النص المفهرس

صفحات 281-300

في البحر ألف ألف درهم ، فمشى إلى يزيد بن المهلب ، وقد ولي العراق ،
عثمان بن حيان المرّي والقعقاع بن خالد العبسي والهذيل بن زفر بن الحارث
الكلابي وغيرهم من قيس ، فلما انتهوا إلى باب سرادق يزيد أذن لهم الحاجب
في دخولهم وأعلمهم أنّه يغسل رأسه ، فلما فرغ خرج في مستقة ١ فألقى نفسه
على فراشه ثم قال : ما ألّف بينكم ؟ فقال عثمان : هذا ابن هبيرة شيخنا وسیدنا،
كان الوليد حمل معه مالاً حيث وجهه إلى البحر فأعطاه جنده فخرج عليه من
غرمه ألف ألف درهم ، فقلنا يزيد سيد أهل اليمن ووزير لسليمان وصاحب
العراق ومن قد يحمل أمثالها عمن ليس بأمثالنا ، ووالله لو وسعتها أموال قيس
لاحتملناها . ثم تكلم القعقاع فقال : [ يا ] ابن المهلب، هذا خير ساقه الله إليك
وليس أحد أولى به منك ، فافعل به كبعض فعلاتك الأولى ، فلن يصدك عن
قضاء هذا الحق ضيق ، ولا تبخل وقد أتيناك مع ابن هبيرة فيما حمل ، فهب
لنا أموالنا واستر في العرب عورتنا ؛ ثم تكلم الهذيل بن زفر فقال : يا ابن المهلب ،
إنّ لو وجدت من الممشى إليك بداً لما مشيت إليك ، لأن أموالك بالعراق ،
وإنّما أتيتنا خائفاً ثم أقمت فينا ضيفاً ، ثم تخرج من عندنا محروساً ، وايم الله
لئن تركناك بالشام لنأتينك بالعراق ، وما هاهنا أقرب في الحظوة وأوجب للذمام ؛
ثم تكلم ابن خيثمة فقال : إنّي لأقول ٢ لك يا ابن المهلب ما قال هؤلاء، أخبرني
إن أنت عجزت عن احتمال ما على ابن هبيرة فعلى من المعوّل ؟ لا والله ما عند
قيس له مكيال، ولا في أموالهم متسع، ولا عند الخليفة له فرج؛ ثم تكلم ابن هبيرة
فقال: أما أنا فقد قضيت حاجتي ، رددت أم أنجحت، لأنّه ليس لي أمامك متقدّم
ولا خلفك متأخر ، وهذه حاجة كانت في نفسي فقضيتها . فضحك يزيد بن
المهلب وقال : إن التعذر أخو البخل ، ولا اعتذار فاحتكموا ، فقال القعقاع :
نصف المال ، فقال يزيد : قد فعلت ، يا غلام: غداءك٣ ، قال: فجيء بالطعام
١ المستقة : فروة طويلة الكم ؛ وهذه القراءة تقديرية فإن اللفظة غير واضحة في النسخ الثلاث
والأقرب إليها في بر : سبيبة ، وفي من : مسنية .
٢ بر : لا أقول .
٣ بر : أرنا يا غلام غداءك .
٢٨١

فأبقينا أكثر مما أفرغنا١ ، فلما فرغنا أمر بتطييبنا وأجاد الكسوة لنا ، قال : ثم
خرجنا حتى إذا مررنا ، قال ابن هبيرة : فأخبروني عما بقي ، من يحمله بعد
ابن المهلب ، لقد صغّر اللّه أقداركم وأخطاركم ، والله ما يدري يزيد ما بين
النصف والتمام ، وما هما عنده إلا سواء ، ارجعوا إليه فكلّموه في الباقي ،
قال : وقد كان يزيد ظن بهم أن سيرجعون ٢ إليه في التمام، فقال للحاجب: إذا
عادوا فأدخلهم ؛ فلما عادوا أدخلهم ، فقال لهم يزيد ؛ إن ندمتم أقلناكم وان
استقللتم زدناكم ، فقال له ابن هبيرة : يا ابن المهلب ، إن البعير إذا أوقر أثقلته
أذناه ، وأنا بما بقي مثقل ، فقال : قد حملتها عنك ، ثم ركب إلى سليمان فقال :
يا أمير المؤمنين ، إنّك إنّما رشحتني لتبلغ بي ، وإنّ لا أضيق عن شيء اتسع
له مالك ، وما في أيدينا فواضلك يصطنع بها الناس وتبنى بها المكارم ، ولولا
مكانك قلقنا بالصغير ؛ ثم قال له إنّه أتاني ابن هبيرة بوجوه أصحابه ، فقال له
سليمان : أمسك، اياك في مال الله عنده ، خب ضب ، جموع منوع ، جزوع
هلوع ، هيه ، فصنعت ماذا ؟ قال : حملتها عنه ، قال : احملها إذن
إلى بيت مال المسلمين ، قال : والله ما حملتها خدعة وأنا حاملها بالغداة ، ثم
حملها ، فلما أخبر سليمان بذلك دعا يزيد ، فلما رآه ضحك وقال : ذكت بك
ناري ، ووريت بك زنادي ، غرمها علي وحمدها لك ، قد وفت لي يميني ،
فأرجع المال إليك ، ففعل ]٣ .
وقال يزيد يوماً : واللّه للحياة أحب من الموت ، ولثناء حسن أحب إلي من
الحياة ، ولو أنّي أعطيت ما لم يُعْطَه أحد لأحببت أن يكون لي أذن أسمع
غداً ما يقال فيَّ إذا أنا مت كريماً ؛ وقد سبق ذكر هذا الكلام في ترجمة أبيه
المهلب وأنّه من كلامه ، لا من كلام ابنه يزيد ، والله أعلم .
وقال أبو الحسن المدائني : باع وكيل ليزيد بن المهلب بطيخاً جاءه من مَغَلِّ
بعض أملاكه بأربعين ألف درهم ، فبلغ ذلك يزيد فقال له : تركتنا بقالين ،
١ بر : وأنكرنا منه أكثر مما عرفنا .
٢ بر: ظن أنهم سير جعون .
٣ زيادة من : ر من بر دون سائر النسخ .
٢٨٢

