النص المفهرس

صفحات 141-160

وقال يحيى : ما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته عليه وأحببت أن أبين
أمره ، وما استقبلت رجلاً في وجهه بأمر يكرهه ، ولكن أبين له خطأه١
فيما بيني وبينه ، فإن قبل ذلك وإلا تركته .
وكان يقول : كتبنا عن الكذابين ، وسَجّرنا به التنور ، وأخرجنا به
خبزاً نضيجاً ؛ وكان ينشد :
المالُ يذهب حِلُّهُ وحرامه طراً وتبقى في غد آثامهُ
حتى يطيبَ شرابه وطعامه
ليس التقيُّ بمتق لإلهه
ویکون في حسن الحدیث کلامه
ويطيب ما يحوي وتکسب كفه
صلاته وسلامه
النی.
فعلى
نطق النبي لنا به عن ربّه
وقد ذكره الدار قطني فيمن روى عن الإمام الشافعي ، رضي الله عنه ،
وقد سبق في ترجمة الشافعي خبره معه ، وما جرى بينه وبين الإمام أحمد بن
حنبل في ذلك ، وسمع أيضاً من عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة .
وكان يحج فيذهب إلى مكة على المدينة ويرجع إلى المدينة ، فلما كان آخر
حجّة حجها خرج على المدينة ، ورجع على المدينة فأقام بها ثلاثة أيام ، ثم خرج
حتى نزل المنزل مع رفقائه ، فباتوا فرأى في النوم هاتفاً يهتف به : يا أبا زكريا ،
أترغب عن جواري ؟ فلما أصبح قال لرفقائه : امضوا فإنّ راجع إلى المدينة ،
فمضوا ورجع ، فأقام بها ثلاثاً ، ثم مات فحمل على أعواد النبي صلى الله عليه
وسلم .
وكانت وفاته لسبع ليال بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين ،
هكذا قاله الخطيب في ((تاريخ بغداد)) وهو غلط قطعاً، لما تقدم ذكره ، وهو
أنّه خرج إلى مكة للحج ٢ ، ثم رجع إلى المدينة ومات بها ، ومن يكون قد حج
كيف يتصور أن يموت بذي القعدة من تلك السنة ؟ فلو ذكر أنّه توفي في ذي
الحجة لأمكن . وكان يحتمل أن يكون هذا غلطاً من الناسخ ، لكني وجدته في
١ وما استقبلت ... خطأه : سقط من المختار وع ق .
٢ للحج : سقطت من ق ع .
١٤١

نسختين على هذه الصورة ، فيبعد أن يكون من الناسخ ، والله أعلم . ثم ذكر
بعد ذلك أن الصحيح أنّه مات قبل أن يحج ، وعلى هذا يستقيم ما قاله من
تاريخ الوفاة .
ثم نظرت في كتاب ((الإرشاد١ في معرفة علماء الحديث)) - تأليف أبي يعلى
الخليل بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن الخليل الخليلي الحافظ - أن يحيى
ابن معين المذكور توفي لسبع ليال بقين من ذي الحجة من السنة المذكورة ،
فعلى هذا يكون قد حج ؛ وذكر الخطيب أيضاً أن مولده كان آخر سنة ثمان
وخمسين ومائة ، ثم قال بعد ذكر وفاته : إنّه بلغ سبعاً وسبعين سنة إلا عشرة
أيام، وهذا أيضاً لا يصح من جهة الحساب فتأمله . ورأيت في بعض التواريخ
أنّه عاش خمساً وسبعين سنة ، والله أعلم بالصواب، وصلى عليه والي المدينة،
ثم صلّ عليه مراراً ودفن بالبقيع ، وكان بين يدي جنازته رجل ينادي : هذا
الذي كان ينفي الكذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
ورثاه بعض المحدثين فقال :
وبكل" مختلفٍ من الإسنادِ
ذهب العلیم بعیب کلّ محدث
يعيا به علماء كلِّ بلاد
وبکل وهم في الحدیث ومشکل
رضي الله عنه .
ومعين : بفتح الميم وكسر العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها.
وبعدها نون .
وبِسْطام : بكسر الباء الموحدة وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة
وبعد الألف ميم ؛ والباقي معروف فلا حاجة إلى ضبطه .
ورأيت في بعض التواريخ أنّه يحيى بن معين بن غياث بن زياد بن عون بن
بسطام مولى الجنيد بن عبد الرحمن الغطفاني المري أمير خراسان من قبل هشام
ابن عبد الملك الأموي ، والأول أشهر وأصح ، أعني النسب .
والمري : بضم الميم وتشديد الراء ، هذه النسبة إلى مرة غطفان ، وهو مرّة
١ ص ر ن ق ع : الإشارة .
١٤٢

ابن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان ، وهي قبيلة كبيرة
مشهورة ، وفي العرب عدة قبائل تنسب إليها يقال لكل واحدة منها مرة
وأمّا نَقياي١ فقال ابن السمعاني في كتاب ((الأنساب)) إنها بفتح النون
وكسر القاف أو فتحها وبعدها ياء مفتوحة تحتها نقطتان وبعد الألف ياء ثانية ،
وهي من قرى الأنبار منها يحيى بن معين النقياني ، قال الخطيب : ويقال إن
فرعون كان من أهل هذه القرية ، والله أعلم .
٧٩٢
يحيى بن يحيى الليبي
أبو محمد یحیی بن یحیی بن کثیر بن وِسْلاس - وقيل وسلاسن - ابن
شَمّال بن مَنْغايا الليثي ؛ أصله من البربر من قبيلة يقال لها مَصْمودة ، تولّى
بني ليث فنسب إليهم ، وجده كثير يكنى أبا عيسى ، وهو الداخل إلى الأندلس ،
وسكن قرطبة ، وسمع بها من زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخمي المعروف
بشبطون ٢ القرطبي ((موطأ)) مالك بن أنس رضي الله عنه، وسمع من يحيى
ابن مضر القيسي الأندلسي . ثم رحل إلى المشرق وهو ابن ثمان وعشرين سنة ،
فسمع من مالك بن أنس ((الموطأ)) غير أبواب في كتاب الاعتكاف ، شك في
١ ع ق : نقيا .
٧٩٢ - ترجمته في تاريخ ابن الفرضي: ٤٤ والجذوة: ٣٥٩ والمغرب ١ : ١٦٣ والديباج المذهب :
٣٥٠ ونفح الطيب ٢: ٩ (وانظر ١: ٣٣٩ والحاشية) وعبر الذهبي ١ : ٤١٩ وتهذيب
التهذيب ١١: ٣٠٠ ومرآة الجنان ٢: ١١٣ والانتقاء : ٥٨ وترتيب المدارك ١ : ٥٣٤
وطبقات الشيرازي : ١٥٢ .
٢ هو بالشين في أكثر المصادر مثل النفح ٢: ٤٥ وقضاة الخشني: ١٤ والمرقبة العليا: ١٢ وابن
الفرضي ١ : ١٨٢ والجذوة: ٢٠٣، لكنه ورد بالسين في معظم الأصول الخطية من كتاب ابن
خلكان .
١٤٣

