النص المفهرس

صفحات 41-60

((صفة النبي صلى الله عليه وسلّم)). كتاب ((فضائل الأنصار)). كتاب ((الفضائل
الكبير)) ويحتوي على جميع الفضائل. كتاب ((نسب ولد إسماعيل عليه السلام))
ويحتوي على قطعة من الأحاديث والقصص . وأخباره ومحاسنه كثيرة ؛ وتوفي سنة
مائتين للهجرة ببغداد ، في خلافة المأمون ، رحمه الله تعالى . وقد ذكره ابن
قتيبة في كتاب ((المعارف)) في موضعين ، عقد له أولاً ترجمة وتكلم على حاله ،
ثم ذكره في ثلاثة أسماء في نسق١ : أبو البختري وهب بن وهب بن وهب ،
وعد معه في ملوك الفرس بهرام بن بهرام بن بهرام ، وفي الطالبيين حسن بن حسن
ابن حسن ، وفي غسان الحرث الأصغر بن الحرث الأعرج بن الحرث الأكبر ،
هؤلاء الذين ذكرهم ابن قتيبة ، وقد جاء في المتأخرين أبو حامد الغزالي وهو
محمد بن محمد بن محمد ، وقد سبق ذكره في المحمدين .
وأبو البختري : بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفتح التاء المثناة
من فوقها وبعدها راء ، وهو مأخوذ من البخترة التي هي الخيلاء ، وهو يتصحف
على كثير من الناس بالبحتري وهو الشاعر المقدم ذكره .
وزمعة : بفتح الزاي والميم والعين المهملة وبعدها هاء ساكنة، وهي في الأصل
اسم للهَنَّة الزائدة من وراء الظلف ، وبها سمي الرجل .
وقد تقدم الكلام على الأسدي والمدني ٢ .
قلت : وبعد الفراغ من هذه الترجمة ظفرت بنكتة ينبغي إلحاقها بها ، وهي
أن أبا البختري المذكور قال : كنت أدخل على هارون الرشيد وابنُه القاسم الملقب
بالمؤتمن بين يديه ، فكنت أدمن النظر إليه عند دخولي وخروجي ، فقال له
بعض ندمائه: ما أرى أبا البختري إلا يحب رؤوس الحملان، ففطن له الرشيد ،
فلما دخلت عليه قال : أراك تدمن النظر إلى أبي القاسم ٣ ، تريد أن تجعل انقطاعك
إليه٤ ، قلت : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن ترمي بما ليس في، وأمّا إدماني
١ المعارف : ٥٩٠ .
٢ هنا تنتهي الترجمة في : ع بر من .
٣ كذا في المختار أيضاً وسماه أولا ((القاسم)) ولعل الصواب في الموطن الثاني ((ابني القاسم)).
٤ ن ص ر : انقطاعه اليك .
٤١

النظر إليه فلأن جعفراً الصادق رضي اللّه تعالى عنه روى بإسناده عن آبائه إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم١ ((ثلاث يزدن في قوّة النظر ٢: النظر إلى الخضرة،
وإلى الماء الجاري ، وإلى الوجه الحسن ، نقلتها من خط القاضي كمال الدين ابن
العديم من مسودة تاريخه ، والله تعالى أعلم بالصواب .
١ ر : أخبر عن النبي ( ص ) أنه قال .. الخ .
٢ ص ن ر : البصر .
:
٤٢

