النص المفهرس

صفحات 321-340

له يزيد: ذهبت حيث أردت ؛ قول يزيد ((غض من لجامها )) يشير إلى قول
جرير :
فغضّ الطرف إنّك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلابا
فعرض له شريك بقول ابن دارة :
لا تأمينَّ فزارياً خلوت به على قَلوصك واكتبها بأسيارٍ
وكان بنو فزارة في العرب يرمون بإتيان الإبل ]١.
وأخباره ومحاسنه كثيرة مشهورة .
وقال خليفة بن خياط ٢ : قتل ابن هبيرة بواسط يوم الاثنين لثلاث عشرة
ليلة بقيت من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، رحمه الله تعالى .
وقال أبو جعفر الطبري في تاريخه : توفي الحسن بن قحطبة في سنة إحدى
وثمانين ومائة .
٨١٩
يزيد بن حاتم المهلبي
أبو خالد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي . قد سبق
ذكر بقية نسبه في ترجمة جده المهلب بن أبي صفرة ، وقد ذكرت أخاه روح
ابن حاتم في حرف الراء٣، وعم أبيه يزيد بن المهلب ، ومن ولده الوزير أبو
١ زيادة من ق والمختار لم ترد في المسودة وسائر النسخ .
٢ تاريخ خليفة : ٦٠٩ .
٨١٩ - أخباره في تاريخ الطبري وابن الأثير والرقيق وابن خلدون وأعمال الأعلام والنجوم
الزاهرة ٢ : ١ والبيان المغرب ١ : ٧٨ والخزانة ٣ : ٥١ ومرآة الجنان ١ : ٣٦١، ٣٩٦
والكندي : ١١١ وابن أبي دينار : ٤٦.
٣ جـ ٢ : ٠٣٠٥
٢١ -٦
٣٢١

محمد الحسن بن محمد المهلبي - المقدم ذكره١-؛ وهم أهل بيت كبير ، اجتمع
فيه خلق كثير من الأعيان الأمجاد النجباء .
ذكر ابن جرير الطبري في تاريخه أن الخليفة أبا جعفر المنصور عزل حميد
ابن قحطبة عن ولاية مصر ، فولاها نوفل بن الفرات ، ثم عزله وولى يزيد بن
حاتم ، وذلك في سنة ثلاث وأربعين ومائة ، ثم إن المنصور عزله عن مصر في
سنة اثنتين وخمسين ومائة ، وجعل مكانه محمد بن سعيد ؛ وقال أبو سعيد ابن
يونس في تاريخه : ولي يزيد بن حاتم مصر في سنة أربع وأربعين ومائة ، وزاد
غيره : في منتصف ذي القعدة .
ثم إن المنصور خرج إلى الشام وزيارة بيت المقدس في سنة أربع وخمسين
ومن هناك سير يزيد بن حاتم إلى إفريقية لحرب الخوارج الذين قتلوا عامله عمر
ابن حفص ، وجهز معه خمسين ألف مقاتل ، واستقر يزيد المذكور والياً بإفريقية
من يومئذ ، وكان وصوله إليها واستظهاره على الخوارج في سنة خمس وخمسين ،
ودخل مدينة القيروان في هذا التاريخ .
وكان جواداً سرياً مقصوداً ممدّحاً ، قصده جماعة من الشعراء فأحسن
جوائزهم . وكان أبو أسامة ربيعة بن ثابت الأسدي الرقي٢ّ ، وقيل إنّه من موالي
سليم ٣ ، قد قصد يزيد بن أسيد ، بضم الهمزة وفتح السين المهملة ، ابن زافر
ابن أسماء بن أسيد بن قنفذ بن جابر بن قنفذ بن مالك بن عوف بن امرىء القيس
ابن بُهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفة بن قيس عيلان بن مضر بن
نزار بن معد بن عدنان ، وهو يومئذ والٍ على أرمينية ، وكان قد وليها زماناً
طويلاً لأبي جعفر المنصور ، ثم من بعده لولده المهدي ، وكان يزيد المذكور
من أشراف قيس وشجعانهم ، ومن ذوي الآراء الصائبة ، ومدحه ربيعة المذكور
بشعر أجاد فيه ، فقصر في حقه ، ومدح يزيد بن حاتم المذكور ، فبالغ في الإحسان
إليه ، فقال ربيعة قصيدة يفضل فيها يزيد بن حاتم على يزيد بن أسيد ، وكان
١ = ٢ : ١٢٤.
٢ ترجمة ربيعة في الأغاني ١٦: ١٨٩ وطبقات ابن المعتز: ١٥٧ ونكت الهميان: ١٥١ .
٣ المختار : موالي آل سليم .
٣٢٢

في لسان يزيد بن أسيد تمتمة ، فعرَّض بذكرها في هذه الأبيات ، فقال :
حلفتُ يميناً غيرَ ذي مَثْنَوِية
لشتّانَ ما بين اليزيدين في الندى
يزيدُ سليم سالمُ المالِ ، والفتى
فهمُّ الفتى الأزديِّ إتلافُ ماله
فلا يحسبِ التمتامُ أنّ هجوته
فيا أيها الساعي الذي ليس مدركاً
سعيتَ ولم تدركْ نوالَ ابنٍ حاتمٍ
كفاك بناءَ المكرماتِ ابنُ حاتم
فيا ابن أسيدٍ لا تسامِ ابنَ حاتم
هو البحر إن كلفتَ نفسك خَوْضَه
تمنيتَ مجداً في سليمٍ سفاهةً
ألا إنّما آلُ المهلّب غُرَّةٌ
هم الأنفُ في الخرطوم والناس بعدهم
قضيتُ لكم آلَ المهلبِ بالعلا
لكم شيم ليست لخلقٍ سواكمُ
مُهينون للأموالِ فيما ينوبكم
يمينَ امرىء آل بها غيرَ آثمِ
يزيدِ سُلَيْمٍ والأغرِّ ابن حاتم
أخو الأزدِ للأموالِ غيرُ مسالم
وهمُّ الفتىِ القيسيِّ جَمْعُ الدراهم
ولكنّي فَضَّلْتُ أهل المكارم
بمَسْعاته سَعْيَ البحورِ الخضارم
لفكِ أسير واحتمالٍ العظائم
ونمتَ وما الأزديُّ عنها بنائم
فتقرعَ إن ساميته سنَّ نادم
هَالكَتَ في آذيّهِ المتلاطم
أمانيّ خالٍ أو أمانيّ حالم
وفي الحرب قاداتٌ لكم بالخزائم
مناسمُ ، والخرطومُ فوق المناسم
وتفضيلُكم حَقٌّ على كل حالم
سماحٌ وصدقُ البأسِ عند الملاحم
مناعيشُ دفّاعون عن كلّ جارم
قال دعبل بن علي الخزاعي - المقدم ذكره ١ - : قلت لمروان بن أبي حفصة
الشاعر - وقد تقدم ذكره أيضا٢ً -: يا أبا السمط ، من أشعركم جماعة المحدثين ؟
قال : أسيرنا بيتاً ، قلت : ومن هو ؟ قال : الذي يقول :
لشتّانَ ما بين اليزيدين في الندى يزيد سليمٍ والأغرِّ أبن حاتم
١ انظر ٢ : ٢٦٦؛ وفي ر : دعبل الخزاعي بن علي الشاعر .
٢ = ٥ : ١٨٩ ٠
٣٢٣