سماعه فيها فأثبت روايته فيها عن زياد ؛ وسمع بمكة من سفيان بن عيينة ،
وبمصر من الليث بن سعد وعبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم ، وتفقه
بالمدنيين والمصريين من أكابر أصحاب مالك بعد انتفاعه بمالك وملازمته له ،
وكان مالك يسميه عاقل الأندلس ، وسبب ذلك فيما يروى ١ أنّه كان في مجلس
مالك مع جماعة من أصحابه ، فقال قائل قد حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك
كلهم لينظروا إليه ، ولم يخرج يحيى ، فقال له مالك : ما لك لا تخرج فتراه
لأنّه لا يكون بالأندلس ؟ فقال : إنّما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من
هديك وعلمك ، ولم أجىء لأنظر إلى الفيل ، فأعجب به مالك وسمّاه عاقل
أهل ٢ الأندلس .
ثم إن يحيى عاد إلى الأندلس وانتهت إليه الرياسة بها ، وبه انتشر مذهب
مالك في تلك البلاد ، وتفقه به جماعة لا يحصون عدداً وروى عنه خلق كثير ،
وأشهر روايات ((الموطأ)) وأحسنها رواية يحيى المذكور . وكان مع إمامته ودينه
معظماً عند الأمراء مكيناً ، عفيفاً عن الولايات متنزهاً، جلت رتبته عن القضاء،
فكان أعلى قدراً من القضاة عند ولاة الأمر هناك لزهده في القضاء وامتناعه منه .
قال أبو محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الأندلسي - المقدم ذكره ٣ - :
مذهبان انتشرا في مبدأ أمرهما بالرياسة والسلطان : مذهب أبي حنيفة ، فإنّه
لما ولي قضاء القضاة أبو يوسف يعقوب صاحب أبي حنيفة - وسيأتي ذكره إن
شاء اللّه تعالى - كانت القضاة من قبله ، فكان لا يولي قضاء البلدان من أقصى
المشرق إلى أقصى إفريقية إلا أصحابه والمنتمين إليه وإلى مذهبه ، ومذهب مالك
ابن أنس عندنا في بلاد الأندلس ، فإن يحيى بن يحيى كان مكيناً عند السلطان
مقبول القول في القضاة ، فكان لا يلى قاض في أقطار بلاد الأندلس إلا بمشورته
واختياره ، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه ، والناس سراع إلى
١ ع ق بر من : روي .
٢ أهل : سقطت من ر .
٣ انظر جـ ٣ : ٣٢٥ وقد نقل صاحب النفح هذا النص ، كما نقل كثيراً من هذه الترجمة عن ابن
خلكان .
١٤٤

الدنيا ، فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به ، على أن يحيى بن يحيى لم يل
قضاء قط ولا أجاب إليه ، وكان ذلك زائداً في جلالته عندهم وداعياً إلى قبول
رأيه لديهم .
وحكى أحمد بن أبي الفياض في كتابه قال: كتب الأمير عبد الرحمن بن
الحكم الأموي المعروف بالربضي صاحب الأندلس إلى الفقهاء يستدعيهم إليه ،
فأتوا١ إلى القصر ، وكان عبد الرحمن المذكور قد نظر في شهر رمضان إلى جارية
له كان يحبها حباً شديداً ، فعبث بها ، ولم يملك نفسه أن وقع عليها ، ثم ندم
ندماً شديداً ، فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته ، فقال يحيى بن يحيى :
يكفر ٢ ذلك بصوم شهرين متتابعين ، فلما بدر يحيى بهذه الفتيا سكت بقية
الفقهاء حتى خرجوا من عنده ، فقال بعضهم لبعض وقالوا ليحيى : ما لك لم
تفته بمذهب مالك ، فعنده أنّه مخير بين العتق والطعام والصيام ؟ فقال: لو فتحنا له ٣
هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة ، ولكن حملته على أصعب
الأمور ؛ لئلا يعود .
ولما انفصل يحيى عن مالك ليعود إلى بلاده ووصل إلى مصر ، رأى عبد
الرحمن بن القاسم يدون سماعه عن مالك ، فنشط للرجوع ° إلى مالك ليسمع
منه المسائل التي كان ابن القاسم دونها عنه ، فرحل رحلة ثانية ، فألفى مالكاً
عليلاً ، فأقام عنده إلى أن مات وحضر جنازته ، فعاد إلى ابن القاسم ، وسمع
منه سماعه من مالك ، ذكر ذلك أبو الوليد ابن الفرضي في تاريخه ؛ وذكر أيضاً
فيه ما مثاله : وانصرف يحيى بن يحيى إلى الأندلس ، فكان إمام وقته ، وواحد
بلاده ، وكان رجلاً عاقلاً . قال محمد بن عمر بن لبابة ٦: فقيه الأندلس
عيسى بن دينار ، وعالمها عبد الملك بن حبيب ، وعاقلها يحيى بن يحيى ؛
١ ن بر من : فأتوه .
٢ ن : تكفر .
٣ ر : فتحت .
٤ ن : على الأصعب .
٥ ن : على الرجوع .
٦ بر من ر والمختار : لبانة .
١٠ -٦
١٤٥

