النص المفهرس

صفحات 401-420

منك ومن ابنيك ، فقال المتوكل : سُلُوا لسانه من قفاه ، ففعلوا ذلك به فمات ،
وذلك في ليلة الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين ، وقيل
سنة ست وأربعين ، وقيل سنة ثلاث وأربعين ، والله أعلم بالصواب . وبلغ
عمره ثمانياً وخمسين سنة ، ولمّا مات سير المتوكل لولده يوسف عشرة آلاف
درهم وقال : هذه دِيَةُ والدك ، رحمه اللّه تعالى .
وقال أبو جعفر أحمد بن محمد المعروف بابن النحاس النحوي : كان أول
كلام المتوكل مع ابن السكيت مُزاحاً ثم صار جداً ؛ وقيل إن المتوكل أمره أن
يشتم رجلاً من قريش وأن ينال منه فلم يفعل ، فأمر القرشي أن ينال منه ،
فأجابه ابن السكيت ، فقال له المتوكل : أمرتك فلم تفعل ، فلما شتمك فعلت ،
وأمر به فضرب وحمل من عنده وقيذاً صريعاً ، والله أعلم أي ذلك كان . - وقد
تقدم في ترجمة عبد الله بن المبارك مثل هذه القضية لما سئل عن معاوية وعمر بن
عبد العزيز وأيهما أفضل ١ - .
والسكيت : بكسر السين المهملة والكاف المشددة وبعدها ياء مثناة من تحتها
ثم تاء مثناة من فوقها ، وعرف بذلك لأنّه كان كثير السكوت طويل الصمت .
وكل ما كان على وزن فعِّيل أو فعْليل فإنّه مكسور الأول .
وقوله : خوزي بضم ، الخاء المعجمة وبعد الواو زاي ، هذه النسبة إلى
خوزستان ، وهو إقليم بين البصرة وبلاد فارس .
١ أنظر ٣ : ٣٣.
٢٦-٦
٤٠١

٨٢٨
يعقوب الصفار
أبو يوسف يعقوب بن الليث الصفار الخارجي ؛ قد أكثر أهل التاريخ من
ذكر هذا الرجل وذكر أخيه عمرو وما ملكا من البلاد وقتلا من العباد ،
وما جرى للخلفاء معهما من الوقائع ، وقد اخترت من ذلك ما أودعته في هذه
الأوراق فأقول :
قال أبو عبد الله بن محمد الأزهر الأخباري : حدثني علي بن محمد ، وكان
عالماً بأمور يعقوب بن الليث الصفار ومحاربته ، وأول أمره أنّه وأخاه عمراً
كانا صفارين في حداثتهما ، وكانا يظهران الزهد ، وأن رجلاً من أهل سجستان
كان مشهوراً بالتطوّع ١ في قتال الخوارج، يقال له صالح بن النضر الكناني
المطوعي ٢ من أهل بست ، فصحباه وحظيا به ، فقتلت الخوارج الذين يقال لهم
الشُّراة أخا يعقوب المذكور ، وأقام صالح المذكور يعقوب المذكور مقام
الخليفة ، ثم هلك صالح فتولى مكانه درهم بن الحسين ٣ من المطوعة أيضاً ،
فصار يعقوب مع درهم كما كان مع صالح . ثم إن صاحب خراسان احتال
لدرهم حتى ظفر به ، فحمل إلى بغداد فحبس بها ثم أطلق وخدم السلطان ،
ثم لزم بيته يظهر النسك والحج والاقتصاد ، حتى غلظ أمر يعقوب .
وذكر شيخنا عز الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير في
٨٢٨ - هذه الترجمة لم ترد في القسم الموجود من المسودة ولم ترد في النسخ س بر من. ووردت في ر
بعد ترجمة يعقوب بن داود ، وهي كاملة في ق ع. ومنها في المختار مقتطفات، وأخبار يعقوب
الصفار في الكتب التاريخية أمثال الطبري وابن الأثير والمسعودي وابن خلدون والنجوم
الزاهرة ٣ : ٤٠ ومرآة الجنان ٢: ١٨٠ وصورة الأرض : ٣٥٣.
١ زاد في ع : والزهد .
٢ ع: المتطوعي، وكذلك ترد ((المتطوعة)) أيضاً في النسخ، وأحياناً ((المطوعة)) في ر .
٣ وردت ((الحسن)) في ابن الأثير والنسخة ر ومواضع من ق ع .
٤٠٢

تاريخه ١ في سنة سبع وثلاثين ومائتين ابتداء أمر يعقوب المذكور، فقال : في
هذه السنة تغلب إنسان من أهل بست اسمه صالح بن النضر الكناني على سجستان
ومعه يعقوب بن الليث ، فعاد طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين ، أمير
خراسان ، واستنقذها منه ، ثم ظهر بها إنسان اسمه درهم بن الحسين من المطوعة
فغلب عليها ، وكانَ غير ضابط لأمور عسكره ، وكان يعقوب بن الليث قائد
عسكره ، فلما رأى أصحاب درهم ضعفه وعجزه اجتمعوا على يعقوب بن
الليث ، وملكوه أمرهم ، لمّا رأوا من تدبيره وحسن سياسته وقيامه بأمرهم ،
فلما تبين ذلك له لم ينازعه في الأمر وسلمه إليه ، واعتزل عنه ، فاستبدّ يعقوب
بالأمر وضبط البلاد وقويت شوكته ، وقصدته العساكر من كل ناحية، فصار
من أمره ما سنذكره .
رجعنا إلى تمام ما ذكره عليّ بن محمد بن أحمد ٢ :
قال : فلما دخل درهم بن الحسين بغداد تولى يعقوب أمر المطوعة ، وحارب
الخوارج الشراة فرزق الظفر بهم حتى أفناهم وأخرب ضياعهم ، وأطاعه
أصحابه بمكره ودهائه طاعة لم يطيعوها أحداً كان قبله . ثم اشتدت شوكته وزادت
صولته ٣ ، فغلب على سجستان وهَرَاة وبوشنج وما والاها . وكان الترك بتخوم
سجستان وملكهم رتبيل ، ويسمى هذا القبيل من الترك الدراري ، فحرضه أهل
سجستان على قتالهم ، وأعلموه أنهم أضرّ من الشراة الخوارج وأوجب محاربة،
فغزا الترك فقتل رتبيل ملكهم ، وقتل ثلاثة من ملوكهم بعد رتبيل ، ويسمى
كل ملك لهم رتبيل ، وانصرف يعقوب إلى سجستان ، وقد حمل رؤوسهم
مع رؤوس ألوف منهم ، فرهبته الملوك الذين حوله ، منهم ملك المولتان وملك
٠ ١ ابن الأثير ٧ : ٦٤ .
٢ ابن أحمد : سقطت من ق .
٣ ع ق : ثم اشتدت صولته .
٤٠٣

