النص المفهرس

صفحات 201-220

أولنا يا وليَّ دولته خيـ راً لديه فالخيّرُ النفاع
وأنفذ الكتاب مع محمد بن سليمان الخرائطي في الخرائط ، فلم يضعه!
القاسم من يده حتى دخل على المكتفي ، فقرأه عليه وأنشده الأبيات ، فاستحسنها
وقال : يكتب الساعة بتخلية سبيله وحمله إلينا ، فلم يكن أسرع من أن وافاني
الرسول ، فوافيت وأنشدت المكتفي ببغداد :
دَ بقرقيسيا عليَّ طويلا
عاد لَيْلي القصيرُ في کرخِ بغدا
ن رهيناً بها غريباً ذليلا ؟
أجميلاً أن تَتْركوني وتمضو
ب فصبراً حسبي بربي وکیلا٢
مفرداً بالعقاب مشترك الذن
ـدادَ لا هالكاً بغمي قتيلا
إن قضى اللّه لي رجوعاً إلى بغـ
وابنَ الخلائف المأمولا
وأراني الخليفةَ المكتفي بالله
ي ولا واجداً ولا مستحيلا
كالذي قد عهدتُ لا مُعْرِ ضاً عن
ـدي إذا الرأي منه كان جميلا
كل شيء أُسامُهُ هيّن عنـ
فاستحسنها ورق لشكواي بها حتى تبيّنت ذلك في وجهه وكلامه .
وأخبار يحيى ومحاسنه كثيرة . وكانت ولادته سنة إحدى وأربعين ومائتين ؛
وتوفي ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثلثمائة رحمه
الله تعالى .
وقد تقدم ذكر والده علي وأخيه هارون وابن أخيه علي ، ولم أرفع في نسبهم
إلا في هذه الترجمة لأنّي لم أظفر بالنسب على هذه الصورة إلا لمّا وصلت إلى
هذا الموضع فنقلته كما وجدته من كتاب ((الفهرست)) لأبي الفرج محمد بن
إسحاق النديم ، ولم أضبط شيئاً من أسماء أجداده ، لأنّي لم أتحقق فيها
شيئاً فنقلتها كما وجدتها .
........
١ ص : يدعه .
٢ ر : كفيلا .
٢٠١

٨٠٣
أبو بكر ابن بقي الشاعر
أبو بكر يحيى بن محمد بن عبد الرحمن بن بقي الأندلسي القرطبي الشاعر
المشهور صاحب الموشحات البديعة ؛ قال الفتح بن محمد بن عبيد الله القيسي في
كتاب ((مطمح الأنفس)) ١ في حق أبي بكر المذكور: إنّه كان نبيل النثر
والنظام ، كثير الارتباط في سلكه والانتظام ، أحرز خصالا ، وطرز محاسنه
بكراً وآصالا ، وجرى في ميدان الإحسان إلى أبعد أمد ، وبنى من المعارف
على أثبت عَمَد ، إلا أن الأيام حرمته ، وقطعت حبل رعايته وصرمته ، ولم
تتم له وطراً ، ولم تسجم عليه من الحظوة مطراً ، ولا نولته ٢ من الحرمة ٣ نصيباً،
ولا أنزلته مرعى خصیباً ، فصار راكب صهوات ، وقاطع فلوات ، لا يستقر
يوماً ، ولا يستحسن قوماً؛، مع توهم لا يظفره بأمان ، وتقلب ذهن كواهي
الجمان ، إلا أن يحيى بن علي بن القاسم° نزعه عن ذلك الطيش، وأقطعه جانباً
من العيش ، وأرقاه إلى سمائه ، وسقاه صوب نعمائه ، وفيأهُ ظلاله ، وبوأه
أثر النعمة يَجوسُ خلاله ، فصرف فيه أقواله ، وشرف بقوافيه نواله ، وأفرده
منها بأنفس در ، وقلد لبته منها بقصائد غر .
وذكر الفتح بن محمد بن عبيد الله القيسي المذكور في حقه أيضاً في كتاب
٨٠٣ - ترجمته في الذخيرة (القسم الثاني) ٢٤٤ والقلائد: ٢٧٩ ومعجم الأدباء ١٩: ٢١ والتكملة،
رقم: ٢٠٤٢ ومسالك الأبصار ١١، الورقة: ٢٨٠ والمغرب ٢: ١٩ وأزهار الرياض ٢:
٢٠٨ وصفحات متفرقة من نفح الطيب، وله موشحات في دار الطراز وجيش التوشيح .
١ لم ترد ترجمته في المطمح المطبوع؛ والمعروف أن المطمح منه كبير وأوسط وصغير.
٢ ق ن س ص ع بر من : سولته .
٣ ص ر : الحرفة .
٤ ر : نوما .
٥ هو من بني عشرة زعماء مدينة سلا في عصر المرابطين .
٢٠٢

((قلائد العقيان)): هو رافع راية القريض، وصاحب آية التصريح فيه
والتعريض ، أقام شرائعه ، وأظهر روائعه ، وصار عصيه طائعه ، إذا نظم
أزرى بنظم العقود ، وأتى بأحسن من رَقْمِ البرود ، ضفا عليه حرمانه ، وما
صفا له زمانه ، انتهى كلام الفتح .
وقد أثبت لأبي بكر المذكور هذا المقطوع من الشعر ، ولم أر الفتح ذكره في
واحد من كتابيه المذكورين مع أنّه من أحسن شعره وأشهره ، وهو :
بين العذيب وبين شطّيْ بارقٍ
بأبي غزالٌ غازلته مقلتي
فأجابني منها بوعد صادق
وسألت منه زيارة تشفي الجوى
ومن النجوم الزهر تحت سُرادق
بتنا ونحن من الدجى في خيمة ١
صهباءَ كالمسك الفتيق لناشق
عاطيته والليلُ يسحبُ ذيلَه
وضممته ضمَّ الكميِّ لسيفه
وذؤابتاه حمائل في عاتقي
زحزحته عنّي وكان معانقي
حتى إذا مالت به سنةُ الكرى
كي لا ينامَ على وساد خافق
أبعدته عن أضلع تشتاقه
قد شاب في لم له ومفارق
لما رأيتُ الليلَ آخر عمره
ودعت من أهوى وقلت تأسفاً : أعززْ علي بأن أراك مفارقي
وقد ذكر بعض هذه الأبيات الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه الذي
سماه (( المطرب من أشعار أهل المغرب)) ٢ .
ومن شعره قصيدة يمدح بها يحيى بن علي بن القاسم المذكور في هذه الترجمة ،
وهي طويلة ، ومن مديخها قوله :
كرمُ الطباعِ ولا جمالُ المنظرٍ
نوران ليسا يحجبان عن الورى
كتمانَ نورٍ علائه المتشهر
وكلاهما جمعا ليحيى فليدعْ
١ س بر : الجة .
٢ المطرب : ١٩٨ .
٢٠٣