وكان يحيى ممن اتهم ببعض الأمر في الهيج ١ ، فخرج إلى طليطلة ، ثم استأمن ،
فكتب له الأمير الحكم أماناً ، وانصرف إلى قرطبة . وكان أحمد بن خالد يقول :
لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس ، منذ دخلها الإسلام ، من الحُظْوَةِ وعظم
القدر وجلالة الذكر ما أعطيه يحيى بن يحيى .
وقال ابن بشكوال في تاريخه : كان يحيى بن يحيى مُجابَ الدعوة ، وكان
قد أخذ في نفسه وهيئته ومقعده هيئة مالك .
وحكي عنه أنّه قال : أخذت ركاب الليث بن سعد ، فأراد غلامه أن
يمنعني فقال : دعه ، ثم قال لي الليث : خدمَكَ أهلُ العلم ، فلم تزل بي
الأيام حتى رأيت ذلك . ثم قال : وتوفي يحيى بن يحيى في رجب سنة أربع
وثلاثين ومائتين ، وقبره بمقبرة ابن عياش ٢ يستسقى به ، وهذه المقبرة بظاهر
قرطبة . وزاد أبو عبد الله الحميدي في كتاب ((جذوة المقتبس)) أن وفاته كانت
لثمان بقين من الشهر المذكور ، وقال أبو الوليد ابن الفرضي في تاريخه : إنّه
توفي سنة ثلاث وثلاثين ، وقيل سنة أربع وثلاثين في رجب ، والله أعلم
بالصواب .
وأما وِسْلاس : فهو بكسر الواو وسينين مهملتين الأولى منهما ساكنة
وبينهما لام ألف ، ويزاد فيه نون فيقال وسلاسن ، ومعناه بالبربرية : يسمعهم .
وشمّال : بفتح الشين المعجمة وتشديد الميم وبعد الألف لام .
ومَنْغايا : بفتح الميم وسكون النون وفتح الغين المعجمة وبعد الألف ياء
معجمة باثنتين من تحتها وبعدها ألف مقصورة ومعناه عندهم : قاتل ٣ هذا ،
والله أعلم .
وقد تقدم الكلام على الليّي والبربري ومصمودة ، والله أعلم .
......
١ يعني حادثة الربض التي ثار فيها أهل قرطبة على الحكم بن هشام سنة ١٩٨ .
٢ كذا في ع ق ن، ولم تعجم في المختار ، وفي بر : ابن عباس .
٣ ن : قابل ؛ بر : قابل .
١٤٦

٧٩٣
يحي بن أكثم
أبو محمد يحيى بن أكثم بن محمد بن قَطَن بن سَمْعان بن مُشنج ، التميمي
الأسيّدي المروزي ، من ولد أكثم بن صيفي التميمي حكيم العرب ؛ كان
عالماً بالفقه بصيراً بالأحكام ، ذكره الدار قطني في أصحاب الشافعي ، رضي
الله عنه .
وقال الخطيب في ((تاريخ بغداد))١ : كان يحيى بن أكثم سليماً من البدعة ،
ينتحل مذهب أهل السنّة ، سمع عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة وغيرهما
- وقد مر ذكره في ترجمة سفيان وما دار بينهما ٢ - وروى عنه أبو عيسى
الترمذي وغيره .
وقال طلحة بن محمد بن جعفر في حقه ٣ : يحيى بن أكثم أحد أعلام الدنيا
ومن قد اشتهر أمره وعرف خبره ، ولم يستتر عن الكبير والصغير ٤ من الناس
فضله وعلمه ورياسته وسياسته لأمره وأمر أهل زمانه من الخلفاء والملوك ، واسع
العلم بالفقه كثير الأدب حسن العارضة قائم بكل معضلة ، وغلب على المأمون
حتى لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعاً . وكان المأمون ممن بَرعَ في العلوم ،
فعرفَ من حال يحيى بن أكثم وما هو عليه من العلم والعقل ما أخذ بمجامع قلبه ،
٧٩٣ - ترجمته في أخبار القضاة لوكيع ٢: ١٦١ وطبقات الحنابلة ١: ١٤٠ والجواهر المضية
٢: ٢١٠ والنجوم الزاهرة ٢: ٢١٧، ٣٠٨ وعبر الذهبي ١: ٤٣٩ ومرآة الجنان ٢: ١٣٥
وميزان الاعتدال ٤: ٣٦١ وصفحات متفرقة من تاريخ الطبري وابن الأثير ( جـ ٧،٦)
والعيون والحدائق وثمار القلوب، والشذرات ٢: ١٠١.
١ تاريخ بغداد ١٤ : ١٩١ .
٢ انظر ج ٢ : ٣٩٢.
٣ تاريخ بغداد ١٤ : ١٩٧ .
٤ ق ع ن : الصغير والكبير .
١٤٧

حتى قلده قضاء القضاة وتدبير أهل مملكته فكانت الوزراء لا تعمل في تدبير
الملك شيئاً إلا بعد مطالعة يحيى بن أكثم ؛ ولا نعلم أحداًا غلب على سلطانه في
زمانه ، إلا يحيى بن أكثم ، وأحمد بن أبي دواد .
وسئل رجل من البلغاء عن يحيى بن أكثم وابن أبي دواد٢ : أيهما أنبل ؟
فقال : كان أحمد يَجِد مع جاريته وابنته ، ويحيى يهزل مع خصمه وعدوه .
[ وكان يحيى سليماً من البدعة ينتحل مذهب أهل السنة ، بخلاف أحمد بن
أبي دواد ، وقد تقدم في ترجمته طرف من اعتقاده وتعصبه للمعتزلة، وكان يحيى
يقول : القرآن كلام اللّه ، فمن قال إنّه مخلوق يستتاب فإن تاب وإلا ضربت
عنقه ] ٣ .
وذكر الفقيه أبو الفضل عبد العزيز بن علي بن عبد الرحمن الأشْنُهي٤،
الملقب زين الدين ، في كتاب (( الفرائض)) في آخر المسائل الملقبات وهي الرابعة
عشرة المعروفة بالمأمونية، وهي : أبوان وابنتان لم تقسم التركة حتى ماتت إحدى
البنتين وخلفَت مَن في المسألة ، سميت ° مأمونية لأن المأمون أراد أن يولي رجلاً
على القضاء فوصف له يحيى بن أكثم فاستحضره ، فلما حضر دخل عليه ،
وكان دَميم الخلق ، فاستحقره المأمون لذلك ، فعلم ذلك يحيى فقال : يا أمير
المؤمنين ، سَلْتي إن كان القصد علمي لا خَلْقي ، فسأله عن هذه المسألة فقال :
يا أمير المومنين الميّتُ الأول رجل أم امرأة ، فعرف المأمون أنّه قد عرف
المسألة ، فقلّده القضاء .
وهذه المسألة إن كان الميت الأول رجلاً تصح المسألتان من أربعة وخمسين،
وإن كانت امرأة لم يرث الجد في المسألة الثانية شيئاً لأنّه أبو أم ، فتصح المسألتان
من ثمانية عشر سهماً .
١ المختار : ولم يعلم أحد .
٢ يتابع النقل عن تاريخ بغداد : ١٩٨.
٣ انفردت به ر بر ، وهو متابع لما في تاريخ الخطيب، وقد تكرر بعضه .
٤ ترجمة الأشنهي في طبقات الشافعية ٤ : ٢٥٥ .
٥ المختار : وقال سميت .
١٤٨