حَرفُ الهَاء

٧٧٤
ابن الشجري
الشريف أبو السعادات هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة الحسني ، المعروف
بابن الشجري البغدادي ، كان إماماً في النحو واللغة وأشعار العرب وأيامها وأحوالها
كامل الفضائل ، متضلعاً من الآداب ، صنف فيها عدّة تصانيف ، فمن ذلك
كتاب ((الأمالي))، وهو أكبر تواليفه وأكثرها إفادة ، أملاه في أربعة وثمانين
مجلساً ، وهو يشتمل على فوائد جمة من فنون ١ الأدب، وختمه بمجلس قَصره
على أبيات من شعر أبي الطيب المتنبي تكلم عليها وذكر ما قاله الشراح فيها وزاد
من عنده ما سنح له، وهو من الكتب الممتعة، ولما فرغ من إملائه حضر إليه أبو
محمد عبد اللّه المعروف بابن الخشاب - المقدم ذكره - والتمس منه سماعه عليه
فلم يجبه إلى ذلك ، فعاداه وردّ عليه في مواضع من الكتاب ونسبه فيها إلى الخطأ ،
فوقف أبو السعادات المذكور على ذلك الرد ، فرد عليه في رده وبين وجوه غلطه ،
وجمعه كتاباً سماه ((الانتصار)) وهو على صغر حجمه مفيد جداً ، وسمعه عليه
الناسُ، وجمع أيضاً كتاباً سمّاه ((الحماسة )) ضاهى به حماسة أبي تمام الطائي ،
وهو كتاب غريب مليح ٢ أحسن فيه ، وله في النحو عدة تصانيف وله (( ما اتفق
لفظه واختلف معناه)) وشرح ((اللمع)) لابن جني، وشرح ((التصريف الملوكي)).
٧٧٤ - ترجمته في عبر الذهبي ٤: ١١٦ والبدر السافر، الورقة : ٢١٩ وانباه الرواة ٣: ٣٥٦
وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى ، وهذه الترجمة موجزة في ق ، ولكن على طريقة مختلفة عن
الايجاز المعتمد في المختار .
١ بر : وفنون .
٢ ص : مليح غريب .
٤٥
ـية

وكان حسن الكلام حلو الألفاظ فصيحاً جيد البيان والتفهيم١، وقرأ الحديث
بنفسه على جماعة من الشيوخ المتأخرين مثل أبي الحسن ٢ المبارك بن عبد الجبار
ابن أحمد بن القاسم الصيرفي ، وأبي علي محمد بن سعيد بن نبهان٣ الكاتب
وغيرهما .
وذكره الحافظ أبو سعد ابن السمعاني في كتاب ((الذيل ))، وقال : اجتمعنا
في دار الوزير أبي القاسم علي بن طراد الزينبي وقت قراءتي عليه الحديث، وعلقت
عنه شيئاً من الشعر في المدرسة ، ثم مضيت إليه وقرأت عليه جزءاً من أمالي أبي
العباس ثعلب النحوي .
وحكى أبو البركات عبد الرحمن بن الأنباري النحوي - المقدم ذكره -
في كتابه الذي سماه ((مناقب الأدباء)»٤ أن العلامة أبا القاسم محمود الزمخشري
- المقدم ذكره - لما قدم بغداد قاصداً الحج في بعض أسفاره مضى إلى زيارة
شيخنا أبي السعادات ابن الشجري ومضينا معه إليه ، فلما اجتمع به أنشده قول
المتنبي
واستكبر الأخبار قبل لقائه فلما التقينا صَغّرُ الخبرَ الخُبرُ
ثم أنشده بعد ذلك :
كانت مُساءلة الرّكبان تخبرنا٦ عن جعفر بن فلاح أحسن الخبرِ
التقينا فلا والله ما سمعت أذنى بأحسن مما قد رأى بصري
وهذا البيتان قد تقدم ذكرهما في ترجمة جعفر بن فلاح ٧ ، وهما منسوبان
١ بر: والتفهم .
٢ ع ن: الحسين .
٣ ر ن : بيان؛ وسقطت من : بر من .
٤ طبقات الأدباء : ٢٧٤ - ٢٧٥ .
٥ المختار : أصدق
ع بر من : تخبرني .
٦
٧ انظر = ١ : ٣٦١ ..
٤٦