عَرْفٌ يزيد على دخان المجمر
في کلّ أفق من جمیلِ ثنائِهِ
رُدْ في شمائله ورِدْ في جوده
نَدْبٌ عليه من الوقار سكينةٌ
مثل الحسام إذا انطوى في غمده
أربى على الغيث الملثِّ لأنّه
أزرى على البحر الخضمّ لأنه
بين الحديقة والغمام الممطر
فیھا حفيظةُ کلِّ لیثٍ مخدر.
ألقى المهابة في نفوس الحضّر
أعطى كما أعطى ولم يستعبر
في كل كف منه خمسة أبحر
صوبُ الغمامة بل زلال الكوثر
أقبلت مرتاداً لجودك إنّه
ورأيت وجه النجح عندك أبيضاً
فركبت نحوك كل لج أخضر
مثل البعير مخزم في المنخر
يجري إليك بنا سفينٌ أتلع
مما قطعن من اليباب المقفر١
وبنات اعوج قد برمن بصحي
وأورد له صاحب ((قلائد العقيان)) مقطوعاً وهو٢ :
ريقاً متى كان فيك الصَّاب والعسلُ
يا أقتلَ الناس الحاظاً وأطيبهم
ورد يزيدُك فيه الراحُ والخجل
في صحنْ خدك وهو الشمس طالعة
من خدّك الكُتُبُ أو من لحظك الرسل٣
إيمانُ حبّك في قلبي يجدّده
مرني بما شئت آتيه وأمتَئِل
ء
إن كنتَ تجهلُ أنّ عبدُ مملكة
لو اطلعْتَ على قلبي وجدتَ به من فعل عينيك جرحاً ليس يندمل
وذكره العماد الكاتب في ((الخريدة)) وأورد له عدة مقاطيع ، ثم أعاد
ذكره في آخر الكتاب وأورد له :
ومشمولةٍ في الكأس تحسبُ أنها سماء عقيقٍ رصِّعت بالكواكبِ
...
١ المختار : الأقفر .
٢ القلائد : ٢٨١ .
٣ المختار : الأسل .
٢٠٤

بنتْ كعبة اللذات في حَرَم الصبا فحجّ إليها اللهوا من كل جانب ٢
ومحاسنه في الشعر كثيرة . وتوفي سنة أربعين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى.
وبَقِيّ : بفتح الباء الموحدة وكسر القاف وتشديد الياء .
٨٠٤
الخطيب الحصكفي
أبو الفضل يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد ، الملقب معين الدين ، المعروف
بالخطيب الحصكفي ؛ صاحب الديوان الشعر والخطب والرسائل ، ولد بطَنْزة
ونشأ بحصن كيفا ، وقدم بغداد فاشتغل بالأدب على الخطيب أبي زكريا التبريزي
- المقدم ذكره - وأتقنه حتى مهر فيه ، وقرأ الفقه على مذهب الإمام الشافعي ،
رضي الله عنه ، وأجاد فيه ، ثم رحل عن بغداد راجعاً إلى بلاده ونزل مَيّافارقين
واستوطنها٣، وتولى بها الخطابة ، وكان إليه أمر الفتوى بها ، واشتغل عليه
الناس وانتفعوا بصحبته .
وذكره العماد الأصبهاني في كتاب ((الخريدة)) فقال في حقه٤: ((كان
علامة الزمان في علمه ، ومعريَّ العصر في نثره ونظمه ، له الترصيع البديع
والتجنيس النفيس ، والتطبيق والتحقيق ، واللفظ الجزل الرقيق ، والمعنى السهل
١ ق : الناس .
٢ ثم أعاد ... جانب : سقط من : س بر من.
٨٠٤ - ترجمته في المنتظم ١٠: ١٨٣ واللباب (الحصكفي، الطيزي) والبدر السافر ، الورقة :
٢٢٢ ومعجم الأدباء ٢٠: ١٨ والخريدة (قسم الشام) ٢: ٤٧١ وطبقات السبكي ٤ : ٣٢٢
والشذرات ٤ : ١٦٩ والنجوم الزاهرة ٥ : ٣٢٨.
٣ المختار : واستوطن ميافارقين .
٤ الخريدة ٢ : ٤٧٢ .
٢٠٥
٠

العميق، والتقسيم المستقيم، والفضل السائر المقيم)) . ثم قال العماد بعد كثرة
الثناء عليه وتعداد محاسنه: ((وكنت أحب لقاءه ، وأحدث نفسي عند وصولي
إلى الموصل به ، وأنا شغف بالاستفادة ، كلف بمجالسة الفضلاء للاستزادة ،
فعاق دون لقائه بعد الشقة ، وضعفي عن تحمل المشقة )) ثم ذكر له عدة مقاطيع ،
فمن ذلك قوله :
وخليعٍ بتُّ أعذله ويرى عذلي من العبثِ
قال : حاشاها من الخبث
قلتُ : إن الحمرَ مَخْبثةٌ
قال : طيبُ العيش في الرفث
قلت : فالأرفاتُ تتبعها
شرفت عن مخرج الحدث
قلت: منها القيء ، قال: أجلْ
وسأجفوها ، فقلت : متى ؟ قال : عند الكون في الحدث
قلت أنا : ولقد أخذ الخطيب المذكور قوله :
شرفت عن مخرج الحدث
من قول بعضهم ولا أعرفه ، لكنها أبيات سائرة ، وهي :
إنّي سأشربها حيّاً وفي جدثي
ولائم لامني في الخمر ، قلت له :
صرفاً حراماً فإنّ غير مكترث
فأسقي ١ قهوةً حمراءَ صافيةً
حشايَ نارٌ تبقّيها على الثلث
فإن يكنْ حللوها بالطبيخ فقي
قالوا : فلم تتقاياها ؟ فقلت لهم : إنّ أنزهها عن مخرج الحدث
ثم قال العماد الأصبهاني : وأنشدني له بعض الفضلاء ببغداد خمسة أبيات
كالخمسة السيارات ٢ مستحسنات مطبوعات مصنوعات ، وهي :
أشكو إلى اللّه من نارين: واحدة في وجنتيه وأُخرى منه في كبدي
١ س بر من : قم فاسقني .
٢ ق ص ع : السائرات ؛ ر : السيارة .
٢٠٦

