لها أبوها أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إن صدقت رؤياك دفن في بيتك ثلاثة من خير أهل الأرض ، فلما دفن النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها قال لها أبو بكر : هذا أحد أقمارك ، وهو خيرها . ومنه أيضاً أن أعرابياً - وقيل هو الحطيئة الشاعر - أراد سفراً، فقال لامرأته: وذري الشهورَ فإنهن قصارُ عُدّي السنين لغيبتي وتَصَبّري فأجابته : وارحمْ بناتِكَ إنهنّ صغار اذكر صبابتنا إليكَ وشوقنا فأقام وترك سفره . ٦٨ وقال الهيثم بن عدي قال لي صالح بن حَيّان: مَنْ أفقه الشعراء ؟ فقلت : اختلف في ذلك ، فقال : أفقه الشعراء وضاح اليمن حيث يقول : إذا قلتُ هاتي نوليسني تبسمتْ وقالت: معاذَ اللّهمن فعل ما حرم وأعلمتها ما أرخصَ اللّه في اللّمم فما نولت حتى تضرعتُ عندها ومنه أيضاً: قيل لأسلم بن زرعة: إن انهزمت من أصحاب مرداس١ غضب عليك الأمير عبيد الله بن زياد ، فقال : لأن يغضب علي وأنا حي خير من أن يرضى عني وأنا ميت . ومنه أيضاً: سبّ أعرابيّ أعرابياً فسكت، فقيل له لم سكت عنه ؟ فقال: ليس لي علم بمساويه ، وکرهت أن أبهته بما ليس فيه . ثالبني عمرو وثالبته - قد أثم المثلوبُ والثالبُ قلتُ له خيراً وقال الحنا كلّ على صاحبه كاذب وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما: إذا قال فيك رجل ما لا يعلم من الخير أوشك أن يقول فيك ما لا يعلم من الشر. ومنه أيضاً : ذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : كان والله أفضل من أن يَخْدع، وأعقلَ من أن يُخدّع. ومنه أيضاً : روي أنه لما أهبط الله تعالى آدم عليه السلام إلى الأرض أتاه جبريل عليه السلام فقال : يا آدم إن الله عز وجل قد أحضرك ثلاث خصال لتختار منهن واحدة وتتخلى عن ثنتين ، قال : وما هن ؟ قال : الحياء والدين والعقل ، قال آدم : إني قد اخترت العقل ، فقال جبريل للحياء والدين : ارتفعا فقد اختار العقل ، قالا : لا، لا نرتفع ، قال : ولم؟ أعصيتما؟ قالا : لا ولكن أمرنا أن لا نفارق العقل حيث كان . ١ يعني مرداس بن أدية شيخ الخوارج ٦٩ وقال عبد الملك بن عبد الحميدمن أبيات ١ : الماءُ في دار عثمان له ثمنٌ والخبزُ فيها له شأن من الشانِ عثمانُ يعلم أن الحمدّ ذو ثمن لكنه يشتهي حمداً بمجّان حتى يروا عنده آثار إحسان والناسُ أكيس من أن يحمدوا أحداً ومن كتاب ((بهجة المجالس)) أيضاً قال الرياشي: خرج الناس بالبصرة ينظرون هلال شهر رمضان ، فرآه رجلٌ واحد منهم ، ولم يزل يومىء إليه حتى رآه معه غيره وعاينوه ، فلما كان هلال الفطر جاز الجماز صاحب النوادر إلى ذلك الرجل ، فدقّ عليه الباب فقال : قم أخرجنا مما أدخلتنا فيه . (376) قلت: وهذا الجماز هو أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء ابن ريان ، مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو ابن أُخت سَلْم الخاسر ؛ قال السمعاني في حقه : كان خبيث اللسان حسن النادرة ، وكان أكبر من أبي نواس ، وقيل في نسبه غير ذلك ، والجماز لقبه ، وهو بفتح الجيم وتشديد الميم وبعد الألف زاي. فمن نوادره أنه قال: أصبحت في يوم مطير ، فقالت لي امرأتي : أي شيء يطيب في هذا اليوم ؟ فقلت لها : الطلاق ، فسكتت عني . ودخل عليه يوماً بعضُ إخوانه وقد طبخ وغرف الطعام ، فقال الداخل : سبحان الله ما أعجب أسباب الرزق ! فقال الجماز : الحرمان واللّه أعجب منه، امرأته طالق إن ذقته . وقال له السّرّوي الشاعر : ولدت امرأتي البارحة ولداً كأنه دينار منقوش ، فقال له الجماز : لاعن أمه. وللجماز شعر أيضاً ذكره في كتاب ((الورقة))، فمن ذلك ما كتبه إلى صاحب له ، وكان يلازم الجامع ثم انقطع عنه: هجرتَ المسجدَ الجامعَ والهجرِّ له ريبه ١ ورد منها في النفح (٣: ٥٨٠) بيتان نسبهما إلى الأمير القاسم الأموي يقولهما في أخيه عثمان، وكذلك قال ابن حيان في المقتبس: ٢٠١ (تحقيق مكي) وقال ابن الايار : وهو غلط لا خفاء به وإنما البيتان من قطعة لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي أنشدهما ابن عبد البر في كتاب بهجة المجالس . ٧٠ ولا تشهدُ مكتوبه فلا نافلَةً تأتي على الأعلام منصوبه تأتینا وأخبارك فإن زدت من الغَيْبَةِ زدناك من الغيبه ومنه أيضاً : قال أردشير: احذروا صولة الكريم إذا جاع ، واللئيم إذا شبع ، واعلموا أن الكرام أصبر نفوساً ، واللئام أصبر أجساماً . قلت: هذا كله نقلته من ((بهجة المجالس)) وفيه كفاية فلا حاجة إلى الإطالة . وتوفي الحافظ أبو عمر المذكور يوم الجمعة آخر يوم من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة ، بمدينة شاطبة من شرق الأندلس . وقال صاحبه أبو الحسن طاهر بن مفوّز المعافري ، وهو الذي صلى عليه : سمعت أبا عمر ابن عبد البر يقول : ولدت يوم الجمعة والإمام يخطب لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلثمائة رحمه الله تعالى ؛ وقد تقدم في ترجمة الخطيب أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الحافظ أنه كان حافظ الشرق ، وابن عبد البرّ حافظ الغرب ، وماتا في سنة واحدة ، وهما إمامان في هذا الفن . والنمري : بفتح النون والميم وبعدها راء ، هذه النسبة إلى النمر بن قاسط ، بفتح النون وكسر الميم ، وإنما تفتح الميم في النسبة خاصة ، وهي قبيلة كبيرة مشهورة . وقد تقدم الكلام على القرطبي وشاطبة ، فأغنى عن الإعادة . وذكر أبو عمر المذكور أن والده أبا محمد عبد الله بن محمد بن عبد البر توفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمانين وثلثمائة ومولده سنة ثلاثين وثلثمائة، رحمه الله تعالى . (317) وكان والده أبو محمد عبد الله بن يوسف ١ من أهل الأدب البارع ١ ترجمة أبي محمد ابن عبد البر الكاتب في الذخيرة (القسم الثالث: ٣٩). ٧١ والبلاغة ، وله رسائل وشعر ، فمن شعره قوله : واحبس عليك عنان طَرْفِكْ لا تكثرن تسأملا