إلى أبي القاسم محمد بن هانىء الأندلسي - وقد تقدم ذكره أيضاً - وينسبان إلى
غيره أيضاً ، والله أعلم .
قال ابن الأنباري ، فقال العلامة الزمخشري : روي عن النبي صلى اللّه عليه
وسلم أنّه لما قدم عليه زيد الخيل قال له: (( يا زيد، ما وصف لي أحد في الجاهلية
فرأيته في الإسلام إلا رأيته دون ما وصف لي ، غيرك)). قال ابن الأنباري ،
فخرجنا من عنده ونحن نعجب ، كيف يستشهد الشريف بالشعر والزمخشري
•
بالحديث وهو رجل عجمي ١؟ .
وهذا الكلام ، وإن لم يكن عين كلام ابن الأنباري ، فهو في معناه ، لأني
لم أنقله من الكتاب ، بل وقفت عليه منذ زمان وعلق معناه بخاطري ، وإنّما
ذكرت هذا لأن الناظر فيه قد يقف على كتاب ابن الأنباري فيجد بين الكلامين
اختلافاً فيظن أنّي تسامحت في النقل .
وكان أبو السعادات المذكور نقيب الطالبيين بالكرخ نيابة عن والده الطاهر،
وله شعر حسن فمن ذلك قصيدة يمدح بها الوزير نظام الدين أبا نصر المظفر بن علي
ابن محمد بن جهير ، وأولها :
فاحفظْ فؤادكَ إنّني لك ناصحُ
هذي السُّدَيْرَةُ والغديرُ الطافحُ
ساري هداهُ نشرُهُ المتفاوح
یا سد رة الوادي الذي إن ضلّه الـ
عيشٌ تقضَّى في ظلالك صالح
هل عائدٌ قبلَ المَماتِ لمغرمٍ
ما أنصف الرشأ الضنينُ بنظرةٍ
شطَّ المزارُ به وبوِّىء منزلاً
لما دعا مُصْغي الصبابة طامح
بصمیم قلبك فهو دانٍ نازح
قمر يحفُّ بِه ظلامٌ جانح
غصن يعطّفه النسيمُ وفوقه
لم يروَ منه الناظرُ المتراوح
وإذا العيونُ تساهمته لحاظها
ولقد مررنا بالعقيقِ فشاقنا فيه مراتعُ للمَها ومسارح
١ نص كلامه : فتعجب الحاضرون من كلامهما ، لأن الخبر كان أليق بالشريف والشعر أليق
بالزمخشري .
٤٧

وجداً أذاع هواه دمعٌ سافح
ظلنا به نبكي فكم من مضميرٍ
مَرَّتِ الشؤونَ رسومُها فكأنّما
يا صاحِيَّ تأمّلا حُييتما
أُدُمَّى بدتْ لعيوننا أم ربربٌ
أم هذه مُقَل الصوارِ رَنَتّ لنا١
تلك العِراصُ المقفراتُ نواضح
وسقى دياركما الملِثُّ الرائح
أم خرَّد أكفالهن رواجح
خَلَلَ البراقع أم قنا وصفائح
إلاّ وهن لها بهن جوارح
لم يبق جارحةٌ وقد واجهتنا
ومن الشقاوة أن يُراضَ القارح
كيف ارتجاعُ القلب من أسْر اهوى
لو بلَّه من ماءٍ ضارجَ شَرْبةٌ ما أثّرتْ لوجدِ فيه لواقح
ومن هاهنا يخرج إلى المديح فأضربت عنه خوف الإطالة، ولم يكن المقصود
إلا إثبات شيء من نظمه ليستدل به على طريقه فيه ٢ .
ومن شعره أيضاً :
هل الوجد خافٍ والدموع شهودُ وهل مكذبٌ قول الوشاة جحودُ
وقد حد حداً للبكاء لبيد
وحتی متی تُفي شؤونك بالبکا
وإنّ وإن جفّت ٣ قناتيّ كبرة لذو مرة في النائبات جليد
وفيه إشارة إلى أبيات لبيد بن ربيعة العامري ٤ :
وهل أنا إلا من ربيعة أو مضرْ
تمنّى ابنتاي أن يعيش أبوهما
ولا تخمشا وَجْهاً ولا تحلقا شعر
فقوما فنوحا بالذي تعلمانه
أضاع ، ولا خان العهود ولا غدر
وقولا : هو المرء الذي لا صديقه
١ بر : لقد رنت .
٢ ن ص ر : على المراد من طريقه فيه .
٣ ق : خفت ؛ ع بر من : حنت .
٤ ديوان لبيد : ٢١٣؛ وفي ع بر من: فتذكر بعدها إن شاء اللّه تعالى؛ ولم يورد الأبيات .
٤٨

