النص المفهرس
صفحات 101-120
٧٨٥ هلال ابن المحسن الصابىء أبو الحسن١ هلال بن المحسن بن أبي إسحاق إبراهيم بن هلال بن إبراهيم ابن زهرون بن حَيّون، الصابىء الحراني الكاتب؛ هو حفيد أبي إسحاق الصابىء صاحب الرسائل المشهورة - وقد سبق ذكر جده في حرف الهمزة - ؛ سمع هلال المذكور أبا علي الفارسي النحوي - المقدم ذكره - وعلي بن عيسى الرماني - المقدم ذكره أيضاً - وأبا بكر أحمد بن محمد بن الجراح الخراز٢ وغيرهم . وذكره الخطيب في ((تاريخ بغداد )) وقال : كتبنا عنه وكان صدوقاً، وكان أبوه المحسن صابئيا٣ً على دين جده إبراهيم، فأسلم هلال المذكور في آخر عمره ٤، وسمع من العلماء في حال كفره ، لأنّه كان يطلب الأدب . ورأيت له تصنيفاً جمع فيه حكايات مستملحة وأخباراً نادرة، وسماه كتاب ((الأماثل والأعيان ومنتدى العواطف والإحسان )) وهو مجلد واحد ، ولا أعلم هل صنف سواه أم لا . (311) وكان ولده غرس النعمة أبو الحسن محمد بن هلال المذكور ذا فضائل جمّة وتآليف نافعة ، منها التاريخ الكبير المشهور ، ومنها الكتاب الذي سمّاه ((الهفوات النادرة من المغفلين الملحوظين، والسقطات الباردة من المغفلين المحظوظين )) جمع فيه كثيراً من الحكايات التي تتعلق بهذا الباب ، فمما نقلته منه٦ أن عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنه - وهو عم السفاح ٧٨٥ - ترجمته في تاريخ بغداد ١٤: ٧٦ والمنتظم ٨ ١٧٦ ومعجم الأدباء ١٩ : ٢٩٤. ٢ تاريخ بغداد : الخزاز . ١ ص : أبو الحسين ، وكذلك في تاريخ بغداد . ٣ في بعض النسخ: وكان أبو الحسن صابئياً، ليتفق ذلك مع قوله ((جده))، وعند دي سلان : ((أبيه)) وهو لم يرد في النسخ المعتمدة. ٤ بر من : بأخرة . ٥ كذا في النسخ، ولعل الصواب ((المعقلين)) كما قال محقق الكتاب (المقدمة : ٣١). ٦ الهفوات النادرة : ٣٧١ . ١٠١ وأبي جعفر المنصور - أنفذ إلى ابن أخيه السفاح في أول ولايتهم مشيخَةً من أهل الشام يطرفه بعقولهم واعتقادهم ، وأنهم حلفوا أنهم ما علموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة يرثونه غير بني أُميّة حتى وليتم أنتم . ونقلت منه أيضاً حكاية وإن كانت سخيفة لكنها ظريفة ، ولا بد في المجاميع من الإحماض ، ومزج الهزل بالجد ، والحكاية المذكورة هي١: أن أبا سعيد ماهك ابن بندار المجوسي الرازي كان من كبار كتاب الديلم المشهور تجلّفهم٢، الشائعة فيه أخبارهم ، وكان يكتب لعلي بن سامان أحد قواد الديلم ، فأراد الوزير أبو محمد المهلبي أن ينفذ ماهك في بعض الخدم فقال له ، وقد أراد الخروج من عنده : يا أبا سعيد ، لا تبرح من الدار حتى أوقفك على شيء أُريده معك ، فقال : السمع والطاعة لأمر سيدنا الوزير ، ونهض من بين يديه ، فقال الوزير : هذا رجل مجنون ، وربما طال بي الشغل وضاق صدره فانصرف ، فتقدموا إلى البواب أن لا يدَعَه يخرج من الباب ، فجلس ماهك طويلاً ، وأراد دخول الخلاء ، فقام يطلب ذلك فرأى الأخلية مقْفّلة ، وكان قد تقدم الوزير بذلك ، وقال : كانت دار أبي جعفر الصيمري منتنة الرائحة لأجل خلاء كان بها لعامة الناس . فوجد ماهك الخلاء الخاص غير مقفل ، وعليه ستر مسبل ، فرفع الستر ليدخل ، فجاء الفراش فمنعه ودفعه ٣ ، فقال : يا هذا أليس هذا خلاء؟ فقال : بلى ، فقال: أُريد أن أعمل فيه حاجتي فلم تمنعني ؟ قال : هذا خلاء خاص لا يدخله غير الوزير ، قال : فبقية الأخلية مقفلة ، فكيف أعمل وقد جئت أخرج فمنعي البواب فأخرى في ثيابي ؟ فقال الفراش : استأذن في دخول الخلاء، ليتقدم لك بذلك ويفتح لك أحد الأخلية فتقضي حاجتك ، فاشتد به الأمر ، فكتب إلى الوزير رقعة وقال فيها : قد احتاج عبد سيدنا الوزير ماهك إلى بعض ما يحتاج إليه الناس ......... ١ المصدر السابق : ٣٢٢ ٠ ٢ هذه القراءة غير قاطعة لأن النسخ أوردت اللفظة غير كاملة الإعجام . ٣ ر : فدفعه ومنعه . ٤ ع ن بر من : خلاء . ١٠٢ . ولا يحسن ذكره ، والفراش يقول لا تدخل ، والبواب يقول لا تخرج ١ ، وقد تحير العبد في البين ، والأمر في الشدة ، فإن رأى سيدنا الوزير أن يفسح لعبده بأن يعمل ما يحتاج إليه في خلائه فعل إن شاء الله تعالى ، والسلام . ودفع الرقعة إلى بعض الحجاب ، فأوصلها إلى الوزير ، فلم يعلم ما أراد بالرقعة ، فاستعلم ما الصورة فعُرف ٢ بها ، فضحك واستلقى على ظهره ٣ ، ووقع على ظهر الرقعة: يخرى أبو سعيد أعزّه الله بحيث يختار، إن شاء اللّه تعالى . فجاءه الحاجب بها فأخذه ودفعه إلى الفراش ، وقال : هذا ما طلبت ، وهو توقيع سيدنا الوزير ، فقال الفراش : التوقيعات يقرؤها أبو العلاء ابن أبرونا كاتب ديوان الدار ، وأنا لا أحسن أن أكتب ولا أقرأ ، فصاح ماهك في الدار : هات من يقرأ؛ في الدار صك الخرا !! فضحك فرّاش آخر وأخذ بيده ، وحمله إلى بعض الحجر حتى قضى حاجته . ونقلت من هذا الكتاب أيضاً° : أن أرطأة بن سهية دخل على عبد الملك ابن مروان، وكان قد أدرك الجاهلية والإسلام ، فرآه عبد الملك شيخاً كبيراً ، فاستنشده ما قاله في طول عمره فأنشده : كأكل الأرض ساقطة الحدید رأيت المرء تأكله الليالي على نفس ابن آدم من مزيد وما تبغي المنية حين تأتي توقّي نذرها بأبي الوليد واعلم أنها ستکرُّ حتی فارتاع عبد الملك وظن أنّه عناه لأنّه كان يكنى أبا الوليد ، وعلم أرطأة بسهوه وزلته ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّي أُكنى بأبي الوليد ، وصدقه الحاضرون ، فسري عن عبد الملك قليلاً . ١ ع : لا تدخل . ٢ ع ص ن : فعرفه . ٣ واستلقى على ظهره : سقط من : بر من ر ع ن . ٤ ع ن بر من : يعمل . • الهفوات النادرة : ٣٩. ١٠٣ ونقلت منه أيضاً أن أبا العلاء صاعد بن مخلد كاتب الموفق قرأ على الموفق كتاباً فلم يفهم معناه ، وقرأه الموفق ففهمه ، فقال فيه عيسى بن القاشي ٢: أرى الدهرَ يمنعُ من جانبه ويهدي الحظوظ إلى عائبه فأعيا عناه٣ على طالبه وكم طالبٍ سباً مجلبا ومن عجب الدهر أن الأميـ ر أصبح أكتبَ من كاتبه والموفق المذكور هو ابن أحمد طلحة بن المتوكل، وهو والد المعتضد الخليفة العباسي . ونقلت منه٤ أيضاً أن أعرابياً شهد الموقف مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال الأعرابي : فصاح به صائح من خلفه : يا خليفة رسول اللّه ثم قال : يا أمير المؤمنين ، فقال رجل من خلفي : دَعاه باسم ميت ، مات واللّه أمير المؤمنين ؛ فالتفت إليه ، فإذا هو رجل من بني لِهْب - بكسر اللام - وهم من بني النضر ٥ ابن الأزد ، وهم أزجر قوم ، وقد أشار كثير عزة إلى ذلك في قوله : سألت أخا لِهْبٍ ليزجر زَجْرَهُ وقد صارَ زَجْرُ العالمين إلى لهب قال الأعرابي : فلما وقفنا لرمي الجمار ٦ إذا حصاةٌ قد صكّت صلعة عمر رضي الله عنه فأدمته، فقال قائل: أشعر والله أمير المؤمنين، والله لا يقف هذا الموقف بعدها ، فالتفت إليه فإذا هو اللهبي بعينه ، فقتل عمر رضي الله عنه قبل الحول ٧ . ١ المصدر السابق : ٢٧٧ . ٢ المختار : القاشاني . ٣ ق ر: عياه، ولعل الصواب ((عياء)). ٤ الهفوات النادرة : ٣٦١ . ٥ ع والمختار : نصر . ٦ ر : للرمي . ٧ علق ابن المؤلف هنا بقوله: ((قلت أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به : زاد المبرد في كتابه المسمى بالكامل في هذه الحكاية أن اللهبى لما قال: أشعر والله، قال له الأعرابي السامع له ولم ذلك ؟ قال : العرب تقول إذا ماتت الدابة نفق وإذا مات الكافر هلك وإذا مات المسلم مات وإذا مات الملك أشعر، من إشعار البدن المهدية للكعبة والذبح إجلالا لهم وإعظاماً عن ذكر الموت، والله أعلم)). ١٠٤ وهذه الحكاية في كتاب ((الكامل)) ١ أيضاً. وقوله ((دعاه باسم ميت)) إنّما قال ذلك لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقال له ((خليفة رسول اللّه)) فلما توفي وتولى عمر رضي الله عنه قيل له : ((خليفة خليفة رسول الله)) فقال للصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين : هذا أمر يطول شرحه ، فإن كل من يتولى يقال له خليفة مَنْ كان قبله حتى يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وإنّما أنتم المؤمنون، وأنا أميركم ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ، فهو أول من دعي بهذا الاسم ، وكان لفظ الخليفة مختصاً بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، فلهذا قال ((دعاه باسم ميت)). وذكر عمر بن شبة-المقدم ذكره ٢ - في ((أخبار البصرة)) عن الشعبي أن أول من دعا لعمر رضي الله عنه على المنبر أبو موسى الأشعري بالبصرة ، وهو أول من كتب ((لعبد الله أمير المؤمنين))، فقال عمر: إنّي لعبد اللّه، وإنّ لعمر، وإنّي لأمير المؤمنين . وقال عوانة : أول من سمّاه أمير المؤمنين عدي بن حاتم الطائي ، وأول من سلم عليه بها المغيرة بن شعبة . وقال غيره : جلس عمر يوماً فقال : والله ما ندري كيف نقول : أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأنا خليفة أبي بكر ، فأنا خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فمن جاء بعدي يقال له: خليفة خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فهل اسم ؟ قالوا : الأمير، قال : كلكم أمير ، قال المغيرة : نحن المؤمنون ، وأنت أميرنا ، فأنت أمير المؤمنين ، قال : فأنا أمير المؤمنين ، واللّه أعلم ، وقد خرجنا عن المقصود . وكانت ولادة هلال المذكور في شوال سنة تسع وخمسين وثلثمائة . وتوفي ليلة الخميس ٣ سابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى . ..... ١ الكامل : ١ : ١٤٥ . ٢ انظر = ٣ : ٤٤٠ . ٣ ر : الجمعة. ١٠٥ ٧٨٦ الهيثم بن عدي أبو عبد الرحمن الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن بن زيد بن أسيد بن جابر ابن عدي بن خالد بن خیثم بن أبي حارثة بن جدي بن تدول بن محتر بن عتود بن عنين بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة ، وهو طيء ، الطائي الثعلي البحتري الكوفي ؛ كان راوية أخبارياً ، نقل من كلام العرب وعلومها وأشعارها ولغاتها الكثير ، وكان أبوه نازلاً بواسط ، وكان خيراً. وكان الهيثم يتعرض لمعرفة أُصول الناس ونقل أخبارهم ، فأورد معايبهم وأظهرها وكانت مستورة فكره لذلك ، ونقل عنه أنّه ذكر العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه بشيء ، فحبس لذلك عدة سنين ، ويقال إنّه نقل عنه زوراً، ولبسوا عليه ما لم يقله ، وكان قد صاهر قوماً فلم يرضوه ، فأذاعوا ذلك عنه ، وحرفوا الكلام . وكان يرى رأي الخوارج . وله من الكتب المصنّفة كتاب ((المثالب)) ١ وكتاب ((المعمرين)) وكتاب ((بيوتات العرب)) وكتاب (( بيوتات قريش)) وكتاب ((هبوط آدم عليه السلام)) و ((افتراق العرب ونزولها منازلها)) وكتاب ((نزول العرب بخراسان ٢ والسواد)) وكتاب ((نسب طي)) وكتاب ((مديح ٣ أهل الشام)) وكتاب ((تاريخ العجم وبني أُميّة)) وكتاب ((من تزوج من الموالي في العرب)) وكتاب ((الوفود )) وكتاب ٧٨٦ - ترجمته في البيان ١: ٣٤٧، ٣٦١ والفهرست: ٩٩ وتاريخ بغداد ١٤: ٥٠ ونور القبس: ٢٩٣ وإنباه الرواة ٣: ٣٦٥ ولسان الميزان ٥: ٢٠٩ ومعجم الأدباء ١٩: ٣٠٤ وميزان الاعتدال ٤ : ٣٢٤ وانظر بروكلمان ( الترجمة العربية) ٣ : ٣٤ ويتفق نسبه المذكور هنا مع ما ذكره ابن الكلبي حتى ((أسيد)) وبعده: ابن ترعل بن خثيم ( بتقديم الثاء) (مختصر الجمهرة ٢ : ٢٦٤). وابتداء من هذه الترجمة ينتهي الإيجاز في النسخة ق. ٠ ١ كتاب المثالب : سقط من ص ، ووردت أسماء الكتب في ع دون واو عطف . ٢ ن ص : خراسان . ٣ ص ر : مستفتح . ١٠٦ : : ((خطط ١ الكوفة)) وكتاب ((ولاة الكوفة)) وكتاب ((تاريخ الأشراف الكبير)» وكتاب ((تاريخ الأشراف الصغير)) وكتاب (( طبقات الفقهاء والمحدثين )) و کتاب ((كنى الأشراف)) وكتاب ((خواتيم الخلفاء)) وكتاب ((قضاة الكوفة والبصرة)) وكتاب ((المواسم)) وكتاب ((الخوارج)) وكتاب ((النوادر)) وكتاب ((التاريخ على السنين)) وكتاب ((أخبار الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ووفاته)) وكتاب ((أخبار الفرس)) وكتاب (( عمال الشرط لأمراء العراق)) وغير ذلك من التصانيف . واختص بمجالسة المنصور والمهدي والهادي والرشيد وروى عنهم . قال الهيثم ، قال لي المهدي : ويحك يا هيثم ، إن الناس يخبرون عن الأعراب شحاً ولؤماً وكرماً وسماحاً ، وقد اختلفوا في ذلك ، فما عندك ؟ فقلت : على الخبير سقَطْتَ ، خرجتُ من عند أهلي أُريد ديار فرائد٢ لي ، ومعي ناقة أركبها ، إذ ندّت فذهبت ، فجعلت أتبعها حتى أمسيت فأدركتها ، ونظرت فإذا خيمة أعرابي فأتيتها ، فقالت ربة الخباء : من أنت ؟ فقلت : ضيف ، فقالت : وما يصنع الضيف عندنا ؟ إن الصحراء الواسعة ، ثم قامت إلى بر فطحنته ، ثم عجنته وخبزته وقعدَتْ فأكلَتْ ، ولم ألبث أن أقبل زوجها ومعه لبن ، فسلم ثم قال : من الرجل ؟ فقلت : ضيف ، فقال : مرحباً حياك الله ، فدخل الخباء وملأ قَعْباً من لبن ، ثم أتاني به وقال : اشرب ، فشربت شراباً هنيئاً ، فقال : ما أراك أكلت شيئاً ، وما أراها أطعمتك ، فقلت : لا والله، فدخل إليها مغضباً وقال : ويلك أكلت وتركت ضيفك ، فقالت : وما أصنع به ؟ أطعمه طعامي ؟ وجاراها في الكلام حتى شجها ، ثم أخذ شفرة وخرج إلى ناقتي فنحرها فقلت : ما صنعت عافاك الله ؟ فقال : لا والله ما يبيت ضيفي جائعاً، ثم جمع حطباً وأجج ناراً ، وأقبل يكبب ويطعمني ويأكل ويلقي إليها ويقول : كلي لا أطعمك اللّه ، حتى إذا أصبح تركني ومضى ، فقعدت مغموماً ، فلما تعالى النهار أقبل ومعه بعير ما يسأم الناظر أن ينظر إليه ، فقال : هذا مكان ناقتك ، ثم زودني من ذلك اللحم ١ ص ر ق : رهط . ٢ ر : قرائب . ١٠٧ وممّا حضره ، وخرجت من عنده ، فضمني الليل إلى خباء ، فسلمت ، فردت صاحبة الخباء السلام وقالت : من الرجل ؟ فقلت : ضيف ، فقالت : مرحبا بك حياك الله وعافاك ، فنزلت ، ثم عمدت إلى بر فطحنته وعجنته ، ثم خبزته خبزة روّتها بالزبد واللبن ، ثم وضعته بين يدي فقالت : كل واعذر ، فلم ألبث أن أقبل أعرابي كريه الوجه ، فسلم فرددت عليه السلام ، فقال : من الرجل ؟ قلت : ضيف ، قال : وما يصنع الضيف عندنا ، ثم دخل إلى أهله ، فقال : أين طعامي ؟ فقالت : أطعمته الضيف ، فقال : أتطعمين الضيف طعامي ، فتجاريا الكلام١ ، فرفع عصاه وضرب بها رأسها فشجها ، فجعلت أضحك ، فخرج إليّ فقال : ما يضحكك ؟ قلت : خير ، فقال : والله لتخبرني ، فأخبرته بقضية ٢ المرأة والرجل اللذين نزلت عندهما قبله ، فأقبل علي وقال : إن هذه التي عندي هي أخت ذلك الرجل ، وتلك التي عنده أختي . فبت ليلتي متعجباً وانصرفت . ويقرب من هذه الحكاية ما روي أن رجلاً من الأولين كان يأكل وبين يديه دجاجة مشوية ، فجاءه سائل فرده خائباً ، وكان الرجل مترفاً فوقع بينه وبين امرأته فرقة ، وذهب ماله، وتزوجت امرأته ، فبينما الزوج الثاني يأكل وبين يديه دجاجة مشوية جاءه سائل فقال لامرأته : ناوليه الدجاجة ، فناولته ، ونظرت إليه فإذا هو زوجها الأول ، فأخبرته بالقصة ، فقال الزوج الثاني : أنا والله ذلك المسكين الأول الذي خيبني ، فحوَّل الله نعمته وأهله إليّ لقلة شكره ٣ . وحكى الهيثم أيضاً قال : صار سيف عمرو بن معديكرب الزبيدي الذي كان يسمى بالصمصامة إلى موسى الهادي بن المهدي ، وكان عمرو قد وهبه لسعيد ابن العاص الأموي ، فتوارثه ولده ، إلى أن مات المهديّ واشتراه موسى الهادي منهم بمال جليل ، وكان من أوسع بني العباس كفا وأكثرهم عطاء ، فجرد الصمصامة وجعلها بين يديه وأذن للشعراء فدخلوا عليه ، ودعا بمكتل فيه بدرة ، وقال : قولوا في هذا السيف ، فبدر ابن يامين البصري وأنشد : ١٠ ص ن : بالكلام . ٢ ص ر : بقصة . ٣ هذه القصة لم ترد في : ع بر من . ١٠٨ ن جميعِ الأنامِ موسى الأمينُ حاز صمصامة الزبيديّ من بي سیف عمرو و کان فيما سمعنا أخضر اللون