وذكر الخطيب في ((تاريخ بغداد))١ أن يحيى بن أكثم ولي قضاء البصرة
وسنّه عشرون سنة ونحوها ، فاستصغره أهل البصرة ، فقالوا : كم سن القاضي ؟
فعلم أنّه قد استُصغر ، فقال : أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجه به النبي
صلّى الله عليه وسلّم قاضياً على مكّة يوم الفتح ، وأنا أكبر من معاذ بن جبل
الذي وجّه به النبي صلى الله عليه وسلّم قاضياً على أهل اليمن ، وأنا أكبر من
كعب بن سور الذي وجّه به عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاضياً على أهل
البصرة ، فجعل جوابه احتجاجاً .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد ولَّى عتاب بن أسيد مكّة بعد
فتحها وله إحدى وعشرون سنة ، وقيل ثلاث وعشرون ، وكان إسلامه يوم
فتح مكّة ، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلّم : أصحبك وأكون معك ،
فقال : أوّ ما ترضى أن أستعملك على آل اللّه تعالى ؟ فلم يزل عليهم حتى قُبض
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ٢ : وبقي يحيى سنة لا يقبل بها شاهداً، فتقدم إليه أحد الأمناء فقال:
أيها القاضي ، قد وقفت الأمور وتريثت الأحوال ، فقال : وما السبب ؟ قال :
في ترك القاضي قبول الشهود ، فأجاز في ذلك اليوم منها سبعين شاهداً .
وقال غير الخطيب : كانت ولاية القاضي يحيى بن أكثم القضاء بالبصرة
سنة اثنتين ومائتين . وقد سبق في ترجمة حماد بن أبي حنيفة أن يحيى المذكور
ولي البصرة بعد إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة ٣ ؛ وذكر عمر بن شبة في
كتاب ((أخبار البصرة)) أن يحيى عزل عن قضاء البصرة في سنة عشرين ومائتين ،
وتولى إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة . وحدث محمد بن منصور قال ٤ : كنا
مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة ، فقال يحيى بن أكثم لي
ولأبي العيناء : بكرا غداً إليه ، فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا ، وإلا فاسكتا
١ انظر ص : ١٩٩ .
٢ يريد الخطيب، انظر المصدر السابق .
٣ انظر جـ ٢ : ٢٠٥.
٤ تاريخ بغداد : ١٩٩ .
١٤٩

إلى أن أدخل ، قال : فدخلنا عليه ١ وهو يَسْتاك ويقول وهو مغتاظ: مُتْعَتان
كانتا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم وعلى عهد أبي بكر رضي
الله عنه وأنا أنهى عنهما؛ ومن أنت يا جُعَل ٢ حتى تنهى عما فعله رسول الله
صلى الله عليه وسلّم وأبو بكر رضي الله عنه ؟! فأومأ أبو العيناء إلى محمد بن
منصور وقال : رجل يقول في عمر بن الخطاب ٣ ما يقول نكلمه نحن ؟ فأمسكنا ،
فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا ، فقال المأمون ليحيى : مالي أراك متغيراً ؟
فقال : هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام ، قال : وما حدث فيه ؟
قال : النداء بتحليل الزنا ، قال : الزنا ؟ قال : نعم ، المتعة زنا ، قال :
ومن أين قلت هذا ؟ قال : من كتاب الله عز وجل ، وحديث رسول الله صلّى
الله عليه وسلّم، قال الله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمنون﴾ إلى قوله ﴿ والذينَ
هُمْ لِفِرُوجِهِم حافِظون، إلاّ على أزواجهم أوْ ما ملكت أيْمانهُم فإنّهم
غيرُ مَلُومين ، فمَنِ ابْتَغِى وَرَاء ذلكَ فأولئِكَ هُم العادون﴾ (المؤمنون :
١ - ٧) يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين ؟ قال : لا ، قال : فهي الزوجة
التي عند اللّه ترث٤ وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها ؟ قال : لا ، قال فقد
صار متجاوز هذين من العادين ؛ وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد اللّه
والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها
بعد أن كان أمر بها ، فالتفت إلينا المأمون فقال : أمحفوظ هذا من حديث
الزهري ، فقلنا : نعم يا أمير المؤمنين ، رواه جماعة منهم مالك رضي الله عنه ،
فقال : أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة ، فنادوا بها" . قال أبو إسحاق إسماعيل
ابن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الأزدي القاضي الفقيه المالكي
١ المختار، ن : إليه ، وكذلك عند الخطيب .
٢ تاريخ بغداد : أحول .
٣ زاد في المختار: رضي الله عنه، ولم ترد عند الخطيب .
٤ تاريخ بغداد : عنى اللّه، وسقط من ر .
٥ ن : بادروا ... فبادروا؛ ق ع: فبادروا ... فبادروا .
١٥٠