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملاً فقد اعتذر
وإلى هذا أشار أبو تمام الطائي بقوله ١ :
ظعنوا فكان بكايّ حولاً بعدهم ثم ارعويت وذاك حكم لبيدٍ
وقال الشريف ٢ أبو السعادات المذكور : أنشدني أبو إسماعيل الحسين
الطغرائي - قلت : قد تقدم ذكره - لنفسه ٣ :
فكن عبداً لمالكه مطيعا
إذا ما لم تكن ملكاً مطاعاً
كما تهواه فاتركها جميعا
وإن لم تملك الدنيا جميعاً
ينيلان الفتى الشرف الرفيعا
هما سببان؛ من ملك ونسك
سوی هذین عاش° بها وضيعا
فمن يقنع من الدنيا بشيء
وكان بين أبي السعادات المذكور وبين أبي محمد الحسن بن أحمد بن محمد
ابن جكينا البغدادي الحريمي الشاعر المشهور - وهو المذكور في ترجمة أبي محمد
القاسم بن علي الحريري صاحب المقامات - تنافُسٌ جرت ٦ العادة بمثله بين أهل
الفضائل ، فلما وقف على شعره عمل فيه قوله :
نظم قريض يصدا به الفكرُ
يا سيدي والذي يعيذك من
أنك ما ينبغي لك الشعر
مالك من جدك النبيّ سوی
وشعره وماجراياته كثيرة ، والاختصار أولى .
١ ديوان أبي تمام ١ : ٣٩٢.
٢ هذا النص حتى آخر الأبيات سقط من : ع بر من .
٣ ديوان الطغراني : ٦٧ .
٤ ص ر : سيان :، وكذلك في الديوان .
• ن ص ر : يحي .
٦ ص و : كما جرت .
٤ - ٦
٤٩

وكانت ولادته في شهر رمضان سنة خمسين وأربعمائة . وتوفي يوم الخميس
السادس والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ، ودفن من
الغد في داره بالكرخ من بغداد ، رحمه اللّه تعالى .
والشجري : بفتح الشين المعجمة والجيم وبعدها راء ، هذه النسبة إلى شجرة ،
وهي قرية من أعمال المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، وشجرة أيضاً
اسم رجل ، وقد سمت به العرب ومَنْ بعدها ، وقد انتسب إليه خلق كثير
من العلماء وغيرهم ، ولا أدري إلى مَنْ ينتسب الشريف المذكور منهما هل
نسبته إلى القرية ، أم إلى أحد أجداده كان اسمه شَجرة ، والله أعلم.
وقد تقدم الكلام على الکرخ في ترجمة معروف الكرخي ، رضي الله عنه ١ ،
فأغنى عن إعادته .
٧٧٥
البديع الاسطرلابي
أبو القاسم هبة الله بن الحسين بن يوسف ، وقيل أحمد ، المنعوت بالبديع
الأسْطُرْلابي الشاعر المشهور ، أحد الأدباء الفضلاء ؛ كان وحيد زمانه في عمل
الآلات الفلكية ، متقناً لهذه الصناعة ، وحصل له من جهة عملها مال جزيل في
خلافة الإمام المسترشد ، ولما مات لم يخلفه في شغله مثله . وقد ذكره أبو المعالي
الحظيري في كتابه الذي سمّاه ((زينة الدهر)) وذكره العماد الأصبهاني في كتاب
.....
.....
....
١ ر : رحمه الله تعالى .
٧٧٥ - ترجمته في معجم الأدباء ١٩: ٢٧٣ والفوات ٢: ومرآة الجنان ٣: ٢٦١ وابن العبري :
٣٦٣ ومرآة الزمان: ١٨٤ وأخبار الحكماء : ٢٢٢ وابن أبي أصيبعة ١: ٢٨٠ والنجوم
الزاهرة ٥ : ٢٧٥، ولا تزيد هذه الترجمة عن تسعة سطور في ق .

