النص المفهرس

صفحات 41-60

وأخبرني بعض الأدباء أن ابن صابر كتب إلى بعض الرؤساء ببغداد :
ما جئتُ أسألك المواهبَ مادحاً إني لما أوليتني لشكورُ
لكن أتيتُ عن المعالي مُخْبراً لك أن سعيك عندها مشكور
ووقفت بالقاهرة على كراريس فيها شعره ، وقد أجاد في كل ما نظمه ،
ورأيت فيها البيتين المشهورين المنسوبين إلى جماعة من الشعراء ، ولا يعرف
قائلهما على الحقيقة١، وهما :
فتيقّنْ أن لستُ بالياقوتِ
ألقِي في لَظىّ فإن أحرقْتَني
ليس داودُ فيه كالعنكبوت
جمع٢ النسج کلّ منْ حاك لکنْ
فعمل ابن صابر جوابهما :
أيها المدّعي الفخار دع الفخر لذي الكبرياء والجبروت
رٍ وكان الفخارُ العنكبوت
نسجُ داود لم يفد ليلة الغا
وبقاءُ السَّمِند في لهبِ النا رِ مزيلٌ فضيلةَ الياقوت
وكذاك النعام يلتقم٣ُ الجمرَ وما الجمر للنعام بقوت
قلت : وعلى البيتين الأولين نظم جماعة من الشعراء المعاصرين لنا أبياتاً،
فمن ذلك قول الكمال أبي محمد القاسم بن القاسم بن عمرو بن منصور الواسطي
نزيل حلب صاحب ((شرح المقامات))٤:
فوقه ثم يمسوتُ
حق دود القز يني
ر يسدّي العنكبوتُ
بعد ما سدی وقد صا
وقول المهذب أبي عبد الله محمد بن أبي الحسن بن يمن الأنصاري المعروف
بابن الأردخل الموصلي نزيل مَّافارقين :
١ أوردهما ابن الشعار ١٠ : ١٥٢ ثم قال: ذكروا انهما للقاضي الفاضل.
٢ ابن الشعار: شمل ٣ أبن الشعار: يبتلع .
٤ ترجمته في الانباه ٣ : ٣١ وانظر الحاشية .
٤١

أقولُ وقد قالوا نراك مُقَطّباً
يحق لدود القزّ يقتلُ نفسه
إذا ما ادّعى دينَ الهوى غيرُ أهله
إذا جاء بيتُ العنكبوت بمثله
وهذا ينظر إلى قول بعضهم :
إذا شوركْتَ في أمر بدون
ففي الحيوان يشترك اضطراراً
وقول الآخر :
فلا يلحقْكَ عارٌ أو نفورُ
أرسطاليسُ والكلبُ العَقور
وللزُّنْبور والبازي جميعاً
لدى الطيران أجنحةٌ وخَفْقُ
وما يصطاده الزنبور فرقُ
ولكنْ بين ما يصطاد بازٍ
قلت : وعلى ذكر دود القز ينبغي أن يذكر ما يقال عن السّرْفة ، بضم
السين المهملة وبعدها راء ساكنة ثم فاء ؛ قال الجوهري في كتاب ((الصحاح))
هي دويبة تتخذ لنفسها بيتاً مربعاً من دُقَاق العيدان تضم بعضها إلى بعض
بلعابها على مثال الناووس ، ثم تدخل فيه وتموت ، يقال في المثل : هو أصنع
من سُرْفة، وذكر لي بعض الفضلاء أن السّرْفة هي الأرَضَة ، والله أعلم .
ومما ينبغي أن يلحق بالأبيات المقدم ذكرها قول بعضهم :
إن أعوزَ الحاذق فاستبدلوا مكانه أخرقَ لم يحذقٍ
وَضْعُ حصاةٍ موضعَ البَيْدِقِ
فلاعبُ الشطرنج من دأبه
والأصل في هذا كله قول المتنبي :
وشر ما قَنَّصتَه راحتي قَنَصٌ شُهْبُ البزاة سواء فيه والرخَمُ
ويقرب منه قول أبي العلاء المعري أيضاً :
وهل يتذْخر الضرغامُ قوتاً ليومِه إذا ادّخر النملُ الطعام لعامه ١
قلت : وفي هذه الأبيات الأوائل ما يحتاج إلى زيادة إيضاح ، فليس
١ قلت وعلى البيتين ... لعامه : لم يرد في س .
٤٢

كل مَن يقف عليها يفهم معناها : أما البيت الأول وما ذكره من أمر الياقوت
فإن الياقوت من خاصيته أن النار لا تؤثر فيه ، وإلى هذا أشار الحريري في
المقامة السابعة والأربعين بقوله من جملة ثلاثة أبيات١:
وطالما أُصْليَ الياقوتُ جمرَ غضاً ثم انطفا الجمرُ والياقوتُ ياقوتُ
وقال آخر في غلام له اسمه ياقوت :
من المروءة أن لا يمنع القوتُ
ياقوتُ يا قوتَ قلبي المستهام به
وكيف يخشى لهيبَ النار ياقوتُ
سكنت قلبي وما تخشى تلهبه
وقد جاء هذا كثيراً في الشعر ، لكن الاختصار أولى .
وأما قول ابن صابر في الجواب في البيت الثاني: ((نَسْجُ داود لم يفد
ليلة الغار)) إلى آخره، فهذا إشارة إلى مهاجرة النبي صَ لئم ، ومعه أبو
بكر الصديق رضي الله عنه ، فإنهما خافا من مشركي مكة أن يتبعوهما
فدخلا غار ثور ، بالثاء المثلثة - وثور جبل بين مكة والمدينة بالقرب من
من مكة - ونسج العنكبوت في الحال على باب الغار، فلما وصل المشركون
إليه ورأوا أثر العنكبوت على الباب قالوا : ليس ها هنا أحد ؛ فإنه لو دخله
أحد ما كان العنكبوت نسج عليه في الحال ؛ لأن المشركين بادروا إليهما
ليلحقوهما ، فأخفى اللّه سبحانه وتعالى أمرهما ، وهي من جملة معجزات
النبي صلى الله عليه وسلم .
وقوله في البيت الثالث: ((وبقاء السمند في لهب النار)) إلى آخره : السمند ،
بفتح السين المهملة والميم وبعد النون الساكنة دال مهملة، ويقال ((السمندل))
أيضاً بزيادة اللام ، ذكروا أنه طائر يقع في النار فلا تؤثر فيه ، ويعمل من
ريشه مناديل وتحمل إلى هذه البلاد ، فاذا اتسخت المنديل طرحت في النار
فتأكل النار الوسخ الذي عليها ، ولا تحترق المنديل ولا تؤثر النار فيها، ولقد
رأيت منه قطعة ثخينة منسوجة على هيئة حزام الدابة ، وهي في طول الحزام
وعرضه ، فجعلوها على النار فما عملت فيه ، فغمسوا أحد جوانبه في الزيت
١ مقامات الحريري : ٥١٤
٤٣