أما كان في عجائز الأزد من تقسمه فيهن ١ ؟
ومدحه عمر بن لجأ بشعر يقول فيه :
كانوا الأكارمَ آباء وأجدادا
آلُ المهلب قوم إن نسبتهمُ
وما دنا منمساعیھم ولا كادا
كم حاسدٍ لهمُ يعيا بفضلهمُ
ولا ترى للئامِ الناسِ حسادا
إن العرانين تلقاها محسّدةٌ
بما احتكمتَ من الدنيا لما حادا
لو قیل للمجد حِدْ عنهموخلھمُ
إن المكارمَ أرواحٌ يكون لها آلُ المهلب دون الناس أجسادا
وقال الأصمعي : قدم على يزيد بن المهلب قومٌ من قضاعة ، فقال رجل
منهم :
طَلَبٌ لديك من الذي نتطلبُ
والله ما ندري إذا ما فاتنا
أحداً سواك إلى المكارم يُنْسبُ
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجدْ
أو لا فأرشدنا إلى مَنْ نذهب
فاصبرْ لعادتك التي عودتنا
فأمر له بألف دينار ، فلما كان في العام المقبل وفد عليه فأنشده :
ما لي أرى أبوابهمْ مهجورةً وكأنّ بابك مجمعُ الأسواق
بيديكَ فانتجعوا من الآفاق
حابوك أم هابوك أم شاموا الندى
والمكرماتُ قليلةُ العشاق
إنّي رأيتك للمكارم عاشقاً
فأمر له بعشرة آلاف درهم .
وأجمع علماء التاريخ على أنّه لم يكن في دولة بني أمية أكرم من بني المهلب ،
كما لم يكن في دولة بني العباس أكرم من البرامكة ، والله أعلم ؛ وكان لهم في
الشجاعة أيضاً مواقف مشهورة .
وحكى ابن الجوزي في كتاب ((الأذكياء)) أن يزيد بن المهلبْ وقعت
١ زاد بعده في المطبوعة المصرية: وغضب غضباً شديداً، ولم يرد في المسودة والنسخ ق ع بر من ، أما
س فإن رواية المدائي كلها سقطت منها .
٢٨٣

عليه حيّةٌ فلم يدفعها عن نفسه ، فقال له أبوهُ : ضيعتَ العقل من حيث
حفظت الشجاعة .
ولما خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي على الحجاج ،
وقصته مشهورة ، أتى تستر فاجتمع إليه جماعة ، فذكروا يوماً آل المهلب
ووقعوا فيهم ، فقال عبد الرحمن لحريش بن هلال القُرَيْعي ، وكان في
القوم : ما لك يا أبا قدامةَ لا تتكلم ؟ فقال : والله ما أعلم أحداً أصون لنفسه
في الرخاء ولا أبذل لها في الشدة منهم .
وقدم عبد الرحمن بن سليم الكلبي على المهلب ، فرأى بنيه قد ركبوا عن
آخرهم ، فقال : أنس اللّه الإسلام بتلاحقكم ، أما والله لئن لم تكونوا أسباط
نبوة إنكم لأسباط ملحمة .
ومات ابن لحبيب بن المهلب بن أبي صفرة ، فقدَّم أخاه يزيد ليصلي عليه ،
فقيل له : أتقدمه وأنت أسن منه والميت ابنك ؟ فقال : إن أخي قد شرفه الناس
وشاع فيهم له الصيت ، ورمته العرب بأبصارها ، فكرهت أن أضع منه ما
رفعه الله تعالى .
ونظر مطرف بن عبد الله بن الشَّخِّير إلى يزيد بن المهلب وهو يمشي وعليه
حلة يسحبها ، فقال له : ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله ؟ فقال يزيد :
أما تعرفني ؟ فقال : بلى ، أولك نطفة مذرة ، وآخرك جيفة قذرة ، وأنت بين
ذلك حامل عذرة ، قلت : وقد نظم هذا المعنى أبو محمد عبد الله بن محمد
البسامي الخوارزمي فقال :
وكان من قبلُ نطفةً مَذِرَهْ
عجيْتُ من مُعجبٍ بصورته
يصيرُ في الأرض جيفة قذره
وفي غدٍ بعد حسن صورته
ما بين ثوبيه١ يحمل العذره
وَهْوَ على عجبه ونخوته
(331) وذكر الحافظ المعروف بابن عساكر في تاريخه الكبير في ترجمة أبي
خداش مخلد بن يزيد بن المهلب أن مخلداً أحد الأسخياء الممدوحين ، وفد على
١ وبر من : جنبيه .
٢٨٤

عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يكلمه في أمر أبيه يزيد ، وقد حبسه عمر ،
وكان أبوه قد ولاه جرجان ، فاجتاز في طريقه بالكوفة ، فأتاه حمزة بن بيض
الحنفي الشاعر المشهور في جماعة من أهل الكوفة فقام بين يديه وأنشده :
أتيناك في حاجة فاقضها وقل مرحباً يجب المرحبُ
متى يعدوا عدة يكذبوا
ولا لا تكِلْنا١ إلى معشرٍ
لهمْ خضع الشرقُ والمغرب
فإنّك في الفرع من أسرةٍ
فنعم لعمرك ما أدبوا
وفي أدبٍ فيهم ما٢ نشأت
ما بلغ السيدُ الأشيب
بلغت لعشرٍ مضت من سنيك
· همُّ لداتك أن يلعبوا
فهمّكَ فيها جسامُ الأمورِ
فيسأل "وَ رعب يرغب
وجدت فقلت ألا سائل
وممّن ببابك أن يطلبوا
فمنك العطيةُ للسائلينَ
فقال له : هات حاجتك ، فقضاها ، وقيل أمر له بمائة ألف درهم .
وقدم على مخلد رجل كان قد زاره قبل ذلك فأجازه وقضى حقه ، فلما عاد
إليه قال له مخلد : ألم تكن أتيتنا فأجزناك ؟ قال : بلى، قال : فماذا ردك ؟ قال :
قول الكميت فيك :
وأعطى فوق منيتنا وزادا ]٣
[ سألناه الجزيل فما تلكا
فأعطى ثم عدت له فعادا
فأعطى ثم أعطى ثم عدنا
تبسم ضاحكاً وثنى الوسادا
مراراً ما أعودُ إليه إلاّ
فأضعف له ما كان أعطاه .
وقال قبيصة بن عمر المهلبي : کان یزید بن المهلب قد فتح جرجان وطبر ستان
وأخذ صول ، وهو رئيس من رؤسائهم - قلت : كان صاحب جرجان ،
١ ق بر من والمختار : ولا تكلنا - بتشديد النون - .
٢ بر : قد .
٣ زيادة من س .
٢٨٥