من الجفون وسقم حل في جسدي
ومن سقامین : سقم قد أحل دمي
يذيع سرى ، وواشٍ منه بالرَّصَد
ومن نمومين : دمعي حبن أذكره
ووده٢ ويراه الناسُ طوع يدي
ومن ضعيفين : صبري حين أذكره١
أخصره خنصري أم جِلْده جلدي
مهفهف رقَّ حتى قلتُ من عجّبٍ
ومن مليح شعره أبيات في هجو مغنّ وهي :
يبدلُ بالفقر الغنى
ومسمعٍ غنائه
رضيتهم لي قُرْنا
شهدتُهُ في عصبة
أبصرتُه فلم تخِبْ
وقلتُ من ذا وجهه
ورمتُ أن أروح لل
فقلتُ من بينهمُ
ویومَ سَلْعٍ لم يكن
فانشال منه حاجبٌ
وامتلأ المجلسُ من
أوقع إذ وقّع في الأذ
وقال لما قال من
فراستي لمنا دنا
کیف یکونُ محسنا
ظنِّ به ممتحنا
هاتٍ أخي غن لنا
يومي بسلعٍ هَيِّنا
وحاجبٌ منه انحنى
فيه نسيماً منتنا
نفسٍ أسبابَ العنا
يسمع في ظل الفنا
تخليط حتى لحنا
وما اكتفى باللحن وا!
هذا وكم تكشخن ال وغدُ وكم تقرنتنا٣
يوهمُ زمراً؛ أنه قطعه ودندنا
١ المختار : أبصره .
٢ بر : ووصله.
٣ المختار : تقودنا .
٤ ن المختار : رمزاً .
٢٠٧

يخرجُ عن حد البنا
وصاح صوتاً نافراً
ماذا على القوم جنى
وما درى محضره
وذا يسدّ الأذنا
فذا يسدّ أنفه
تستزُ عنه الأعينا
ومنهمُ جماعةٌ
غيظٍ أبث الشجنا
فاغتظتُحتىكدتُمُن
إما المغنّي أو أنا
وقلتُ یا قوم اسمعوا
أقسمتُلاأجلسُ أو يخرجَ هذا من هنا
جروا برجل الكلبِ إن السقم هذا والضنا
وذدتَ عنا المحنا
قالوا لقد رحمتنا
راحة نفسي والثناء
فحزت في إخراجه
قرأتُ فيهم معلنا
وحين ولّى شخصه
أذهبَ عنا الحزنا
الحمد لله الذي
ولم أسمع ، مع كثرة ما قيل في هذا الباب مثل هذا المقطوع في هذا المعنى .
وللخطيب المذكور أيضاً في هذا المعنى ٢ :
ومُسْمِعٍ قوله بالكرْه مسموعُ مُحَجبٌ عن بيوت الناس ممنوعٌ
بيه فقلنا الفتى لا شكَّ مصروع
غنى فبرَّقَ عينيه وحرَّكَ لحـ
أن اللسان الذي في فيه مقطوع .
وقطع الشعر حتى ودَّ أكثرنا
ولا مضى قطُّ إلا وهو مصفوع
لم يأتٍ دعوة أقوامٍ بأمرهمُ
وقد سبق له في ترجمة الشيخ الشاطبي في حرف القاف مقطوع لغز في نعش
وهو معنى مليح ، وأكثر شعره على هذا الأسلوب في اللطافة وجودة المقاصد ،
١ بر : راحة قلبي والمنى .
٢ زاد في ن : أربعة أبيات ملاح .
٢٠٨

وكان يتشيع ١ . وهو في شعره ظاهر .
وكان ٢ بمدينة آمد شابان بينهما مودة أكيدة ومعاشرة كثيرة ، فركب أحدهما
ظاهر البلد وطرد فرسه فتقنطر فمات ، وقعد الآخر يستعمل الشراب ، فشرق
فمات في ذلك النهار ، فعمل فيهما بعض الأدباء :
تقاسما العيش صفواً والردى كدراً وما عهدنا المنايا قط تُقْتَسمُ
وحافظا الودّ حتى في حمامِهما وقلما في المنايا تُحفظُ الذَّمم
فلما وقف الخطيب المذكور على البيتين قال : هذا الشاعر قصر إذ لم يذكر
سبب موتهما ، وقد قلت فيهما :
بنفسي أُخَيّانِ من آمدٍ أصيبا بيوم مَشوم عبوسٍ
وهذا كميتٌ من الخندريس
دهى ذا كميتٌ من الصافناتِ
قلت : ولو قال :
دهى ذا كميت من الصافنات وهذا كميت من الصافيات
لكان أحسن لأجل المجانسة ، وكان يجعلُ البيت الأول :
بنفسي أُخيّانِ من آمدٍ أصيبا بيوم شديد الأذاة
أو ما يناسب هذا، ثم وجدت البيتين الأولين في كتاب ((الجنان)) تأليف
القاضي الرشيد ابن الزبير - المقدم ذكره في حرف الهمزة٣ - وقد نسبهما إلى
الفقيه أبي علي الحسن بن أحمد المعلم المعري ، ، لكن هكذا وجدت الحكاية بخط
١ زاد في المطبوعة المصرية هنا: قلت : وهذا من الزيادات التي أدخلها الكتاب الداخلون في عموم
الحديث من مجوس هذه الأمة والله أعلم ؛ ولم يرد في النسخ الخطية، وواضح أنه رد من أحد
المعلقين على ما جاء في النص .
: ٢ هذه القصة لم ترد في س بر من .
٣ انظر جـ ١ : ١٦٠ .
١٤ - ٦
٢٠٩