الرخج وملك الطبسين وملك زابلستان ، وملك١ السند ومكران وغيرهم ،
وأذعنوا له . وكان قصده هَراةَ وبوشنج في سنة ثلاث وخمسين ومائتين ، وأمير
خراسان يومئذ محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي ، وعامله
عليها محمد بن أوس الأنباري ، فخرج لمحاربته في تعبئة وبأس شديد وزي
جميل ، فحاربه وأحسن مقاومته حتى احتال له يعقوب ، فحال بينه وبين دخول
المدينة ، وهي بوشنج ، وانحاز ابن أوس منهزماً ، فقيل إنّه لم يقاتله أحد أحسن
مواقفته٢ كما أحسنها ابن أوس ، ودخل يعقوب بوشنج وهراة ، وصارت
المدينتان في يده ، وظفر بجماعة من الطاهرية ، وهم المنسوبون إلى طاهر بن
الحسين الخزاعي ، فحملهم إلى سجستان ، حتى وجه المعتز بالله الخليفة إليه المعروف
بابن بلعم ، وهو رجل من الشيعة ، برسالة وكتاب ، فأطلقهم .
قال ابن الأزهر الأخباري المذكور : حدثني محمد بن عبد الله بن مرمان ،
قال : حدثني ابن بلعم المذكور قال: صرت إليه بكتاب أمير المؤمنين المعتز
باللّه إلى زَرَنْجَ - قلت : وهي بفتح الزاي والراء وسكون النون وبعدها
جيم ، وهي كرسي بلاد سجستان - قال ابن بلعم : فاستأذنت عليه فأذن لي ،
فدخلت ٣ ولم أسلم عليه ، وجلست بين يديه من غير أمره ، ودفعت الكتاب إليه
فلما أخذه قلت له : قَبّلْ كتاب أمير المؤمنين فلم يقبله ، وفضه ، فتراجعت
القهقرى إلى باب مجلسه الذي كان فيه ثم قلت : السلام عليك أيها الأمير ورحمة
الله، فأعجبه ذلك، وأحسن مثْوَاي ووصلني ، وأطلق الطاهرية ٤ .
وقال ابن بلعم المذكور أيضاً : دخلت على يعقوب الصفار يوماً فقال لي :
ينبغي أن يجيئنا رجل من ناحية فارس مستأمن ، ومعه ثلاثة أنفس أو أربعة ، بل
هو تمام الخمسة ، قال : فأنكرت هذا منه ، وأمسك ، فما علمت إلا وحاجبه
قد دخل فسلم ، وقال : أيها الأمير ، بالباب رجل مستأمن ومعه أربعة أنفس ،
١ ع ق : وملوك .
٢ رق : موافقته .
٣ المختار : فدخلت عليه .
٤ المختار : وأطلق الذين جئت بسببهم .
٤٠٤

فقال : أدخله ، فدخل وسلم وقال : أيها الأمير ، معي أربعة أنفس ، فأذن
لهم فدخلوا عليه ، فالتفتُّ إلى الحاجب وقلت : قد أخذتم في المخاريق ، فحلف
لي أماناً مغلظة أنهم جاؤوا بغتة ما علم بهم أحد من الناس ، وسألت يعقوب بعد
ذلك ، وقلت له : أيها الأمير ، لقد رأيت منك عجباً في أمر المستأمنة فكيف
علمت بهم ؟ فقال : أخبرك أنّي فكرت في أمر فارس ، ورأيت غراباً واقفاً
بإزاء طريقها١ واختلجت إحدى أصابع رجلي ، ثم تبع بعضها بعضاً ، فعلمت
أنّه عضو غير شريف ، وأنّه سيأتينا من ذلك الصقع قوم مستأمنة ، أو رسل
ليسوا بأجلة ، فكانوا هؤلاء .
وقال عليّ بن الحكم : سألت يعقوب بن الليث الصفار عن الضربة التي
على وجهه ، وهي منكرة على قصبة أنفه وو جنته ، فذ کر أن ذلك أصابه في بعض
وقائع الشراة ، وأنّه طعن رجلاً منهم ، فرجع عليه فضربه هذه الضربة ، فسقط
نصف وجهه حتى رد وخيط ، قال : فمكثت عشرين يوماً في فمي أنبوبة قصب ،
وفمي مفتوح لئلا يتقرح رأسي ، وكان يصب في حلقي الشيء بعد الشيء من
الغذاء . قال حاجبه : وقد كان مع هذه الضربة يخرج ويعبي أصحابه للحرب
ويقاتل .
وأرسل يعقوب إلى المعتز بالله هدية سنية ، من جملتها مسجد فضة مخلع
يصلي فيه خمسة عشر إنساناً ، وسأل أن يعطى بلاد فارس ، ويقرر عليه خمسة
عشر ألف ألف درهم ، على أن يتولى إخراج عليّ بن الحسين بن قريش ، وكان
على فارس ، ثم شخص يعقوب من سجستان في أثر كتابه إلى المعتز ، يريد
كرمان ، ثم نزل بم - قلت: وهي بالباء الموحدة المفتوحة وبعدها ميم مخففة ،
وهي الحد الفاصل بين سجستان وكرمان - قال : وكان بكرمان العباس بن
الحسين بن قريش ، أخو علي بن الحسين المذكور ، ومعه أحمد بن الليث الكردي ،
فخرجا عن كرمان يريدان شيراز ، وقدَّم يعقوب أخاه علي بن الليث إلى
السِّيرجان - قلت : وهي بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها ثم
راء وجيم وبعد الألف نون ، وهي مدينة كرمان - قال : وضم إليه جماعة ،
١ المختار : الطريق التي لها .
٤٠٥