وهو جد إبراهيم بن العباس الصولي وأبي بكر محمد بن يحيى الصولي الأديبين
الشاعرين المشهورين - قال : فأصاب يزيد أموالاً كثيرة وعروضاً كثيرة ،
فكتب إلى سليمان بن عبد الملك : إنّي قد فتحت طبرستان وجرجان ، ولم يفتحهما
أحد من الأكاسرة ولا أحد ممن كان بعدهم غيري ، وإنّي باعث إليك بقطران
عليها الأموال والهدايا يكون أولها عندك وآخرها عندي . فلما مات سليمان
وأفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بعده، أخذه عمر بهذه العدة
لسليمان فحبسه ، فقدم ابنه مخلد على عمر - قال قبيصة المهلبي : وهب مخلد من
لدن خروجه من مرو الشاهجان إلى أن ورد دمشق ألف ألف درهم - فلما أراد
مخلد الدخول على عمر لبس ثياباً مستنكرة وقلنسوة لاطية ، فقال له عمر : لقد
شمّرت ، فقال له : إذا شمرتم شمرنا وإذا أسبلتم أسبلنا ؛ ثم قال له : ما بالك
قد وسع الناسَ عفوك حبست هذا الشيخ ، فإن تكن عليه بينة عادلة فاحكم عليه
وإلا فيمينه ، أو فصالحه على ضياعه ، فقال يزيد : أما اليمين فلا تتحدث العرب
أن يزيد بن المهلب صبر عليها ، ولكن ضياعي فيها وفاء لما يطلب .
ومات مخلد وهو ابن سبع وعشرين سنة ، فقال عمر : لو أراد الله بهذا
الشيخ خيراً لأبقى له هذا الفتى . ويقال إن مخلد بن يزيد أصابه الطاعون فمات،
وصلى عليه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، ثم قال : اليوم مات فتى العرب ،
وأنشد متمثلاً :
على مثل عمرو تذهب النفسُ حسرةٌ وتضحي وجوه القوم مغبرةً سودا
ورثاه حمزة بن بيض الحنفي - المقدم ذكره - بأبيات منها :
وَعُطَّلَتِ الأسرَّ منك إلا سريرك يوم تحجب بالثيابِ
وآخر عهدنا بك يوم يحثى عليك بدابقٍ سهلُ الترابِ
وقال الفرزدق يرثيه ١ :
وما حملت أيديهمُ من جنازةٍ ولا ألبست أثوابها مثل مَخْلَدِ
١ المختار: وقال الفرزدق الشاعر يرثيه أيضاً؛ وانظر ديوانه ١ : ١٦٣.
٢٨٦

وإن كان فيها قيد شهر مطرد
أبوك الذي تُستهزم الخيلُ باسمه
هو الليث ليث الغاب لا بالمعرّد
وقد علموا إذ شد حقويه أنّه
قلت : وهذا يدل على أن مخلد بن يزيد مات في حدود سنة مائة للهجرة
لأن عمر بن عبد العزيز ولي الخلافة في صفر سنة تسع وتسعين وتوفي في رجب
سنة إحدى ومائة ، وقد مات عنده وصلى عليه ، ويدل على أن موت مخلد كان
بدابق ما تقدم من مرثية حمزة بن بيض ؛ ودابق : قرية من أعمال حلب من
جانبها الشمالي، وإليها ينسب المرج الذي يقال له ((مرج دابق)) وبه كانت
وفاة سليمان بن عبد الملك ، وقبره هناك مشهور .
ونعود إلى ذكر يزيد :
قال أبو جعفر الطبري في تاريخه الكبير١ : إن المغيرة بن المهلب كان نائباً
عن أبيه بمرو وعمله كله ، ومات في رجب سنة اثنتين وثمانين - كما ذكرناه
في ترجمة المهلب - فأتى الخبر يزيد ، وعلم ٢ أهل المعسكر ولم يعلموا المهلب ،
وأحب يزيد أن يعلمه من ٣ النساء فصرخن ، فقال المهلب : ما هذا ؟ فقيل :
مات المغيرة ، فاسترجع وجزع حتى ظهر جزعه عليه ، فلامه بعض خاصته ،
فدعا يزيد فوجهه إلى مرو وجعل يوصيه بما يعمل ودموعه تنحدر على لحيته ،
وكتب الحجاج إلى المهلب يعزيه عن المغيرة ، وكان سيداً .
(332) قلت : وكان للمغيرة ابن اسمه بشر ذكره أبو تمام الطائي في كتاب
((الحماسة)) ٤ في الباب الأول ، وأورد من شعره قوله في يزيد :
جفاني يزيدُ والمغيرةُ قد جفا وأمسى يزيدٌ لي قد ازورَّ جانبُهْ
١ تاريخ الطبري (حوادث سنة: ٨٢) ٢ : ١٠٧٧ ( الطبعة الأوروبية).
٢ الطبري : وعلمه .
٣ الطبري : فأمر ؛ وفي بر من : أن يبلغه من .
٤ انظر شرح المرزوقي ، الحماسية : ٧٣ .
١
٢٨٧

وشبع الفتى لؤمٌ إذا جاع صاحبه
وكلهمُ قد نال شِبْعاً لبطنه
تنوبُ فإن الدهرَ جمّ نوائبه
فيا عمِّ مهلاً واتخذني لنوبة
أنا السيفُ إلا أن للسيف نبوةً
ومثليّ لا تنبو عليك مضاربه
حجبتُ عن الباب الذي أنا حاجبه
على أيّ بابٍ أبتغي الإذنَ بعد ما
رجعنا إلى تتمة كلام الطبري :
وكان المهلب يوم مات المغيرة مقيماً بكش وراء النهر لحرب أهلها ، فسار
يزيد في ستين فارساً ، فلقيهم خمسمائة من الترك في المفازة ، وحاصل الأمر
أنّه جرى بينهم قتال شديد ، ورمي يزيد في ساقه . ثم إن المهلب صالح أهل
كش على فدية وانصرف عنهم متوجهاً إلى مرو ، فلما وصل إلى زاغول، قرية
من أعمال مرو الروذ، أصابته الشوصة ، فدعا ولده حبيباً ومن حضر من ولده،
ودعا بسهام فحزمت ، وقال : أفترونكم كاسريها مجتمعة ؟ فقالوا : لا ، قال :
أفترونكم كاسريها مفترقة ١؟ قالوا : نعم ، قال : هكذا الجماعة ، ثم أوصاهم
وصية طويلة لا حاجة إلى ذكرها ٢ ، ثم قال في آخرها : وقد استخلفت يزيد ،
وجعلت حبيباً على الجند حتى يقدم بهم على يزيد ، فلا تخالفوا يزيد ، فقال له
ولده المفضل : لو لم تقدمه لقدمناه ، ومات المهلب - حسبما شرحناه في ترجمته -
وأوصى إلى حبيب ، فصلى عليه حبيب ثم سار إلى مرو ، فكتب يزيد إلى عبد
الملك بوفاة المهلب واستخلافه إياه ، فأقره الحجاج ، ثم إنّه عزله في سنة خمس
وثمانين واستعمل أخاه المفضل .
وكان سبب ذلك ٣ أن الحجاج وفد على عبد الملك فمر في منصرفه بدير
فنزله ، فقيل له : إن بهذا الدير شيخاً من أهل الكتب عالماً فدعا به وقال :
يا شيخ ، هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه ونحن ؟ فقال : نعم ، نجد ما مضى
١ ق ر س : متفرقة .
٢ الوصية في الطبري ٢ : ١٠٨٢.
٣ أنظر الطبري ٢ : ١١٣٨.
٢٨٨