بعض المتأدبين ١ ، والله أعلم .
وللخطيب المذكور الخطب المليحة والرسائل المنتقاة . ولم يزل على رياسته
وجلالته وإفادته إلى أن توفي سنة إحدى ، وقيل ثلاث ، وخمسين وخمسمائة .
وكانت ولادته في حدود سنة ستين وأربعمائة ، رحمه اللّه تعالى .
والحَصْكَفي : بفتح الحاء وسكون الصاد المهملة وفتح الكاف وفي آخرها
فاء ، هذه النسبة إلى حصن كيفا ، وهي قلعة حصينة شاهقة بين جزيرة ابني
عمر وميافارقين ، وكان القياس أن ينسبوا إليه الحِصْني ، وقد نسبوا إليه أيضاً
كذلك ، لكن إذا نسبوا إلى اسمين أضيف أحدهما إلى الآخر ركبوا من مجموع
الاسمين اسماً واحداً ونسبوا إليه كما فعلوا هاهنا ، وكذلك نسبوا إلى رأس عين
((رَسْعَني)) وإلى عبد الله وعبد شمس وعبد الدار : عبدلي وعبشمي وعبدري ،
وكذلك كل ما هو نظيره .
وأما طَنْزة : بفتح الطاء المهملة وسكون النون وفتح الزاي في آخرها هاء
ساكنة ، فهي بليدة صغيرة بديار بكر فوق الجزيرة العُمرية ، خرج منها جماعة
من المحدثين وغيرهم ، ونسبوا إليها ٢ .
(319) قال عماد الدين الأصبهاني الكاتب في كتاب ((الخريدة )٣ : منها
إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم الطنزي ، وهو القائل :
وإنّ المشتاق إلى أرض طَنْزة وإن خاني بعد التفرق إخواني
سقى الله أرضاً لو ظفرت بتربها كحَلْت به من شدة الشوق أجفاني
ثم قال عماد الدين المذكور بعد هذا : كان الشاعر حياً في شهر رمضان ؛
سنة ثمان وستين وخمسمائة .
.....
١ ن ص : المقارنين ؛ ع : المقاربين .
٢ هنا تنتهي الترجمة في س .
٣ الخريدة (قسم الشام) ٢: ٤٦٩ وياقوت ( طنزة).
٤ زاد في ن : المعظم قدره .
٢١٠

٨٠٥
يحيى بن تميم الصنهاجي
أبو طاهر١ يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الحميري الصنهاجي صاحب
إفريقية وما والاها - قد تقدم ذكر والده ورفعت نسبه هناك ، وتقدم ذكر جماعة
من أجداده في هذا الكتاب - .
وكانت ولاية الأمير يحيى المذكور بالمهدية خلافةً عن أبيه تميم يوم الجمعة
لأربع بقين من شهر ذي الحجة سنة سبع وتسعين وأربعمائة والطالع الدرجة
السابعة من الجَدْي ، ثم استقل بالأمر يوم وفاة والده ، وقد سبق ذلك في ترجمته .
وكان عمر الأمير يحيى يوم الاستقلال ثلاثاً وأربعين سنة وستة أشهر وعشرين
يوماً ، وركب على العادة ، وأهل دولته محتفون به ، ورجع إلى قصره فغيّر
لباس جميع أهل الدولة من الخواص والجند بخلع سنية ، وكانوا قد غيروا لباسهم
لموت أبيه ، ووهب للأجناد والعبيد أموالاً كثيرة ، ووعدهم مواعد سارة .
ورأيت في كتاب ((الجمع والبيان في أخبار القيروان )) الذي ألفه ولد أخيه
عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شداد بن تميم بن المعز بن باديس ، أن الأمير
تميماً قبل وفاته بمدة يسيرة دعا ولده يحيى المذكور ، وكان في دار الإمارة مع
خاصته وجلسائه ، فمضى يحيى ومن معه إليه ، فوجدوا تميماً في بيت المال ،
فأمرهم بالجلوس ثم قال لأحدهم : قم فادخل ذلك البيت وخذ منه الكتاب الذي
صفته كذا في مكان كذا٢ ، فقام وأتى به ، فإذا هو كتاب مُلْحَمة ، فقال له :
٨٠٥ - أخباره في الكتب التاريخية مثل ابن الأثير وأعمال الأعلام (جـ: ٣) وابن أبي دينار وابن
خلدون ٦ : ١٦٠ والبيان المغرب ١ : ٣٠٤ ومرآة الجنان ٣: ١٩٨ وفي المكتبة الصقلية نقول
من هذه الكتب وغيرها تتصل بأخباره .
١ ع ر بر من: أبو زكريا؛ وفي أعمال الأعلام أن كنيته أبو علي .
٢ زاد في ر : فأت به .
٢١١
ة