٠
فأقام هو على بّم ، فرد أحمد بن الليث الكردي إليه من الطريق في جمع كثير
من الأكراد وغيرهم ، فصاروا إلى دَرَابَجِرْدَ - قلت : وهي بفتح الدال
المهملة ثم راء وألف وبعدها باء موحدة ثم جيم مكسورة ثم راء وبعدها دال
مهملة ، وهذا الاسم يقع بالاشتراك على ثلاثة مواضع : الأول : كورة عظيمة
مشهورة بفارس ، قصبتها دَرَابَجِرْدَ ؛ والثاني : قرية بفارس أيضاً من
أعمال اصطخر فيها معدن الزئبق ، فيحتمل أن يكون مصيرهم إلى الأولى أو
إلى الثانية ؛ وأما الثالثة : فهو موضع بنيسابور ، ولا يحتمل مصيرهم إليه .
لأنّه بخراسان فلا تعلق له بفارس .
قال الراوي : فظفر أحمد بن الليث بجماعة من أصحاب يعقوب يطلبون
العلف ، فقتل بعضهم ١ وهرب منهم جماعة، ووجه أحمد بن الليث برؤوس ٢
من قتل من أصحاب يعقوب إلى فارس ، فنصب علي بن الحسين رؤوسهم ،
فبلغ الخبر يعقوب ، فدخل كرمان ، فندب علي بن الحسين لمحاربته طوق بن
المغلس في خمسة آلاف من الأكراد ، سوى من تقدم مع أحمد بن الليث الكردي،
وسار طوق حتى نزل على مدينة إياس من عمل كرمان ، فورد عليه كتاب
يعقوب يعلمه أنّه أخطأ إذ دخل عملاً ليس إليه ، فرد عليه طوق : أنت بعمل
الصُّفْر أعلم منك بعمل الحروب ، فعظم ذلك على يعقوب ، وكان في عسكر
طوق ثلثمائة رجل من الأبناء ، فوافى يعقوب مدينة إياس فأوقع بطوق وقتل
أصحابه وهزم من بقي منهم ، وصبر الأبناء الثلثمائة حتى أشجوا يعقوب
فأعطاهم الأمان ، فلم يقبلوا ٣ حتى قتلوا عن آخرهم ، وقتل يعقوب في هذه
الوقعة ألفي رجل وأسر ألفاً ، وأسر طوق بن المغلس وقيده بقيد خفيف ،
ووسع عليه في مطعمه وغيره ، واستخرج منه الأموال ، ورحل يعقوب عن
إياس ودخل عمل فارس ، فخندق علي بن الحسين على نفسه بشيراز ، وذلك
١ ق ع ر : فقتلهم .
٢ ق ع : رؤوس .
٣ ع : يفعلوا .
٤٠٦

في يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين
ومائتين .
مے
وكتب علي بن الحسين إلى يعقوب يعلمه أن طوق بن المغلس فعل ما فعل
من غير أمره ، وأنّه لم يأمره بمحاربته وقال له : إن كنت تطلب كرمان فقد
خلفتها وراءك ، وإن كنت تطلب فارس فكتاب من أمير المؤمنين بتسليم العمل
لأنصرف . فرد عليه يعقوب : إن كتاباً من السلطان معه لا يتهيأ أن يوصله حتى
يدخل البلد وإنّه إن أخلى له البلد فقد ودع ١ وأزاح علته ، وإلا فالسيف بيننا
والموعد مرج سنكان ، وهو مرج واسع بينه وبين شيراز ثلاثة فراسخ ، وكتب
صاحب البريد ووجوه البلد إلى يعقوب يعلمونه أنه ما ينبغي له ، مع
ما وهب له الله تعالى من التطوع والديانة وقتل الخوارج ونفيهم عن بلاد
خراسان وسجستان ، التسرعُ إلى سفك الدماء ، لأن علي بن الحسين لن
يسلم البلد إلا بكتاب الخليفة ، واعتد أهل شيراز للحصار ، وقد كانت
المنهزمة من أصحاب طوق أسروا ثلاثة أنفس من أصحاب يعقوب ، فحبسهم
علي بن الحسين . وقد كان طوق وقت خروجه إلى يعقوب اشترى داراً بشيراز
بسبعين ألف درهم ، وقدر للنفقة عليها مالاً ، فكتب طوق إلى ابنه : لا تقطع
البناء عن الدار ، فإن الأمير يعقوب قد أكرمني وأحسن إلي ، وسأل في إطلاق
الثلاثة المأسورين من أصحاب يعقوب ، وكان يعقوب سأله ذلك ليطلقه إذا
وافوا إليه ، فقال علي بن الحسين : اكتبوا إلى يعقوب ليصلب طوق بن المغلس ،
وإن أقل عبد من عبيده أكبر عنده منه، وسأل يعقوب طوق بن المغلس عن أمور
علي بن الحسين ، فضعف أمره عنده ، فتقرب طوق إلى يعقوب بمال عنده
بشيراز ، وأنّه يكتب إلى أهله في حمله إليه ليقوى به على حربه ، فأمره يعقوب
أن يفعل ذلك ، فكتب إلى ابنه فوقع الكتاب في يد علي بن الحسين ، فأخذ المال
وغيره من دار طوق ، وحمله إلى داره ، وزحف يعقوب ، واحتشد علي بن
الحسين .
قال أحمدُ بن الحكم ، قال لي يعقوب : أخبرني عن علي بن الحسين أمسلم
١ ع ق : ورع .
٤٠٧

هو ؟ قلت : نعم ، قال : أفرأيت مسلماً يوجه بالأكراد الكفار إلى بلاد
المسلمين فيقتلونهم ويحملون نساءهم ويأخذون أموالهم ؟ ألم تعلم أن أحمد
ابن الليث الكردي قتل بكرمان سبعمائة إنسان على دم واحد ، وافتض الأكراد
مائتي بكر من أهل البيوتات ، وحملوا معهم نحو ألفي امرأة إلى بلادهم ؟
أفرأيت مسلماً يرضى بهذا ؟ قال ، قلت : فعل أحمد هذا من غير أمره . ثم
قال له يعقوب في بعض مناظراته : قل لعلي بن الحسين : إن معي قوماً أحراراً
جئت بهم وليس ١ يتأتى لي ردهم إلا بما يحبون ، فوجه إلي بما يرضيهم ووجه
لي في نفسي ما يشبه مثلي من البرّ ، فإذا فعلت فأنا أخوك وعونك على من حاربك
وأدفع لك كرمان تأكلها ، وأنصرف إلى عملي . وارتحل يعقوب ، فنزل قرية
يقال لها خوزاستان٢، ووافى أحمد بن الحكم إلى علي بن الحسين يوم الثلاثاء
لثمان خلون من جمادى الأولى من السنة ، وعلى يده كتاب يعقوب .
قال ابن الحكم : فلم يفهم علي بن الحسين شيئاً مما جئت ٣ به من الدهش ،
وحاصل الكتاب بعد الدعاء له : فهمت كتابك ، وذكرك ورودي هذا البلد
العظيم خَطَرُه بغير ٤ إذن أمير المؤمنين ، فإنّ لست ممن تطمع نفسه في محاولة
ظلم ، ولا ممن يمكنه ذلك ، وقد أسقطت عنك مؤونة الاهتمام في هذا الباب ،
فإن البلد لأمير المؤمنين ، ونحن عبيده نتصرف بأمره في أرضه وسلطانه ، وفي
طاعة الله وطاعته ، وقد استمعت من رسولك، ورجعت إليه في جواب ما عملته
وأدائه ما يورده عليك مما رجوت لنا ولك فيه صلاحاً ، فإن استعملته ففيه
السلامة إن شاء اللّه تعالى، وإن أبيت فإن قدر الله تعالى نافذ لا محيص عنه ،
ونحن نعتصم بالله من الهلكة ، ونعوذ به من دواعي البغي ومصارع الخذلان،
ونرغب إليه في السلامة ديناً ودنياً بلطفه ، مدّ اللّه في عمرك ؛ وكتب يوم
الاثنين ، ليلة خلت من جمادى الأولى ، سنة خمس وخمسين ومائتين .
١ ع : ولن .
٢ ع : حور أستان .
٣ ع ق : جثته .
٤ ر : بدون .
٤٠٨