من أمركم وما أنتم فيه وما هو كائن ، قال : أفمسمّى أم موصوفاً ؟ قال :
كل ذلك موصوف بغير اسم واسم بغير صفة ، قال : فما تجدون صفة أمير
المؤمنين قال : نجده في زماننا الذي نحن فيه أنّه ملك أقرع ، من يقم لسبيله يصرع ،
قال : ثم من ؟ قال : رجل يقال له الوليد ١، قال : ثم ماذا ؟ قال : رجل اسمه
اسم نبي يفتح به على الناس - قلت: وهو سليمان بن عبد الملك - قال: أفتعلم
ما ألي ؟ قال : نعم ، قال : فمن يليه بعدي ؟ قال : رجل يقال له يزيد ، قال :
في حياتي أم بعد موتي ؟ قال : لا أدري ؟ قال : أفتعرف صفته ؟ قال : يغدر
غدرة ، لا أعرف غير هذا .
قال : فوقع في نفسه أنّه يزيد بن المهلب ، وارتحل فسار سبعاً وهو وجلٌ
من قول الشيخ ، وقدم فكتب إلى عبد الملك يستعفيه من العراق ، فكتب
إليه : قد علمت الذي تغزو ، وأنّك تريد أن تعلم رأيي فيك . ثم إن الحجاج
أجمع على عزل يزيد فلم يجد لذلك سبباً ، حتى قدم الخيار بن سبرة ، وكان
من فرسان المهلب ، وكان مع يزيد ، فقال له الحجاج : أخبرني عن يزيد ؟
فقال : حسن الطاعة لين السيرة ، قال : كذبت ، اصدقني عنه ، فقال : اللّه
أجل وأعظم ، قد أسرج ولم يلجم ، قال : صدقت ، واستعمل الخيار على
عمان بعد ذلك .
ثم كتب إلى عبد الملك يذم يزيد وآل المهلب ، وخلاصة الأمر أنّه كرر
القول مع عبد الملك في ذلك إلى أن كتب إليه عبد الملك : قد أكثرت في يزيد
وآل المهلب ، فسمٌّ لي رجلاً يصلح لخراسان ، فسمى له مجاعة بن سعد ٢ السعدي ،
فكتب إليه عبد الملك : إن رأيك الذي دعاك إلى استفساد آل المهلب هو الذي
دعاك إلى مجاعة بن سعد السعدي ، فانظر لي رجلاً حازماً ماضياً لأمرك ، فسمى
قتيبة بن مسلم الباهلي ، فكتب إليه وَلِّهِ ، فبلغ يزيد أن الحجاج عزله فقال
لأهل بيته : من ترون الحجاج يولي خراسان ؟ قالوا : رجلاً من ثقيف ، قال :
............
..........
١ بر : رجل اسمه الوليد .
٢ في متن الطبري : مجاعة بن سعر ، وفي سرح العيون : ابن مسعر.
١٩ - ٦
٠
٢٨٩

كلا والله ، ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعهده ، فإذا قدمت عليه ولى غيره ،
وأخلق بقتيبة بن مسلم .
قال : فلما أذن عبد الملك للحجاج في عزل يزيد كره أن يكتب بعزله
فكتب إليه أن استخلف أخاك المفضل وأقبل ، فاستشار يزيد حصين ١ بن
المنذر ، فقال له : أقم واعتل فإن أمير المؤمنين حسن الرأي فيك ، وإنّما أتيت
من الحجاج ، فإن أقمت ولم تعجل رجوت أن يكتب إليه أن يقر يزيد ، فقال:
إنّا أهل بيت بورك لنا في الطاعة، وأنا أكره المعصية والخلاف ، وأخذ في الجهاز
فأبطأ ذلك على الحجاج ، فكتب إلى أخيه المفضل : إنّي قد وليتك خراسان ،
فجعل المفضل يستحث يزيد ، فقال له يزيد : إن الحجاج لا يقرك بعدي ، وإنما
دعاه إلى ما صنع مخافة أن أمتنع عليه، قال : بل حسدتني ، قال يزيد : أنا لا
أحسدك ولكن ستعلم . وخرج يزيد في شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين ،
فعزل الحجاج المفضل وولى قتيبة بن مسلم الباهلي ، وقيل فيروز بن حصين .
وقال حصین ین منذر لیزید المذ کور :
فأصبحت مسلوبَ الإمارةِ نادما
أمرتُكَ أمراً حازماً فعَصَيْتْني
وما أنا بالداعي لترجعَ سالما
فما أنا بالباكي عليك صبابة
فلما قدم قتيبة خراسان قال لحصين : كيف قلت ليزيد ؟ قال قلت :
فنفسك ول اللوم إن کنت لائما
أمرتكَ أمراً حازماً فعصيتني
فإنّكَ تلقى أمره متفاقما
فإن يبلغ الحجاج أن قد عَصَیْتَهُ
قال : فماذا أمرته به فعصاك ؟ قال : أمرته أن لا يدع صفراء ولا بيضاء
إلا حملها إلى الأمير .
وفي تولية قتيبة وعزل يزيد قال عبد الله بن همام السلولي :
أقُنِيبَ قد قلنا غداةَ أتيتنا بدلٌ لِعَمْرُك من يزيد أعورُ
هيهات شأنكُمُ أدقُّ وأحقر
إن المهلب لم یکن کأبیکمُ
١ في متن الطبري : حضين .
٢٩٠

شتان من بالصنج أدرك والذي بالسيف شمر والحروب تسعَّر
مات الندى فيهم وعاش المنكر
حولانُ باهلة الآلی في ملکھم
قوله ((بدل أعور )) هذا مثل يضرب للمذموم يتولى بعد الرجل المحمود ؟
يقال بدل أعور، وخَلَف أعور؛ وقوله ((من بالصنج أدرك)) يقال: إن
قتيبة كان يضرب بالصنج في بدء أمره ؛ وقوله ((حولان باهلةَ)) جمع أحْول ،
وكان قتيبة أحول ، وهذا الجمع مثل قولهم : أسود. وسودان ، وأحمر وحمران
وغير ذلك .
وقد قيل : إن هذه الأبيات ليست لعبد الله بن همام ، وإنها لنهار بن
توسعة اليشكري ، والله أعلم.
ثم ذكر الطبري في سنة تسعين ١ أن الحجاج خرج إلى الأكراد الذين غلبوا
على عامة أرض فارس ، فخرج بيزيد معه وأخويه المفضل وعبد الملك ، وجعل
عليهم في العسكر كهيئة الخندق وجعلهم في فسطاط قريباً منه٢ ، وجعل عليهم
حرَساً من أهل الشام ، وأغرمهم ستة آلاف ألف ، وأخذ يعذبهم ، وكان يزيد
يصبر صبراً حسناً ، وكان الحجاج يغيظه ذلك ، فقيل له إنّه رمي بنشابة فثبت
أصلها في ساقه ، فهو لا يمسها شيء إلا صاح، فإن حُرّكتْ أدنى شيء سمعت
صوته ، فأمر أن يعذب به ويرهق ساقه ، فلما فعل به ذلك صاح ، وأختُه هند
عند الحجاج ، فلما سمعت صياح يزيد صاحت وناحت فطلقها .
ثم إنّه كفّ عنهم وأقبل يستأديهم ، فأخذوا يؤدون وهم يعملون في
المخلص من مكانهم ، فبعثوا إلى مروان بن المهلب وهو بالبصرة يأمرونه أن
يضمّر لهم الخيل ويري الناس أنّه إنما يريد بيعها ويعرضها على البيع ويغْلي بها
كي لا تشترى ، فتكون لنا عُدةً إن نحن قدرنا أن ننجو من هاهنا ، ففعل ذلك
مروان بن المهلب ، وحبيب بالبصرة يعذب أيضاً ، فأمر يزيد بالحرس فصنع
لهم طعام كثير فأكلوا ، وأمر لهم بشراب فسقوا ، وكانوا متشاغلين به ، ولبس
١ تاريخ الطبري ٢ : ١٢٠٨.
٢ بر : قريباً من حجرته .
٢٩١