ثم تركوه على فتيلة السراج فاشتعل وبقي زماناً طويلاً يشتعل ثم اطفأوه وهو
على حاله ما تغير فيه شيء١ ، ويقولون إنه يجلب من بلاد الهند ، وإن هذا
الطائر يكون هناك ، وفيه نكتة ينبغي أن تذكر ها هنا ، وهي أن طرف
تلك القطعة لما وضعوه على السراج تركوه زماناً طويلاً والنار لا تعلق فيه ،
فقال بعض الحاضرين : هذا ما تعمل فيه النار ، ولكن اغمسوا هذا الطرف
في الزيت ثم اجعلوه على النار ، ففعلوا ذلك فاشتعل ؛ فظهر من هذا أن النار
لا تؤثر فيه على تجرده بل لا بد من غمسه في شيء من الأدهان .
ثم رأيت بخط شيخنا موفق الدين عبد اللطيف بن يوسف البغدادي في
كتابه الذي جعله لنفسه سيرة أنه قدم للملك الظاهر بن صلاح الدين صاحب حلب
قطعة سمندل ، عرض ذراع في طول ذراعين ، فصاروا يغمسونها في الزيت
ويوقدونها حتى يتقد الزيت وترجع بيضاء كما كانت ، والله أعلم .
ومثله السّرَفُوت : دُوَيْدة تعشش في كور الزجاج في حال توقده
واضطرامه وتبيض فيه وتفرّخ ، ولا تعمل بيتها إلا في موضع النار المستمرة
الدائمة ، فسبحان خالق كل شيء - وهي بفتح السين المهملة والراء وضم
الفاء وسكون الواو وبعدها تاء مثناة من فوقها .
وأما البيت الرابع الذي ذكر فيه النعام وأنه يلتقم الجمر ، فهذا شيء
شاهدناه كثيراً ، وهو معروف بين الناس وليس بغريب . وبالجملة فقد خرجنا
عن المقصود ، لكن الكلام اتصل بعضه ببعض فانتشر .
وتوفي ابن صابر المذكور في ليلة الثامن والعشرين من صفر من سنة ست
وعشرين وستمائة ببغداد٢ ، ودفن يوم الجمعة غربيها بالمقبرة الجديدة ،
بباب المشهد المعروف بموسى بن جعفر ، رضي اللّه عنهما .
١ علق هنا صاحب المختار بقوله: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به:
ورأيت أنا أيضاً منه قطعة من منشفة قد كانت نسجت منه وجربتها على النار فكانت
على ما شرح، والله أعلم ))
٢ ذكر في البدر السافر نقلا عن ابن سعيد انه توفي سنة ٦٢٣ .
٤٤

وأخبرني الشهاب ابن التلعفري المذكور أن مولده في الخامس والعشرين من
جمادى الآخرة بالموصل سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وتوفي في عاشر شوال
سنة خمس وسبعين وستمائة بمدينة حماة ، وأنشد قبيل موته لنفسه وهو
آخر شعره :
وبتُّ مجاورَ الربّ الكريم
إذا ما بات من تربٍ فراشي
فهنوني أصَيْحَاني وقولوا لك البشرى قدمت على رحيم
وحَوْثَرة : بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الثاء المثلثة وبعدها
راء ثم هاء ، وهي في الأصل اسم لحشفة الذكر ، وبها سمي الإنسان . قال
ابن الكلبي في كتاب ((جمهرة النسب)) : سمي ربيعة بن عمرو بن عوف بن
بكر بن وائل حوثرة لأنه حج فمر بامرأة معها قعب لها ، فاستامها فأكثرت
فقال: والله لو أدخلت حوثرتي فيه ، يعني كمرته ، لملأته ، فسمي حوثرة .
والمنجنيقي : بفتح الميم وسكون النون وفتح الجيم وكسر النون الثانية
وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها قاف ، هذه النسبة إلى المنجنيق ، وهو
معروف . وإذ قد جرى ذكره ينبغي الكلام عليه ففيه أشياء غريبة : منها :
انه من جملة الآلات المنقولة المستعملة ، والقاعدة في هذا الباب : أن تكون
ميمه مكسورة ، إلا ما شذ عن ذلك في ألفاظ قليلة مثل مُنْخُل ومُدْهُن
ومُسْعُط، وغير ذلك، مع أن ابن الجواليقي في كتاب ((المعرب )) (حكى
فيه أربع لغات : فتح الميم ، وكسرها على القاعدة ، ومنجنوق بالواو بدل
الياء ، ومنجليق باللام عوضَ النون الثانية ، وحكى في الميم والنون الأولى
ثلاثة أقوال ، قيل إنهما أصليتان ، وقيل زائدتان ، وقيل الميم أصلية والنون
زائدة، والله أعلم. وهو اسم أعجمي ، فإن الجيم والقاف لا يجتمعان في
كلمة عربية ، مثل الجرموق والجردق والجوسق والجلاهق والقبج وغير
ذلك ، وهذا بابٌ مطرد ، وكذلك الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة عربية
١ المعرب : ٣٠٥ - ٣٠٧
٤٥