ثم تزاحف الفريقان ، وقد اجتمع في عسكر علي بن الحسين خمسة عشر
ألف إنسان ، ووجه أحمد بن الليث الطلائع ، وذلك في غداة الأربعاء الأربع
خلون من الشهر المذكور . ولما كان يوم الخميس وافت طلائع يعقوب ، ثم
التقى ١ الجيشان، فحملوا حملة، وفي الثانية أزالوا أصحاب عليّ بن الحسين
عن مواضعهم ، وصدقت المجالدة ، فانهزموا ومروا على وجهوهم لا يلوي
أحد على أحد ، وعلي بن الحسين يتبع أصحابه ويصيح فيهم : أن ارجعوا وقفوا ،
يناشدهم ٢ اللّه تعالى، فلم يلتفتوا إليه، وبقي في عدة من أصحابه ، فوافت
المنهزمة أبواب شيراز مع العصر يوم الخميس المذكور ، وكانت الوقعة بعد
الظهر ، فضاقت عليهم الأبواب ، فمروا على وجوههم في نواحي شيراز ،
وبلغت هزيمتهم الأهواز، وكانت القتلى معهم منهم مقدار خمسة آلاف . وأصابت
علي بن الحسين ثلاث ضربات ، واعتورته أسياف أصحاب يعقوب ، وسقط
عن دابته فأرادوا قتله ، فأعلمهم أنّه علي بن الحسين ، فأخذوا عمامته ووضعوها
في وسطه ، وقادوه إلى يعقوب، وطلب الذي أسره الثواب من يعقوب، فأمر له
بعشرة آلاف درهم ، فأبى أن يأخذها ، فقال : إنّما جئتني بكلب أسرته ،
مالك عندي غيرها، فانصرف الرجل . وقَنّعَ يعقوب علياً عشرة أسواط بيده ،
وأخذ حاجبه بلحيته فنتف أكثرها ، وأمر يعقوب أن يقيد بقيد فيه عشرون
رطلاً ، وصيره مع طوق بن المغلس في الخيمة ، وكان قد أنفذ إلى ابن المغلس
وقيده أيضاً ؛ وصار يعقوب من فوره إلى شيراز ، وتفرق أصحاب علي بن
الحسين في النواحي . ثم دخل يعقوب إلى شيراز والطبول تضرب بين يديه ،
وظن أهلُ شيراز يؤذيهم ويستحل دماءهم وأموالهم بحربهم . فلم ينطق ٣ أحد
لأنّه كان وعد أصحابه إن هو ظفر أن يطلقهم وينهب شيراز ، وبلغ القوم ذلك
فلزموا بيوتهم ، ورجع يعقوب من ليلته إلى عسكره بعد أن طاف شيراز ، فلما
أصبح نادى بالأمان ليخرجوا إلى الأسواق ، فخرج الناس ، ونادى في كتاب
١ ع: ووافت ... يعقوب التقي.
٢ ع : ويناشدهم .
٣ ع: يطلق؛ وسقطت ((أحد)) من ر .
٤٠٩

علي بن الحسين : أن برئت الذمة ممن آواهم ، وحضرت الجمعة فأمر الخطيب
فدعا للإمام المعتز بالله ولم يدع لنفسه ، فقيل له في ذلك فقال : الأمير لم يقدم
بعد ، وقال : إنّما مقامي عندكم عشرة أيام ، ثم أرجع إلى عمل سجستان ؛
وبعث أخاه إلى منزل علي بن الحسين فأحضر الفرش والأثاث ، وفتش على الأموال
فلم يقف عليها ، فأحضر علياً فتهدده ١ وتوعده ، فذكر أنّه يدلهم على المال ،
فحمل إلى منزله فاستخرج أربعمائة بدرة، وقيل إنه أخذ منه ألف بدرة، وعوض
يعقوب أصحابه من نهب ٢ شيراز كل رجل ثلثمائة درهم .
ثم عذب يعقوب علياً بأنواع ٣ العذاب، وعصر. أنثييه وشد الجوزتين على
صدغيه ، فقال علي : قد أخذت ما أخذت ، أخذت مني فرشي ٤ وقيمته أربعون
ألف دينار ، وألح عليه بالعذاب وأعلمه أنّه لا يقنعه ° منه دون ثلاثين ألف
ألف دينار ، وخلط ووسوس من شدة العذاب وقيده بأربعين رطلاً ، فدلهم
على موضع في داره ، فاستخرجوا منه أربعة آلاف ألف درهم ، وجوهراً
كثيراً، ثم ألح عليه بالعذاب وسلمه إلى الحسن بن درهم فضربه وعذبه وشتمه ،
وعذب طوق بن المغلس أيضاً ، وحبسهما في بيت واحد . وارتحل يعقوب من
شيراز يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى من السنة إلى بلاده ، وحمل
علي بن الحسين وطوق بن المغلس معه ، فلما أتى كرمان ألبسهما المصبغ من الثياب ،
وقنعهما بمقانع ، ونادى عليهما وحبسهما ، ومضى إلى سجستان .
وخلع الخليفة المعتز بالله لثلاث خلون من رجب من هذه السنة وتولى الخلافة
الإمام المهتدي باللّه في ذلك اليوم وخلع المهتدي بالله مع صلاة الظهر من يوم
الثلاثاء لأربع عشرة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين ، وبويع
المعتمد على اللّه. ولم يكن ليعقوب الصفار في خلافة المهتدي كبير أمر ، بل كان
١ ر : فهدده .
٢ ع : من بيت مال .
٣ ع ق : أنواع .
٤ ع ق : فرسي .
٥ ع ق : ينفعه .
٤١٠