فرماك في ميدان حتفك فلربما. أرسلته قيل إنه مات سنة ثمان وخمسين وأربعمائة . ٨٣٨ ابو محمد يوسف بن الحسن السيرافي أبو محمد يوسف بن أبي سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي ، النحوي اللغوي الأخباري ، الفاضل ابن الفاضل، قد تقدم ذكر أبيه الحسن في حرف الحاء١ ؛ كان أبو محمد المذكور عالماً بالنحو ، وتصدر في مجلس أبيه بعد موته في التاريخ المذكور في ترجمته وخلفه على ما كان عليه ، وقد كان يفيد الطلبة في حياة أبيه، وأكمل كتاب أبيه الذي سماه ((الإقناع)) وهو کتاب جليل نافع في بابه ، فإن أباہ کان قد شرح کتاب سییویہ - كما تقدم في ترجمته - وظهر له بالاطلاع والبحث في حال التصنيف ما لم يظهر لغيره ممن يعاني هذا الشأن، وصنف بعد ذلك ((الإقناع)) فكأنه ثمرة استفادته حال البحث والتصنيف ، ومات قبل إتمامه فكمله ولده يوسف المذكور٢، وإذا تأمله المنصف لم يجد بين اللفظين والقصدين تفاوتاً كثيراً . ثم صنف يوسف المذكور عدة كتب في شرح أبيات استشهادات كتب مشهورة ، مثل ((شرح أبيات: كتاب سيبويه)) وهو الغاية في بابه وبسطه، و ((شرح ٨٣٨- ترجمته في الجواهر المضية ٢: ٢٢٦ ومرآة الجنان ٢: ٤٢٩ وبغية الوعاة: ٤٢١ ومعجم الأدباء ٢٠ : ٦٠. ١ انظر = ٢ : ٧٨ . ٢ قال المعري: والبغداديون يحكون أن أبا سعيد السيرافي عمل من كتابه المعروف بالمقنع أو الاقناع الى باب التصغير، ثم توفي وأتمه بعده ولده أبو محمد ( رسالة الغفران : ٤١٦). ٧٢ أبیات إصلاح المنطق ) وأجاد فیه ، و « شرح أبیات المجاز لأبي عبيدة وأبيات معاني الزجاج)) و ((شرح أبيات غريب المصنف )) لأبي عبيد القاسم بن سلام ، إلى غير ذلك . وكانت كتب اللغة تقرأ عليه مرة رواية ومرة دراية ، وقرىء عليه كتاب ((البارع )) للمفضل بن سلمة ، وهو كتاب كبير في عدة مجلدات هذب به كتاب ((العين)) في اللغة المنسوب إلى الخليل بن أحمد - المقدم ذكره١ - وأضاف إليه من اللغة طرفاً صالحاً . ونُقلَ من ظهر نسخة بكتاب ((إصلاح المنطق)»، قال أبو العلاء المعري: حدثني عبد السلام البصري خازن دار العلم ببغداد وكان لي صديقاً صدوقاً ، قال : كنت في مجلس أبي سعيد السيرافي وبعض أصحابه يقرأ عليه ((إصلاح المنطق )) لابن السكيت ، فمضى بيت حميد بن ثور٢ : ومطويةُ الأقرابِ ، أما نهارُها : فَسَبْتٌ، وأما ليلُها فذميلُ فقال أبو سعيد ((ومطويةٍ)) أصلحه بالخفض ، ثم التفت إلينا فقال : هذه واو رُبّ ، فقلت: أطال الله بقاء القاضي، إن قبله ما يدلّ على الرفع، فقال : وما هو ؟ فقلت : أتاك بيّ اللّه الذي أنزل الهدى وَنُورٌ وإسلامٌ عليكَ دَلِيلُ ومطويةُ الأقرابِ ... فعاد وأصلحه ، وكان ابنه أبو محمد حاضراً فتغير وجهه لذلك فنهض لساعته ووقته والغضبُ يستطيرُ في شمائله إلى دكانه ، وكان سماناً ، فباعها واشتغل بالعلم إلى أن برع فيه وبلغ الغاية، فعمل ((شرح إصلاح المنطق)). قال أبو العلاء : وحدثني مِنْ رآه وبين يديه أربعمائة ديوان ، وهو يعمل هذا الكتاب . ولم يزل أمره على سداد واشتغال وإفادة إلى أن توفي ليلة الأربعاء لثلاث ١ أنظر جـ ٢ : ٢٤٤. ٢ ديوان حميد : ١١٦ ٠ ٧٣ بقین من شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وثلثمائة ، وعمره خمس وخمسون سنة وشهور ، ودفن من الغد ، وصلى عليه أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي، ذكر ذلك هلال بن المحسن ابن الصابي الكاتب في تاريخه . وقال غيره : مولده في سنة ثلاثين وثلثمائة ، وتوفي يوم الاثنين لثلاث بقين من الشهر المذكور ، والله أعلم ، رحمه اللّه تعالى. وكان ديناً صالحاً ورعاً متقشفاً ، وكان بينه وبين أبي طالب أحمد بن بكر العبدي النحوي - المقدم ذكره١ - مباحث ومناظرات منقولة بين الناس ، وليس هذا موضع ذكرها . وقد تقدم الكلام في ترجمة أبيه على السيرافي فلا حاجة إلى إعادته ها هنا . وقال ابن حوقل في كتاب ((المسالك والممالك))٢: سيراف فرْضَة عظيمة الفارس ، وهي مدينة جليلة ، وأبنيتها ساج متصل إلى جبل يطل على البحر ، وليس بها ماء ولا زرع ولا ضَرْع ، وهي من أغنى بلاد فارس ، بالقرب من جنابة ونجيرم ، والله أعلم . ومن سيراف ينتهي الإنسان على ساحل البحر إلى حصن ابن عمارة ، وهو حصن منيع على نحر البحر ، وليس بجميع فارس حصن أمنع منه . ويقال إن صاحبه هو الذي قال الله تعالى في حقه ﴿وكان وراءهم ملِكٌ يأخذ كلّ سفينة غصبا﴾ (الكهف : ٧٩). وقال غير ابن حوقل : كان اسم هذا الملك الجُلُنْدِى ، بضم الجيم واللام وسكون النون وفتح الدال المهملة وبعدها ألف ، وإليه أشار بعضهم يخاطب بعض الظلمة : كان الجلندى ظالماً وأنت منه أظلمُ وقيل غير ذلك ، والله أعلم . ١ ج ١ : ١٠١ . ٢ صورة الأرض: ٢٤٨ وفي النقل اختلاف . ٧٤ ٨٣٩ يوسف النجيرمي أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن خُرّزاذ النَّجيرمي اللغوي البصري نزيل مصر ؛ هو من أهل بيت فيه جماعة من الفضلاء الأدباء ما منهم إلا من هو ماهر في اللغة كامل الأدوات متقن لها . روى أبو يعقوب المذكور عن أبي يحيى زكريا بن يحيى بن خلاّد الساجي وطبقته ، وروى عنه أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي وغيره وكان يوسف أمثل أهل بيته ، وله خط ليس بالجيد في الصورة ، وهو في غاية الصحة ، وكذلك خطوط جماعته قريبة منه ، ولأهل مصر رغبة وتنافس كثير في خطه ، حتى بلغت نسخة من ((ديوان جرير)) بخطه عشرة دنانير ، وأكثر ما تروى الكتب القديمة في اللغة والأشعار العربية وأيام العرب في الديار المصرية من طريقه ، فإنه كان راوية لها عارفاً بها . وكان أهل بيته يرتزقون بمصر من التجارة في الخشب . وكان أبو عبد الله محمد بن بركات بن هلال السعيدي النحوي المصري قد أخذ اللغة من أصحاب أبي يعقوب المذكور ، وأدرك أبا يعقوب ولم يأخذ عنه شيئاً لأنه رآه وهو صبي . قال الموفق أبو الحجاج يوسف بن الخلال المصري كاتب الإنشاء - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - قال لي ابن بركات: ٨٣٩- ترجمته في بغية الوعاة: ٤٢٥ والأنساب واللباب (النجيرمي)، وعبر الذهبي ٢: ٣٥٨ والشذرات ٣: ٧٥ (وفي المصدرين الأخيرين أدرج في وفيات ٣٧٠ وهو بعيد عما أثبته المؤلف ) . ١ انباه الرواة ٣: ٧٨ والخريدة (قسم مصر) ٢: ١٥٦ ومعجم الأدباء ١٨: ٣٩ والوافي ٢ : ٢٤٧ والمحمدون : ١٦٧ . ٧٥ رأيت أبا يعقوب وهو ماش في طريق القرافة ، وهو شيخ أسمر اللون كث اللحية. مدور العمامة بيده كتاب وهو يطالع فيه في مشيته . وهذا الذي ذكره ابن بركات فيه نظر ، فان الحافظ أبا إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد الله المعروف بالحبال ذكره في كتاب ((الوفيات)) الذي جمعه فقال: توفي أبو يعقوب بن خرزاذ النجيرمي يوم الثلاثاء رابع المحرم سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة . وقال غيره : ولد أبو يعقوب يوسف النجيرمي يوم عرفة من سنة خمس وأربعين وثلثمائة ، رحمه الله تعالى ؛ وابن بركات المذكور١ ولد بمصر في سنة عشرين وأربعمائة وتوفي بها في سنة عشرين وخمسمائة وكان نحوي مصر ، هكذا قاله الموفق ابن الخلال المذكور ، فكيف يمكن أن يرى أبا يعقوب ، وقد كان ابن بركات في تاريخ وفاة النجيرمي في السنة الثالثة من عمره٢ ، لكن لعله رأى ولده، والله أعلم. وقال القاضي الفاضل : ليس في شعر ابن بركات المذكور أحسن من هذين البيتين ، وعملهما في مسافر العطار : ويا قوامَ الغُصُنِ الرّطْبِ يا عنقَ الإبريق من فضِةٍ تقدرُ أن تخرجَ من قلبي ؟ هَبْكَ تجافيتَ فأقصيتني وكان ابن بركات قد أخذ النحو عن ابن بابشاذ النحوي - المقدم ذكره في حرف الطاء٣ - وذكره القاضي الرشيد بن الزبير في كتاب ((الجنان)) وأثنى عليه . وخرّزاذِ : بضم الخاء المعجمة والراء المشددة وبعدها زاي وبعد الألف ذال معجمة . قلت : هكذا يضبط أهل الحديث هذا الاسم ، وهو لفظ أعجمي ، وتفسير زاذ بالعربي ابن ، وأما خُرّ بتشديد الراء فليس له معنى ، ١٠ انظر الانباه ٣ : ٧٩ . ٢ قال القفطي نقلا عن ابن الخلال: وأدرك ابن خرزاذ ورآء وهو صبي فلم يهتد للأخذ عنه لصبو ته. ٣ ٣ ٢ : ٥١٥ ٧٦٠ إلا أن يكون أهل العربية قد غيروه كما جرت عادتهم في ذلك ، فيكون أصله خار بالألف وهو الشوك فيكون خارزاذ معناه ابن الشوك ، وَخُرَّشَيْذ أيضاً الشمس، فإن كانوا أرادوا هذا وحذفوا ((شيذ)) فيحتمل ، وعلى الجملة فانهم يتلاعبون بالأسماء العجمية ، والله أعلم بالصواب . ثم وجدت في كتاب ((البلدان))١ تأليف البلاذري في الفصل المتضمن حديث بلاد فارس وأعمالها أرض أردشير خره ثم قال : ومعنى أردشير خره ولد أردشير بها . قلت : وأردشير بن بابك بن ساسان أول ملوك الفرس كما هو مشهور بين الناس وعلى هذا يكون معنى خُرّزاذ: بها ولد، كما هو عادتهم في التقديم والتأخير ، وتقدير الكلام ولد بها أي بالناحية أو غير ذلك ، والله أعلم . والنجيرمي : بفتح