يزيد ثياب طباخه ، ووضع١ على لحيته لحية بيضاء وخرج ، فرآه بعض الحرس
فقال : كأن هذه مشية يزيد، فجاء حتى استعرض وجهه ليلاً فرأى بياض اللحية
فانصرف عنه ، وقال : هذا شيخ . وخرج المفضل على أثره ولم يفطن له ،
فجاؤوا إلى سفينة ٢ وقد هيؤوها في البطائح وبينهم وبين البصرة ثمانية عشر فرسخاً،
فلما انتهوا إلى السفينة أبطأ عليهم عبد الملك وشغل عنهم، فقال يزيد للمفضل :
اركب ، فإنّه لاحق ، فقال المفضل ، وكان عبد الملك أخاه لأمه : لا والله
لا أبرح حتى يجيء عبد الملك ولو رجعت إلى السجن ، فأقام يزيد حتى جاءهم
عبد الملك ، وركبوا في السفينة ، وساروا ليلتهم حتى أصبحوا .
ولما أصبح الحرس علموا بذهابهم ، فرفع ذلك إلى الحجاج ، ففزع لذلك
الحجاج وذهب وهمه أنهم ذهبوا قِبَل خراسان ، وبعث البريد إلى قتيبة بن
مسلم يحذّره قدومهم ويأمره أن يستعد لهم ، وبعث إلى أمراء الثغور والكور
أن يرصدوهم ويستعدوا ، وبعث إلى الوليد بن عبد الملك يخبره بهم ، وأنّه
لا يراهم أرادوا إلا خراسان . ولم يزل الحجاج يظن بيزيد ما صنع، كان يقول :
إنّي لأظنه يحدث نفسه بمثل الذي صنع ابن الأشعث - قلت : ابن الأشعث هو
عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي ، وكان قد خرج على عبد
الملك بن مروان ، وقصته مشهورة مذكورة في التواريخ - قال الطبري ٣ :
ولما دنا يزيد من البطائح استقبلته الخيل ، وقد هيئت لهم ، فخرجوا عليهم ومعهم
دليل ، فأخذ بهم على السماوة ، وأتي الحجاج بعد يومين فقيل له إنّما أخذ
الرجل طريق الشام ، وهذه الخيل حَسْرَى في الطريق ، وقد أتى من رآهم
متوجهين في البر ، فبعث إلى الوليد يعلمه بذلك ، ومضى يزيد حتى قدم فلسطين
فنزل على وُهَيْب بن عبد الرحمن الأزدي ، وكان كريماً على سليمان بن عبد
الملك ، وجاء وهيب حتى دخل على سليمان فقال : إن يزيد وإخوته عندي ،
وقد أتوا هُرّاباً من الحجاج متعوذين بك ، فقال : آنني بهم فهم آمنون لا يوصل
١ بر : وجعل .
٢ الطبري : سفنهم ؛ وهي بصيغة الجمع في بقية النص .
٣ متابع لنص الطبري : ١٢١١.
٢٩٢

إليهم أبداً وأنا حي ، فجاء بهم حتى دخلوا عليه ، فكانوا في مكان أمنٍ .
وكتب الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك : إن آل المهلب خانوا مال الله،
وهربوا مني ولحقوا بسليمان ، فلما بلغ الوليد مكانه عند سليمان أخيه هون
عليه بعض ما كان في نفسه ، وطار غضباً للمال الذي ذهبوا به ، وكتب سليمان
إلى أخيه الوليد : إن يزيد بن المهلب عندي وقد آمنته ، وإنّما عليه ثلاثة آلاف
ألف، كان الحجاج أغرمهم ستة آلاف ألف، فأدى ثلاثة آلاف ألف ، وبقيت
ثلاثة آلاف ألف ، فهي عليّ ، فكتب إليه : لا والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلي ،
فكتب إليه : لئن أنا بعثت به لأجيئن معه ، فأنشدك الله أن لا تفضحني ولا
أن تُخْفرني ، فكتب إليه الوليد : والله لئن جئتني به لا أؤمنه ، فقال يزيد :
ابعثني إليه ، فوالله ما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة وحرباً ، ولا أن
يتشاءم بي لكما الناس ، ابعث إليه بي وأرسل معي ابنك ، واكتب إليه
بألطف ما قدرت عليه ، فأرسل ابنه أيوب معه ، وكان الوليد أمره أن يبعث
به إليه في وثاق ، فبعثه إليه وقال لابنه : إذا أردت أن تدخل عليه فادخل أنت
ويزيد في سلسلة على الوليد ، ففعل ذلك حتى انتهيا إلى الوليد فدخلا عليه ، فلما
رأى الوليد ابن أخيه مع يزيد في سلسلة قال: والله لقد بَلَغْنا من سليمان. ثم
إن الغلام دفع كتاب أبيه إلى عمه وقال : يا أمير المؤمنين ، نفسي فداؤك ،
لا تخفر ذمة أبي وأنت أحق مَن منعها، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في
جوارنا لمكاننا منك ، ولا تذلَّ من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك ، وقرأ
الكتاب: ((لعبد الله الوليد أمير المؤمنين من سليمان بن عبد الملك، أما بعد يا أمير
المؤمنين فوالله إني لأظُنُّ لو استجار بي عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلتُه
وأجرته ، فإنّك لا تذل جاري ولا تخفر جواري ، بل إني لم أُجِرْ إلا سامعاً مطيعاً
حسن البلاء والأثر في الإسلام هو وأبوه وأهل بيته ، وبعد فقد بعثت به إليك ،
فإن كنت إنّما تغزو قطيعتي والإخفار لذمتي والإبلاغ في مساءتي ، فقد قدرت
إن أنت فعلت ذلك ، وأنا أعيذك بالله من اجترار ١ قطيعتي وانتهاك حرمتي وترك
يدي وصلّي ، فوالله يا أمير المؤمنين ما تدري ما بقائي وبقاؤك ، ولا متى يفرق
١ ر : احتراز ، وأثبتنا ما في المسودة .
٢٩٣