((الخريدة))، وكل منهما أثنى عليه، وأورد عدة مقاطيع من شعره ، فمن ذلك
قوله :
أهْدي لمجلِسه الكريم ، وإنّما أهْدي لهُ ما حزْت من نَعمائهِ
كالبَحْرِ يمطرُه السحاب وما لهُ فَضْلٌ عليه لأنّه من مائه
وهذان البيتان من أسيرٍ ١ شعره ، وقد قيل إنهما لغيره .
وله أيضاً :
أذاقني حُمْرة المنايا لما اكتَسى خُضْرة العذارِ
وقد تبدى السوادُ فيه وكارتي بَعْدُ في العيارِ
هكذا وجدت هذين البيتين في ((زينة الدهر )) تأليف أبي المعالي الحظيري
منسوبین إلى البديع المذ کور ، ورأيت في موضع آخر أنهما لأبي محمد ابن جکینا
- المذكور في ترجمة الشريف أبي السعادات ابن الشجري - والله أعلم . وهذه
العبارة من اصطلاح البغاددة فإنهم يقولون: ((كارتي في العيار)) بمعنى أنّه
ناشب معه لم يتخلص ٢ منه، والكارة عندهم في الدقيق بمثابة الجملة في ديار مصر.
ومن شعره :
قال قومٌ عشِقْتَه أمرَدَ الخ د وقد قيل : إنّه نكريشُ
قُلْتُ فَرْعُ الطاوس أحسَنُ ما كان إذا ما علا عليه الريشُ
قوله (( نكريش)) لفظة عجمية، والأصل فيها نيك ريش ، معناها لحية
جيدة ، وهو على ما تقرر من اصطلاح العجم أنهم يقدمون ويؤخرون في ألفاظهم
المركبة ، فنيك : جيد ، وريش : لحية .
وكان كثير الخلاعة يستعمل المجون في أشعاره حتى يفضي به إلى الفحش
في اللفظ ، فلهذا اقتصرت له على هذه النبذة مع كثرة شعره ، وكان قد جمعه
١ ر : أشهر .
٢ ع ن : يخلص .
٥١