مثل الصهريج والجص والصاج والجصطل وغير ذلك١، وهو أيضاً باب مطرد.
وإذا جمعناه حذفنا إحدى النونين ، فإن حذفنا النون الأولى قلنا : مجانيق ،
وإن حذفنا النون الثانية قلنا مناجيق. وقال الجوهري في كتاب ((الصحاح))
الأصل في المنجنيق : من جي نيك تفسيره بالعربي: ما أجودني؛ قلت :
فتفسير (من)) أنا، وتفسير ((جي)) أيش، وتفسير ((نيك)) جيد ، أي
أنا أيش جيد . قال الجوهري : ثم عرب فقيل منجنيق .
وذكر ابن قتيبة في كتاب ((المعارف))٢ وأبو هلال العسكري في كتاب
((الأوائل)) أن أول من وضع المنجنيق جذيمة الأبرش ملك العرب وبلد الحيرة
في ذلك الزمان. وقال الواحدي في تفسيره ((الوسيط)) في سورة الأنبياء:
إن المشركين لما عزموا على إحراق إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وأضرموا
النار ، لم يدروا كيف يلقونه فيها ، فجاءهم إبليس لعنه الله تعالى، فالهم على
المنجنيق ، وهو أول منجنيق وضع ، فوضعوه فيه ثم رموه ، والله أعلم .
وهذا الفصل كله وإن كان خارجاً عن المقصود لكنه ما يخلو عن
فائدة ، فلذلك بسطت القول فيه
٨٣٣
موفق الدين ابن يعيش
أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش بن أبي السرايا بن محمد بن علي بن
المفضّل بن عبد الكريم بن محمد بن يحيى بن حَيّان القاضي بن بشر بن حيان
١ علق ابن المؤلف هنا بقوله: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: وكذلك
الجيم والكاف لا يجتمعان في كلمة عربية كالكيلجة والكماج وغير ذلك، والله أعلم)) .
٢ المعارف : ٥٥٤ .
٨٣٣- ترجمته في ابن الشعار ١٠: ٢١٥ والشذرات٥: ٢٢٨ وابن الوردي ٢ : ١٧٦
. وبغية الوعاة : ٤١٩
٤٦

الأسدي ، الموصلي الأصل ، الحلبي المولد والمنشأ ، الملقب موفق الدين
النحوي ويعرف بابن الصائغ ؛ قرأ النحو على أبي السخاء فتيان الحلبي ، وأبي
العباس المغربي النّيْروزي١ وسمع الحديث على أبي الفضل عبد الله بن أحمد
الخطيب الطوسي بالموصل ، وعلى أبي محمد عبد اللّه بن عُمَر بن سويدة
التكريّي ، وبحلب من أبي الفرج يحيى بن محمود٢ الثقفي والقاضي أبي الحسن
أحمد بن محمد بن الطرسوسي وخالد بن محمد بن نصر بن صغير القيسراني ،
وبدمشق على تاج الدين ٣ الكندي ، وغيرهم ، وحدث بحلب وكان فاضلاً
ماهراً في النحو والتصريف .
رحل من حلب في صدر عمره قاصداً بغداد ليدرك أبا البركات عبد
الرحمن بن محمد المعروف بابن الأنباري - المقدم ذكره٤ - وتلك الطبقة
بالعراق وبلاد الجزيرة ، فلما وصل إلى الموصل بلغه خبر وفاته ، وقد ذكرت
تاريخ موته في ترجمته ، فأقام بالموصل مديدة وسمع الحديث بها ، ثم رجع
إلى حلب . ولما عزم على التصدر للاقراء سافر إلى دمشق واجتمع بالشيخ
تاج الدين أبي اليُمن زيد بن الحسن الكندي الإمام المشهور - وقد تقدم ذكره
في حرف الزاي° - وسأله عن مواضع مشكلة في العربية ، وعن إعراب ما
ذكره أبو محمد الحريري في المقامة العاشرة المعروفة بالرحبية ، وهو قوله
في أواخرها ((حتى إذا لألأ الأفقَ ذنبُ السرحان، وآن انبلاج الفجر وحان))
فاستبهم جواب هذا المكان على الكندي : هل الأفق وذنب السرحان مرفوعان
أو منصوبان ، أو الأفق مرفوع وذنب السرحان منصوب ، أو على العكس ؟
وقال له : قد علمتُ قصدك ، وأنك أردت إعلامي بمكانتك من هذا العلم ،
وكتب له خطه بمدحه والثناء عليه، ووصف تقدمه في الفن٦ الأدبي.
قلت : وهذه المسألة يجوز فيها الأمور الأربعة ، والمختار منها نصب
١ س: التبريزي؛ ابن الشعار: البيزوزي .
٢ س : محمد .
٣ زاد في المختار : أبي اليمن زيد بن الحسن .
٤ انظر = ٣ : ١٣٩
٥ انظرج ٢ : ٣٣٩
٦ المختار : في هذا الفن .
٤٧

الأفق ورفع ذنب السرحان ، وقد ذكر ذلك تاج الدين أبو عبد الله محمد بن
عبد الريف - المقدم ذكرها المعروف بالبندهي في كتاب «شرح المقامات )٤٠٠م
ولولا خوف الإطالة لبينت ذلك .
ولما وصلت إلى حلب لأجل الاشتغال بالعلم الشريف ، وكان دخولي
إليها يوم الثلاثاء مستهل ذي القعدة سنة ست وعشرين وستمائة ، وهي إذ
ذاك أم البلاد مشحونة٢ بالعلماء والمشتغلين ، وكان الشيخ موفق الدين المذكور
شيخ الجماعة في الأدب ، لم يكن فيهم مثله ، فشرعت في القراءة عليه ،
وكان يقرىء بجامعها في المقصورة الشمالية بعد العصر ، وبين الصلاتين بالمدرسة
الرواحية ، وكان عنده جماعة قد تنبهوا وتميزوا به ، وهم ملازمون مجلسه
لا يفارقونه في وقت الإقراء وابتدأت بكتاب ((اللمع)) لابن جني ، فقرأت
عليه معظمها مع سماعي لدروس الجماعة الحاضرين ، وذلك في أواخر سنة
سبع وعشرين ، وما أتممتها إلا على غيره لعذر اقتضى ذلك .
وكان حسن التفهيم لطيف الكلام طويل الروح على المبتدىء والمنتهي ،
وكان خفيف الروح ظريف الشمائل كثير المجون ، مع سكينة ووقار ؛
ولقد حضرت يوماً حلقته، وبعض الفقهاء يقرأ عليه ((اللمع)) لابن جني ،
فقرأ بيت ذي الرمة في باب النداء :
وبين النقا آأنتِ أم أمّ سالمِ
أيا ظبيةَ الوعساء بين جُلاجلٍ
فقال له الشيخ : إن هذا الشاعر لشدة ولهه في المحبة وعظم وجده بهذه
المحبوبة أم سالم وكثرة مشابهتها للغزال كما جرت عادة الشعراء في تشبيههم
النساء الصباح الوجوه بالغزلان والمَها ، اشتبه عليه الحال ، فلم يدر هل هي
امرأة أم ظبية ، فقال: آأنت أم أم سالم ؛ وأطال الشيخ موفق الدين القول
في ذلك وبسطه بأحسن عبارة ، بحيث يفهمه البليد البعيد الذهن ، وذلك الفقيه
منصت مقبل على كلامه بكليته ، حتى يتوهم مَنُ يَراه على تلك الصورة
أنه قد تعقل جمیع ما قاله، فلما فرغ الشیخ من شرحه قال له الفقيه : يا مولانا
أيش في المرأة الحسناء يشبه الظبية ؟ فقال له الشيخ قولَ منبسط : تشبهها في
١ انظر = ٤ : ٣٩٠
٢. بر : محشوة .
٤٨
مە