وكنت قد ذكرت بعض هذه الأبيات في ترجمة أخيه روح بن حاتم ١ ،
ثم إنّي ظفرت بها أكمل من تلك فأحببت أن أفرد له ترجمة وأذكر ما جرى له ،
لأن مثله لا يصلح لأن يكون ضميمة في ترجمة أخيه .
وكان ربيعة بن ثابت الرقي قد قصده قبل هذه المرة ، فلم ير منه من الإحسان
ما كان يرجوه ، فنظم أبياتاً من جملتها :
أراني ولا كفرانَ اللّه راجعاً بخفَيْ حنينٍ من نوالِ ابنِ حاتمٍ
ولما عقد أبو جعفر المنصور ليزيد المهلبي المذكور على بلاد إفريقية وليزيد
السلمي المذكور على ديار مصر خرجاً معاً ، فكان يزيد المهلبي يقوم بكفاية
الجيشين فقال ربيعة الرقي المذكور :
سميّك لا يجود كما تجودُ
يزيدَ الخيرِ ، إن يزيدَ قومي
فَتَرْزُقُ مَنْ تقود ومن يقودُ
تقودُ كتيبةً ويقودُ أُخرى
قلت : وهذا يدل على أن ربيعة المذكور مولى بني سليم لقوله: ((يزيد
قومي))، والله أعلم .
وقدم أشعب المشهور بالطمع على يزيد وهو بمصر ، فجلس في مجلسه ، ودعا
بغلامه فسارَّه، فقام أشعب فقبل يده ، فقال له يزيد: لم فعلت هذا؟ فقال : إنّ
رأيتك تسارّ غلامك فظننت أنك قد أمرتَ لي بشيء ، فضحك منه وقال : ما
فعلت هذا ولكنني أفعل ، ووصله وأحسن إليه .
وقال الطرطوشي في كتاب (( سراج الملوك)) ٢ قال سحنون بن سعيد : كان
يزيد بن حاتم حكيماً يقول: والله ما هبت شيئاً قط هيبي لرجل ظلمته وأنا أعلم
أنّه لا ناصر له إلا اللّه تعالى، فيقول : حسبك الله، الله بيني وبينك.
وذكر أبو سعد السمعاني في كتاب ((الأنساب)) أن المشهّر التميمي الشاعر
وفد على يزيد بن حاتم بإفريقية فأنشده :
١ انظر ٢ : ٣٠٦، وكنا أفردنا يزيد هنالك برقم من أرقام التراجم العارضة، ولكن ها هو
المؤلف قد عاد عن خطته وأفرد له هذه الترجمة أصالة .
٢ سراج الملوك : ٢٥٨ .
٣٢٤

إليك قَصَرْنا النصفَ من صلواتنا مسيرةً شهر ثم شهرٍ نواصِلُهْ
فلا نحن نخشى أن يخيبَ رجاؤنا لديك، ولكن أهنأُ البرِّ عاجله
فأمر يزيد بوضع العطاء في جنده وكان معه خمسون ألف مرتزق ، فقال :
من أحب أن يسرني فليضع لزائري هذا من عطائه درهمين ، فاجتمع له مائة
ألف درهم ، وضم يزيد إلى ذلك مائة ألف درهم أخرى ودفعها إليه .
قلت : ثم وجدت البيتين المذكورين لمروان بن أبي حفصة ، والله أعلم .
وقد ذكره الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
فقال بعد ذكر أحواله وولاياته : إن يزيد بن حاتم قال لجلسائه : استنقوا لي
ثلاثة أبيات ، فقال صفوان بن صفوان من بني الحارث بن الخزرج : أفيك ؟
فقال : فيمن شئتم ، فكأنّها كانت في كمه :
لم أدرِ ما الجودُ إلا ما سمعتُ به حتى لقيتُ يزيداً عصمةَ الناسِ
مفضلاً برداءِ الجودِ والباس
لقيتُ أجودّ من يمشي على قدم.
وكنت أولى به :
لو نيل بالجود مجدٌ ١ كنتَ صاحبه
ثم كففت، فقال: أتمم ، من آل عباس ، فقلت : لا يصلح ، فقال : لا يسمعن
هذا منك أحد .
وقال يموت بن المزرّع : قال لي الأصمعي ٢ يوماً، وقد جئته مسلماً إلى
أن ذكر الشعراء المحسنين المداحين ٣ من المولدين ، فقال لي : يا أبا عثمان،
ابن المولى من المحسنين المداحين ٣ ، ولقد أسهرني في ليلتي هذه حسنُ مديحه
يزيدَ بن حاتم حيث يقول :
فسواك بائعها وأنت المشتري
وإذا تُباع كريمة أو تشترى
سبقت مَخيلته يدَ المستمطر
وإذا تُخُيِّلُ من سحابك لا معٌ
١ في ق والمسودة : لو نيل بالمجد جود ؛ ولعله مهو .
٢ هذا مستبعد لبعد ما بين وفاة الأصمعي (حوالي ٢١٠) ووفاة يموت (٣٠٤).
٣ ر : من المادحين .
٣٢٥