بين حدّيه بردٌ أوقدت فوقه الصواعق ناراً فإذا ما سللته بهرَ الشمر ما يبالي من انتضاهُ لضربٍ يستطير الأبصارَ كالقبس المُشْ خيرَ ما أغمدتْ عليه الجفون من ذُباح تبين فيه المنون ثم شابت فيه الزعاف القيون سَ ضياء فلم تكد تستبين أشمالٌ سطتْ به أم يمين عَل ما تستقر فيه العيون ريَ في صفحتيه ماء معين وكأن الفرندَ والجوهرَ الجا نعم مخراق ذي الحفيظة في الهيـ ـجاء يعصى به ونعم القرين فقال الهادي : أصبت والله ما في نفسي ، واستخنه السرور ، فأمر له بالمكتل والسيف ، فلما خرج من عنده قال للشعراء : إنّما حرمتم من أجلي ، فشأنكم والمكتل ، ففي السيف غنائي ، فاشتري منه السيف بمال جزيل ، وقال المسعودي في كتاب ((مروج الذهب))١: اشتراه الهادي منه بخمسين ألفاً، ولم يذكر من هذه الأبيات إلا بعضها . والذباح : بضم الذال المعجمة وفتح الباء الموحدة وبعد الألف حاء مهملة ، وهو نبت قتّال لسميّته ، وقد جاء كثيراً في الشعر . ويعصى - بفتح الصاد - يقال : عصيَ بكسر الصاد يَعْصَى إذا ضرب بالسيف ، وهو خلاف عَصَى يَعْصِي إذا ارتكب الذنب . وحكى المسعودي في ((مروج الذهب)) ٢ في ولاية هشام بن عبد الملك أن الهيثم بن عدي المذكور روى عن عمر ٣ بن هانىء الطائي قال : خرجت مع عبد الله ابن علي ، وهو عم السفّاح والمنصور ، فانتهينا إلى قبر هشام بن عبد الملك ، فاستخرجناه صحيحاً ما فقد منه إلا خرمة أنفه ، فضربه عبد الله ثمانين سوطاً ، ١ مروج الذهب ٣ : ٣٤٥ . ٢ مروج الذهب ٣ : ٢١٩ . ٣ ق : عمرو . ١٠٩ ثم أحرقه ، واستخرجنا ١ سليمان بن عبد الملك من أرض دابق ، فلم نجد منه شيئاً إلا صلبه وأضلاعه ورأسه ، فأحرقناه ، وفعلنا ذلك بغيرهما من بني أمية ، وكانت قبورهم بقنسرين . ثم انتهينا إلى دمشق فأخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وجدنا في قبره لا قليلاً ولا كثيراً ، واحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلا شؤون رأسه ، ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا منه إلا عظماً واحداً ، ووجدنا مع لحده خطأً أسود كأنّما خط بالرماد بالطول في لحده ، ثم تتبعنا قبورهم في جميع البلدان ، فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم ٢ . (312) وكان سبب فعل عبد الله بني أُميّة هذا الفعل أن زيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم - وقد سبق ذكره في ترجمة الوزير محمد بن بقية - خرج على هشام بن عبد الملك وسَمَتْ نفسه إلى طلب الخلافة ، وتبعه خلق من الأشراف والقرّاء ، فحاربه يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - فانهزم أصحاب زيد وبقي في جماعة يسيرة ، فقاتلهم أشد قتال وهو يقول متمثلاً : ذل الحياة وعزّ الممات وكلا أراه طعاماً وبيلا فإن كان لا بدّ من واحد فسيري إلى الموت سيراً جميلا وحال المساء بين الفريقين ، فانصرف زيد مُثْخناً بالجراح ، وقد أصابه سهم في جبهته ، فطلبوا من ينزع النصل ، فأتي بحجام من بعض القرى ، فاستكتموه أمره فاستخرج النصل ، فمات من ساعته ، فدفنوه في ساقية ماء وجعلوا على قبره ٣ التراب والحشيش وأجروا الماء على ذلك ، وحضر الحجام مواراته فعرف الموضع ، فلما أصبح مضى إلى يوسف منتصحاً له ، فدلّهُ على موضع قبره ، فاستخرجه يوسف وبعث رأسه إلى هشام ، فكتب إليه هشام : أن اصلبه عرياناً ، ١ ق : ثم استخرجنا . ٢ عند هذا الموضع تعليق على هامش المختار بخط مخالف فيه تنديد بفعل الأمويين والعباسيين بل سب للعرب جميعاً . ٣ ر : فوق قبره . ١١٠ فصلبه يوسف كذلك، ففي ذلك يقول بعض شعراء بني أُميّة يخاطب آل أبي طالب وشيعتهم من جملة أبيات : صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة ولم أر مهدياً على الجذع يصلب وبنى تحت خشبته عموداً ، ثم كتب هشام إلى يوسف بأمره بإحراقه وتذريته في الرياح ، وكان ذلك في سنة إحدى وعشرين ، وقيل اثنتين وعشرين ومائة . وذكر أبو بكر ابن عياش وجماعة من الأخباريين أن زيداً أقام مصلوباً خمس سنين عرياناً فلم ير أحد له عورة ستراً من الله سبحانه وتعالى له ، وقال بعضهم : إن العنكبوت نسج علی عورته١ ، وذلك بالكناسة بالكوفة .