عدّ من أوله كذا وكذا ورقة ، واقرأ الصفحة التي تنتهي إليها ، فقرأها١ وإذا
فيها ((الملك المغدور ، وهو الطويل القامة الذي على وركه الأيمن خال وفي جنبه
الأيسر شامة)) فقال الأمير تميم : أطبق الكتاب واردده إلى موضعه ، ففعل ،
ثم قال تميم : أما العلامتان فقد رأيتهما، وبقيت عليَّ الثالثة ، قم أنت يا شريف
وأنت يا فلان حتى تحققا عندي خبر العلامة الثالثة ، فقاموا وقام يحيى معهم إلى
موضع مستور عن تميم ، فكشف لهم عن جسمه ، فرأوا شامة على جنبه الأيسر
هلالية الشكل ، فأتوا تميماً فعرفوه ، فقال : لم أُعطه أنا شيئاً ، اللّه تعالى الذي
أعطاه ، ثم قال : إنّي أخبركم بحديث عجيب ، وذلك أنّه عرض عليّ النخاسُ
والدته ، فاستحسنتها ومالت نفسي إليها فاشتريتها ، وسلمتها إلى خدام
القصر ، وأمرت النخاس أن يرجع إلى قبض الثمن ، ثم دبرت في مال طيب حلال
أخرج ثمنها منه ، فبينما أنا مفكر في ذلك إذ سمعت السائل ٢ يصيح ويرفع صوته
في الإذن على مطالعتي ، فأخرجت رأسي من الطاق وقلت له : ما شأنك ؟ فقال :
كنت الساعة أحفر في قصر المهدي إذ وجدت صندوقاً عليه قفل ، فتركته على
حاله وجئت مطالعاً بأمره ، فأنفذت معه من أثق به ، فإذا فيه أثواب مذهبات
الأعلام قد أفناها الدهر ، فأمرت بسبك أعلامها ، فلم تزد ولم تنقص عن ثمن
الجارية ، فتعجب الحاضرون من ذلك ودعوا له ، ثم أمر لهم بدنانير وكساء
وانصرفوا . قال عبد العزيز المذكور : وقد أدركت هذا الكتاب المشار إليه عند
السلطان الحسن ، رحمه الله تعالى ، يعني الحسن بن علي بن يحيى المذكور ،
وحكى عن الكتاب أموراً وقضايا ذكر أنها ستكون ، وكانت كما ذكر .
رجعنا إلى حديث يحيى :
ولمّا جلس في الملك قام بالأمر وعدل في الرعية وفتح قلاعاً لم يتمكن أبوه
من فتحها ، قال عبد العزيز المذكور في تاريخه : وفي أيامه - يعني يحيى ٣ -
١ فقرأها : سقطت من ن ق ع س .
٢ ق ع س بر : البنامكي .
٣ ق ع س بر من : يعني أيام يحيى .
٢١٢

وصل إلى المهدية من طرابلس المهدي محمد بن تومرت- المقدم ذكره ١- قادماً
من الحج ، فنزل بمسجد قبليَّ مسجد السبت ، فاجتمع إليه جماعة من أهل المهدية
وقرأوا عليه كتباً في علم أصول الدين ، وشرع في تغيير المنكر ، فرفع أمره
إلى يحيى فأحضره وجماعة من الفقهاء، فرأى ما هو عليه من الخشوع والتقشف
والعلم ، فسأله الدعاء فقال له : أصلحك الله لرعيتك ، ونفع بها ذريتك ،
وأقام مدة يسيرة بالمهدية ثم انتقل إلى المنستير فأقام بها مدة ، ثم انتقل إلى بِجاية
- وقد تقدم في ترجمة والده الأمير تميم أن محمد بن تومرت المذكور اجتاز بتلك
البلاد في أيامه ، والله تعالى أعلم أي ذلك كان .
ثم قال عبد العزيز : وفي سنة سبع وخمسمائة أتى إلى المهدية قوم غرباء ،
فقصدوا يحيى بمطالعة زعموا فيها أنهم من أهل الصناعة الكبيرة من الواصلين
إلى نهايتها ، فأذن لهم بالدخول عليه ، فلما مَثَلوا بين يديه طالبهم بأن يظهروا
له من الصناعة ما يقف عليه فقالوا : نحن نزيل من القصدير التدخين والصرير
حتى يرجع لا فرق بينه وبين الفضة ، لمولانا من السروج والقصب والبنود
والأواني قناطير من الفضة يجعل عوضاً منها ما يريده ويستعمل جميع ذلك في
مهماته ، وسألوه أن يكون ذلك في خلوة ، فأجابهم وأحضرهم للعمل ، ولم
يكن عند الأمير يحيى سوى الشريف أبي الحسن علي والقائد إبراهيم قائد الأعنة .
وكانوا هم ثلاثة ، وكانت بينهم أمارة ، فأمكنتهم الفرصة ، فقال أحدهم :
دارت البوتقة ، فتواثبوا وقصد كل واحد منهم واحداً بسكاكينهم ، فأمّا الذي
قصد الأمير يحيى فقال : أنا سراج ، وكان يحيى جالساً على مصطبة ، فضربه
فجاءت على أم رأسه ، فقطعت طاقات في العمامة ، ولم تؤثر في رأسه ، واسترخت
يده بالسكين على صدره فخدشته ، وضربه يحيى برجله ، فألقاه على ظهره ،
فسمع الخدمُ الجلبة ففتحوا باب القصر من عندهم ، فدخل يحيى وأغلق الباب
دونهم ، وأمّا الشريف فلم يزل به الذي قصده حتى قتله ، وأمّا القائد إبراهيم
فإنّه شهر سيفه ، ولم يزل يقاتل الثلاثة ، وكسر الجند الباب الذي كان بينهم ،
ودخلوا فقتلوهم ، وكان زيهم زي أهل الأندلس ، فقتل في البلد جماعة ممن
١ انظر جـ ٥ : ٤٥ .
٢١٣