وإذا صنعتَ صنيعةً أتممتها بيدين ليس نداهما بمكدّر
عَدُّوك في أبطالهمْ بالخنصر
وإذا الفوارسُ عدّدَتْ أبطالُها
ولما قدم عليه ابن المولى المذكور أنشده وهو أمير مصر ١ :
أضحى وليس له نظيرُ
يا واحدَ العربِ الذي
لو كان مثلك آخرٌ ما كان في الدنيا فقيرُ
فدعا يزيد بخازنه وقال : كم في بيت مالي ؟ قال : فيه من العين والورق ما
مبلغه عشرون ألف دينار ، فقال : ادفعها إليه ، ثم قال : يا أخي ، المعذرةُ
إلى الله تعالى وإليك، والله لو أن في ملكي غيرها لما ادخرتها عنك؛ وهذا ابن
المولى هو أبو عبد الله محمد بن مسلم، وعرف بابن المولى ٢ .
وروى الأصمعي أيضاً أن يزيد لما كان بأفريقية جاءه البشير يخبره أنه ولد له
مولود بالبصرة ، فقال : قد سميته المغيرة ، وكان عنده المشهّر التميمي فقال :
بارك الله لك أيها الأمير فيه وبارك له في بنيه كما بارك لجده في أبيه .
ولم يزل يزيد والياً بأفريقية إلى أن توفي بها يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة
بقيت من شهر رمضان سنة سبعين ومائة بالقيروان ، ودفن بباب سَلْم ،
واستخلف على إفريقية ولده داود بن يزيد فعزله هارون الرشيد في سنة اثنتين
وسبعين ومائة ، وولاها عمه روح بن حاتم - المقدم ذكره - .
١ وهو أمير مصر: سقطت من س؛ وفي ع: ولما قدم عليه أمير مصر ابن المولى ... الخ :
وهذا مضطرب .
٢ هو محمد بن عبد الله بن مسلم، شاعر أنصاري عفيف، عاش في عهد الدولة الأموية وأسن
وأدرك الدولة العباسية ( انظر معجم المرزباني : ٣٤٢ والأغاني ٣: ٢٨٠ والمرزوقي : ١٧٦١).
٣٢٦

٨٢٠
يزيد بن مزيد الشيباني
أبو خالد وأبو الزبير ، يزيد بن مَزْيّد بن زائدة ، وهو ابن أخي مَعْن
ابن زائدة الشيباني - المقدم ذكره - ، وقد استوفيت ذكر نسبه هناك فلا حاجة
إلى إعادته هاهنا .
كان يزيد المذكور من الأمراء المشهورين والشجعان المعروفين ؛ كان
والياً بأرمينية فعزله عنها هارون الرشيد سنة اثنتين وسبعين ومائة ، ثم ولاه إياها
وضم إليها أذربيجان في سنة ثلاث وثمانين .
وقد سبق طرف من خبره في ترجمة الوليد بن طريف الشيباني الخارجي
فإنّه الذي تولى محاربته وقتله : ذكر أرباب التاريخ أن الوليد بن طريف
الشيباني لما خرج على هارون الرشيد ببلاد الجزيرة ، وهي فيما بين الفرات وشط
الموصل ، وذلك في سنة ثمان وسبعين ومائة ، وكثر جمعه من الشراة حتى
انتشروا في تلك البلاد ، ونهض إليهم عامل ديار ربيعة فقتلوه ، وصاروا إلى
ديار مضر ، فحصّروا عبد الملك بن صالح بن علي العباسي بالرقة ، فاستشار
هارون الرشيد يحيى بن خالد البرمكي فيمن يوجهه لحرب الوليد بن طريف ،
فقال له يحيى بن خالد البرمكي : وجه موسى بن حازم التميمي ، فإن فرعون
كان اسمه الوليد فغرقه موسى عليه السلام ، فوجهه إليه الرشيد في جيش كثيف ،
فلاقاه الوليد في أصحابه فهزمه الوليد وقتله ، فلما بلغ الرشيد ذلك وجه إليه
مَعْمَر بن عيسى العَبْديّ ، فكانت بينهما عدة وقائع بناحية دارا من ديار
ربيعة ، فلما اتصل ذلك وكثرت جموع الوليد وظهر هذا الظهورَ العظيم ،
قال الرشيد : ليس لها إلا الأعرابي يزيد بن مزيد الشيباني ، فقال بكر بن النطاح
الشاعر ١ :
٨٢٠ - ألف عبد الجبار الجومرد في سيرته وأخباره كتاباً ، وفيه ذكر للمصادر الهامة .
١ ترجمة بكر بن النطاح في الأغاني ١٩ : ٣٥ وطبقات ابن المعتز : ٢١٧ وتاريخ بغداد ٧ : ٩٠ .
٣٢٧