ودوّنه ، واختار ديوان ابن حجاج ورتبه على مائة وأحد وأربعين باباً ، وجعل كل
باب في فن من فنون شعره، وقفاه وسماه «درة التاج من شعر ابن حجاج))
وكان ظريفاً في جميع حركاته ؛ وتوفي سنة أربع وثلاثين وخمسمائة ، بعلة
الفالح ، ودفن بمقبرة الوردية بالجانب الشرقي من بغداد ، رحمه اللّه تعالى .
والأسْطُرلابي١: بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وضم الطاء المهملة وبعدها
راء ثم لام ألف ثم باء موحدة ، هذه النسبة إلى الأسْطُرْلاب، وهو الآلة
المعروفة، قال كوشيار٢ بن لبان بن باشهري الجيلي صاحب كتاب ((الزيج)) في
رسالته التي وضعها في علم الأسطرلاب : إن الأسطرلاب كلمة يونانية معناها
ميزان الشمس ، وسمعت بعض المشايخ يقول : إن لاب أسم الشمس بلسان
اليونان فكأنّه قال : أسطر الشمس ، إشارة إلى الخطوط التي فيه ؛ وقيل إن
أوَّلَ مَن وضعه بطليموس صاحب المجسطي ، وكان سبب وضعه له أنّه كان
معه كرة فلكية وهو راكب ، فسقطت منه ، فدأستها دابته فخسفتها ٣ ، فبقيت
على هيئة الأسطرلاب ، وكان أرباب علم الرياضة يعتقدون أن هذه الصورة لا ترسم
إلا في جسم كري على هيئة الأفلاك ، فلما رآه بطليموس على تلك الصورة علم
أنّه يرتسم في السطح ويكون نصف دائرة ويحصل منه ما يحصل من الكرة ،
فوضع الأسطرلاب ، ولم يسبق إليه ، وما اهتدى أحد من المتقدمين إلى أن هذا
القدر يتأتى في الخط . ولم يزل الأمر مستمراً على استعمال الكرة والأسطرلاب
إلى أن استنبط الشيخ شرف الدين الطوسي - المذكور في ترجمة الشيخ كمال
الدين ابن يونس رحمهما الله تعالى، وهو شيخه في فن الرياضة ٤ - أن يضع المقصود
من الكرة والأسطرلاب في خط فوضعه وسمّاه ((العصا)) وعمل له رسالة بديعة.
وكان قد أخطأ في بعض هذا الوضع ، فأصلحه الشيخ كمال الدين المذكور ،
١ ص : والاصطرلابي .
٢ ع: كوشياد. وكوشيار (٤٤٢ - ٤٩٤) انظر كشف الظنون تحت مادة ((زيج كوشيار)).
٣ ر : فسحقتها .
٤ ترجمة كمال الدين ابن يونس جـ ٥: ٣١١ وذكر شرف الدين الطوسي ص: ٣١٤ من الجزء
المذكور .
٥٢

وهذبه ، والطوسي أول من أظهر هذا في الوجود ، ولم يكن أحد من القدماء
يعرفه . فصارت الهيئة توجد في الكرة التي هي جسم لأنها تشتمل على الطول والعرض
والعمق ، وتوجد في السطح الذي هو مركب من الطول والعرض بغير عمق ،
وتوجد في الخط الذي هو عبارة عن الطول فقط بغير عرض ولا عمق ، ولم يبق
سوى النقطة ، ولا يتصور أن يعمل فيها شيء لأنها ليست جسماً ولا سطحاً ،
ولا خطاً ، بل هي طرف الخط ، كما أن الخط طرف السطح ، والسطح طرف
الجسم ، والنقطة لا تتجزأ ، فلا يتصور أن يرتسم فيها شيء ، وهذا وإن كان
خروجاً عمّا نحن بصدده لكنه أيضاً فائدة ، والاطلاع عليه أولى من إهماله ،
وسياق الكلام جره والله تعالى أعلم ١ .
٧٧٦
ابن القطان البغدادي
أبو القاسم هبة الله بن الفضل بن القطان عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن علي
ابن أحمد بن الفضل بن يعقوب بن يوسف بن سالم٢، المعروف بابن القطان الشاعر
المشهور البغدادي ؛ قد سبق شيء من شعره وطرف من خبره في ترجمة حيص
بيص في حرف السين ، وفي ترجمة ابن السوادى في أواخر حرف العين ٣ .
وكان أبو القاسم المذكور قد سمع الحديث من جماعة من المشايخ ، وسُمع
١ علق بعضهم في هامش المختار بخط مختلف عن خط الأصل عند هذا الموضع بقوله : تأمل ما في
هذا الكلام من الخطأ والخبط وسبب ذلك تكلم المصنف وغير المصنف فيما لا علم له به ، فيستغرب
كلامه من لا يعرف ذلك العلم ويستعظمه ، ولم يعلم ما تحته من التخليط .. الخ .
٧٧٦ - انظر أخبار الدولة السلجوقية: ١٢٠ ولسان الميزان ٦ : ١٨٩ ومرآة الزمان: ١٨٧ ومرآة
الجنان ٣: ٣١٥ والمنتظم ١٠: ٢٠٧ وابن أبي أصيبعة ١ : ٢٨٣ - ٢٩٠.
٢ ص ر ن : ابن غانم المتوثي .
٣ انظر ٢ : ٣٦٣، ٣ : ٤٨١ .
٥٣