٠,٠
البصري ، وقد ذكر يحيى بن أكثم ، فعظّم أمره وقال : كان له يوم في الإسلام
لم يكن لأحد مثله ، وذكر هذا اليوم .
وكانت كتب يحيى في الفقه أجل كتب ، فتركها الناس لطولها ، وله كتب
في الأصول ، وله كتاب أورده على العراقيين سماه كتاب ((التنبيه)) وبينه ؛ وبين
داود بن علي مناظرات كثيرة .
ولقيه رجل وهو يومئذ على القضاء فقال ١ : أصلح اللّه القاضي كم آكل ؟
قال : فوق الجوع ودون الشبع ، فقال : فكم أضحك ؟ قال : حتى يسفر
وجهك ولا يعلو صوتك ، قال : فكم أبكي ؟ قال : لا تملَّ من البكاء من
خشية الله تعالى ، قال : فكم أخفي عملي ؟ قال : ما استطعت ، قال : فكم
أظهر منه ؟ قال : مقدار ما يقتدي بك البر الخير ويؤمن عليك قول الناس ،
قال الرجل : سبحان اللّه قول قاطن وعمل ظاعن .
وكان يحيى من أدهى الناس وأخبرهم بالأمور ؛ رأيت في بعض المجاميع
أن أحمد بن أبي خالد الأحول وزير المأمون وقف بين يدي المأمون وخرج يحيى بن
أكثم من بعض المستراحات ، فوقف ، فقال له المأمون : اصعد ، فصعد وجلس
على طرف السرير معه ، فقال أحمد : يا أمير المؤمنين إن القاضي يحيى صديقي،
وممن أثق به في جميع أموري ، وقد تغير عمّا عهدته منه ، فقال المأمون :
يا يحيى إن فساد أمر الملوك بفساد خاصتهم ، وما يعدلكما عندي أحد ، فما هذه
الوحشة بينكما ؟ فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين والله إنّه ليعلم أني له على أكثر
ممّا وصف ٢ ، ولكنّه لمّا رأى منزلي منك هذه المنزلة خشي أن أتغير له ٣
يوماً فأقدح فيه عندك ، فأحب أن يقول لك هذا ليأمن مني ، وإنّه والله لو بلغ
نهاية مساءتي ما ذكرته بسوء عندك أبداً، فقال المأمون : أكذلك هو يا أحمد ؟
قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : أستعين بالله عليكما ، فما رأيت أتم دهاء
ولا أعظم فطنة منكما .
١ تاريخ بغداد : ٢٠٠ .
٢ ع ص ق : يصف .
٣ ر : أعتز له .
١٥١

ولم يكن فيه ما يعاب به سوى ما كان يتهم به من الهنات المنسوبة إليه الشائعة
عنه ، والله أعلم بحاله فيها ؛ وذكر الخطيب في تاريخه ' أنّه ذ کر لأحمد بن حنبل
رضي الله عنه ما يرميه الناس به ، فقال: سبحان اللّه، سبحان الله، مَن يقول
هذا ؟ وأنكر ذلك إنكاراً شديداً. وذكر عنه ٢ أيضاً أنّه كان يحسد حسداً شديداً ،
وكان مفننا٣ً، فكان إذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه سأله عن الحديث ، وإذا
رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو ، وإذا رآه يعلم النحو سأله عن الكلام ،
ليقطعه ويخجله ، فدخل إليه رجل من أهل خراسان ذكي حافظ ، فناظره ،
فرآه مفنناً؛ ، فقال له : نظرت في الحديث ؟ قال : نعم ، قال : ما تحفظ من
الأصول ؟ قال : أحفظ عن شريك عن أبي إسحاق عن الحارث أن علياً رضي
اللّه عنه رَجم لوطيّاً ، فأمسك ولم يكلمه .
ثم قال الخطيب أيضا١ً: ودخل على يحيى بن أكثم ابنا مَسْعدة ، وكانا على
نهاية الجمال ، فلما رآهما يمشيان في الصحن أنشأ يقول :
حيّاً كما الله بالسلام
يا زائرينا من الخيام
إلى حلال ولا حرام
لم تأتياني وبي نهوضٌ
وليس عندي سوى الكلام
يحزنني أن وقفتما بي
ثم أجلسهما بين يديه وجعل يمازحهما حتى انصرفا . ويقال إنّه عزل عن
الحكم بسبب هذه الأبيات .
ورأيت في بعض المجاميع أن يحيى بن أكثم مازح الحسن بن وهب المذكور
في ترجمة أخيه سليمان بن وهب ، وهو يومئذ صبي ، فلاعبه ثم جمشه ، فغضب
الحسن ، فأنشد يحيى :
أيا قمراً جمَّشته فتغضبا وأصبح لي مِن تيهه متجنِّبًا
١ تاريخ بغداد : ١٩٨ .
٢ تاريخ بغداد : ١٩٥ .
٣ تاريخ بغداد : مفتناً .
٤ المصدر نفسه .
٦
١٥٢

إذا كنتَ للتجميش والعضّ كارهاً فكُنْ أبداً يا سيدي متنقبا
وتجعل منها فوقَ خديك عقربا
ولا تُظْهر ١ الأصداغَ للناسِ فتنةً
وتَتْرُكَ قاضي المسلمين معذبا
فتقتل مسکیناً وتفتن ناسکا
وقال أحمد بن يونس الضبي : کان زيدان الكاتب یکتب بين يدي يحيى
ابن أكثم القاضي ، وكان غلاماً جميلاً متناهي الجمال ، فقرص القاضي خدّه ،
فخجل الغلام واستحيا وطرح القلم من يده ، فقال له يحيى : خذ القلم واكتب
ما أملي عليك ، ثم أملى الأبيات المذكورة ، والله أعلم .
وقال إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار ٢ : سمعت أبا العيناء في مجلس
أبي العباس المبرد يقول : كنت في مجلس أبي عاصم النبيل ، وكان أبو بكر ابن
يحيى بن أكثم حاضراً ، فنازع غلاماً فارتفع الصوت ، فقال أبو عاصم : مهيم ؟
فقالوا : هذا أبو بكر بن يحيى بن أكثم ينازع غلاماً ، فقال إن يسرق فقد
سرق أب له من قبل ، هكذا ذكره الخطيب في تاريخه .
وذكر الخطيب أيضا٣ً في تاريخه أن المأمون قال ليحيى المذكور من الذي
يقول ؟ :
قاضٍ يرَى الحدَّ في الزناء ولا يرى على مَن يلوطُ من باسٍ
قال : أو ما يعرف أمير المؤمنين من القائل ؟ قال : لا ، قال : يقوله الفاجر
أحمد بن أبي نعيم الذي يقول :
لا أحسبُ الجور ينقضي وعلى الـب أمّة والٍ من آل عبّاس
قال : فأفحم المأمون خجلاً ، وقال : ينبغي أن ينفى أحمد بن أبي نعيم إلى
السند ؛ وهذان البيتان من جملة أبيات أولها :
......
١ ر : ولا ترسل .
٢ تاريخ بغداد : ١٩٧ .
٣ المصدر السابق : ١٩٦ .
١٥٣