فلما كان في أيام الوليد ابن يزيد وظهر ولده يحيى بن زيد بخراسان ، وهي واقعة مشهورة ، کتب الوليد إلى عامله بالكوفة : أن أحرق زیداً بخشبته ، ففعل ذلك ، وأذری رماده في الرياح على شاطىء الفرات، والله تعالى أعلم أي ذلك كان. فهذا الذي حمل عبد الله بن علي على ما فعله ببني أُميّة ، انتصاراً لبني عمّه وانتقاماً لهم بنظير ما فعل بهم . وقال الهيثم أيضاً : استعملت على صدقات بني فزارة ، فجاءني رجل منهم فقال : أريك عجباً ؟ فقلت : بلى ، فانطلق إلى جبل شاهق فإذا فيه صدع ، فقال لي : ادخل ، فقلت : إنّما يدخل الدليل ، قال : فدخل فاتبعته ، ودخل معنا أناس ، فكان ربما ضاق الجبل واتسع ، فإذا نحن بضوء ، فدنونا منه ، وإذا خرق ذاهب في الأرض ، وإذا عكاكيز في الجبل ، فجذبناها فإذا هي سهام عاد ، وإذا كتاب منقور في الجبل مقدار إصبعين أو أكثر ، وإذا هو كتاب بالعربية ، وهو : لوى الرمل فاصدقن النفوس معاد ألا هل إلى أبيات سفح بذي اللوی إذ الناس ناس ، والبلاد بلاد بلاد لنا كانت وكنا نحبها وروي أن أبا نواس الحسن بن هانىء الحكمي الشاعر المقدم ذ کره٢-حضر ١ وقال بعضهم ... عورته : سقط من أكثر النسخ. ٢ انظر ج ٢ : ٩٥ . ١١١ مجلس الهيثم بن عدي في حداثته ، والهيثم لا يعرفه ، فلم يستدنه ولا قرب مجلسه ، فقام مغضباً ، فسأل الهيثم عنه، فخبر باسمه ، فقال: إنا لله! هذه واللّه بلية لم أجنها على نفسي ، قوموا بنا إلیه لنعتذر ، فصاروا إليه ، ودق الباب عليه وتسمى له ، فقال : ادخل ، فدخل فإذا هو قاعد يصفي نبيذاً له ، وقد أصلح بيته بما يصلح به مثله ، فقال: المعذرة إلى اللّه تعالى وإليك، والله ما عرفتك وما الذنب إلا لك حيث لم تعرّفنا نفسك فنقضي حقك ونبلغ الواجب من برك ، فأظهر له قبول العذر ، فقال الهيثم : أستعهدك من قول يسبق منك فيّ ، فقال : ما قد مضى فلا حيلة فيه ، ولك الأمان فيما استأنف ، فقال : وما الذي مضى جعلت فداك؟ قال : بيت مرَّ وأنا فيما ترى [ يعني من الغضب ]١ قال: فتنشدنيه ، فدافعه ، فألحَّ عليه فأنشده : ولست من طيىء إلا على شغبٍ يا هيثم بن عدي لست للعرّبٍ إذا نسبت عَدياً في بني ثُعَل فقدم الدال قبل العين في النسب فقام من عنده ؛ ثم بلغه بعد ذلك بقية الأبيات وهي : هدية للهيثم بن عدي في تلونه في كل يوم له رجل على خشب إلى الموالي وأحياناً إلى العرب فما يزال أخا حل ومرتحل كأنّه لم يزل يُغْدى ١ على قتب له لسان يزجيه بجوهره على جواد قريب منك في الحسب كأنني بك فوق الجسر منتصباً من الصدید مكان الليف والكرب حتى نراك وقد درعته قمصاً إلا اجتلبت لها الأنساب من كثب لله أنت فما قربى تهمُّ بها فعاد الهيثم إلى أبي نواس ، وقال له : يا سبحان الله ! أليس قد أمنتني وجعلت لي عهداً أن لا تهجوني ! فقال : إنهم يقولون ما لا يفعلون . ......... ١ لم يرد في النسخ الخطية. ٢ ع ن : يغدي؛ ص ر : يعدي . ١١٢ وأخبار الهيثم كثيرة وقد أطلنا الشرح . وكانت ولادته قبل سنة ثلاثين ومائة . وتوفي غرّة المحرم سنة ست ، وقيل سبع ومائتين، وقال ابن قتيبة في كتاب ((المعارف)) ١: سنة تسع ومائتين، والله تعالى أعلم بالصواب ، رحمه اللّه تعالى . وله عقب ببغداد . وقال السمعاني في كتاب (الأنساب))٢ في ترجمة البحتري: إنّه توفي سنة تسع٣ ومائتين بفم الصلح ، وله ثلاث وتسعون سنة ، وزاد غيره أن وفاته كانت عند الحسن بن سهل ، وقد تقدم في ترجمة بوران أن زواجها بالمأمون كان في هذا التاريخ بهذا الموضع ، والظاهر أنّه كان في جملة من حضر فتوفي هناك . وقد تقدم الكلام على الطائي والبحتري . والتعلي : بضم الثاء المثلثة وفتح العين المهملة وبعدها لام ، هذه النسبة إلى ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيء - وقد تقدم تتمة هذه النسبة في ترجمة البحتري في حرف الواو فلتنظر هناك - وتنسب إلى ثُعَل المذكور عدة بطون : منها بحتر وسلامان وغيرهما . (313) ومن هذه القبيلة عمرو بن المسبّح الثعلي ٤ الذي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلّم في وفود العرب ، فأسلم بالمدينة وهو ابن مائة وخمسين سنة ، وكان أرمى العرب وفيه يقول امرؤ القيس حندج® بن حجر الكندي الشاعر المشهور ٦ : رب رامٍ من بني ثُعَلٍ مخرج كفيه من سُتّرَه ١ المعارف : ٥٣٩ . ٢ الأنساب ٢ : ١٠٣ . ٣ الأنساب : سبع . ٤ عمرو بن المسبح: ذكره أبو حاتم في المعمرين : ٨٦ وابن حجر في الإصابة ٥: ١٦ وابن عبد البر في الاستيعاب: ١٢٠١ وابن دريد في الاشتقاق: ٣٨٨، وفي ق ع والمختار: المسيح. ٥ ص ع ر : جناح . ٦ ديوان امرىء القيس : ٠١٢٣ ٨-٦ ١١٣ وهذا من جملة ما استشهد به ابن قتيبة في كتاب ((طبقات الشعراء))١ على قرب زمن امرىء القيس من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنّه كان قبله بمقدار أربعين سنة . هذا خلاصة ما قاله ، والله أعلم ٢ . ١ طبقات الشعراء : ٦٦ - ٦٧ . ٢ جاء في نسخة ق: تم حرف الهاء وبتمامه تم الجزء الثالث من كتاب وفيات الأعيان. ١١٤ عَرَفُ اليَاء ٧٨٧ یاروق التر كماني یاروق بن أرسلان التركماني ؛ كان مقدماً جليل القدر في قومه ، وإليه تنسب الطائفة الباروقية من التركمان ، وكان عظيم الخلقة هائل المنظر ، سكن بظاهر حلب في جهتها القبلية، وبنى على شاطىء قُوَيَق فوق تلّ مرتفع هو وأهله وأتباعه أبنيةً كثيرة مرتفعة وعمائر متسعة وتعرف الآن بالياروقية ، وهي شبه القرية ، وسكنها هو ومن معه ، وهي إلى اليوم معمورة مسكونة آهله يتردد١ إليها أهل حلب في أيام الربيع ويتنزهون هناك في الخضرة وعلى قُويق وهو موضع كثير الانشراح والأنس . وتوفي ياروق المذكور في المحرم سنة أربع وستين وخمسمائة ، رحمه الله تعال - هكذا ذكره بهاء الدين المعروف بابن شداد في ((سيرة السلطان ٢ صلاح الدين)) رحمهما الله تعالى . وياروق : بفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف راء مضمومة ثم واو ساكنة وفي الآخر قاف . وقُويق : بضم القاف وفتح الواو وسكون الياء المثناة من محتها وبعدها قاف ، وهو نهر صغير بظاهر حلب يجري في الشتاء والربيع وينقطع في الصيف ، وقد ذكرته الشعراء في أشعارهم كثيراً ، خصوصاً أبا عبادة البحتري ٣ فإنّه كرر ... ٧٨٧ - سقطت ((بن)) في نسبه من المختار ونسخة ق . ١ ر : يترددون . ٢ ن : السلطان الملك الناصر؛ وانظر السيرة : ٣٩. ٣ أكثر الصنوبري أيضاً من ذكر قويق في شعره ، انظر ديوانه ( دار الثقافة ١٩٧٠). ١١٧ ذكره في عدة قصائد ، فمن ذلك قوله في جملة قصيدة ١ : يا برق أسفر عن قويق فطُرَّتَىْ حلبٍ فأعلى القصر من بطْياسٍ عن منبتِ الوردِ المعصفر صبغهُ في كلّ ناحيةٍ ومجرى ٢ الآسِ حشدت عليَّ فأكثرتْ إيناسي ٣ أرضٌ إذا استوحشتُ ثم أتيتُها وبَطْياس : بفتح الباء الموحدة وسكون الطاء المهملة وفح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف سين مهملة ، وهي قرية كانت بظاهر حلب ودثرت ، ولم يبق لها اليوم أثر . وكان صالح بن علي بن عبد الله بن عباس ٤ بن عبد المطلب ، رضي الله عنهم، قد بنى بها قصراً وسكنه هو وبنوه، وهو بين النّيْرب والصالحية، وهما قريتان في شرقي حلب ، وكان القصر على الرابية المشرفة على التّيْرب ، ولم يبق منه في هذا الزمان سوى آثار دارسة ، هكذا وجدته مضبوطاً بخط بعض الفضلاء من أهل حلب ، والله أعلم . ١ ديوان البحتري: ١١٣٤ من قصيدة في مدح عبد الملك بن صالح الهاشمي . ٢ الديوان : ومجنى . ٣ ص ق ر : حشدت على ما كثرت . ٤ ق ر : العباس . ٥ انفردت النسخة (بر) بإيراد الترجمة التالية، وأخلت بها سائر النسخ، ومن الواضح أنها إضافة متأخرة لأنها منقولة عن تاريخ الإسلام للذهبي ووفاة المترجم