يلبس ذلك الزي ، وخرج ١ الأمير يحيى في الحال ومشى في البلد وسكن الفتنة .
وكان يحيى عادلاً في دولته ضابطاً لأمور رعيته عارفاً بخرجه ودخله ، مدبراً
في جميع ذلك على ما يوجبه النظر العقلي ويقتضيه الرأي الحكمي؛ ونعته في الملاحم
((الملك المغدور)) وتحقق له هذا النعت بهذه الواقعة التي ذكرناها . وكان كثير
المطالعة لكتب الأخبار والسير عارفاً بها ، رحيماً للضعفاء شفيقاً على الفقراء ،
يطعمهم في الشدائد فيرفق بهم ، ويقرب أهل العلم والفضل من نفسه ، وساس
العرب في بلاده فهابوه وانكفت أطماعهم، وكان له نظر حسن في صناعة النجوم
والأحكام ، وكان حسن الوجه على حاجبه شامة ، أشهل العينين مائلاً في قده إلى
الطول دقيق الساقين ، وكان عنده جماعة من الشعراء قصدوه ومدحوه ، وخلدوا
مديحه في دواوينهم ، ومن جملة شعرائه أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي
الصلت الشاعر - المقدم ذكره - أقام تحت كنفه بعد أن جاب الأرض ، وتقاذفت
به البلدان ، وله صنّفَ الرسالة المشهورة التي وصف فيها مصر وعجائبها وشعراءها
وغير ذلك٢، وله فيه مدائح كثيرة أجاد فيها وأحسن ، وله أيضاً مدائح في ولده
أبي الحسن علي وولد ولده الحسن بن علي ، ومن جملة قوله من مديحه قصيدة :
فالمجدّ أجمع بين البأس والجود
وارغبْ بنفسك إلا عن ندىَّ ووغِى
مَيْتَ الرجاء بإنجازِ المواعيد
كدأب يحيى الذي أحيتْ مواهبه
جُرْدِ الصّلادِمِ والبزلِ الجلاعيد٣
معطي الصوارم والهيفِ النواعم وال
على أشمَّ بفرع النجمِ معقود
أشمُّ أشوسُ مضروبٌ سرادقه
رأيت يوسفَ في محراب داوود
إذا بدا بسرير الملك محتبياً
واستوطنوا صهواتِ الضُّمَّرِ القود
من أسرةٍ تخذوا الماذيَّ لبسهمُ
وهل رأيتَ عظيماً غيرّ محسود
محسدون على أن لا نظيرّ لهم
١ ع : ضخرج .
٢ هي المسماة بالرسالة المصرية وقد نشرت بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون في نوادر المخطوطات
رقم : ١ ٠
٣ الجلاعد - بضم الجيم - الجمل الشديد .
٢١٤

وإن تكنْ جمعتكم أسرةٌ كرمتْ فليس في كلّ عود نفحة العُود
يطوي بها الأرضَ من بيد إلى بيد
أقول للراكب المزجي مطيته
وتطلب الريَّ من صمّ الجلاميد
لا تترك الماءَ عِدّاً! في مشارعه
وذا الطريقُ إليها غير مسدود
هذي مواردُ يحيى غيرُ ناضبةٍ
فالسيوفِ قضاءٌ غير مردود
حكّمْ سيوفَكَ فيما أنت طالبُهُ
وله فيه غیر ذلك .
ولما كان يوم الأربعاء٢، وهو عيد النحر سنة تسع وخمسمائة ، توفي يحيى
فجأة ، وذلك أن منجمه قال يوماً له : إن في تسيير مولدك في هذا النهار عليك
عكساً فلا تركب ، فامتنع من الركوب ، وخرج أولاده ورجال دولته إلى
المصلى ، فلما انقضت الصلاة حضر رجال الدولة على ما جرت به العادة للسلام ،
وقرأ القراء القرآن وأنشد الشعراء، وانصرفوا إلى الإيوان فأكل الناس ، وقام
يحيى إلى مجلس الطعام ، فلما وصل إلى باب المجلس أشار إلى جارية من حظاياه
فاتكأ عليها ، فما خطا من باب البيت سوى ثلاث خطوات حتى وقع ميتاً .
وكان ولده علي نائبه على سفاقس ، وهي بلدة من أعمال إفريقية ، [ وللشعراء
فيها شعر فمن ذلك قول بعضهم وهو علي بن حبيب يصف بحرها في مده وجزره :
سقياً لأرض سفاقس ذات المصانع والمصلى
ن ورودہ أهلاً وسهلا
بلد يكاد يقول حيـ
ن تراه ينضب ثم يملا
وكأن ماء البئر حيـ
صبٌّ يريد زيارة فإذا رأى الرقباء ولى]٣
فأحضر وعقدت له الولاية ، ودفن يحيى في القصر على ما جرت به العادة ،
ثم نقل بعد سنة إلى قصر السيدة بالمنستير - وهي بلدة بأفريقية أيضاً - وخلف
ثلاثين ولداً ذكوراً .
١ ق بر : عذباً .
٢ ر : الاثنين .
٣ زيادة من ر .
٢١٥

(320) وأما علي المذكور القائم مقام أبيه يحيى فإن مولده بمدينة المهدية
صبيحة يوم الأحد لخمس عشرة ليلة خلت من صفر سنة تسع وتسعين وأربعمائة ،
وكان أبوه قد ولاه سفاقس ، فلما مات أبوه اجتمع أعيان دولته على كتاب
كتبوه عن أبيه إليه يأمره بالوصول إليه مسرعاً ، فوصله الكتاب ليلاً ، فخرج
لوقته ومعه طائفة من أمراء العرب ، وجَدَّ في السير فوصل الظهر من يوم الخميس
الثاني من يوم العيد ، ودخل القصر ، ولم يقدم شيئاً على تجهيز أبيه والصلاة عليه
ودفنه ، وفي صبيحة يوم الجمعة ثالث عشر ذي الحجة جلس للناس ، فدخلوا
عليه وسلموا بالإمارة ، ثم ركب في جيوشه وجموعه ثم عاد إلى قصره .
وفي أيامه توجه أخوه أبو الفتوح ابن يحيى إلى الديار المصرية ومعه زوجته
بلاّرة١ بنت القاسم وولده العباس صغير على الثدي ، فوصل إلى الإسكندرية
فأنزل وأكرم بأمر الآمر صاحب مصر يومئذ ، فأقام بها مدة يسيرة وتوفي ،
فتزوجت بعده زوجته بلاّرة بالعادل بن السلار واسمه علي - المقدم ذكره في
هذا الكتاب في حرف العين ٢ - وشبَّ العباس وقدمه الحافظ صاحب مصر ،
وولي الوزارة بعد العادل المذكور .
وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه في حوادث سنة اثنتين وخمسمائة حديث
الثلاثة الذين جاءوا إلى يحيى في معنى الكيمياء ، فقال ٣ : كان محيئهم في هذه
السنة ، وأنهم لما وثبوا على يحيى وجرى ما ذكرته قبل هذا صادف ذلك مجيء
أبي الفتوح المذكور وأصحابه إلى القصر وعليهم السلاح ، فمنعوا من الدخول ،
وثبت عند يحيى أن ذلك كان باتفاق بينهم ، فأخرج أبو الفتوح وزوجته وهي
ابنة عمه إلى قصر زياد ، ووكل بهما إلى أن مات يحيى وملك ابنه علي فسيرهما
في البحر إلى الديار المصرية ، فوصلا إلى الإسكندرية . انتهى كلامه .
ولم تزل أمور علي بن يحيى جارية على السداد ، إلى أن توفي يوم الثلاثاء
السبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وخمسمائة ، ودفن في القصر
١ س : بلادة .
٢ انظر جـ ٣ : ٤١٦ .
٣ تاريخ ابن الأثير ١٠: ٤٧٢، ولم ترد هذه الفقرة في س بر من.
٢١٦