لا تبعثُنَّ إلى ربيعةَ غيرَها إن الحديدَ بغيره لا يُفْلَحُ
فوجه الرشيد إليه يزيد المذكور في عسكر ضخم وأمره بمناجزته . فقصده
يزيد وجعل الوليد يراوغه ويزيد يتبعه ، وكان الوليد ذا مكر ودهاء . ثم
كانت بينهما حربٌ صعبة ، وبلغ الرشيد مماطلة يزيد بن مزيد له ، فوجه إليه
خيلاً بعد خيل ، ثم بعث إليه من يُعَنّفُه ، فسار يزيد في طلبه ، ثم نزل يصلي
الصبح ، فلم يستتم صلاته حتى طلع الوليد عليه في عسكره . واصطفت الخيلان
وتزاحف الناس ؛ فلما شبت الحرب ناداه يزيد : يا وليد ، ما حاجتك إلى
التستر بالرجال ؟ ابرز إليَّ، قال : نعم واللّه ، فبرز الوليد وبرز إليه يزيد ،
ووقف العسكران فلم يتحرك منهما أحد ، فتطاردا ساعة، وكل واحد منهما
لا يقدر على صاحبه ، حتى مضت ساعات من النهار ، فأمكنت يزيدَ فيه الفرصة
فضرب رجله فسقط ، وصاح ١ بخيله فسقطوا عليه واحتزوا رأسه .
ذكر أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن القَرَّاب ٢ الهروي في
تاريخه أن الوليد بن طريف قتله يزيد بن مزيد بالحديثة من أرض الجزيرة قلت :
وهذه الجزيرة هي الجزيرة الفراتية ، والحديثة بالقرب من عانة ، وتعرف بحديثة
النورة ، وهي على فراسخ من الأنبار ، وهي غير حديثة الموصل .
ووجه یزید برأس الوليد إلى الرشيد، وبکتاب الفتح مع ابنه أسد بن یزید،
وفي ذلك يقول أبو الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر المشهور ، وكان
منقطعاً إلى يزيد ومختصاً به ٣ :
يمضي فيخترقُ الأجسامَ والهاما
سَلَّ الخليفة سيفاً من بني مطرٍ
عاش الوليدُ مع العامين أعواما
لولا يزيدُ ومقدارٌ له سببٌ
أبقوا من المجد أياماً وأياما
أكرِمْ به وبآباءٍ له سلفوا
١ ع : فصاح .
٢ ق ع ر: الفرات، وأثبتنا ما في المسودة؛ وسقط النص من س؛ وكتابه المشار إليه هو ((تاريخ
وفيات العلماء )» (انظر الأعلام للزركلي ١ : ٢٨٥).
٣ ديوان مسلم : ٦٣ .
٣٢٨

,٠
ولما انصرف يزيد إلى باب الرشيد قدّمه ورفع مرتبته وقال له : يا يزيد ،
ما أكثر أمراء المؤمنين ١ في قومك ؟ قال : نعم ، إلا أن منابرهم الجذوع ، يعني
الجذوع التي يصلبون عليها إذا قتلوا .
وكان قتل الوليد في سنة تسع وسبعين ومائة - كما سبق ذكره في ترجمته-
ورثته أخته بتلك الأبيات الفائية المذكورة هناك ، وقالت أخته الفارعة فيه
أيضاً :
يا بني وائلٍ لقد فجعتكمْ من يزيدٍ سيوفُه بالوليد
لو سُيُوفٌ سوى سيوف يزيد قاتلته لاقتْ خلافَ السعود
لا يفلُّ الحديدَ غيرُ الحديد
وائل" بعضها يُقَتِّلُ بعضاً
وقد روي أن هارون الرشيد لما جهز يزيد بن مَزْيد إلى حرب الوليد بن
طريف أعطاه ذا الفقار ٢ سيف النبي ٣ صلى الله عليه وسلم ، وقال له : خذه
يا يزيد فإنّك سَتُنْصَر به ، فأخذه ومضى ، وكان من هزيمة الوليد وقتله ما قد
شرحناه . وفي ذلك يقول مسلم بن الوليد الأنصاري من جملة قصيدة يمدح
بها يزيد بن مزيد المذكور :
أذكرتَ سيفَ رسول الله سنته وبأسَ أوَّل مَنْ صلى ومن صاما
يعني بأس علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه إذ كان هو الضارب به .
وقد ذكر هشام بن الكلبي في كتاب (( جمهرة النسب )) شيئاً يتعلق بذي"
الفقار ، وهي فائدة يحسن ذكرها هاهنا ، فإنّه قال في نسب قريش : منبَّه
ونُبَيْه ابنا الحجاج بن عامر بن حُذَيْفة بن سعد بن سَهْم القرشي ، كانا
سيدي بني سهم في الجاهلية قتلا يوم بدر كافرين ، وكانا من المطعمين ، والعاض
ابن نبيه قتل مع أبيه ، وكان له ذو الفقار ، قتله علي بن أبي طالب رضي الله
١ ر : المسلمين .
٢ وضع في المسودة كسرة وفتحة فوق الفاء وكتب فوقها: ((معاً)).
٣ المختار : رسول الله .
٣٢٩
وبه.

عنه يوم بدر وأخذه منه ؛ وقال غير [ ابن ] الكلبي : إن ذا الفقار أعطاه النبي
صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه.
والفقار : بفتح الفاء ، جمع فَقارة الظهر ، يقال في جمعها فَقار ،
وفَقارات ، ويقال ذو الفقار ، بكسر الفاء أيضاً ، والفقار : جمع فقرة ،
بكسر الفاء وسكون القاف ، ولم يأت مثله في الجموع إلا قولهم إبرة وإبار .
رجعنا إلى حديث ذي الفقار :
وكان سبب وصوله إلى هارون الرشيد فيما ذكره أبو جعفر الطبري ١ بإسناد
متصل إلى عمر ٢ بن المتوكل [عن أمه] وكانت أمه تخدم فاطمة بنت الحسين بن
علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما ، قالت : كان ذو الفقار مع محمد بن عبد الله
ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم قتل في محاربته الجيش
أبي جعفر المنصور العباسي ، والواقعة مشهورة ، فلما أحس محمد بالموت دفع
ذا الفقار إلى رجل من التجار كان معه ، وكان له عليه أربعمائة دينار ، وقال له :
خذ هذا السيف فإنّك لا تلقى أحداً من آل أبي طالب إلا أخذه منك وأعطاك
حقك ، فكان السيف عند ذلك التاجر حتى ولي جعفر بن سليمان بن علي بن عبد
الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه اليمن والمدينة ، فأخبر عنه ، فدعا
بالرجل فأخذ منه السيف وأعطاه أربعمائة دينار ، فلم يزل عنده حتى قام المهدي
ابن المنصور ، واتصل خبره به فأخذه ، ثم صار إلى موسى الهادي ثم إلى أخيه
هارون الرشيد . وقال الأصمعي : رأيت الرشيد بطوس متقلداً سيفاً ، فقال :
يا أصمعي ، ألا أريك ذا الفقار ؟ قلت : بلى جعلني الله فداك ، فقال : استل ٣
سيفي هذا ، فاستللته ، فرأيت فيه ثماني عشرة فقارة .
١ تاريخ الطبري ١٠ : ٢٤٧ .
٢ الطبري : عمرو ، وفي بعض أصوله : عمر .
٣ ر : سل .
٣٣٠