بعد وفاة المؤلف ابن خلكان ، ولهذا لم نضعها في المتن ولم نفردها برقم ، وهذه هي : (( ياقوت المستعصمي الخطاط المشهور: يكاد يوجد خطه الآن بأيدي الناس مع العزة ، وهو من يضرب به المثل في حسن الخط ، ويقال كمان إذا وقف عليه الفقير وسأله ، كتب له حرفاً واحداً ودفعه إليه فيبيعه بما يريد ، وهو غير ياقوت الملكي المذكور هنا ، وغير ياقوت الحموي ، ترجمه في تاريخ الإسلام وقال : كان رومي الجنس نشأ بدار الخلافة وأحب الكتابة والأدب ، فلما أخذت بغداد سلم وحصل خطوطاً لابن البواب وغيره ، وكان يعرفها بخزانة الخلفاء ، فجود عليها وقويت يده ، وكتب أسلوباً غريباً في غاية القوة ، وصار إماماً يقتدى به ، وكان رئيساً وافر الحرمة كثير التجمل والحشمة ، كتب عليه أولاد الأكابر ، وله شعر جيد فمنه : صدقتم في الوشاة وقد مضى في حبكم عمري وفي تكذيبها ١١٨ ٧٨٨ ياقوت الموصلي أبو الدر ياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب، الملقب أمين الدين ، المعروف بالملكي ، نسبة إلى السلطان أبي الفتح ملكشاه بن سلجوق بن محمد بن ملكشاه الأكبر ؛ نزل الموصل ، وأخذ النحو عن أبي محمد سعيد بن المبارك المعروف بابن الدهان النحوي ، وقرأ عليه من تصانيفه جملة ، وكان ملازمه ، وقرأ عليه ديوان المتنبي والمقامات الحريرية وغير ذلك . وكتب الكثير وانتشر خطه في الآفاق وكان في نهاية الحسن ، ولم يكن في آخر زمانه من يقاربه في حسن الخط ولا يؤدي طريقة ابن البواب في النسخ مثله ، مع فضل غزير ونباهة تامة، وكان مُغْرَى بنقل ((الصحاح )) الجوهري ، فكتب منها نسخاً كثيرة ، كل نسخة في مجلد واحد ، رأيت ١ منها عدة نسخ ، وكل نسخة تباع بمائة دينار ، وكتب عليه خلق كثير وانتفعوا به ، وكانت له سمعة كبيرة وزعمتم أني مللت حديثكم من ذا يمل من الحياة وطيبها وله أيضاً : إلى محياك يا سمعي ويا بصري تجدد الشمس شوقي كلما طلعت إذ طيب ذكرك في ظلمائه سمري وأسهر الليل ذا أنس بوحشته فلست محتسباً باقيه من عمري وكل يوم مضى لي لا أراك به ليل نهار إذا ما درت في خلدي لأن ذكرك نور القلب والبصر ذكره الذهبي في حوادث سنة ثمان وتسعين وستمائة ، وترجمه في الوفيات من تلك السنة ، وقال : توفي الشيخ أبو الدر جمال الدين ياقوت المذكور ببغداد، هذه السنة (انظر الحوادث الجامعة : ٥٠٠ والنجوم الزاهرة ٨ : ١٨٧ والشذرات ٥ : ٤٤٣ وابن كثير ١٤ : ٦ والسلامي : ٢٣٣). ٧٨٨ - ترجمته في معجم الأدباء ١٩: ٣١٣ والنجوم الزاهرة ٥ : ٢٨٣. ١ ع : ورأيت . ١١٩ في زمانه ، وقصده الناس من البلاد ، وسير إليه من بغداد النجيب أبو عبد اللّه الحسين بن علي بن أبي بكر الواسطي قصيدة مدجه بها ولم يكن رآه ، بل على السماع به ، وهي قصيدة جيدة في بابها ، ووصف حسن خطه فأبلغ ١ ، وهي : أين غزلانُ عالج والمصلّى من ظباء سكنَّ نهرَ المعلّى وبدورٌ من أفقها ٢ تتجلى ء أم لتلك الغزلانِ حسنُ وجوهٍ أين حَوْذانُها من النرجسِ الغـ أين ذاك العَرَار من صبغة الور أيجرعائها كواكبُ نارنـ أنقيبٌٌ لماء دجلةَ كفؤٌ ألدار السلام في الأرض شبه كل يومٍ تبدي وجوهاً خلافَ الـ وصبايا يصبو الحليم إليه يعتصبن العصائب الناصريا لیس یرقبن فیك إلاّ ولا يعـ مَرْبَعٌ للقلوبِ فيه ٧ ربيع أبتلك الكثبان أغصانُ بانِ لو تراءت للحَزْنِ أصبح سهلا ضِّ إذا ناجز٣ُ النسيم استقلا د إذا جاده الغمام وطَلاء ـج دنا في غصونه فتدلى كذب القاسطون حاشا وكلا معجز أن ترى لبغداد مثلا أمسٍ حسناً كأنما هي حبلى نَّ إذا ما خطرن ٦ شكلاً ودلا تٍ فيحللن منك عقداً وحلا رفن شيئاً غير ((الصحاح)) وإلا متوالٍ إذا الربيعُ تولى والمعاني علماً وجداً وهزلا بلدة تستفادُ فيها المعالي قوتَ لو أنها به تتحلى لم يفتها من الكمال سوی یا ١ ن : فأبدع ؛ ر : فقال . ٢ ن : أهلها . ٣. ع ص ق : ناحر ؛ ن : فاخر . ٤ ق ن ص : وهلا . • النقيب: اسم ماء . ٦ ق ن : خطون . ٧ ر : فيه القلوب . ١٢٠