النون وكسر الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وفي آخرها ميم ، هذه النسبة إلى نجيرم ، ويقال نجارم ، قال أبو سعد السمعاني في كتاب ((الأنساب)) هي محلة بالبصرة ؛ وقال غيره: هي قرية في برّ البصرة في طريق فارس عند سيراف ، والله أعلم بالصواب . وكذا هي في كتب ((المسالك والممالك)) وهي على بحر فارس، وظاهر الحال أن جماعة من أهلها دخلوا البصرة وسكنوا هذا المحلة ، فسميت باسم بلدهم ، والله أعلم . ١ فتوح البلدان : ٤٧٦ وفي المطبوعة : ومعنى اردشير خره بهاء أردشير . ٧٧ ٨٤٠ يوسف بن وهرة الهمذاني يوسف بن أيوب بن يوسف بن الحسين بن وَهَرَة ، أبو يعقوب الهمذاني الفقيه العالم الزاهد الجليل١ الرباني صاحب المقامات والكرامات ؛ قدم بغداد في صباه بعد الستين وأربعمائة، ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي-المقدم ذكره٢ - وتفقه عليه حتى برع في أصول الفقه والمذهب والخلاف، وسمع الحديث من القاضي أبي الحسين محمد بن علي ابن المهتدي باللّه وأبي الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون ، وأبي جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة وطبقتهم، وسمع بأصبهان وسمرقند ، وكتب أكثر ما سمعه ثم زهد في ذلك ورفضه ، واشتغل بالزهد والعبادة والرياضة والمجاهدة حتى صار علماً من أعلام الدين يهتدي به الخلق إلى الله تعالى. وقدم بغداد في سنة خمس عشرة وخمسمائة وحدث بها ، وعقد بها مجلس الوعظ بالمدرسة النظامية وصادف بها قبولا عظيماً من الناس ، قال أبو الفضل صافي بن عبد الله الصوفي الشيخ الصالح : حضرت مجلس شيخنا يوسف الهمذاني في النظامية ، وكان قد اجتمع العالم فقام فقيه يعرف بابن السقاء وآذاه وسأله عن مسألة ، فقال له الإمام يوسف : اجلس فاني أجد من كلامك رائحة الكفر، ولعلك تموت على غير دين الإسلام؛ قال أبو الفضل: ٨٤٠ - ترجمته في المنتظم ١٠: ٩٤ ومرآة الزمان: ١٨٠ ومرآة الجنان ٣: ٢٦٤ وعبر الذهبي ٤: ٩٧ والشذرات ٣: ١١٠ وطبقات الشعراني ١ : ١٥٩ والأنساب والقباب ( البوزنجردي) والبدر السافر، الورقة: ٢٣٩ والاسنوي ٢ : ٥٣١. ١ الجليل : سقطت من : س ق ع ر ٢ ج : ٢٩ ٧٨ فاتفق أنه بعد هذا القول بمدة قدم رسول نصراني من ملك الروم إلى الخليفة ، فمضى إليه ابن السقاء وسأله أن يستصحبه وقال له : يقع لي أن أترك دين الإسلام وأدخل في دينكم ، فقبله النصراني ، وخرج معه إلى القسطنطينية والتحق بملك الروم ، وتنصر ومات على النصرانية . قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي في ((تاريخ بغداد)) في ترجمة يوسف الهمذاني المذكور : سمعت أبا الكرم عبد السلام بن أحمد المقرىء يقول : كان ابن السقاء قارئاً للقرآن الكريم مجوداً في تلاوته ، حدثني من رآه بالقسطنطينية ملقىّ على دكة مريضاً ، وبيده خَلَقُ مروحة يدفع بها الذباب عن وجهه ، قال فسألته : هل القرآن باق على حفظك ؟ فقال : ما أذكر منه إلا آية واحدة ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ (الحجر: ٢) والباقي أنسيته ، نعوذ بالله من سوء القضاء وزوال نعمته وحلول نقمته ، ونسأله الثبات على دين الإسلام ، آمين آمين آمين . قال أبو سعد ابن السمعاني١ : يوسف بن أيوب الهمذاني من أهل بُوزَّنَجِرْدَ ، قرية من قرى همذان مما يلي الريّ ، الإمام الورع التقي المتنسك العامل بعلمه والقائم بحقه ، صاحب الأحوال والمقامات الجليلة ، وإليه انتهت تربية المريدين الصادقين ، واجتمع برباطه بمدينة مرو جماعة من المنقطعين إلى الله تعالى ما لا يتصور أن يكون في غيره من الربُطِ مثلهم ، وكان من صغره إلى كبره على طريقة مرضية وسداد واستقامة ، خرج من قريته إلى بغداد، وقصد الإمام أبا إسحاق الشيرازي وتفقه عليه ولازمه مدة مقامه ببغداد حتى برع في الفقه وفاق أقرانه خصوصاً في علم النظر ، وكان الشيرازي يقدمه على جماعة كثيرة من أصحابه مع صغر سنه ، لعلمه بزهده وحسن سيرته واشتغاله بما يعنيه . ثم ترك كل ما كان فيه من المناظرة وخلا بنفسه ، واشتغل بما هو الأهم من عبادة الله تعالى ودعوة الخلق إليها وإرشاد الأصحاب ١ بينه وبين ما ورد في الأنساب بعض اختلاف . ٧٩ إلى الطريق المستقيم ، نزل مرو وسكنها ، وخرج إلى هراة وأقام بها مدة ، ثم سئل الرجوع إلى مرو في آخر عمره فأجاب ورجع إليها ، وخرج إلى هراة ثانياً ، وعزم على الرجوع إلى مرو في آخر عمره وخرج منها متوجهاً إلى مرو ، فأدركته منيته بياميين بين هراة وبَغْشور في شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وخمسمائة ودفن ، ثم نقل بعد ذلك إلى مرو ؛ وكان مولده تقديراً لا تحقيقاً في سنة أربعین أو إحدى وأربعين وأربعمائة ببوزنجرد ، رحمه الله تعالى . قلت : هذا كله نقلته من تاريخ ابن النجار المذكور مقتضباً ، وفيه ألفاظ تحتاج إلى إيضاح . أما وَهَرَة: فهو بفتح الواو والهاء والراء وفي آخره هاء ثانية ، وهو اسم جده المذكور ولا أعرف معناه بالعربي . والقسطنطينية١ : بضم القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة. وسكون النون وكسر الطاء الثانية وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر النون وفتح الياء الثانية وفي آخرها هاء ساكنة ، وهي أعظم مدائن الروم ، بناها قسطنطين ملك الروم ، وهو أول من تتصر من ملوك الروم ، فنسبت المدينة إليه . وأما بوزنتجرد : فهو بضم الباء الموحدة وسكون الواو وفتح الزاي والنون وكسر الجيم وسكون الراء وبعدها دال مهملة ، وهي قرية من قرى همذان على مرحلة منها مما يلي ساوة ، كذا قال أبو سعد السمعاني في كتاب ((الأنساب)) ٢ وأما مَرْو فقد تقدم الكلام عليها . وأما باميين : بالباء الموحدة وبعد الألف ميم مفتوحة ثم ياء مثناة من تحتها مکسورة وبعدها یاء ثانية ساكنة ثم نون ، فهي بليدة بخراسان كما ذكرها . ١ ورد ضبطها = ٢ : ٦٤ ٢. انظر الأنساب ٢ : ٣٥٦ ٨٠