ذفبها وقرونها ، فضحك الحاضرون ، وخجل الفقيه ، وما عدت رأيته
حضر مجلسه .
قلت : وجلاجل ، بفتح الجيم وضمها ، اسم مكان ، والثانية جيم أيضاً .
وكنا يوماً نقرأ عليه بالمدرسة الرواحية ، فجاءهُ رجل من الأجناد وبيده
مسطور بدَيْن ، وكان الشيخ له عادة بالشهادة في المكاتيب الشرعية ، فقال
له : يا مولانا اشهد عليّ في هذا المسطور ، فأخذه الشيخ من يده وقرأ أوله :
أقرت فاطمة ، فقال له الشيخ .: أنت فاطمة ؟ فقال له الجندي: لا يا مولانا،
الساعة تحضر ، وخرج إلى باب المدرسة ، فأحضرها وهو يتّبّسّم من.
كلام الشيخ .
ويقرب من هذا ما تقدم ذكره في ترجمة عامر الشعبي' أن شخصاً دخل
عليه وعنده امرأة ، فقال : أيكما الشعبي ؟ فقال له : هذه .
وكنا يوماً نقرأ عليه في داره ، فعطش بعض الحاضرين وطلب من الغلام
ماء فأحضره له ، فلما شرب قال : ما هذا إلا ماء بارد ، فقال له الشيخ :
لو كان خبزاً حاراً كان أحب إليك .
وكنا يوماً عنده بالمدرسة الرواحية ، فجاء المؤذن وأذن قبل العصر بساعة
جيدة، فقال له الحاضرون : أيش هذا يا شيخ وأين وقت العصر ؟ فقال
الشيخ موفق الدين : دعوه عسى أن يكون له شغل فهو مستعجل .
وكان يوماً عند القاضي بهاء الدين المعروف بابن شداد قاضي حلب - الآتي
ذكره ان شاء الله تعالى - فجرى ذكر زرقاء اليمامة ، وأنها كانت ترى
الشيء من المسافة البعيدة ، حتى قيل تراه من مسيرة ثلاثة أيام ، فجعل الحاضرون
يقولون ما علموه من ذلك ، فقال الشيخ موفق الدين : أنا أرى الشيء من
مسافة شهرين ، فتعجب الكل من قوله وما أمكنهم أن يقولوا له شيئاً ، فقال
له القاضي : كيف هذا يا موفق الدين ؟ فقال : لأني أرى الهلال ، فقال
١ انظر = ٣ : ١٥ .
٤-٧
٤٩

له : كان قلت١ مسافة كذا كذا سنة، قال: لو قلت هذا عرف الجماعة
الحاضرون غرضي، وكأن قصدي الإبهامَ عليهم. وله نوادر كثيرة يطول ذكرها.
وكنت يوماً عنده وقد قدم من الموصل رجل من فضلاء المغاربة في علم
الأدب ، فحضر حلقته وبحث في دروسه بحث رجل فاضل ، وجرى ذكر
مباحثَ جرت له بالموصل مع جماعة من أدبائها وقال : كنت عند ضياء الدين
نصر الله بن الأثير الجزري - قلت : وقد سبق ذكره٢ - قال فتحاورنا
وتناشدنا ، فأنشدته قول بعض المغاربة قلت : هذه الأبيات ذكر أبو إسحاق
الحُصْرِي أنها لبعض مشايخ القيروان ، رواها عنه ولم يعينه٢ ؛ وهي :
أقلام مسك تستمد خَلُوقًا
ومُعَذّرين كأن نَبْتَ خدودهم
تحت الزبرجد لؤُلُوْاً وعقيقا
قَرَفُوا البنفسج بالشقيق ونَضّدُوا
وجد الهوى بهمُ إليه طريقا
مُ الذين إذا الحليّ رآهُمُ
قلت : ونصف البيت الثاني مثل قول ابن الذّرَوي المصري في أبياته
التي سبق ذكرها في ترجمة المبارك بن منقذ وهو قوله :
وَطَيباء وأبدى شارباً من زُمُرّذٍ
جلا تحت باقوت اللّمى ثغرّ لولو
ومن المنسوب إلى أبي محمد الحسن بن علي المعروف بابن وكيع التنيسي
- المقدم ذكره في حرف الحاء -..
کل فهم وكلّ ذهنٍ دقيقٍ
جوهريّ الأوصاف يقصر عنه
١ بر: كنت تقول
٢٠ أنظر ج ٥ : ٣٨٩
٣ ثبت في المطبوعة المصرية بعد هذا: ((قلت: وغالب غلني أنه أبو الحسن علي بن عبد الغني
الحصري، (ر والمسودة: المقدم ذكره) والأبيات التي أنشدها (والمسودة : هي ،
ثم وجدت أن الحصري المذكور أنشدما) ولم يذكر أنها له رأيتها في بعض المجاميع منسوبة
إلى أبي الحجاج الشاعر المشهور)) (ر والمودة: والله أعلم) وقد رمج المؤلف عليه في
.. مسودته، ووضع بدله ما أثبتناه في المتن. وقد مر بيتان منها في زيادات نسختي ص د في
الجزء الأول الصفحة: ٣٩٤، وهو ما يدل على أن تلك الزيادة دخيلة .
• انظر ج ٣ : ١٠٤
٤ خ بهامش المسودة : عقد لؤلؤ نضيد .