بعد أن فوض الأمر من بعده إلى ولده أبي يحيى الحسن بن علي بن يحيى .
(321) ومولد الحسن المذكور بمدينة سوسة في رجب سنة اثنتين وخمسمائة ،
فكان عمره يوم ولايته اثنتي عشرة سنة وتسعة أشهر ، ولمّا كان ثاني يوم وفاة
أبيه خرج للناس فسلموا عليه وهنئوه بما صار إليه ، ثم ركب والجيوش محتفة به .
وجرت في أيامه وقائع وأمور يطول شرحها ، فمن ذلك أن رجار ١ الفرنجي
صاحب صقلية أخذ طرابلس الغرب عنوة بالسيف في يوم الثلاثاء سادس المحرم
سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ، وقتل أهلها وسبى الحريم والأطفال وأخذ
الأموال ، ثم شرع في عمارتها وتحصينها بالرجال والعدد ، ثم أخذ المهدية يوم
الاثنين ثاني عشر صفر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، وذلك أن الحسن بن علي
لما علم عجزه عن مقاومته خرج من المهدية هارباً ، وقد استصحب ما خف عليه
حمله من النفائس ، وخرج أهل البلد أيضاً هاربين ، إلا من أقعدهِ العجز عن
الهرب ، فدخل إليه الفرنج وملكوه ، وصادفوا فيه من الأموال والذخائر ما لا يعد
ولا يحصى .
وكان عدة من ملك من أهل بيتهم، وأولهم زيري - المقدم ذكره في حرف
الزاي٢ - إلى هذا الحسن بن علي تسعة ملوك ، ومدة ولايتهم مائتا سنة وثمان
سنين ، وانقرضت دولة بني باديس .
ثم إن الحسن بن علي توجه نحو المعلقة - وهي قلعة حصينة بإفريقية تجاور
تونس ، وكان صاحبها أبا محفوظ ٣ محرز بن زياد أحد أمراء العرب ، فأقام عنده
قليلاً ثم ظهر له منه الضجر والسآمة ، فعزم على قصد الديار المصرية ليكون عند
الحافظ العبيدي صاحبها يومئذ ، فنمي خبره إلى نائب رجار بالمهدية ، فجعل عليه
العيون وعمل عشرين شينياً ليمسكه في البحر ، فبلغ الحسن ذلك ، فرجع عن هذا
الرأي ، ثم قصد أن يتوجه إلى جهة عبد المؤمن بن علي بمراكش ، وأنفذ ثلاثة
من أولاده إلى صاحب بِجايَة ، وهي آخر أعمال إفريقية ، ليستأذنه في الوصول
إليه ، وبعد ذلك يتوجه إلى عبد المؤمن ، فأضمر له الغدر وخاف من اجتماعه
١ ورد هذا الاسم في أكثر النسخ: رجاز، حتى في المختار، وهو: Roger .
٢ انظر ج ٢ : ٣٤٣ .
٣ أبا محفوظ : سقط من : ص ن ق ع .
٢١٧

بعبد المؤمن أن يتفقا على ما فيه ضرره ، فكتب إليه كتاباً على يد أولاده يقول
له : لا حاجة لك في الرواح إلى عبد المؤمن ، ونحن نفعل معك ونصنع ، وأجزل
له من المواعيد الحسنة ، فتوجه إليه ، فلما قرب من بجايّة لم يخرج للقائه وعدل
به إلى الجزائر ، وهي بلدة فوق بجاية من جهة الغرب ، وأنزلوه بها في مكان
لا يليق بمثله، ورتبوا له من الإقامة ما لا يصلح لبعض أتباعه، ومنعوه من التصرف،
وكان وصوله إلى الجزائر في المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة .
ثم إن عبد المؤمن فتح بجاية في سنة سبع وأربعين وهرب صاحبها إلى
القسطنطينية ١ .
(322) ثم إن رجار صاحب صقلية هلك في العشر الأخير من ذي الحجة
سنة ثمان وأربعين وخمسمائة .
(323) ولمّا هلك رجار ملك بعده ابنه غنيم ٢ بن رجار ، وعليه قدم أبو
الفتوح نصر الله بن قلاقس الشاعر - المقدم ذكره - ومدحه وأجازه ، وذلك
في سنة ثلاث وستين وخمسمائة ٣ .
(324) ولمّا هلك غنيم ملكت ابنته ، وهي أم الأنبرور ملك ألمانية في
زماننا، ثم هلكت أم الأنبرور وخلفته صغيراً فملك واستمر ملكه ، وكان عاقلاً
فاضلاً ، وبينه وبين الملك الكامل صاحب مصر مراسلات وغيرها ٤ .
١ كذا في أكثر النسخ؛ ع بر من : القسطنطينة .
٢ ن: عليم؛ وصواب الاسم ((غليلم)) تعريب ((Gulielmo)) وقد يكتب غليالم.
٣ انظر فصلا في كتابنا ((العرب في صقلية)) عن ابن قلاقس والفترة التي أقامها هنالك .
٤ علق هنا صاحب المختار بقوله: ((قلتُ، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: وهو الذي
) وستمائة والقصة مشهورة ، ولما
استعاد البيت المقدس من الملك الكامل المذكور في (
وصل الخبر بذلك إلى دمشق أنشد الشيخ شمس الدين المظفر سبط ابن الجوزي الواعظ المقدم ذكره
على منبر وعظه بالجامع بدمشق :
ثم هدمت واستمر هلوكي
إن يكن بالشآم قل نصيري
فلقد أصبح الغداة خرابي سبة العار في جباه الملوك
وقوله : ولما هلك رجار ... وغيرها : سقط من النسخ س بر من .
٢١٨