يغزو ويحارب من يليه من الملوك بسجستان وأعمالها ، ويتطرف كور خراسان وما
قرب من قوهستان ونواحي هراة وبوشنج وما اتصل بسجستان . ثم عاد يعقوب
إلى بلاد فارس وجبى غلاتها ورجع بثلاثين ألف ألف درهم ، وصار إلى
سجستان ، وأقام محمد بن واصل بفارس يتولى الحرب والخراج ، ويكاتب
الخليفة ، ويحمل بعض ما يجبى من الأموال ، فكان مقدار ما يحمل في السنة
خمسة آلاف ألف درهم من الخراج ببلاد فارس ، وكان مقيماً بها غلبة عليها ،
ولو أمكن الخليفة صرفه عنها ببعض أوليائه لما أقره .
ثم ورد الخبر في جمادى الآخرة من سنة ثمان وخمسين ومائتين بدخول
يعقوب مدينة بلخ ، ثم خرج منها ودخل نيسابور في ذي القعدة من سنة تسع
وخمسين ومائتين ، واحتاط على محمد بن طاهر الخزاعي أمير خراسان وجميع
الطاهرية ، ثم خرج عنها في المحرم من سنة ستين ومائتين ومعه محمد بن طاهر
مقيداً، ونيف وستون من أهله . وتوجه نحو جرجان للقاء الحسن بن زيد العلوي
أمير طبرستان وجرجان، ولما بلغ الحسن بن زيد أن يعقوب يقصده أخذ من أموال
الخراج ثلاثة عشر ألف ألف درهم بقايا وسلفاً ، وتخلص من جرجان إلى
طبر ستان ، ودخل يعقوب جرجان ، ووجه من أصحابه من أخذ سارية طبر ستان،
وكان بجرجان يعلق على دوابه كل يوم ألف قفيز شعيراً. ثم خرج يعقوب إلى
طبرستان وخرج إليه الحسن بن زيد في خلق كثير ، وأعلم يعقوب أصحابه أنّه
يقتل من انهزم منهم ، وتقدم بنفسه للحرب . فتبعه خمسمائة من عبده ،
فحمل على الحسن وأصحابه حملة واحدة فكانت الهزيمة على القوم ، وكان
الحسن بن زيد قد أعد في كل قرية في طريقه ١ لانهزامه برذوناً وبغلاً لأنّه كان
رجلاً ثقيلاً كثير اللحم ، وتلاحق أصحاب يعقوب به فتبع الحسن بن زيد في
خمسة آلاف خيل ٢ جريدة ، وأخذ يعقوب ممّا كان مع الحسن بن زيد ثلثمائة
وقر مالاً أكثرها عين، وظفر بجماعة من آل أبي طالب فأساء إليهم وأسرهم ،
وكانت الوقعة يوم الاثنين لأربع بقين من رجب سنة ستين ومائتين .
١ في طريقه : سقطت من ق ر .
٢ ع : من الخيل.
:
٤١١

ثم تقدم يعقوب فدخل آمُلَ - قلت : وهي بالهمزة الممدودة والميم المضمومة
وبعدها لام ، وهي كرسي بلاد طبرستان - قال: وهرب الحسن بن زيد إلى
مدينة يقال لها سالوس ، فلم يجد من أهلها ما كان يعرفه منهم ، فتنحى عنهم ،
ثم خرج يعقوب. من آمُل فطلب الحسن بن زيد ، فرحل مرحلة واحدة ، وبلغه
الخبر أن الحسين بن طاهر بن عبد الله بن طاهر قد دخل مرو الروذ ومعه صاحب
خوارزم في ألفي تركي، فانزعج يعقوب لذلك ، وقصر من الإيغال في طلب
الحسن بن زيد ، فرجع وكتب إلى أمير الري في ذي الحجة من سنة ستين
يأمره أن يخرج من الري ، ويعلمه أن أمير المؤمنين قد ولاه إياه ، فبلغ ذلك
الخليفة فأنكره وعاقب غلمانه الذين كانوا ببغداد بالحبس وأخذ الأموال .
ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائتين ويعقوب ببلاد طبرستان ، فخرج
في المحرم يريد جرجان ، فلحقه الحسن بن زيد من ناحية البحر فيمن اجتمع إليه
من الديلم وأهل الجبال وطبرستان فشعّث من يعقوب وقتل من لحق من أصحابه ،
فانهزم يعقوب إلى جرجان ، فجاءت بها زلزلة عظيمة قتلت من أصحابه ألفي
إنسان ورجعت طبرستان إلى الحسن بن زيد، وهي آمل وسارية وما يتصل بهما ،
وأقام يعقوب بجرجان يعسف أهلها بالخراج ، ويأخذ أموال الناس ، ودامت
الزلزلة ثلاثة أيام ، وأتى جماعة من أهل جرجان إلى بغداد فسئلوا عن يعقوب
الصفار ، فذكروه بالجبروت والعسف ، فعزم الخليفة على النهوض إليه واستعد
لذلك، ولمّا رجع الصفار إلى جوار١ الري ورجع الحاج عن الموسم كتب الخليفة
المعتمد على اللّه إلى عبيد الله بن عبد اللّه بن طاهر بن الحسين وهو يومئذ متولي ٢
العراق بأن يجمع الحاج من أهل خراسان وطبرستان وجرجان والري ويقرأ عليهم
كتاباً منه إليه ، فجمع الحاج القادمين من أقاصي البلاد ، وقرأ عليهم كتاب
أمير المؤمنين بالوقوع في الصفار ، وعمل ثلاثين نسخة ، ودفع إلى أهل كل
كورة نسخة لتذيع الأخبار بهذه النسخ في الآفاق . ونمي الخبر إلى يعقوب الصفار
بما كان من حبس غلمانه ، وما كان من جمع الحاج في دار عبيد الله ، وما دفع
١ ق : خوارى .
٢ ر : يتولى .
٤١٢

إليه من النسخ ، وانكشف له رأي الخليفة في قصده ، فرجع إلى نيسابور ،
وإنّما رجع لأنه لم يجد عدة تصلح للقاء الخليفة ، ولما دخل إلى نيسابور أساء إلى
أهلها بأخذ الأموال ورجع يريد جهة سجستان في جمادى الأولى من سنة
إحدى وستين ومائتين .
ولما رجع إلى سجستان خرجت كتبُ الخليفةِ إلى أصحاب الممالك
بخراسان وذوي الجاه والعدد بتولية كل رجل ناحية ، فوردت الكتب
وأصحاب الصفار متفرقون في كور خراسان . ثم إن الصفار وصل إلى عسكر
مكرم من أعمال خوزستان وكاتب الخليفة ، وسأله ولاية خراسان وبلاد فارس
وما كان مضموماً إلى آل طاهر بن الحسين الخزاعي من الكور وشرطتي بغداد
وسر من رأى ، وأن يعقد له على طبرستان وجرجان والري وأذربيجان وقزوين ،
وأن يعقد له على كرمان وسجستان والسند ، وأن يحضر من قرئت عليهم الكتب
التي نسخت في دار عبيد الله بن عبد اللّه بن طاهر ويقرأ عليهم خلاف ما قرىء
عليهم أولاً من ذكره ، ليبطل ذلك الكتاب بهذا الكتاب ، ففعل ذلك الموفق
بالله أبو أحمد طلحة بن المتوكل على الله، وهو أخو الخليفة المعتمد على اللّه والد
المعتضد بالله الخليفة القائم بعد عمه المعتمد على اللّه، وكان الموفق مستولياً على
الأمور كلها وليس للمعتمد معه سوى اسم الخلافة لا غير ، وأجابه إلى ما
طلب ، وجمع الناس وقرأ عليهم ما أحبه الصفار ، وأجيب إلى الولاية التي
طلبها ، واضطربت الموالي بسر من رأى من إجابة الخليفة إلى ما طلبه الصفار ،
وتحركوا . ثم إن الصفار لم يلتفت إلى ما أُجيب إليه من ذلك ، ودخل السوس
وهي أيضاً مدينة من أعمال خوزستان بالقرب من عسكر مكرم ، ولما دخلها
عزم على محاربة الخليفة المعتمد وتأهب له الخليفة لينحدر إليه في دجلة ، ثم تقدم
الصفار وتقدم إليه عسكر الخليفة ، وقد كانت الموالي ارتابت واتهمت الأمير
الموفق ، وتوهمت أن إقبال الصفار بسبب ما أنفذ إليه من الكتب ، وإلا فأي
عجيب أعجب من خارج قصد من زرنج كرسي سجستان ، وهي الحد الفاصل
بين السند والترك وخراسان ، والوصول إلى بلاد العراق لمحاربة الخليفة ، وهو
في جيوشه وعدده وتقادم مملكته في شرق الأرض وغربها ، والصفار منفرد
٤١٣