لوْلُوْ فوقهنا فِيمَ من عقيق
شاربً من زمرذ وثنايا
وذكرت بهذه الأبيات بيتين كنت أحفظهما ، ويحسن ذكرهما بعد هذا
وهما :
كنّا نظنّ من النوى تحقيقا
لما وقفنا للوداع وصار ما
ونثرتُ من فوقِ البَهَار عقيقا
نثروا على ورق الشقائق لؤلؤاً
وكذاك بيت الوأواء الدمشقي
فأمطرت لوْلُوا مَن نَرجسٍ فسقّتْ
ورداً وعضّتْ على العناب بالبرد
وكذا قول محمد بن سعيد العامري الدمشقي١، وقيل إنها لابن كيغْلغ:
عبراتُنا عنا بدمعٍ ناطقٍ
لما اعتنقنا للوداع وأعربتْ
وجمعن بين بنفسج وشقائق
فَرَقْن بين معاجرِ ومحاجرٍ
وأنا الفداءُ لظبية أحداقنا موصولةٌ من وجهها بحدائق
وينسب! إلى أبي الفتح الحسن بن أبي حصينة الحلي الشاعر المشهور
من هذا أيضاً ٣ :
وقلبي یفیضان الصبابة والوجدا
ولما وقفنا للوداع .. وقلبها.
عقيقاً فصار الكل في نحر هاعقدا
بكت لولوا رطباً وفاضت مدامعي
وأنشدني صاحبنا الحسام عيسى بن سنجر بن بهرام الحاجري الإربلي - المقدم
ذكره٤ - لنفسه :
رأى دمعَ عيني دَماً في المآقي
ولما التقينا ومنّ الزمان
١ ترجم له المرزباني في المعجم : ١٤؛ والقفطي في المحمدون: ٣٤٩ وفيهما الأبيات التي
أو ردما ابن خلكان
٢ من هنا حتى قوله ((قلت وقد قيل في هذا الباب ... الخ)) لم يرد في س بر.
٣٠ ديوانه ١ : ٢٢٧
.
٤ انظر ج ٣ ٤

أيجري عقيقاً وهذا التلافي
فقال وعهدي به لوْلُوْاً
جعلتُ فدى لك مَيْتاً وباقي
فقلت حبيبيّ لا تعجبنْ
وهذي أواخر دمع الفراق
فتلك أوائل دمع الوداع
وكان١ الشيخ موفق الدين المذكور كثيراً ما ينشد منسوباً إلى أبي علي الحسن
ابن رشيق - المقدم ذكره٢ - ثم كشفت ديوانه، فلم أجد هذه الأبيات
فيه ، والله أعلم وهي :
لديك ولا أثني عليك تصنعا
وقد کنت لا آتي إليك مماتلاً
ولكن رأيت المدح فيك فريضة
فقمتُ بما لم يخفَ عنك مكانُهُ
فلا تتخالَجْكَ الظنونُ فإنها
فلو غيرك الموسومُ عندي بريبةٍ
فوالله ما طوّلْتُ بالقول فيكمُ
ولكنني أكرمتُ نفسي فلم تهنٌ
فباينتُ لا أن العداوة باينتْ
قلت : وقد قيل في هذا الباب٣ شيء كثير ولا حاجة إلى الإطالة .
عليّ إذا كان المديح تطوعا.
من القول حتى ضاق مما توسعا
مآثم واتركْ فيّ للصلح موضعا
لأعطیتُ فيه مدّعي القول ما ادعى
لساناً ولا عرضت للذّم مسمعا
وأجللتها من أن تذلّ وتخضعا .
وقاطعتُ لا أن الوفاء تقطعا
وشَرَّحَ الشيخ موفق الدين كتاب ((المفصل)) لأبي القاسم الزمخشري شرحاً
مستوفىّ ، وليس في جملة الشروح مثله، وشرح ((تصريف الملوكي)) لابن
جني شرحاً مليحاً ، وانتفع به خلق كثير من أهل حلب وغيرها ، حتى إن
الرؤساء الذين كانوا بحلب ذلك الزمان كانوا تلامذته .
وكانت ولادته لثلاث خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة
١ ثابت بهامش المسودة ولكن أرجح أنه ليس بخط المؤلف ، وهو ثابت في المختار أيضاً .
٢ انظر جـ ٢ : ٨٥ .
٣ يعني باب البكاء وتشبيه الدموع باللؤلؤ والعقيق، وهو يدل على أن النص السابق قد باعد هذا
التعليق عن موضعه .
٥٢
٠