0
الموت بيني وبينك ، فإن استطاع أمير المؤمنين ، أدام الله سروره أن لا يأتي
علينا أجل الوفاة إلا وهو لي واصل ولحقيّ مُؤدّ وعن مساءتي نازع ، فليفعل ؛
والله يا أمير المؤمنين ما أصبحت لشيء من أمور الدنيا بعد تقوى الله تعالى فيها
بأسر مني برضاك وسرورك ، ولرضاك ممّا ألتمس به رضوانَ اللّه، فإن كنت
يا أمير المؤمنين تريد يوماً من الدهر مسرتي وصلتي وكرامتي وإعظام حقي فتجاوز
لي عن يزيد، وكل ما طلبته به فهو علي))، فلما قرأ كتابه قال : لقد شققنا على
سليمان ، ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه ، ثم تكلم يزيد فحمد الله تعالى وأثنى عليه
وصلى على نبيّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ، إن بلاء كم
عندنا أحسن البلاء ، فمن ينسَ ذلك فلسنا ناسيه ، ومن يكفر فلسنا كافريه ، وقد
كان من بلائنا ، أهل البيت ، في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم في المواطن
العظام في المشارق والمغارب ما إنَّ المنة فيه عظيمة ، فقال له : اجلس ، فجلس
فآمنه وكف عنه ، ورجع إلى سليمان ، ومعى إخوته في المال الذي عليه ،
وكتب إلى الحجاج : إنّي لم أصل إلى يزيد وأهل بيته مع سليمان ، فاكفف
عنهم ، والهَ عن الكتاب إليّ فيهم ، فلما رأى ذلك الحجاج كف عنهم . وكان
أبو عيينة عند الحجاج عليه ألف ألف درهم فتركها له ، وكف عن حبيب بن
المهلب ، وأقام يزيد عند سليمان تسعة أشهر في أرغد عيش وأنعم بال لا تأتي
سليمان هدية إلا أرسل نصفها إليه ١ .
وقال بعض جلساء يزيد له : لم لا تتخذ لك داراً ؟ فقال : وما أصنع بها
ولي دار حاصلة مجهزة على الدوام ؟ فقال له : وأين هي ؟ قال : إن كنتُ
متولياً فدار الإمارة ، وإن كنت معزولاً فالسجن .
ومن کلام يزيد : ما يسرني أن أکفی أمور دنياي کلها ولي الدنيا بحذافير ها ،
فقيل له : ولم ذاك ؟ فقال : لأني أكره عادة العجز .
ثم إن الحجاج مات في شوال سنة خمس وتسعين للهجرة ٢، وقيل كانت
وفاته لخمس ليال بقين من شهر رمضان من السنة ، وعمره ثلاث وخمسون سنة ،
١ هنا يتوقف النقل مؤقتاً عن الطبري .
٢ انظر الطبري ٢ : ١٢٦٨.
٢٩٤

وقيل أربع وخمسون . ولما حضرته الوفاة استخلف يزيد بن أبي كبشة على
الحرب والصلاة بالمصرين : البصرة والكوفة ، وولّى خراجهما يزيد بن أبي
مسلم ، فأقرهما الوليد ، وكذلك فعل بكل من استخلف الحجاج ، وقيل بل
الوليد هو الذي ولاهما ، وكانت ولاية الحجاج بالعراقين عشرين سنة .
ثم توفي الوليد بن عبد الملك يوم السبت النصف من جمادى الآخرة سنة
ست وتسعين للهجرة ، بدير مُرّان - قلت : وهو بسفح جبل قاسيون ظاهر
دمشق - ودفن في مقابر باب الصغير ظاهر دمشق ، وبويع سليمان بن عبد الملك
في اليوم الذي مات فيه أخوه الوليد .
وفي هذه السنة ١ أعني سنة ست وتسعين ، عزل سليمان بن عبد الملك يزيد
ابن أبي مسلم عن العراق ، وأمر عليه يزيد بن المهلب ، وقال خليفة بن خياط ٢ :
جمع ليزيد المصران ، يعني الكوفة والبصرة ، سنة سبع وتسعين ، والله أعلم .
وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج، وأمره أن يعذب٣ آل أبي عقيل - قلت:
هم رهط الحجاج - قال : ويبسط عليهم العذاب ، فأخذ صالح آل أبي عقيل
فكان يعذبهم ، وكان يلي عذابهم عبد الملك بن المهلب .
وكان الوليد قد عزم على خلع أخيه سليمان عن ولاية العهد ، ويجعل ولي
عهده ولده عبد العزيز [بن الوليد] وتابعه على ذلك الحجاج وقتيبة بن مسلم الباهلي
والي خراسان الذي تولى بعد يزيد بن المهلب - كما سبق ذكره قبل هذا - فلما
ولي سليمان الخلافة خافه قتيبة بن مسلم ، وتوهم أن يعزله ویولي خراسان يزيد
ابن المهلب ، فكتب إلى سليمان كتاباً يهنئه بالخلافة ويعزيه عن الوليد ، ويعلمه
بلاءه وطاعته لعبد الملك والوليد ، وأنّه على مثل ما كان لهما عليه من الطاعة
والنصيحة إن لم يعز لهگن خراسان ، وكتب إليه كتاباً آخر يعلمه فيه فتوحه ومكانه
وعظم قدره عند ملوك العجم وهيبته في صدورهم ، ويذم المهلب وآل المهلب ،
ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنه ، وكتب كتاباً ثالثاً فيه
١ المصدر السابق : ١٢٨٢ .
٢ تاريخ خليفة : ٤٢٧ وفيه سنة ست وتسعين .
٣ صورة الكلمة في المسودة ((يقذل)) وفي بعض النسخ ((يقتل)).
٢٩٥