يجيشه ١ ليس معه من يعضده ولا يشاركه في هذا الأمر؟! ولمّا بلغ الخليفة ذلك
دعا ببرد النبي صلى الله عليه وسلّم وقضيبه ، وأخذ القوس ليكون أول من
رمى ، ولعن الصفار ، فطابت أنفس الموالي .
ولمّا كان صبيحة الأحد لتسع خلون من رجب وردت عساكر الصفار في
التعبية إلى موضع يقال له اصطربند ٢ ، وهي قرية بين السيب ودير العاقول من
النهروان الأوسط ، وجمع أصحابه ليحمل بهم ، وتقدم بنفسه كما كان يفعل
قبل ذلك ، وأقبل وعليه دراعة ديباج سوداء ، ولمّا تواقف الصفان خرج من
الموالي خشتج القائد فقام بين الصفين وقال لأصحاب الصفار : يا أهل خراسان
وسجستان ، ما عرفناكم إلا بطاعة السلطان وتلاوة القرآن وحج البيت وطلب
الإنكار ٣ ، وإن دينكم لا يتم إلا باتباع الإمام٤، وما نشك أن هذا الملعون
قد موَّه عليكم ، وقال لكم : إن السلطان قد كتب إليه بالحضور ، وهذا السلطان
قد خرج لمحاربته ، فمن آثر منكم الحق وتمسك بدينه وشرائع الإسلام فلينفرد
عنه إذ كان شاقاً للعصا محارباً للسلطان ، فلم يجيبوه عن كلامه ، وكان هذا
خشتج شجاعاً مقداماً .
ولمّا تخلص محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين أمير
خراسان من أسر الصفار - وقد تقدّم ذكر أسره وحمله مقيداً - قال له
خشتج : يا آل طاهر ، اشتريتمونا بأموالكم وأهديتمونا إلى ولد العباس ،
فاستخلفونا وملكونا الضياع والأموال ، حتى قدنا الجيوش وحاربنا عن بيضة
الإسلام ، فلم نخرج من الدنيا حتى حاربنا الصفار عنك يا والي خراسان
مع مولانا أمير المؤمنين ، وخلصناك بعد الأسر والقيد الثقيل من مدينة
إلى مدينة على بغل إكاف ورددناك من العراق إلى خراسان ، فالحمد لله على ما
تفضل به مولانا من خلاصك ، وأولانا هذا الفعل الجميل فيك .
١ ر : متفرد في جيشه .
٢ ع : اصطربيد ؛ ق : اصطرنبد ..
٣ ر : الأذكار .
٤ ع : بطاعة السلطان .
٤١٤

رجعنا إلى تتمة خبر الصفار :
قال الراوي : وحزر عسكر الصفار فكانت مساحة معسكره ميلا في ميل ،
وكانت دوابهم في غاية الفراهة ، وقيل إن جمعهم كان يزيد على عشرة
آلاف إنسان ، ووضع الخليفة العطاء في الجند وقطع ما في الطريق من الشجر
والدغل ، واستعدوا للحرب وجدوا فيها وشمروا ، وقيل ما هو إلا أن تنصروا
أو تنهزموا فلا ترجع دولتكم إليكم ، ووقف الخليفة المعتمد بنفسه وإلى جانب
رکابه محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني - وقد تقدم ذكر جده
يزيد بن مزيد - ووقف معه جماعة اكتنفوا الخليفة من أهل البأس والنجدة ،
وتقدم بين يديه الرماة بالنشاب ، وكشف الموفق أخو الخليفة رأسه وقال :
أنا الغلام الهاشمي ، وحمل على أصحاب الصفار ، وقتل بين الطائفتين خلق
كثير ، فلما رأى الصفار تلك الحال ولى راجعاً تاركاً أمواله وخزائنه وذخائره ،
ومرَّ على وجهه فلم تتبعه العساكر ، وما أفلت من أصحابه رجل إلا بسهم
أصابه ، وأدركهم الليل فتساقطوا في الأنهار لازدحامهم وثقل الجراح بهم،
قال أبو الساج داود ابن دوست الذي١ تنسب إليه الأجناد الساجية ببغداد للصفار
لما انهزم : ما رأيت معك شيئاً من تدبير الحروب ، وكيف كنت تغلب الناس،
فإنّك جعلت ثقلك وأموالك وأسراك أمامك وقصدت بلداً على قلة المعرفة منك
به وبمغايصه وأنهاره بغير دليل ، وقاتلت يوم الأحد والريح عليك ، وسرت
من السوس إلى واسط في أربعين يوماً ، وأحوال العساكر مختلة ، فلما توافت
عددهم ، وجاءتهم أموالهم واستحكم أمرهم عليك أقبلت من واسط إلى دير
العاقول في يومين ، وتأخرت عند إمكان الفرصة وأقبلت تعدو في موضع
التثبت ، فقال الصفار : لم أعلم أنّي أحارب ولم أشك في الظفر ، وتوهمت
أن الرسل ترد علي ، فبدروا الأمر فأتيت بما قدرت عليه .
قلت : هذا آخر ما نقلته من كلام ابن الأزهر مع الاختصار .
.......
١ ع : هو الذي .
٤١٥