بحلب ؛ وتوفي بها في سحر الخامس والعشرين١ من جمادى الأولى سنة ثلاث
وأربعين وستمائة ، ودفن من يومه بتربته بالمقام المنسوب إلى إبراهيم الخليل ،
صلوات الله عليه وسلامه، ورحمه الله تعالى.
٨٣٤
يموت بن المزرع
أبو بكر يموت بن المزرّع بن يموت بن عيسى٢ بن موسى بن سيّار بن
حُكَيْم٢ بن جبلة بن حِصْن بن أسود بن كعب بن عامر بن عدي بن
الحارث بن الدّيل بن عمرو بن غَنْم بن وديعة بن لُكَيْز بن أفصى بن عبد
القيس بن أفصى بن دُعميّ بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن
عدنان ، العبدي البصري .
قلت: وجدت في كتاب ((جمهرة النسب )) تأليف ابن الكلبي عند
ذكره حكيم بن جبلة المذكور ، وقد ساق نسبه على هذه الصورة ، وفي
الحاشية مكتوب ما مثاله : من ولد حكيم بن جبلة المذكور يموت بن المزرع
ابن يموت ، وقد ساق نسبه على هذه الصورة حتى ألحقه بحكيم بن جبلة
المذكور ، والعُهدة عليه في ذلك . ورأيت بخطي في مسوداتي : يموت بن
المزرّع بن يموت بن عُدُس بن سيّار بن المرزّع٣ بن الحارث بن ثعلبة بن
١ ابن الشعار : ثالث وعشرين جمادى الأولى .
٨٣٤- ترجمته في تاريخ بغداد ١٤: ٣٥٨ ومعجم الأدباء ٢٠ : ٥٧ وطبقات الزبيدي : ٢٣٥
والنجوم الزاهرة ٣ : ١٩١ وعبر الذهبي ٢ :- ١٢٨ والشذرات ٢٤٣:٢ ومعجم المرزباني:
٥٠٥ وبغية الوعاة : ٤٢٠ ومروج الذهب ٤ : ١٩٦ ونزهة الالباء : ١٦٣.
٢ فوقها في المسودة : خ : المزرع؛ وفي تاريخ بغداد : عبدوس ، وفي نسبه اختلاف كثير
عما ورد هنا .
٣ فوق الحاء ((معاً)) في المسودة أي أنها تفتح وتضم.
؛ كذا في المسودة بتقديم الراء المهملة هنا وهو مخالف الضبط في آخر الترجمة.
٥٣

عمرو بن ضمرة بن دلهاث بن وديعة بن بكر بن وديعة بن لكيز بن أفصى
المذكور ، والله أعلم بالصواب في ذلك .
وكان يموت قد سمى نفسه محمداً ، وذكره الخطيب البغدادي في تاريخه
الكبير في المحمدين ، ثم ذكره في حرف الياء وقال : هو يموت وهو ابن
أخت أبي عثمان الجاحظ، وقد تقدم ذكره ! .
قدم يموت ین المزرع بغداد في سنة إحدى وثلثمائة وهو شيخ كبير ،
وحدث بها عن أبي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني وأبي الفضل الرياشي
ونصر بن علي الجهضمي ، وعبد الرحمن ابن أخي الأصمعي ، ومحمد بن
يحيى الأزدي وأبي إسحاق إبراهيم بن سفيان الزيادي وغيرهم ؛ روى عنه
أبو بكر الخرائطي وأبو الميمون ابن راشد ، وأبو الفضل العباس بن محمد
الرقي ، وأبو بكر ابن مجاهد المقرىء وأبو بكر ابن الأنباري وغيرهم .
وكان أديباً أخبارياً ، وله ملح ونوادر ، وكان لا يعود مريضاً خوفاً
أن يتطيّر من اسمه، وكان يقول : بليت بالاسم الذي سماني أبي به ، فاني
إذا عدت مريضاً فاستأذنت عليه ، فقيل من هذا؟ قلت: أنا ابن المزرع٢،
وأسقطت اسمي .
ومدحه منصور الفقيه الضرير الشاعر المشهور بقوله :
أنت تحيا والذي يكره أن تحيا يموتُ
أنت صنوُ النفسِ بل أنت لروح النفس قوت
أنت للحكمة بيتٌ لا خلت منكَ البيوت
فمن أخباره أنه قال ، أخبرني أبو الفضل الرياشي قال ، سمعت الأصمعي
يقول : كان سخط هارون الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبدالله
ابن العباس بن عبد المطلب ، رضي الله عنه ، في سنة ثمان وثمانين ومائة ،
١ انظر ج ٣ : ٤٧٠
٢ في المختار هنا : المرزع ، بتقديم الراء المهملة .
٥٤

ولقد كنت عند الرشيد وقد أتي بعبد الملك يَرْفُل في قيوده ، فلما نظر الرشيد
إليه قال له : هيه يا عبد الملك ، كأني واللّه أنظر إلى شوبوبها قد همع،
وإلى عارضها قد مع ، وكأني بالوعید قد أقلع عن براجم بلا معاصم ، ورووس
بلا غلاصم ، مهلا مهلا بني هاشم، فبي واللّه سهل لكم الوَعَر وصفا لكم
الكَّدَر ، وألقت إليكم الأمور أثناء أزمتها ، فخذوا حذاركم مني قبل
حلول داهية خَبُوطِ باليد والرجل ، فقال له عبد الملك : أفذاً أتكلم أم
تَوأما ، فقال : بل توأما ، فقال : اتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاك ،
وراقبه في رعاياك التي استرعاك ، فقد سهلت واللّه لك الوعور ، وجمعت
على خوفك ورجائك الصدور، وكنت كما قال أخو بني جعفر بن كلاب١:
بلساتٍ وبيانٍ وجَدِّلْ
ضَيّق فرجته
ومقامٍ
زلّ عن مثل مقامي وزّحل
لو يقومُ الفيلُ أو فَيّاله
قال : فأراد يحيى بن خالد البرمكي أن يضع من مقدار عبد الملك عند
الرشيد، فقال له : يا عبد الملك بلغني أنك حقود، فقال له : أصلح الله الوزير،
إن يكن الحقد هو بقاء الخير والشر عندي فانهما لباقيان في قلبي .
قال الأصمعي : فالتفت الرشيد إلي وقال : يا أصمعي حررها ، فوالله
ما احتج أحد للحقد بمثل ما احتج به عبد الملك ، ثم أمر به فرد إلى محبسه .
قال الأصمعي : ثم التفت الرشيد إلي وقال : يا أصمعي والله لقد نظرت
إلى موضع السيف من عنقه مراراً ، ويمنعني من ذلك إبقائي على قومي
في مثله .
قلت : وعبد الله بن صالح قد ذكرته في ترجمة أبي عبادة الوليد البحتري
الشاعر المشهور ونبهت على تاريخ وفاته٢ .
وروى يموت بن المزرّع ٣ أيضاً أن أحمد بن محمد بن عبيد الله أبا الحسن
١ هو لبيد بن ربيعة، انظر ديوانه : ١٩٣ - ١٩٤ .
٢ انظر = ٦ : ٣٠
٣ المختار : المرزع .