قلت : خرجنا عن المقصود ، فلنرجع إلى تتمة حديث يزيد بن مزيد :
ذكر الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي في ((تاريخ بغداد١))
أن يزيد المذكور دخل على الرشيد ، فقال له الرشيد : يا يزيد ، من الذي يقول
فيك :
ولا يمسّحُ عينيه من الكُحُلِ
لا يُعْبِقُ الطيبَ كَفَّهِ ومَفْرِقِه
فهن يتبعنه في كلّ مُرْتحل
قدٍ عَوَّدَ الطيرَ عاداتٍ وثقن بها
فقال : لا أدري يا أمير المؤمنين ، قال : أفيقال فيك مثل هذا الشعر ولا
تعرف قائله ؟ فانصرف خجلاً ، فقال لحاجبه من بالباب من الشعراء ؟ فقال :
مسلم بن الوليد الأنصاري ، قال : ومنذ كم هو مقيم بالباب ؟ قال : منذ
زمان طويل منعته من الوصول إليك لما عرفته من إضاقتك ، قال: أدْخلْه٢ُ
فأدْخَلَه ، فأنشده هذه القصيدة حتى ختمها ، فقال للوكيل : بع ضيعتي الفلانية
وأعطه نصف ثمنها واحتبس نصفاً لنفقتنا ، فباعها بمائة ألف درهم ، فأعطى
مسلماً خمسين ألفاً . ورفع الخبر إلى الرشيد فاستحضر يزيد وسأله عن الخبر ،
فأعلمه الحديث ، فقال : قد أمرت لك بمائتي ألف درهم لتسترجع الضيعة
بمائة ألف درهم وتزيد الشاعر خمسين ألفاً وتحبس خمسين ألفاً لنفسك .
قال أبو بكر ابن الأنباري ، قال أبي : سرق مسلم بن الوليد هذا المعنى من
قول النابغة الذبياني حيث يقول ٣ :
عصائبُ طير تهتدي بعصائبٍ
إذا ما غزوا بالجيش حلَّقَ فوقهم
من الضاريات بالدماء الدوارب
يصاحبنهم حتى يُغِرْنَ مُغارهم
إذا ما التقى الجمعان أولُ غالب
جوانحَ قد أيقنَّ أن قبيله
إذا عُرِض الخطيّ فوق الكوائب
لهنَّ عليهمْ عادةٌ قد عرفتها
١ تاريخ بغداد ١٤ : ٣٣٤ .
٢. المختار : فأدخله .
٣ ديوان النابغة : ٥٧ وما بعدها .
٣٣١

الكوائب : بالثاء المثلثة وبعدها الباء الموحدة ، جمع كائبة ، وهي ما يقرب
من منسج الفرس أمام قَرَبوس السرج .
قلت : وأول قصيدة مسلم بن الوليد الأنصاري١ :
أُجررْتُ حَبْلَ خليعٍ في الصبا غزل وقَصّرَتْ همم العُذّالِ عن عذلي
ومن مديحها ٢ :
أقام قائمُهُ مَن كان ذا مَيَلٍ
حاط الخلافةَ سيفٌ من بني مطر
لولا يزيدُ بني شيبانَ لم يَصُل
كم صائلٍ في ذُرا علياءٍ مملكة
ما افترتِ الحربُ عن أنيابها العُصُل
إذا تغيَّرَ وجهُ الفارسِ البطل
كالموت مستعجلاً يأتي على مهل
كالبيت يُضْحي إليه مُلتقى السُّبُل
ويجعلُ الهامَ تيجانَ القنا الذُّبُل
شوارعاً تتحدّى الناسَ بالأجل
عبّاً لها الموتَ بين البيض والأسل
نابُ الإمام الذي يفترُّ عنه إذاً
يفترُّ عند افترار الحرب مبتسماً
ينال بالرفقِ ما يعيا الرجالُ به
لا يرحلُ الناسُ إلا عند حجرته
يكسو السيوفَ نفوسَ الناكِثِينَ به
يغدو فتغدو المنايا في أسنّته
إذا طغتْ فئةٌ عن عَبِّ طاعتِهِ
تراه في الأمنِ في درعٍ مضاعفةٍ لا يأمن الدهْرَ أن يُدعى على عجل
وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب ((الأغاني)) ٣ في ترجمة مسلم بن
الوليد الأنصاري ، قال يزيد بن مزيد : أرسل إليَّ الرشيد يوماً في وقت لا يرسل
فيه إلى مثلي ، فأتيته لابساً سلاحي مستعداً لأمرٍ ؛ إن أراده ، فلما رآني ضحك
إلي وقال : من الذي يقول فيك :
١ ديوان مسلم : ( القصيدة الأولى) .
٢ ومن مديحها : سقطت من س ع ق ؛ ر : ومن مدائحها .
٣ الأغاني ١٨ : ٣١٨.
٤ ر : لأمره .
٣٣٢