لنائبات أطلن وسواسي
أنطقني الدهرُ بعد إخراس
يا بُؤسَ للدهر لا يزال كما
لا أفلحتْ أمةٌ وحقّ لها
تَرْضى بيحيى يكونُ سائسَها
قاضٍ يرى الحد في الزناء ولا
يحكم للأمردِ الغرير على
يرفع ناساً يحطُّ من ناس
بطولٍ نكسٍ وطول إتعاس
وليس يحيى لها بسوَّاس
یری علی من یلوطُ مِن باس
مثل جرير ١ ومثل عباس
عدلُ وقل الوفاء في الناس
فالحمد لله کیف قد ذهب الـ
يلوط والرأسُ شرّ ما راس
أميرنا يرتشي وحاكمنا
قام على الناس كل مقياس
لو صلح الدين فاستقام لقد
لا أحسبُ الجورَ ينقضي وعلى الر أمّة والٍ من آل عباس
وظنّي أنها أكثر من هذا ، ولكن الخطيب لم يذكر إلا هذا القدر .
ونقلت من أمالي أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري- المقدم ذكره -أن القاضي
يحيى بن أكثم قال لرجل يأنس به ويمازحه : ما تسمع الناس يقولون في ؟ قال :
ما أسمع إلا خيراً ، قال : ما أسألك ٢ لتزكيني ، قال : أسمعهم يرمون القاضي
بالأبنة ، قال : فضحك وقال : اللّهم غفْراً ! المشهور عنا ٣ غير هذا٤.
وحكى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب ((الأغاني))° ليحيى المذكور وقائع
في هذا الباب ، وأن المأمون لما تواتر النقل عن يحيى بهذا أراد امتحانه، فأخلى له
مجلساً واستدعاه ، وأوصى مملوكاً خزرياً يقف عندهما وحده ، فإذا خرج المأمون
يقف المملوك ولا ينصرف ، وكان المملوك في غاية الحسن ، فلما اجتمعا بالمجلس
وتحادثا قام المأمون كأنّه يقضي حاجة فوقف المملوك ، فتجسس المأمون عليهما ،
مـ
١ بهامش المختار بخط مختلف : صوابه مثل علي .
٢ ن والمختار : لم أسألك .
٣ ص ع ق : هنا .
٤ هذه الحكاية المنقولة عن ابن الأنباري لم ترد في : بر من .
٥ الأغاني ٢٠ : ٢٢٤.
١٥٤

وكان قد قرر معه أن يعبث بيحيى علماً منه أن يحيى لا يتجاسر عليه خوفاً من
المأمون ، فلما عبث به المملوك سمعه المأمون وهو يقول : لولا أنتم لكنا مؤمنين ،
فدخل المأمون وهو ينشد :
وكنا نرجي أن نرى العدل ظاهراً فأعقبنا بعد الرجاء قنوطُ
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها وقاضي قضاة المسلمين يلوط
وهذان البيتان لأبي حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب١ ، وراشد له فيه
مقاطيع كثيرة .
وذكر المسعودي في ((مروج الذهب)) ٢ في ترجمة المأمون جملة من أخبار
يحيى في هذا الباب أضربنا عن ذكرها .
وممّا يناسب حكاية المأمون مع يحيى بسؤاله عن البيت لمن هو وإجابة يحيى
ببيت آخر من القصيدة ما يروى أن معاوية بن أبي سفيان الأموي ٣ لما مرض
مرض موته واشتدت علته وحصل اليأس منه ، دخل عليه بعض أولاد علي
ابن أبي طالب رضي اللّه عنه يعوده ، ولا أستحضر الآن من هو ، فوجده قد
استند جالساً يتجلد له لئلا يشتفي به ، فضعف عن القعود فاضطجع وأنشد :
وتجلدي للشامتين أريهمُ أنّي لريب الدهرِ لا أتضعضعُ
فقام العلوي من عنده وهو ينشد :
وإذا المنية أنشبَتْ أظفارها ألفيتَ كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ
فعجب الحاضرون من جوابه .
وهذان البيتان من جملة قصيدة طويلة لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي
يرئي بها بنيه ٤ ، وكان قد هلك له خمس بنين في عام واحد ، أصابهم الطاعون .
١ نسبهما في الأغاني لإبراهيم بن أبي محمد اليزيدي ، وهما عند المسعودي لراشد بن إسحاق .
٢ مروج الذهب ٤: ٢١ وما بعدها.
٣ زاد في المختار : رضي الله عنه، وهذا لم يجر من المؤلف عند ذكر معاوية.
٤ ديوان الهذليين ١ : ٤ .
١٥٥