الكاتب المعروف بابن المدبّر الضبي الرستيساني ، كان إذا مدحه شاعر فلم
يرض شعره قال لغلامه : امض به إلى المسجد الجامع ولا تفارقه حتى يصلي
مائة ركعة ثم أطلقه ، فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدين١، فجاءه أبو
عبد الله الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجمل ، فاستأذنه في النشيد
فقال له : قد عرفت الشرط ؟ قال : نعم ، ثم أنشده٢:
كما بالمدح تُنْتَجَعُ الولاةُ
أردنا في أبي حسنٍ مديماً.
ومَنْ كَفّاه دجلة والفرات
وقلنا أكرم الثقلين طرا
جوائزه عليهن. الصّلاة
فقالوا يقبل المدحات لكن
عيالي ، إنما الشأن الزكاة
فقلت لهم وما تغني صلاتي
فتصبح لي الصّلاةُ ميالصلات
فيأمر لي بكسر الصاد منها
فضحك ابن المدبر واستظرفه ، وقال : من أين أخذت هذا ؟ فقال :
من قول أبي تمام الطائي :
من حالهن فإنهن حِمَامُ
هن الحَمام فإن كسرتَ عيافةٌ
فاستحسن ذلك وأحسن صِلّته .
(373) وكان أحمد بن المدبر٣ يتولى الخراج بمصر، فحبسه أحمد بن طولون
في سنة خمس وستين ومائتين ، ومات في حبسه في صفر سنة سبعين ومائتين ،
وقيل بل قتله ابن طولون، والله أعلم، والمدّبر: بكسر الباء الموحدة المشدة .
وحدث ابن المزرع أيضاً عن خاله أبي عثمان الجاحظ أنه قال : طلب
المعتصم جاريةً كانت لمحمود بن الحسن الشاعر المشهور المعروف بالوراق ،
وكانت تسمى نَشْوَى وكان شديد الغرام بها ، وبذل في ثمنها سبعة آلاف
٦ المختار : المجيدون .
٢ انظر تهذيب ابن عساكر ٣: ٣٠٦ - ٣٠٧ والجمل أيضاً ترجمة في المغرب (قسم مصر)
١ : ٢٧٠ وهذا هو الجمل الأكبر، وهناك الأصغر، والجمل الأكبر أشعار في كتاب
الكندي ومعجم الأدباء ١٠: ١٢١؛ ووردت الحكاية في ٢: ١٩ من زيادات در.
٣ أخباره في الخطط ١: ٣١٤ والمغرب (قسم مصر): ١٢٣ وصفحات أخرى.
٥٦

دينار ، فامتنع محمود من بيعها لأنه كان يهواها أيضاً ، فلما مات محمود
اشتريت الجارية للمعتصم من تركته بسبعمائة دينار ، فلما دخلت عليه قال
لها : كيف رأيت ؟ تركتك حتى اشتريتك من سبعة آلاف بسبعمائة ، قالت :
.أجل ، إذا كان الخليفة ينتظر لشهواته١ المواريث ، فإن سبعين ديناراً لكثيرة
في ثمني فضلاً عن سبعمائة ، فخجل المعتصم من كلامها .
وقال ابن المزرع : حدثني من رأى قبراً بالشام عليه مكتوب : لا يغترن
أحد بالدنيا فاني ابن مَنْ كان يطلق الريح إذا شاء ويحبسها إذا شاء ، وبحذائه
قبر عليه مكتوب : كذب الماصّ بظر أمه ، لا يظن أحد أنه ابن سليمان بن
داود عليهما السلام ، إنما هو ابن حدّاد يجمع الريح في الزق ثم ينفخ بها
الجمر ، قال : فما رأيت قبلها قبرين يتشاتمان ، والله أعلم .
ولابن المزرع أخبار وحكايات ونوادر ، ولسنا نقصد الإطالة بل الإيجاز
حسب الإمكان إلا أن ينتشر الكلام .
(374) وكان له ولد، يدعى أبا نضلة مهلهل بن يموت بن المزرع٢، وكان شاعراً
مجيداً، ذكره المسعودي في كتاب ((مروج الذهب ومعادن الجوهر )) فقال
في حقه٣ : هو من شعراء هذا الزمان ، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة ،
وفيه يقول أبوه مخاطباً له :
وكافَحتي بها الزمن العَنُوتُ
مهلهلُ قد حلبتُ شطورَ دهري
فأذعن لي الحثالة. والرتوت
وحاربتُ الرجال بكلّ رِيْعٍ
كريمٌ غتّه زمن غَتُوت
فأوجعُ ما أُجنّ عليه قلبي
وأبناء العبيد لها البخوت
کفی حزناً بضيعةٍ ذي قديم.
١ المختار : بشهواته .
٢ ترجمته في تاريخ بغداد ١٣ : ٢٧٣ وله شعر في الديارات، وانظر مقدمة رسالته في سرقات
أبي نواس ( القاهرة - دار الفكر العربي) .
٣ مروج الذهب ٤ : ١٩٧ .
٥٧