تراه في الأمن في درع مضاعفة لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل
وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل
اللّه من هاشم في أرضه جَبَلٌ
فقلت : لا أعرفه يا أمير المؤمنين ، فقال : سوأةً لك من سيد قوم يُمْدَحُ
بمثل هذا الشعر ولا يعرف قائله ، وقد بلغ أمير المؤمنين فرواه ووصل قائله ،
هو مسلم بن الوليد ، فانصرفت ودعوت به ووصلته وولّيته .
قلت : وهذان البيتان من جملة القصيدة التي ذكرت منها الأبيات التي قبلها .
وقد رُوِيَ أن عمه مَعْنَ بن زائدة كان يقدمه على أولاده ، فعاتبته امرأته
في ذلك وقالت له : كم تقدم يزيد ابن أخيك وتؤخر بنيك ، ولو قدمتهم لتقدموا
ولو رفعتهم لارتفعوا ، فقال لها : إن يزيد قريب مني وله عليَّ حق الولد إذ
كنت عمه ، وبعد فإن بيّ ألوط بقلبي وأدنى من نفسي ، ولكني لا أجد عندهم
من الغناء ما عنده ، ولو كان ما يضطلع به يزيد في بعيد لصار قريباً أو عدو
لصار حبيباً ، وسأريك في هذه الليلة ما تبسطين به عذري ، يا غلام اذهب
فادعُ جساساً وزائدة وعبد اللّه وفلاناً وفلاناً ، حتى أتى على جميع أولاده ،
فلم يلبثوا أن جاءوا في الغلائل المطيبة والنعال السنديّة ، وذلك بعد هَدْأة من
الليل ، فسلموا وجلسوا ، ثم قال معن : يا غلام ادع يزيد ، فلم يلبث أن دخل
عجلاً وعليه سلاحه ، فوضع رمحه بباب المجلس ثم دخل ، فقال له معن : ما هذه
الهيئة يا أبا الزبير ؟ فقال : جاءني رسول الأمير فسبق وهمي إلى أنّه يريدني لمهمّ،
فلبست سلاحي وقلت : إن كان الأمر كذلك مضيت ولم أعرج، وإن كان على
غير ذلك فنزع هذه الآلة عني من أيسر شيء ، فقال معن : انصرفوا في حفظ
اللّه، فلما خرجوا قالت زوجته : قد تبين لي عذرك ، فأنشد متمثلاً :
نفسُ عصامٍ سَوَّدَتْ عصاما وعلمته الكرَّ والأقداما
وصَيَّرَتْهُ ملكاً هماما
وإلى هذه الحالة أشار مسلم بن الوليد بقوله :
٠٠٠
تراه في الأمن في درع مضاعفة ١
١ أكمل البيت في ر .
٣٣٣
:

وقد روي أن مسلم بن الوليد لما انتهى في إنشاد هذه القصيدة إلى هذا البيت
قال له يزيد بن مزيد الممدوح : هلا قلت كما قال أعشى بكر بن وائل في
مدیح قيس بن معدي كرب :
شهباءُ تجتنبُ الكماةُ نزالها
وإذا تجيءُ كتيبةٌ ملمومة
بالسيفِ تضربُ معلماً أبطالها
كنت المقدَّمَ غيرَ لا بسِ جُنّة
فقال مسلم : قولي أحسن من قوله ، لأنّه وصفه بالخرق وأنا وصفتك
بالحزم١.
الخُرْق: بضم الخاء المعجمة وسكون الراء وبعدها قاف ، وهو الاسم من
عدم معرفة العمل .
قلت : وقيس الذي مدحه الأعشى هو والد الأشعث بن قيس الكندي أحد
الصحابة رضوان الله عليهم.
قلت : وقد تقدم الكلام على قوله :
قد عود الطير عادات و ثقن بها
وأنّه أخذ هذا المعنى من أبيات النابغة البائية التي تقدم ذكرها ، وقد وافقه
في أخذ هذا المعنى جماعة منهم أبو نواس ، قال عمر الوراق : سمعت أبا نواس
ينشد قصيدته الرائية التي أولها ٢ :
أيّها المنتابُ من عُفُره لستَ من ليلي ولا سمره
لا أذودُ الطيرَ عن شجرٍ قد بلوتُ المرَّ من ثمره
فحسدته عليها ، فلما بلغ إلى قوله :
وإذا مجَّ القنا علقاً وتراءى الموت في صُوَرَه
راح في ثِنْيَيْ مُفاضته أسدٌ يدمى شبا ظفره
١ تروى حكاية مشابهة جرت بين كثير وعبد الملك بن مروان .
٢ ديوان أبي نواس : ٦٦ .
٣٣٤

تتأيَّ الطيرُ غَدوته ثقةً بالشّبع من جَزّره
قلت له : ما تركت للنابغة شيئاً حيث يقول :
إذا ما غزوا بالجيش حلّقَ فوقهم عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائبٍ
فقال : اسكت ، فلئن أحْسَنَ الاختراع لما أسأتُ الاتباع .
وأخذ هذا المعنى أبو تمام حبيب بن أوس الطائي فقال ١ :
بعقبانٍ طيرٍ في الدماء نواهلٍ
وقد ظُلِّلْت عِقْبانُ أعلامه ضحى
أقامتْ على الرايات حتى كأنّها من الجيشِ إلا أنها لم تقاتلٍ
وقال المتنبي أيضاً ٢ :
يطمُّعُ الطيرَ فيهم طولُ أكلهمُ حتى تكادَ على أحيائهم تقعُ
وللمتنبي أيضاً في صفة جيش وقد ألم بهذا المعنى ٣ :
وذي لجَب لا ذو الجناحِ أمامه بناجٍ ولا الوحشُ المثارُ بسالمٍ
تمرُّ عليه الشمسُ وهي ضعيفةٌ تطالعه من بين ريشِ القشاعم
تدوَّرَ فوق البَيْضِ مثلَ الدراهم
إذا ضوءها لاقى من الطیر فُرْجَةً
ولمّا كان يزيد والياً على اليمن قصده أبو الشمقمق مروان بن محمد - مولى
مروان بن محمد الجعدي آخر ملوك بني أمية - الشاعر المشهور الكوفي، وكنيته
أبو محمد ، وكان مشهوراً بأبي الشمقمق، وهو في حال رثة ، وكان راجلاً،
فمدحه وشرح حاله بقوله ٤ :
رحل المطيَّ إليك طلابُ الندى ورحلتُ نحوك ناقةً نَعْلَيَّهْ
١ ديوان أبي تمام ٣ : ٨٢ ٠
٢ ديوانه : ٣٠٣ .
٣ ديوانه : ١٩٧ .
٤ تاريخ بغداد ١٤ : ٣٣٦.
٣٣٥