عليه ، وكان غاية في الخلاعة والمجون ، كثير المزاح والمداعبات ١ ، مغرى بالولوع
بالمتعجر فین والهجاء لهم ، و له في ذلك نوادر ووقائع وحكايات ظريفة ، وله ديوان
شعر. وقد ذكره أبو سعد السمعاني في كتاب ((الذيل )) فقال : شاعر مجود ٢ ،
مليح الشعر رقيق الطبع ، إلا أن الغالب عليه الهجاء ، وهو ممن يتقى لسانه ،
ثلاّب، ثم قال : كتبت عنه حديثين لا غير ، وعلقت عنه مقطعات من شعره .
(299) وذكر الحافظ السِّلّفي أباه أبا عبد اللّه الفضل بن عبد العزيز ، وقال:
إن بعض أولاد المحدثين سأله عن مولده فقال : سنة ثماني عشرة وأربعمائة ليلة
الجمعة رابع عشر رجب . وقال أبو غالب شجاع بن فارس الذهلي : مات يوم
الأربعاء ، ودفن من الغد لست بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين
وأربعمائة ، بمقبرة معروف الكرخي ، رضي الله عنه .
وذكر العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب ((الخريدة)) ٣ أبا القاسم المذكور
فقال : وكان مجمعاً على ظَرفه ولطفه ، وله ديوان شعر أكثره جيد ، وعبث
فيه بجماعة من الأعيان وثَلَبَهم ، ولم يسلم منه أحد لا الخليفة ولا غيره ؛ وأخبرني
بعض المشايخ أنّه رآه وقال : كنت يومئذ صبياً فلم آخذ عنه شيئاً لكنني رأيته
قاعداً على طرف دكان عطار ببغداد ، والناس يقولون : هذا ابن الفضل الهجّاء .
وسمع الحديث من جماعة منهم أبوه وأبو طاهر محمد بن الحسن ٤ الباقلاني
وأبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون الأمين وأبو عبد الله الحسين بن أحمد بن
محمد بن طلحة بن محمد بن عثمان الكرخي ° وغيرهم .
وله مع حَيْصَ بَيْص ماجرايات، فمن ذلك أن الحيص بيص خرج ليلة من
دار الوزير شرف الدين أبي الحسن علي بن طراد الزينبي ، فتبح عليه جرو كلب
١ ص ن ر : والمداعبة .
٢ من بر ر : مجيد .
٣ ترجمته في الخريدة ( قسم العراق ) ٢: ٢٧٠ والنص المشار اليه غير موجود في الخريدة على
هذا النحو .
٤ ص ن : الحسين .
٥ ع : النعالي الكرخي .
٥٤