وقد أسهرتُ عيسني بعد غُمْضٍ
وفي لطف المهيمن لي عزاء
فَجُبْ في الأرض وابغ بها علوماً
وإن بخل العليمُ عليك يوماً
وقلْ بالعلم كان أبي جواداً
يقرّ لكَ الأباعدُ والأداني
مخافةَ أن تضيعَ إذا فنيستِ
بمثلك إن فنيتُ وإن بقيت
ولا تقطعْكَ جائحةِ سَبوتُ
فَذِلّ له ودَيْدَنك السكوت
يقال ومن أبوك فقل يموت
بعلمٍ ليس يجحده البَهُوتُ
وكان يموت قد قدم مصر مراراً ، وآخر قدومه إليها في سنة ثلاث
وثلثمائة ، وخرج في سنة أربع وثلثمائة. قال أبو سعيد ابن يونس الصدفي
المصري في تاريخه المختص بالغرباء : مات يموت بن المزرع سنة أربع
وثلثمائة بدمشق ؛ وقال أبو سليمان بن زَبْر في تاريخه : إنه مات في سنة
ثلاث وثلثمائة بطبرية الشام ، والله أعلم .
وأما ولده مهلهل فإن الخطيب ذكره في ((تاريخ بغداد)) وقال: هو
شاعر مليح الشعر في الغزل وغيره ، وسكن بغداد وسمع منه ، وكتب عنه
شعره أبو بعضة ١ إبراهيم بن محمد المعروف بتُوزُون . ثم قال الخطيب :
أخبرني التنوخي قال ، قال لنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن العباس الأخباري :
حضرت في سنة ست وعشرين وثلثمائة مجلس تحفة القوّالة جارية أبي عبد الله
ابن عمر البازيار ، وإلى جانبي عن يسرتي أبو نضلة مهلهل بن يموت بن
المزوع٢، وعن يميني أبو القاسم بن أبي الحسن البغدادي ، فغنت تحفة من
وراء الستارة بهذه الأبيات :
بهواه وإن تشاغلّ عني
بيَ شُفْلَّ به عن الشُّعْلِ عنه
وبدا منه ما تخوف مني
ظن بي جفوةً فأعرضَ عني
فسروري إذا تضاعف حزني
سره أن أكون فيه حزيناً
فقال لي أبو نضلة : هذا الشعر لي ، فسمعه أبو القاسم ، وكان ينحرف
١ س : أبو بعضبه .
٢ وضع في المسودة كسرة تحت الشدة على الراء في هذا الموضع.
٥٨

عن أبي نضلة فقال : قل له : إن كان هذا الشعر له يزيد فيه بيتاً ، فقلت
له ذلك على وجه جميل فقال :
هو في الحسن فتنةٌ قيد أصارتْ
فتني في هواه من كلّ فن
ومن المنسوب إلى مهلهل أيضاً .
وجل عن واصفٍ في الناس يحكيه
جلّتْ محاسنه عن كلّ تشبيه
سبحان خالقه ، سبحان باريه
انظر إلى حسنه واستغن عن صفي
والأقحوانُ النضيرُ النضرُ في فيه
النرجس الفض والوردُ الجيّ له
فجاءه مسرعاً طوعاً يُلبيه
دعا بألحاظه قلي إلى عَطَسي
مثل الفراشة تأتي إذ ترى لهيا إلى السراج فتُلْفي نفستها فيه
وذكر له الخطيب شعراً غير هذا فأضربت عن ذكره .
والمزرّع: بضم الميم وفتح الزاي وبعدها راء مشددة مفتوحة ثم عين
مهملة، هكذا قاله٢ في الشيخ الحافظ زكى الدين أبو محمد عبد العظيم بن
عبد القوي بن عبد الله المنذري، رحمه الله تعالى.
(375) وأما حكيم بن جبلة المذكور في عمود هذا النسب فإنه بفتح الحاء المهملة
وكسر الكاف، ويقال أيضاً بضم الحاء وفتح الكاف، ويقال جبلة وَجَبّل،
وكان من أعوان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ولما بويع علي بالخلافة
بايعه طلحة بن عبيد الله التيمي والزبير بن العوام الأسدي رضي الله عنهما ،
فعزم علي رضي الله عنه على تولية الزبير البصرة وتولية طلحة اليمن ، فخرجت
مولاة لعلي فسمعتهما يقولان : ما بايعناه إلا بألسنتنا وما بايعناه بقلوبنا ،
فأخبرت مولاها بذلك ، فقال: أبعدهما اللّه تعالى، ومن نكث فإنما ينكث
على نفسه ، وبعث إلى البصرة عثمان بن حُنَيْف الأنصاري ، وإلى اليمن
١ ع ر : قال

عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ، فاستعمل ابن حُنَّيْفٍ
حكيمَ بن جبلة المذكور على شرطة البصرة .
ثم إن طلحة والزبير لحقا بمكة وفيها عائشة رضي الله تعالى عنها ، فاتفقوا
وقصدوا البصرة ، وفيها ابن حنيف المذكور ، فأتى حكيم بن جبلة إلى ابن
حنيف ، وأشار عليه بمنعهم من دخول البصرة ، فأبى وقال : ما أدري ما .
رأي أمير المؤمنين في ذلك ، فدخلوها وتلقاهم الناس ، فوقفوا في مربد
البصرة وتكلموا في قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه وبيعة علي رضي الله
تعالى عنه ، فرد عليهم رجل من عبد القيس ، فنالوا منه ونتفوا لحيته ،
وترامى الناس بالحجارة واضطربوا ، فجاء حكيم بن جبلة إلى ابن حنيف
ودعاه إلى قتالهم فأبى . ثم أتى عبد الله بن الزبير إلى مدينة الرزق ليرزق
أصحابه من الطعام الذي فيها، وغدا حكيم بن جبلة في سبعمائة من عبد القيس
فقاتله فقتل حكيم وسبعون رجلاً من أصحابه .
وروي أن ابن جبلة قال لامرأته وكانت من الأزد : لأعملنَّ بقومك
اليوم عملاً يكونون به حديثاً للناس ، فقالت له : أظن قومي سيضربونك
اليوم ضربة تكون حديثاً للناس، فلقيه رجل يقال له سُحّيم فضرب عنقه ،
فبقي معلقاً بجلدةٍ ، فاستدار رأسه ، فبقي مقبلاً بوجهه على دبره ، وکان
ذلك قبل وصول علي رضي الله عنه بجيوشه إليهم ، ثم قدم عليهم وتقابل
الجيشان يوم الخميس النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين للهجرة
عند موضع قصر عبيد الله بن زياد ، ثم كانت الوقعة العظمى المشهورة بوقعة
الجمل يوم الخميس لعشر بقین من الشهر المذكور، وکان أول قدومهم،
وقتل حكيم بن جبلة قبل ذلك بأيام في هذا الشهر أيضاً ، وقتل بين الفريقين
مقدار عشرة آلاف ، وقتل طلحة والزبير رضي الله عنهما في ذلك اليوم ،
لكنه بغير قتال ، ولولا خوف الإطالة لشرحته .
وقال المأموني في تاريخه : وقيل إن أهل المدينة علموا بيوم الجمل يوم
الخميس قبل أن تغرب الشمس ، وفيه كان القتال ، وذلك أن نسراً مر بما
٦٠