خلعه ، وبعث بالكتب الثلاثة مع رجل من باهلة وقال له : ادفع إليه هذا
الكتاب ، فإن كان يزيد بن المهلب حاضراً فقرأه ثم ألقاه إليه فادفع إليه هذا
الكتاب ، وإن قرأ الأول فاحتبسه ولم يدفعه إلى يزيد فاحتبس الكتابين الآخرين ،
قال : فقدم رسول قتيبة بن مسلم على سليمان وعنده يزيد بن المهلب ، فدفع
إليه الكتاب فقرأه ثم ألقاه إلى يزيد ، فدفع إليه الكتاب الآخر ، فقرأه ثم رماه
إلى يزيد، فأعطاه الكتاب الثالث ، فقرأه ، فتمعدّر١ لونه ، ثم دعا بطين فختمه
ثم أمسكه بيده .
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : كان في الكتاب الأول وقيعة في يزيد بن
المهلب وذكر غدره وكفره وقلة شكره ، وفي الكتاب الثاني ثناء على يزيد ،
وفي الكتاب الثالث : لئن لم تقرئي على ما كنت عليه وتؤمنني لأخلعنك خلع
النعل ، ولأملأنها عليك خيلاً ورجلاً .
ثم إن سليمان ٢ أمر برسول قتيبة أن ينزلَ بدار الضيافة، فلما أمسى دعا به
سليمان وأعطاه صرة فيها دنانير وقال : هذه جائزتك وهذا عهد صاحبك على
خراسان فَسِرْ وهذا رسول معك بعهده . فخرج الباهلي ومعه رسول سليمان ،
فلما كان بحلوان تلقاهم الناس بخلع قتيبة ، فرجع رسول سليمان ودفع العهد
إلى رسول قتيبة ، فوصل به إليه ، فاستشار إخوته فقالوا : لا يثق بك سليمان
بعد هذا .
ثم إن قتيبة قتل - كما ذكرته في ترجمته في حرف القاف مع الاختصار
لأن الشرح في ذلك يطول .
ثم إن يزيد بن المهلب نظر في نفسه لما تولى العراق فقال ٣ : إن العراق قد
أخربها الحجاج ، وأنا اليوم رحاء أهل العراق ، ومتى قدمتها وأخذت الناس
١ رس من بر : فتغير ؛ وأثبتنا ما في المسودة .
٢ متابع للنقل عن الطبري : ١٢٨٥.
٣ المصدر السابق : ١٣٠٦.
٤ كذا في المسودة : بالحاء المهملة ، وتحتها رسم المؤلف صورة الحاء ، وفي ر س بر من والطبري :
رجاء ، وفي ق ع : رجل .
٢٩٦

بالخراج وعذّتهم عليه صرتُ مثلَ الحجاج أُدخلُ على الناس الحرب وأُعيد
عليهم تلك الشجون ١ التي قد عافاهم الله منها، ومتى لم آت سليمان بمثل ما جاء
به الحجاج لم يقبل مني . فأتى يزيدُ سليمانَ فقال : أدلك على رجل بصير بالخراج
توليه إياه وهو صالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم . فقال : قد قبلنا رأيك ،
فأقبل يزيد إلى العراق ، وكان صالح قدم العراق قبل قدوم يزيد ونزل واسطاً ،
ولمّا قدم يزيد خرج الناس يتلقونه ، فلم يخرج صالح حتى قرب يزيد من المدينة ،
ثم خرج إليه وبين يديه أربعمائة من أهل الشام ، فلقي يزيد وسايره ، فلما دخل
المدينة قال له صالح : قد فرغت لك هذه الدار ، فنزل يزيد ، ومضى صالح
حتى أتى منزله ، وضيق صالح على يزيد فلم يملكه شيئاً ، واتخذ يزيد ألف
خوان يطعم الناس عليها فأخذها صالح ، فقال له يزيد : اكتب ثمنها علي ؛
واشترى متاعاً كثيراً وصك صكاكاً إلى صالح لباعتها منه، فلم ينفذه٢ ، فرجعوا
إلى يزيد فغضب وقال : هذا عملي بنفسي ، فلم يلبث أن جاء صالح فأوسع
له يزيد فجلس وقال ليزيد : ما هذه الصكاك ؟ إن الخراج لا يقوم لها ، ولقد
أنفذت لك منذ أيام صكاكاً بمائة ألف وعجلت لك أرزاقك وسألت مالاً
فأعطيتك ، فهذا لا يقوم له شيء ، ولا يُرضي أميرَ المؤمنين ، وتؤخذ به ،
فقال له يزيد : يا أبا الوليد أجز هذه الصكاك هذه المرة ، وضاحكه فقال :
إنّي أجيزه فلا تكثرن علي ، قال : لا .
ولما ولّى سليمانُ يزيدَ العراق لم يولّه خراسان ، فقال سليمان لعبد الملك
ابن المهلب : كيف أنت يا عبد الملك إن وليتك خراسان ؟ قال : يجدني أمير
المؤمنين حيث يُحبّ ، ثم أعرض سليمان عن ذلك ، وكتب عبد الملك إلى رجال
من خاصته بخراسان : إن أمير المؤمنين عرض عليَّ ولاية خراسان ، فبلغ الخبر
إلى أخيه يزيد وقد ضجر بالعراق ، وقد ضيّق عليه صالح بن عبد الرحمن ،
فليس يصل معه إلى شيء ، فدعا يزيد عبد الله بن الأهتم فقال : إنّ أريدك لأمر
قد أهمني ، وقد أحببتُ أن تكفينيه ، قال : مرني بما أحببت ، قال : أنا فيما
١ كذا في المسودة ؛ وفي ر ع س بر من والطبري : السجون .
٢ ر : فلم ينفذها .
٢٩٧

ترى من الضيق وقد أضجرني ذلك ، وخراسان شاغرة ، وقد بلغني أن أمير المؤمنين
ذكرها لعبد الملك بن المهلب ، فهل من حيلة ؟ قال : نعم سرُّحني إلى أمير
المؤمنين فإنّ أرجو أن آتيك بعهده عليها ، قال : فاكتم ما أخبرتك به ، وكتب
إلى سليمان كتابين : أحدهما يذكر له فيه أمر العراق ، وأثنى فيه على ابن الأهتم ،
وذكر له علمه بها ، ووجه ابن الأهتم وحمله على البريد ، وأعطاه ثلاثين ألفاً ،
وسار سبعاً فقدم بكتاب يزيد على سليمان ، فدخل عليه وهو يتغدى ، فجلس
ناحية فأتي بدجاجتين فأكلهما ، ثم قال له سليمان : لك مجلس بعد هذا تعود
إليه ، ثم دعا به بعد ثالثة ، فقال له سليمان : إن يزيد بن المهلب كتب إلي يذكر
علمك بالعراق وبخراسان ويثني عليك ، فكيف علمك بها ؟ قال : أنا أعلم
الناس بها ، بها ولدت ، وبها نشأت ، قال : ما أحوج أمير المؤمنين إلى مثلك
يشاوره في أمرها ، فأشر علي برجل أوليه خراسان ، قال : أمير المؤمنين أعلم
بمن يريد يولي ، فإن ذكر منهم أحداً أخبرته برأيي فيه هل يصلح أم لا ؟ فسمى
سليمان رجلاً من قريش ، فقال : ليس من رجال خراسان ، فسمى عبد الملك
ابن المهلب ، فقال : لا ، حتى عدد رجالاً ، فكان في آخر من ذكر وكيع
ابن أبي سُود ، فقال : يا أمير المومنين وكيع رجل شجاع صارم مقدام وليس
بصاحبها ، ومع هذا إنّه لم يَقُدْ ثلثمائة قط فرأى لأحد عليه طاعة ، قال :
صدقت ويحك ! فمن لها ؟ قال : رجل أعلمه لم تسمه ، قال : فمن هو ؟ قال :
لا أبوح باسمه إلا أن يضمن لي أمير المؤمنين سَتْرَ ذلك وأن يجيرني منه إن علم ،
قال : نعم ، سمِّه لي ، قال : يزيد بن المهلب ، قال : ذلك بالعراق والمقام بها
أحب إليه من المقام بخراسان ، قال : قد علمت يا أمير المؤمنين ، ولكن تُكرهه
فيستخلف على العراق رجلاً ويسير ، قال : أصبت الرأي ، فكتب عهد يزيد
ابن المهلب على خراسان ، وكتب إليه إن ابن الأهتم كما ذكرت من عقله ودينه
وفضله ورأيه ، ودفع الكتاب وعهدَ يزيد إليه ، فسار سبعاً فقدم على يزيد فقال
له : ما وراءك؟ فأعطاه الكتاب فقال: ويحك! أعندك خبر، فأعطاه العهد، فأمر
يزيد بالجهاز للمسير من ساعته ودعا ابنه مخلداً فقدمه إلى خراسان فسار من يومه.
ثم سار يزيد إلى خراسان فأقام بها ثلاثة أشهر أو أربعة ، ثم غزا جرجان
٢٩٨