وكانوا هاجروا معه إلى مصر ، وهلك أبو ذؤيب المذكور في طريق مصر ،
وقيل في طريق إفريقية مع عبد الله بن الزبير .
ثم وجدت في كتاب ((فلك المعاني)) لابن الهبّارية في الباب التاسع من
الكتاب المذكور أن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما دخل على
معاوية في علته فقال : أسندوني ، ثم تمثل ببيت أبي ذؤيب ، وأنشد البيت المذكور،
فسلم الحسين ثم أنشد البيت الثاني ، والله أعلم . وذكرها أبو بكر ابن داود
الظاهري في كتاب ((الزهرة)) منسوبة إلى الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله
عنهما ، والله أعلم .
قلت : ولم يذكر ابن الهبّارية ولا الظاهري أنّه كان في علة الموت ، ولا
يمكن ذلك ، لأن الحسن توفي قبل معاوية ، والحسين لم يحضر وفاة معاوية ،
لأنّه كان بالحجاز ومعاوية توفي بدمشق .
ثم وجدت في أول كتاب ((التعازي))١ تأليف أبي العباس المبرد هذه القصة.
جرت للحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ومعاوية بن أبي سفيان ،
والظاهر أن ابن الهبارية منه نقلها .
ومثل ذلك أيضاً ما يحكى أن عقيل بن أبي طالب هاجر أخاه عليّاً رضي الله
عنه والتحق بمعاوية ، فبالغ معاوية في بره ، وزاد في إكرامه ٢ إرغاماً لعلي رضي
اللّه عنه، فلما قتل عليّ واستقل ٣ معاوية بالأمر ثقل عليه أمر عقيل ، فكان يسمعه
ما يكره لينصرف عنه ، فبينما هو يوماً في مجلس حفل بأهل الشام إذ قال معاوية :
أتعرفون أبا لهب الذي نزل في حقه قوله تعالى ﴿ تَبّت يدا أبي لهَب﴾ (المسد: ١)
من هو ؟ فقال أهل الشام : لا ، فقال معاوية : هو عم هذا ، وأشار إلى عقيل ،
فقال عقيل في الحال : أتعرفون امرأته التي قال اللّه في حقها ﴿وامْرَأْتُهُ حمّالة
الحَطَب في جيدِها حَبْلٌ من مَسَدَ﴾ (المسد: ٤) من هي ؟ فقالوا : لا ،
١ التعازي ، الورقة : ٢
٢ ر والمختار : في إكرامه وزاد في بره .
٣ ع ق والمختار: واستقر، وعلق أحدهم بخط مخالف على هامش المختار: ((إنما هي استقل باللام
والمؤلف تغلب عليه عاميته رحمه الله وعفا عنه)).
١٥٦

قال : هي عمة هذا ، وأشار إلى معاوية ، وكانت عمته أم جميل بنت حرب بن
أمية بن عبد شمس بن عبد مناف زوجة أبي لهب بن عبد العزى ، وهي المشار إليها
في هذه السورة ، فكان ذلك من الأجوبة المسكتة ١ .
ويقرب من هذا أيضاً أن بعض الملوك حاصر بعض البلاد ، وكان معه
عساكر عظيمة بكثرة الرجال والخيل والعدد ، فكتب الملك المحاصر إلى صاحب
البلد كتاباً يشير إليه بأنّه يسلم البلد إليه ولا يقاتله ، وذكر ما جاء به من الرجال
والأموال والآلات ، ومن جملة الكتاب قوله تعالى ﴿ حتى إذا أتوا على وادي
النّملِ قالَتْ نملَةٌ يا أيّها النّملُ ادخُلُوا مَساكنَكُم لا يحطمنكُم سليمانُ
وجُنُودهُ وهُم لا يَشْعُرُون﴾ (النمل: ١٨) فلما وصل الكتاب إلى صاحب
البلد وتأمله وقرأه على خواصه قال : مَنْ يجاوب عن هذا ؟ فقال بعض الكتاب :
تكتب إليه : ﴿فَتَبَسّم ضاحِكاً مِن قوْلها﴾ ( النمل: ١٩) فاستحسن الحاضرون
جوابه .
ومثل هذا أيضاً ما حكاه ابن رشيق القيرواني في كتاب ((الأنموذج)) ٢
وهو أن عبد الله بن إبراهيم بن المثنى الطوسي المعروف بابن المؤدب المهدوي الأصل
القيرواني البلد الشاعر المشهور ، كان مغرى بالسياحة وطلب الكيمياء والأحجار ،
وكان محروماً مقتراً عليه متلافاً إذا أفاد شيئاً ، فخرج مرة يريد جزيرة صقلية ،
فأسره الروم في البحر ، وأقام مدة طويلة إلى أن هادن ثقة الدولة يوسف بن
عبد الله بن محمد بن أبي الحسين القضاعي صاحب صقلية الروم وبعث إليه
بالأسرى ، فكان عبد الله المذكور فيمن بعث ، فامتدح عبد الله المذكور ثقة
١ علق صاحب المختار في هذا الموضع بقوله: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به :
ومثل هذا ما روي أن الوليد بن عبد الملك استعمل أخاه مسلمة بن عبد الملك على مصر فتوجه إليها
ثم عزله عنها بعد حول ، فلما رجع إلى دمشق خرج الوليد في موكبه لتلقيه فرأى رحل مسلمة وقد
تقدمه على ألف بعير ، ولم يكن كذلك عند توجهه إلى مصر ، فقال الوليد لبعض خواصه وأشار
إلى الجمال ( أيتها العير إنكم لسارقون) فلما التقى بمسلمة بلغ مسلمة ما قاله الوليد فالتفت إليه
وقال ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) والله أعلم)).
٢ ق ع: النموذج؛ وانظر مسالك الأبصار ١١ الورقة ٣٤٧ وما بعدها .
١٥٧