فجعلتها لي في السفار مطيه
إذا لم تكنْ لي يا يزيدُ مطيةٌ
في السير تترك خلفها المَهْريه
تَخْدي أمام العملاتِ وتغتلي
قَطْعاً لكلِّ تَنوفةٍ دويه
من كلّ طاوية الصَوَى مُزْوَرَّةٍ
ومنها :
تنتاب أكرمَ وائل في بيتها حسباً وقبةُ مجدها مبنيه
فَرَّاجَ كلِّ شديدة محشيه
أعني يزيداً سيفَ آلٍ محمد
خضِلٌ ويومُ دمٍ وخطف منيه
يوماه يومٌ للمواهب والجدا
ولقد أتيتك واثقاً بك عالماً أن لستَ تسمع مدحة بنَسِيَّه
فقال : صدقت يا شمقمقيّ ولست أقبل مدحة بنسيئة ، أعطوه ألف دينار .
ومدحه أبو الفضل منصور بن سلمة النمري الشاعر المشهور ١ بقصيدة طويلة
بائية أحسن فيها كل الإحسان منها قوله :
لو لم يكنْ لبني شيبانَ من حَسَبٍ سوى يزيدَ لفاتوا الناسَ بالحسبِ
للذمِّ لكنه يأتي على النشب
ما أعرفَ الناسَ أن الجودَ مَدْفَعَةٌ
وذكر أبو العباس المبرد في كتاب ((الكامل)) ٢ أن يزيد بن مزيد المذكور
نظر إلى رجل ذي لحية عظيمة وقد تلففت على صدره ، وإذا هو خاضب ،
فقال له : إنّك من لحيتك في مؤنة ، فقال : أجل ولذلك أقول :
لها درهمٌ للدهن في كلّ ليلةٍ ٣ وآخرُ للحناء يبتدرانِ
ولولا نوالٌ من يزيد بن مزيد لصوّت في حافاتها الجلَمانِ
قلت ، الجلمان : بفتح الجيم واللام ، تثنية جَلَم ، وهو المقص .
١ ترجمته في طبقات ابن المعتز: ٢٤٢ والشعر والشعراء: ٧٣٦ والأغاني ١٣: ١٤٠ وتاريخ
بغداد ١٣ : ٦٥ .
٢ الكامل ٢ : ١٢٨ .
٣ الكامل : في كل جمعة .
٣٣٦

وقال له هارون الرشيد يوماً : يا يزيد ، إنّ قد أعددتك الأمر كبير ،
فقال: يا أمير المؤمنين، إن اللّه تعالى قد أعدَّ لك مني قلباً معقوداً بنصيحتك، ويداً
مبسوطة لطاعتك ١ ، وسيفاً مشحوذاً على عدوّك، فإذا شئت فقل. وذكر
المسعودي في كتاب ((مروج الذهب ومعادن الجوهر)) ٢ أن هذه المقالة دارت
بين هارون الرشيد ومعن بن زائدة عم يزيد المذكور ، ثم قال بعد هذا : وقيل
إن هذا الكلام من کلام یزید بن مزید .
قلت أنا : وهذا لا يمكن أن يكون بين الرشيد ومعن أصلاً ، لأن معناً
قتل في خلافة أبي جعفر المنصور - حسبما تقدم ذكره في ترجمته - على
الاختلاف في السّنة ، وهو بعد الخمسين ومائة ، فكيف يمكن أن يقول له
الرشيد ذلك والرشيد ولي الخلافة في سنة سبعين ومائة ؟
وذكر ابنُ أبي عون ٣ في كتاب ((الأجوبة المسكتة)) أن الرشيد قال ليزيد
المذكور في لعب الصوالحة : كن مع عيسى بن جعفر ، فأبى يزيد فغضب الرشيد
وقال : تأنف أن تكون معه ؟ فقال : قد حلفت لأمير المؤمنين أن لا أكون عليه
في جد ولا هزل .
ورأيت في بعض المجاميع حكاية عن بعضهم أنّه قال : كنت مع يزيد بن
مزيد ، فإذا صائح في الليل : يا يزيد بن مزيد ، فقال يزيد : عليّ بهذا الصائح ،
فلما جيء به قال له : ما حملك على أن٤ ناديت بهذا الاسم ؟ فقال : نفقت
داببي ونفدت نفقتي ، وسمعت قول الشاعر فتيمنت به ، فقال : وما قال
الشاعر ؟ فأنشد :
إذا قيل من للمجد والجود والندى فنادٍ بصوتٍ يا يزيدُ بنَ مزيد
فلما سمع يزيد مقالته هش له وقال له : أتعرف يزيد بن مزيد ؟ قال : لا
واللّه ، قال : أنا هو ، وأمر له بفرسٍ أبلق ° كان معجباً به وبمائة دينار .
١ المختار : بطاعتك .
٢ المروج ٣ : ٣٦٠.
٣ في المسودة : ابن عون .
٤ أن : سقطت من المسودة .
٥ أبلق : سقطت من المختار .
٢٢ - ٦
٣٣٧