ثم إن عبد المؤمن وصل إلى المهدية وملكها بعد جهد جهيد ، وكان دخوله
إليها بكرة يوم عاشوراء سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، فولى بها نائباً ،
وكان الحسن بن علي قد وصل صحبته ، فرتبه مع النائب لتدبير أمورها لكونه
عارفاً بأحوالها وأقطعه بها ضيعتين وأعطاه دوراً سكنها هو وأولاده وأتباعه .
ولم أقف على تاريخ وفاة الحسن بن علي المذكور .
(325) ثم قتل محرز بن زياد المذكور في وقعة سطيف يوم الخميس في
العشر الأوسط من ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وخمسمائة .
. وهذا الحسن بن علي هو الذي صنف له أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن
أبي الصلت كتاب ((الحديقة)).
٨٠٦
يحيى بن خالد البرمكي
أبو الفضل ١ يحيى بن خالد بن بَرْمَك وزير هارون الرشيد - وقد تقدم
ذكر ولديه جعفر والفضل كل واحد منهما في بابه - ؛ وكان جدهم بَرْمَك
من مجوس بلخ ، وكان يخدم النوبهار وهو معبد كان للمجوس بمدينة بلخ توقد
فيه النيران ، واشتهر برمك المذكور وبنوه بسدانته ، وكان برمك عظيم المقدار
عندهم ، ولم أعلم هل أسلم أم لا .
(326) وساد ابنه خالد وتقدم في الدولة العباسية ، وتولى الوزارة لأبي
٨٠٦ - أخباره في كتب التاريخ التي تتحدث عن نكبة البرامكة كالطبري وابن الأثير ومروج الذهب
والأغاني ، وكتب الأدب العامة كالعقد، وانظر معجم الأدباء ٢٠: ٥ البداية والنهاية ٢٠٤:١٠
وتاريخ بغداد ١٤: ١٢٨ ومعجم المرزباني: ٨٨؛ ومرآة الجنان ١ : ٤٢٤ وعبر الذهبي ١ :
٣٠٦ وصفحات متفرقة من الوزراء والكتاب للجهشياري وشرح البسامة : ٢٢٢ .
١ ق ن ص س : أبو علي ، وموضعه بياض في ر .
٢١٩

العباس السفاح بعد أبي سلمة حفص الخلاَّل ـ المقدم ذكره - وقد ذكرته
في ترجمة جعفر وذكرت هناك تاريخ وفاته ، وقال أبو الحسن المسعودي في
كتاب ((مروج الذهب))١: لم يبلغ مبلغ خالد بن برمك أحد من ولده في جوده
ورأيه وبأسه وعلمه وجميع خلاله ، لا يحيى في رأيه ووفور عقله ، ولا الفضل
ابن يحيى في جوده ونزاهته ، ولا جعفر بن يحيى في كتابته وفصاحة لسانه ،
ولا محمد بن يحيى في سَرْوه وبعد همته ، ولا موسى بن يحيى في شجاعته وبأسه .
ولمّا بعث أبو مسلم الخراساني قحطبة بن شبيب الطائي لمحاربة يزيد بن عمر
ابن هبيرة الفزاري عامل مروان بن محمد ٢ على العراقين ، وكان خالد بن برمك
في جملة من كان معه ، فنزلوا في طريقهم بقرية ، فبينما هم على سطح بعض
دورها يتغدون إذا نظروا إلى الصحراء وقد أقبلت منها أقاطيع الوحش من الظباء
وغيرها ، حتى كادت تخالط العسكر ، فقال خالد لقحطبة : أيها الأمير ، ناد
في الناس ومرهم أن يسرجوا ويلجموا قبل أن تهجم عليهم الخيل ، فقام قحطبة
مذعوراً ، فلم ير شيئاً يروعه ، فقال : يا خالد ما هذا الرأي ؟ فقال : قد نهد ٣
إليك العدو ، أما ترى أقاطيع الوحش قد أقبلت ؟ إن وراءها لجمعاً كثيفاً ،
فما ركبوا حتى رأوا الغبار ، ولولا خالد لهلكوا ؛ .
١ مروج الذهب ٣ : ٣٧٧ .
٢ زاد في المختار : آخر ملوك بني أمية .
٣ ق ع والمختار : نهز؛ س : نهد عليك.
٤ علق صاحب المختار بقوله: ((قلت أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به : ومثل هذه الحكاية
ما يحكى عن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه الأصغر صاحب حمص أنه كان نائماً في الصيف بسطح
دار بقلعة حمص ليلا، فأمر بضرب بوق الفزع نصف الليل وركب للوقت وهو شاكي السلاح،
واجتمع إليه العسكر وجميع أصحابه ، وسار بهم إلى طريق حصن الأكراد ، فوافى سرية كبيرة
من الفرنج وقد عدوا المخاضة التي بين حمص وحصن الأكراد وهم عازمون على الغارة على بلاد
حمص ، فأوقع بهم واستأصل شأفتهم قتلا وأسراً واستولى على ما معهم وعاد من ليلته ، فسئل كيف
علم بذلك فقال : كنت قد استيقظت من منامي واستلقيت عل ظهري مفكراً ، فسقط على وجهي
قطرات عديدة من الماء ، فقلت في نفسي : هذا زمن الصيف ولا مطر فيه والسماء صاحية ، ولا شك
في أن سرية من الفرنج من حصن الأكراد قد قصدوا الغارة علينا ، ولما عبروا المخاضة نفر ما بها
من الطيور وطاروا في ضوء القمر ، وإن هذه النقط من رشاش أجنحتها ، فكان حديثاً صحيحاً ،
والله أعلم)).
٢٢٠