ونقلت من تاريخ أبي الحسين عبيد الله بن أحمد بن أبي ١ طاهر الذي جعله
ذيلاً على تاريخ أبيه في ((أخبار ببغداد )) وقد أطال القول فيه فاختصرته وحذفت
ما تكرر منه ، فقال : كان وثوب يعقوب بن الليث على درهم وغلبته على
سجستان يوم السبت لخمس خلون من المحرم سنة سبع وأربعين ومائتين ، وكانت
ولاية درهم بن نصر ( كذا) ٢ ثلاث سنين بعد إخراجه صالح بن النضر ، وهو
رجل من بني كنانة ، من سجستان في ذي الحجة سنة سبع وثلاثين ومائتين ، ولم
يزل يعقوب الصفار مقيماً بسجستان يحارب الشراة والأتراك ويظهر أنّه متطوعي ،
حتى كانت سنة ثلاث وخمسين ومائتين ، فخرج إلى هراة ثم قصد بوشنج
وحاصرها وأخذها عنوة ، وكان ذلك في خلافة المعتز ومات المعتز ويعقوب
على حاله ، ولم يزل على ذلك إلى أيام المعتمد على اللّه ، ثم دخل بلخ وخرج منها ،
ثم وصل إلى رامهرمز وهو يظهر الطاعة للخليفة المعتمد، وذلك في المحرم من سنة
اثنتين وستين ومائتين ، ثم أرسل رسله إلى المعتمد فدخلوا بغداد لأربع عشرة
ليلة خلت من جمادى الآخرة من السنة المذكورة ، ثم صار إلى واسط ، وأقام
بها نائباً عنه ثم صار إلى دير العاقول يوم السبت لثمان خلون من رجب ، ثم صار
إلى اصطربند فنزل بها ، ولما اتصل خبره بالمعتمد وأنّه يقصد بغداد جمع أصحابه
من الأطراف ، وخرج من سر من رأى قاصداً لمحاربته ، ودخل بغداد يوم
الأحد لخمس بقين من ذي الحجة من السنة .
قال أبو الفرج كاتب القاضي أبي عمر : لما نهض الخليفة لمحاربة الصفار
لم تزل كتبه تسير إليه من الطريق يؤمر بالانصراف ، ويحذر سوء عاقبة فعله ،
وأن أمير المؤمنين قد نهض إليه في العدد والعُدد، وكتبُ الصفار واردةٌ بأنّي قد
علمت نهوض أمير المؤمنين ليشرفي وينبه على موقعي منه ، ثم عَبّى الخليفة
جيشه للقتال على القرية المذكورة ، وأرسلوا الماء على طريق الصفار ، فكان سبب
هزيمته ، فإنهم أخذوا عليه الطريق وهو لا يدري ، واصطف الفريقان ، ولم
١ أبي : سقطت من ق .
٢ وردت ((كذا)) في الأصل، لأن اسمه من قبل ورد ((درهم بن الحسن)).
٤١٦

يزل القوم يحمل بعضهم على بعض حتى انهزم الصفار ، فغنم الناس من أثقاله
غنيمة عظيمة ، وتوهموا أن ذلك حيلة منه ومكر ، ولولا ذلك لاتبعوه ، ولقد
حدثني من حضر ذلك أن رشق الجند الموالي كان في ذلك الوقت عشرين ألف
سهم ، وانصرف الخليفة مسروراً بما فتح اللّه عليه .
وكان ممن تخلص من أسره ذلك اليوم أبو عبد الله محمد بن طاهر أمير
خراسان وجاء إلى الخليفة وهو في قيده ، ففك الخليفة عنه القيد ، وخلع عليه
خلعة سلطانية . وذكر المعتمد ذلك النهار أنّه رأى تلك الليلة في المنام كأن إنساناً
كتب على صدره ﴿ إنّا فَتَحْنَا لكَ فَتْحاً مُبينا﴾ (الفتح: ١) وقص الرؤيا
على خواصه ، وقال لهم : قد وثقت بنصر الله تعالى .
وقبل الوقعة وردت كتب الصفار إلى الخليفة وفيها خضوع وتضرع ١ .
ويخبر بأنّه لم يجىء إلا لخدمة أمير المؤمنين ، والتشرف بالمثول بين يديه ، والنظر
إليه ، وأن يموت تحت ركابه ، فقال المعتمد : نحن في مخاريق الصفار بعد ، أعلموه
أنّه ما له عندي إلا السيف . وأمر الخليفة بالكتاب إلى أبي أحمد عبيد الله بن عبد
الله بن طاهر ، وهو عم محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر ، يخبره بالفتح
وخلاص ابن أخيه محمد بن طاهر، فكتب إليه وهو يومئذٍ يتولى الشرطة ببغداد
نيابة عن ابن أخيه المذكور ، فإنّه كان يتولى خراسان وشرطي بغداد وسر من رأى
وفي الكتاب فصول طويلة ، وحاصله أنّه عدّدّ ذنوب الصفار ، وما قابله به
الخليفة من الإحسان والإنعام ، وأنّه قلده خراسان والبلاد التي تقدم ذكرها
قبل هذا ، وأنّه رفع مرتبته وأمر بتكنيته في كتبه وأقطعه الضياع السنية ، ولم
يَبْقَ شيء مما يقدر فيه استصلاحه إلا فعله . فما زاده ذلك إلا البغي والطغيان ،
والتمس أشياء إن رد عنها قصد أبواب أمير المؤمنين لإثارة الفتنة وابتغاء الغلبة ،
فلم ير أمير المؤمنين إجابته إلى ما التمسه ، وتابع الكتب بالرجوع إلى أعماله
الجليلة التي ولاه إياها ، وحذره التعرض لزوال النعم التي أنعم الله عليه بها ،
فقد خالفه وعصاه وخرج عن طاعته ، وعرفه أنّه إن أقام على المصير إلى الباب
فقد عصاه وخرج عن طاعته ، ثم وجه إليه في ذلك مرة بعد أخرى مع جماعة
١ ر : تضرع وخضوع .
٢٧ - ٦
٤١٧