الدولة بقصيدة شكره فيها على صنعه ، ورجا صلته، فلم يصله بشيء أرضاه ،
وكانت فيه رغبة ، فتكلم وطلب طلباً شديداً ، وهو مستخف عند بعض من
يعرف من أهل صناعته، وطالت المدة ، فخرج سكران يشتري نقلا١ً، فما شعر
إلا وقد أخذ٢ ، وحمله صاحب الشرطة حتى أدخله على ثقة الدولة ، فقال له :
ما الذي بلغني يا بائس ؟ قال : المحال أيد اللّه سيدنا الأمير ، قال : ومن هو الذي
يقول في شعره :
فالحر ممتحن بأولاد الزنا
قال : هو الذي يقول :
وعداوة الشعراء بئس المقتنى
فتنمر ساعة ثم أمر له بمائة رباعي٣ وأخرجه من المدينة كراهية أن تقوم عليه
نفسه فيعاقبه بعد أن عفا عنه ، فخرج منها .
وهذا المستشهد به عجزا بيتين من شعر المتنبي في قصيدته النونية التي يمدح
بها بَدْرَ بن عمار، وأولها؛ :
الحب ما منع الكلامَ الألسُنا وألذُّ شكوى عاشقٍ ما أعْلَنا
وهي من مشاهير قصائده ، وأول العجز الأول :
وأنهَ المشيرَ عليك فيّ بضلةِ فالحرُّ ممتحن بأولاد الزنا
ومكايدُ السفهاء واقعةٌ بهم وَعَداوةُ الشعراء بئس الْمُقْتَنِى
-
وأول العجز الثاني : .
١ ع ن بر من : بقلا .
٢ ن ر ص : كتف .
٣ الرباعي : وحدة تساوي ربع دينار ، وأحياناً كانت تزيد على ذلك ، وفي بر : بمائة دينار .
٤ ديوان المتنبي : ١٣٨ .
١٥٨

وإذ قد ذكرنا ثقة الدولة ١ المذكور فنذكر قصيدة أبي محمد عبد الله بن
محمد٢ التنوخي المعروف بابن قاضي مِيلَةَ ٣ التي مدحه بها في عيد النحر، وهي
قصيدة بديعة لا توجد بكمالها في أيدي الناس ، ولقد ظفرت بها في ظهر كتاب ،
ولم يكن عندي منها سوى البعض ، ولا سمعت أحداً يروي منها إلاّ ذلك القدر،
فأحببت إثباتها لحسنها وغرابتها وهي هذه :
يذيل الهوى دَمْعي وقلبي المعَنّفُ وتَجني جفوني الوجدَ وهو المكلّفُ
وفارقت مغناه الأغنُّ المشتّفُ
وإنّ ليدعوني إلى ما شنفته
وأحور ساجي الطرف أما وشاحه
يطيب أجاج الماء من نحو أرضه
وأيأسي من وصله أن دونه
وغيرانَ يجفو النوم کي لا يرى لنا
يظل على ما كان من قرب دارنا
وجون بمزن الرعد يستنُّ وَدْقَهُ
كأنّ إذا ما لاح والرعدُ معولٌ
سليمٌ وصوتُ الرعدِ راقٍ وودقه
ذكرتُ به ريا وما كنت ناسياً
ولما التقينا محرمين وسيرنا
نظرتُ إليها والمطيُّ كأنّما
فقالتْ أما منكنّ من يعرفُ الفتى
أراه إذا سرنا يسيرُ حذاءنا
فصفرٌ وأما وَقْفه فموقّفُ
يحيي ويندى ريحه وهو حرجف
متالفَ تسري الريحُ فيها فتلف
إذا نام شملاً في الكرى يتألف
وغفلته عما مضى يتأسف
يرى برقه كالحية الصل تطرف
وجفنُ السحاب الجون بالماء يذرف
كنفتِ الرُّقَى من سوء ما أتكلف
فأذكر لكن لوعةٌ تتضعف
بلبّيْكَ ربّاً والركائبُ تعسف
غواربها منها معاطسُ رُعَفُ؛
فقد رابني من طول ما يتشوف
ونوقفُ أخفافَ المطيّ فيوقف
١ انظر نبذة عنه في كتابنا ((العرب في صقلية)»: ٤٦ وفيه تحويل إلى المصادر.
٢ بر: أبي عبد الله محمد بن محمد .
٣ ميلة: مدينة بالجزائر إلى الشمال الغربي من قسنطينية ( البكري : ٦٤ والاستبصار : ١٦٦).
٤ ر : ترعف .
١٥٩

وقولا لها یا أُمّ عمروٍ أليس ذا
تفاعلتُ في أن تبذلي طارفَ الوفا
وفي عرفاتٍ ما يخبر أنّني
وأمّا دماء الهدي فهي هُدَى لنا
وتقبيل ركن البيت إقبال دولة
فأوصَلَتَا ما قلتُهُ فتبسمتْ
بعيشي ألم أخبركما أنّه فتّ
فلا تأمنا ما اسطعتما كيدَ نطقه
إذا كنت ترجو في منى الفوز بالمنى
وقد أنذر الإحرامُ أن وصالنا
وهذا وقذفي بالحصى لك مخبرٌ
وحاذر نقارى ليلة النَّفْر إنّه
فلم أرَ مثلينا خليليْ مودةٍ
أما إنّه لولا أغن مهفهف اً
الراجحَ مشتاقٌ وَنامِ مسهّدُ
وعاذلةٍ في بذل ما ملكت يدي
تقول إذا أفنيتَ مالك كلّه
أغر قضاعيٌّ يكادُ نواله
إذا نحن أخلفنا مخايلَ ديمة
سعى وسعى الأملاك في طلب العلا
فقلتُ لتربيها آبلغاها بأنّني بها مستهام قالتا نتلطف
مِنَّ والمُتِى في خَيْفِهِ ليس يخلف
بأن عنَّ لي منك البنانُ المطرّف
بعارفةٍ من عطفٍ قلبك أسعف
يدوم ورأيٌ في الهوى يتألف
لنا وزمان بالمودة يعطف
وقالت أحاديثُ العيافة زخرف
على لفظه بُرْدُ الكلامِ الْمُفَوَّفُ
وقولا ستدري أينا اليوم أعيف
ففي الخيف من إعراضنا تتخوف
حرامٌ وأنا عن مزارك نصدف
بأن النوى بي عن ديارك تقذف
سريعٌ فقل مَنْ بالعيافة أعرف
لكلّ لسانٌ ذو غرارين مُرْهفُ
وأشنف براق وأحور أوطف
وأيقن مرتابٌ وأقصر مُدْنَف
لراجٍ رجاني دون صحبي تعنف
وأحو جت٢ منیعطیکه؟ قلت : يوسف
لكثرة ما يدعو إلى الشكر يجحف
وجدنا حيا معروفه ليس يخلف
ففاز وأكْدَوا إذ أخفَّ وأقطفوا
١ ق ع : الأغن المهفهف .
٢ ق ن ع : وحوجت .
١٦٠