وقد أطلنا القول في هذه الترجمة ، لكن الكلام شجون يتعلق بعضه ببعض ،
ومحاسن يزيد كثيرة ؛ وتوفي في سنة خمس وثمانين ومائة، ورثاه أبو محمد عبد الله
ابن أيوب التيمي الشاعر المشهور، وقيل بل هذه المرئية لأبي الوليد مسلم بن الوليد
الأنصاري الشاعر المذكور ، والصحيح أنها للتيمي المذكور ، وهي١ :
أحقاً أنّه أودى يزيدُ تبيّنْ أيها الناعي المُشيدُ
به شفتاك ؟ كان بها الصعيد
أتدري مننعیتَ و کیف فاهت
فما للأرض ويحكَ لا تميد
أحامي المجدِ والإسلام أودى
دعائمه وهل شاب الوليد
تأملْ هل ترى الإسلامَ مالت
وهل شِيمَتْ سيوفُ بني نزار
وهل تسقي البلادَ ثِقالُ مزن
أمّا هُدَّتْ لمصرعه نزارٌ
وحل ضريحَهُ إذا حلَّ فيه
أما والله ما تنفكّ عيني
وإن تجمدْ دموعُ لئيم قوم
أبعد يزيد تختزن البواكي
لتبكك قُبّةُ الإسلام لما
ویبکي شاعر لم يبقِ دهرٌ
وهل وُضِعَتْ عنِ الخيل اللبود
بدرتها وهل يخضرُّ عود
بلى ، وتقوَّض المجد المَشيد
طريفُ المجد والحسبُ التليد
عليكَ بدمعها أبداً تجود
فليس لدمع ذي حسب جمود
دموعاً أو يصانُ لها خدود
وهت أطنابها ووهى العمود
له نشباً وقد كسد القصيد
فريسٌ للمنية أو طريد
ءُ
فإن يهلكْ يزيدُ فكلُّ حيّ
يومك لا يعود
مثل
علیھا
لقد عزَّى ربيعةَ أن يوماً
· قلت : وهذا البيت الأخير قد استعمله الشعراء كثيراً ، فمن ذلك قول مُطيع
ابن إياس يرثي يحيى بن زياد الحارثي من جملة أبيات :
فاذهبْ بمن شئتَ إذ ذهبتَ به ما بعد يحيى في الرزءِ منْ ألم
١ ترجمته والقصيدة في الأغاني ١٨ : ٣٢٣.
٣٣٨

وقول أبي نواس يرثي الأمين ١ :
وكنت عليه أحذرُ الموتُ وحده فلم يبقَ لي شيءٌ عليه أُحاذرُ
وقول إبراهيم بن العباس الصولي يرثي ابنه :
تبكي عليك وناظرُ
أنت السوادُ لمقلة
فعليك. كنتُ أحاذرُ
من شاء بعدك فليمت
وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب ((الأغاني))٢ في ترجمة مسلم بن الوليد
بإسناد متصل إلى أحمد بن أبي سعد ٣ قال: أُهْدِيَتْ إلى يزيد بن مزيد جارية
وهو يأكل ، فلما رفع يده من الطعام وطئها فلم يُنْزَلْ عنها إلا ميتاً ، وهو
ببرْدَعَةَ ، فدفن في مقابر بردعة ، وكان مسلم بن الوليد معه في جملة أصحابه
فقال يرثيه :
خطراً تقاصَرُ دونه الأخطارُ
قبرٌ ببردعةَ استسرَّ ضريحُه
حزناً لعمرُ اللّه ليس يَعار
أبقى الزمانُ على ربيعةَ بعده
حتى إذا سبق الردى بك حاروا
سلكت بك العَرَبُ السبيل إلى العلا
واسترجعتْ زوّارها الأمصار
نَفَضَتْ بك الأحلاسَ آمالُ الغنى
أثنى عليها السهل والأوعار
فاذهبْ كما ذهبت غوادي مزنةٍ
قد قيل إن هذا البيت الأخير أبلغ شيء قيل في المرائي ، وهذه الأبيات في
كتاب (( الحماسة)) ٤ في باب المراثي .
وبَرْدعة : بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وبعدها دال مهملة ثم عين
مهملة ، وهي مدينة من أقصى بلاد أذر بيجان . قلت : هكذا رأيته في التواريخ ،
١ زاد في المختار : ابن هارون الرشيد .
٢ الأغاني ١٨ : ٣٢٥ - ٣٢٦.
٣ ع ق : سعيد .
٤ زاد في المختار : لأبي تمام الطائي؛ وانظر شرح المرزوقي : ٣٢٤.
٣٣٩

وأهل تلك البلاد يقولون بردعة من إقليم إرّان ، والله أعلم ؛ ويقال برذعة
أيضاً ، بالذال المعجمة ، وكذلك بردعة الدابة يقال بالدال والذال ١ .
وقد قيل إن مسلم بن الوليد إنما رئی بهذه الأبيات يزيد بن أحمد السلمي ،
وقيل بل رثى بها مالك بن علي الخزاعي ، وإن أول الأبيات :
قبر بحُلْوان استسرَّ ضريحه
لأن الذي قيلت فيه مات بحُلْوان ، بضم الجاء المهملة ، وهي آخر مدينة
بأرض السواد من أعمال العراق ، والله أعلم بالصواب في ذلك كله .
وذكر أبو عبيد اللّه المرزباني في كتاب ((معجم الشعراء)» أن أبا البَلْهاءِ ٢
عمير بن عامر مولى يزيد بن مزيد الشيباني هو القائل :
يومَ البقيع حوادثُ الأيامِ
نعم الفتى فَجعَتْ به إخوانَهُ
طلقُ اليدين مؤدَّبُ الخدّام
سَهْل الفناء إذا حللت ببابه
عيم
لم تدرِ أيهما ذوو الأرحام
وإذا رأيتَ صديقه وشقيقه
وذكر أبو تمام الطائي هذه الأبيات في كتاب ((الحماسة)) في باب المرائي
لمحمد بن بشير الخارجي ، وقيل ابن يسير بالسين المهملة وهو فعيل من اليسر ،
وبشير ٣ من البشارة ، وهو من خارجة عَدْوان ، قبيلة ، وليس من الخوارج ،
والله أعلم بالصواب في ذلك كله .
ورثاه منصور النمري، وهي في كتاب (( الحماسة)) ٤ بقوله :
أصابتْ معدّاً يوم أصبحت ثاويا
أبا خالد ، ما كان أدهى مصيبةً
شماتاً لقد مرّوا بربعك خاليا
لعمري لئن سرَّ الأعادي فأظهروا
فإن له ذكراً سيفي اللياليا
فإن يكُ أفنته الليالي وأوشكتْ
١ المختار : بالدال المهملة والذال المعجمة .
٢ المختار: البكاء ؛ ق: البكهاء؛ وانظر معجم المرزباني : ٧٥ وشرح المرزوقي ص : ٨٠٨.
٣ ر والمختار : وبشر .
٤ شرح المرزوقي رقم : ٣٣٧ وهي منسوبة لشبيب بن عوانة .
٣٤٠
٠