وطبرستان ودهستان وفتحها ، وذلك في سنة ثمان وتسعين . وقتل من أصحاب
يزيد على حصار بعض قلاع جرجان خمسة آلاف رجل ، فحلف يزيد يميناً
مغلظة أنّه ليقتلنهم حتى تطحن الرحى بدمائهم ، فأكثر من قتلهم ، وكانت
الدماء لا تجري حتى صُبَّ عليها الماء فجرت فطحنت ، وأكل مما طحنت
بدمائهم .
ثم مات سليمان بن عبد الملك يوم الجمعة لعشر ليال بقين من صفر سنة
تسع وتسعين للهجرة ، وقيل لعشر ليال مضين من صفر، والله أعلم، بالصواب،
بدابق ، قرية من شماليّ حلب . وعهد إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ،
فعزل عمر في هذه السنة يزيد بن المهلب عن العراق ١ ، وجعل مكانه عدي بن
أرطأة الفزاري ، فأخذ يزيد وأوثقه ، وبعث به إلى عمر بن عبد العزيز ، وقد
كان عمر يبغض يزيد وأهل بيته ، ويقول : هؤلاء جبابرة ولا أحب مثلهم ،
وكان يزيد يبغض عمر ويقول : إنّي لأظنه مرائياً . ولما وصل يزيد سأله عمر عن
الأموال التي كتب بها إلى سليمان فقال : كنت من سليمان بالمكان الذي قد
رأيتَ ، وإنّما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس به ، وقد علمت أن سليمان لم
يكن ليأخذني بشيء ممّا سمعت ، ولا بأمر أكرهه ، فقال عمر : ما أجد في
أمرك إلا حبسك ، فاتق الله وأدّ ما قبلك فإنها حقوق المسلمين ولا يسعني تركها ،
فردّه إلى محبسه .
وذكر البلاذري في كتاب (( فتوح البلدان)) ٢ في الفصل المتضمن حديث
جرجان وطبرستان ، أن يزيد بن المهلب لما فرغ من أمر جرجان سار إلى خراسان
فتلقته الهدايا ، ثم ولى ابنه مخلداً خراسان ، وانصرف إلى سليمان ، فكتب إليه
إن معه خمسة وعشرين ألف ألف درهم ، فوقع الكتاب في يد عمر بن عبد
العزيز ، فأخذ يزيد به وحبسه ، والله أعلم .
وبعث ٣ عمر إلى الجراح بن عبد الله الحكمي فسرحه إلى خراسان ، ثم قدم
١ انظر الطبري ٢ : ١٣٥٠.
٢ فتوح البلدان : ٤١٤ .
٣ عاد إلى النقل عن الطبري : ١٣٥٠.
٢٩٩

مخلد بن يزيد على عمر ، وجرى بينهما ما سبق ذكره ، فلما خرج مخلد بن یزید
قال عمر : هذا عندي خير من أبيه ، فلم يلبث مخلد إلا قليلاً حتى مات . ولمّا
أبى يزيد أن يؤدي المال إلى عمر ألبسه جبة صوف وحمله على جمل ، ثم قال :
سيروا به إلى دهلك - قلت : وهي جزيرة في بحر عيذاب بالقرب من سواكن
كان الخلفاء يحبسون بها من نقموا عليه -. قال: فلما أُخرج يزيد مروا به على
الناس ، فجعل يزيد يقول : مالي عشيرة ؟ يُذْهَبُ بي إلى دهلك؟ إنّما يُذْهَب
إلى دهلك بالفاسق المريب ، سبحان الله ، أما لي عشيرة ؟ فدخل على عمر سلامة
ابن نعيم الخولاني ، وقال يا أمير المؤمنين ، اردد يزيد إلى محبسه ، فإنّي أخاف
إن أمضيته أن ينتزعه قومه ، فإني رأيت قومه قد غضبوا له، فردّه إلى محبسه ،
ولم يزل في محبسه حتى بلغه مرض عمر .
وقيل ١ إن عدي بن أرطأة سلمه إلى وكيع بن حسان بن أبي سود التميمي
مغلولاً مقيداً في سفينة ليوصله إلى عين التمر حتى يحمل إلى عمر ، فعرض
لوكيع ناس من الأزد لينتزعوه منه ، فوثب وكيع وانتضى سيفه وقطع قَلْسَ
السفينة ، وأخذ سيف يزيد بن المهلب ، وحلف بطلاق امرأته ليضربن عنقه
إن لم يتفرقوا عنه ، فناداهم يزيد وأعلمهم بيمين وكيع ، فتفرقوا ، ومضى به
حتى سلمه إلى الجند الذين بعين التمر ، وحمله الجند إلى عمر فحبسه .
ولما كان يزيد في حبس عمر دخل عليه الفرزدق ، فرآه مقيداً فأنشده :
أصبح في قيدكَ السماحةُ والجودُ وحمل الديات والحسبُ
لا بَطِرٌ إن ترادَفتْ نِعِمٌ وصابرٌ في البلاء محتسبُ
فقال له يزيد : ويحك ماذا صنعت ؟ أسأت إلي ، قال : ولم ذاك ؟ قال :
تمدحني وأنا على هذه الحالة ؟ فقال له الفرزدق : رأيتك رخيصاً فأحببت أن
أسلف فيك بضاعتي ، فرمى يزيد إليه بخاتمه وقال : شراؤه ألف دينار ، وهو
ربحك إلى أن يأتيك رأس المال .
واستمر في حبسه٢ إلى أن مرض عمر في سنة إحدى ومائة ، فخاف
١ الطبري ٢ : ١٣٥٢.
٢ الطبري : محبسه .
٣٠٠