من القضاة والفقهاء والقواد ، وقدر بتوجههم إليه أنّه يرجع إلى ما هو ألزم به
وأوجب عليه ، فأقام على سبيل واحد في البغي والعناد والعصيان ، ولم يثنه
الإرشاد ، ولم يزل استحواذ الشيطان عليه يقوده إلى الحين ويصده عن سبيل
النجاة إلى مهاوي الهلكة ، فلما تبين أمير المؤمنين ذلك منه رأى أن يقضي عليه
في أمر مثله ، فنهض متوكلاً على الله تعالى معتمداً على كفايته لدفع الملعون عما
يحاوله ، وهو يغذّ السير إلى المصرع الذي سبق به قضاء الله تعالى فيه ، حتى
توسط الطريق بين مدينة السلام وواسط ، وأظهر أعلاماً على بعضها الصلبان ،
واستنجد أهل الشرك على أهل الإيمان ، وبارز اللّه بسريرته ليسلمه بجريرته ،
وفارق شرائع الإسلام وأحكامه ، نقضاً للعهود ونكثاً وخفراً للذمة وإعلاناً
للمشاقة ، فقدم أمير المؤمنين أخاه الموفق باللّه أحمد ولي عهد المسلمين ومعه
جماعة من موالي أمير المؤمنين الذين أخلصوا للّه طاعتهم وثبت في المحاماة
عن دولته بصائرهم ، وأتبعهم أمير المؤمنين الرغبة إلى الله تعالى في تأييدهم
ونصرهم على عدوهم ، ولعنه أمير المؤمنين في الأوقات والمواقف التي علم
اللّه صدق نيته فيها ، وألحقه وبالها ، ووقف أمير المؤمنين يتأمل ما يكون من
أخيه ومواليه وأوليائه ، ويواصل الإمداد والجيوش إليهم ، وكان الموفق بالله
في قلب العسكر ، وظهر الملعون عدو الله في أشياع ضلالته قد ادرع العصيان،
وتسربل البغي واعتمد على وفور حشده وكثرة أتباعه ، فلما تراءى الجمعان
شهر عدو الله وأشياع ضلالته السلاح، وأسرعوا إلى موالي أمير المؤمنين وأوليائه ،
وشرعت في الملعون وضلاله سيوف الحق باترة ورماحه طاعنة وسهامه نافذة ،
حتى أثخن الملعون بالجراح ، ورأى أتباع ضلالته ما حل به ، فبادروا بالويل
والثبور ، وأكب عليهم موالي أمير المؤمنين وأوليائه ، يقتلون فيهم ويأسرون
منهم ، وعجل اللّه إلى النار من جماعته من لا يُحصى عدده، ولم يزل الأمر
كذلك حتى انتزع أبو عبد الله محمد بن طاهر مولى أمير المؤمنين سالماً من أيديهم ،
وحسروا عن مستقرهم ، فولّ الباقون منهزمين مفلولين ، لا يلوون على شيء ،
وأسلم الله تعالى الملعون ، وهم وما كانوا حووه وملكوه في سالف الأيام التي
أملى الله تعالى لهم فيها أقطار الأرض من الأموال والأمتعة والأثاث والإبل
٤١٨

والدواب والبغال والحمير ، فأفاءه اللّه على الموالي وسائر الأولياء وملكهم إياه،
وصاروا به إلى رحالهم .
وعلى الجملة فإن هذا الكاتب أطال القول في ذلك فاختصرته ، ثم كتب
في آخره: وكتبه عبيد الله بن يحيى يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من
رجب سنة اثنتين وستين ومائتين .
ثم قال هذا المؤرخ بعد هذا : ومضى الصفار منهزماً إلى واسط يتخطف
أصحابه أهل القرى ، وتؤخذ أسلحتهم وأسلابهم ، ولم تتبعه الموالي مخافة رجعته
ولاشتغالهم بالكسب ١ والنهب، فأمسكوا عنه، ورجع الخليفة إلى معسكره ،
ثم رجع الصفار إلى السوس وجبى الأموال ، ثم قصد تستر وحاصرها وأخذها
ورتب فيها نائباً ، وكثر جمعه ، ثم رحل إلى فارس في شوال ، وكان الخليفة
قد رجع إلى المدائن وأقام بها يومين، ثم رحل إلى بغداد ومنها إلى سر من رأى،
ودخلها يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان .
ثم ذكر المؤرخ بعد هذا : وورد٢ الخبر على الخليفة بوفاة يعقوب بن الليث
الصفار يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شوال، والذي أصيب في بيوت أمواله
من العين أربعة آلاف ألف دينار ، ومن الورق خمسون ألف ألف درهم ،
ووافى أحمد بن أبي الأصبغ يوم الخميس لسبع بقين من شوال ، وقد كان الخليفة
أنفذه ليصلح أمر يعقوب ، فانصرف من عند يعقوب ، فلما قرب من واسط
اتصل به وفاة يعقوب ، وقد كان قلد خراسان وفارس وكرمان والري وقم
وأصبهان ، وصيرت إليه الشرطتان ببغداد وسر من رأى ، على أن يوليها من
أحب ، وعلى أن يوجه ثلثّي ما يجبى من خراج البلاد التي يتولاها من جميع
الأعمال .
وتولى أخوه عمرو بن الليث مكانه باجتماع عسكر يعقوب عليه ، ووردت
كتب عمرو إلى الموفق أخي الخليفة المعتمد على اللّه بالسمع والطاعة ، وأن يتولى
ما كان أخوه يتولاه ، فأجيب إلى سؤاله ، وولاه في ذي القعدة من السنة .
١ بالكسب ، سقطت من ع .
٢ ع : ورود .
٤١٩

قلت : سياقة هذا التاريخ يدل على أن يعقوب الصفار توفي في بقية سنة
اثنتين وستين ومائتين ، لأنّه حكى الوقعة في هذه السنة ، وأن يعقوب انهزم .
ثم قال عقيب هذا : وورد الخبر بوفاة يعقوب في شوال ، ولم يذكر السنة ،
فيدل على موته في تلك السنة ، والذي أعرفه من عدة تواريخ خلاف هذا ، فإن
أبا الحسين السلامي ذكر في كتاب ((تاريخ أخبار ولاة خراسان)»، في أول
الفصل المختص بعمرو بن الليث الصفار فقال : كان سبب وفاة يعقوب بن
الليث أنّه أصابه القولنج ، فأشير عليه بالعلاج فامتنع منه واختار الموت عليه ،
فمات بجنديسابور من خوزستان يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شوال
من سنة خمس وستين ومائتين .
قال أبو الوفاء الفارسي : رأيت على قبر يعقوب بن الليث صحيفة ، وقد
كتبوا عليها :
ملكتَ خَرَاسانا وأكنافَ فارس وما كنت من ملكِ العراقِ بآيسٍ
سلامٌ على الدنيا وطيبٍ نسيمها إذا لم يكنْ يعقوبُ فيها يجالس
ورأيت بخطي في جملة ١ مسوداتي : أن يعقوب بن الليث الصفار توفي سنة
خمس وستين ومائتين بالأهواز ، وحمل تابوته إلى جنديسابور فدفن بها ،
وكتب على قبره : هذا قبر يعقوب المسكين ، وكتب بعده :
أحسنت ظنكَ بالأيام إذ حسنت ولم تَخَفْ سوء ما يأتي به القدرُ
وسالمتكَ الليالي فاغتررْت بها وعند صفوِ الليالي يحدِثُ الكدر
ورأيت بخطي أيضاً في موضع آخر أنّه توفي بجنديسابور ودفن بميدانه ،
والله أعلم ، وهو قاصد العراق في التاريخ المذكور . وكانت وفاته بعلة القولنج ،
وأخبره طبيبه أن لا دواء له إلا الحقنة ، فامتنع منها واختار الموت عليها ،
وكانت مدة علته بالقولنج والفُوَاق ستة عشر يوماً . ومدة تغلبه على سجستان
وتلك النواحي أربع عشرة سنة وشهوراً .
١ جملة : سقطت من ع .
٤٢٠