وكان متقلداً سيفاً ، فوكزه بعقب السيف فمات ، فبلغ ذلك ابن الفضل المذكور ،
فنظم أبياتاً وضمنها بيتين لبعض العرب قتل أخوه ابناً له ، فقُدم إليه ليقتاد منه
فألقى السيف من يده وأنشدهما ، والبيتان المذكوران يوجدان في الباب الأول
من كتاب (( الحماسة))، ثم إن ابن الفضل المذكور عمل الأبيات في ورقة وعلقها
في عنق كلبة لها أجر١ ورتب معها من طردها وأولادها إلى باب دار الوزير
كالمستغيثة ، فأخذت الورقة من عنقها وعرضت على الوزير فإذا فيها :
بفعلة أكسبته الخزي في البلد
يا أهل بغداد إن الحيصَ بَيْصَ أتى
على جُرَيّ ضعيف البطش والجلد
هو الجبان ٢ الذي أبدى تشاجعه
ولم يكن ببوَاء عنه في القوّد
وليس في يده مال يديه به
دم الأبيلق عند الواحد الصمد
فأنشدت جعدة ٣ من بعدما احتسبت
إحدی یدي أصابتني ولم تُرِد ))؛
((أقول للنفس تأساء وتعزية
((كلاهما خلف من فقد صاحبه هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي ))
والبيت الثالث مأخوذ من قول بعضهم :
قوم إذا ما جنى جانيهمُ أمنوا من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قَوّدا
[ وهو من جملة أبيات في الكراس الذي أوله لقي بشار، وينظر في الحماسة]·
وهذا التضمين في غاية٦ الحسن ، ولم أسمع مثله مع كثرة ما يستعمل الشعراء
١ ن : جراء ؛ بر من : جرو .
٢ ص : الجريء .
٣ ق ن والمختار: فأنشدت أمه، وهذا لا يستدعي ضبط لفظة ((جعدة)) كما في سائر النسخ، في
آخر الترجمة .
٤ الحماسية رقم : ٤٦ في شرح المرزوقي .
٥ ما بين معقفين سقط من ع ق والمختار ؛ ويبدو أنه من تحويلات المؤلف في المسودة على كراريس
كانت لديه ؛ وفي ر : الذي أو له كفى اشارة ؛ وفي ص : لقي اشارة تنظر في الحارة ؛ والبيت
من الحماسية رقم ٦٦ في شرح المرزوقي .
٦ بر : نهاية.
٥٥

التضمين في أشعارهم ، إلا ما أنشدني الشيخ مهذب الدين أبو طالب محمد المعروف
بابن الخيمي - المذكور في ترجمة الشيخ تاج الدين الكندي في حرف الزاي ١ -
لنفسه وأخبرني أنّه كان بدمشق وقد رسم السلطان بحلْق لحية شخص له وجاهة
بين الناس ، فحلق نصفها ، وحصلت فيه شفاعة ، فعفا عنه في الباقي ، فعمل
فيه ولم يصرح باسمه ، بل رمزه وستره ، وهو :
زرت ابن آدم لما قيل قد حلقوا جميع لحيته من بعد ما ضُربا
مهنئاً بالذي منها له وُهبا
فلم أر النصف محلوقاً فعدت له
بيتين ما نظما ميناً ولا كذبا
فقام ينشدني والدمع يخنقه
((فاخلَعْ ثيابك منها مُمْعِناً هربا))
إذا أتتك لحَلْق الذقن طائفة
فإنّ أطيَبَ نصفيها الذي ذهبا))
(( وإن أتوك وقالوا : إنها نصف
والبيتان الأخيران منها في كتاب ((الحماسة)) ٢ أيضاً في باب مذمة النساء،
لكن الأول منهما فيه تغيير ، فإن بيت الحماسة :
لا تَنْكِحِنَّ عجوزاً إن أتيت بها واخلَعْ ثيابَكَ منها مُمْعِناً هربا
وحضر ليلة الحيص بَيْص وابن الفضل المذكور على السّماط عند الوزير
في شهر رمضان ، فأخذ ابن الفضل قطاة مشوية ، وقدمها إلى الحيص بيص، فقال
الحيص بيص للوزير : يا مولانا هذا الرجل يؤذيني ، فقال الوزير : كيف ذلك ؟
قال : لأنّه يشير إلى قول الشاعر :
تَميمٌ بُطْرق اللؤم أهدى من القطا وَلَوْ سلكَتْ سُبْلَ المكارم ضلّتِ
وكان الحيص تميمياً - كما تقدم في ترجمته - وهذا البيت للطرماح بن حكيم
الشاعر ٣ ، وهو من جملة أبيات ، وبعد هذا البيت :
١ انظر جـ ٢ : ٣٤٠.
٢ الحماسية رقم: ٨٧٠ في شرح المرزوقي .
٣ ديوان الطرماح : ٥٩ .

أرى اللّيل يجلوه النهارُ ، ولا أرى خلال المخازي عن تميم تجلّتٍ
ولو أن بُرغوثاً على ظهر قملة ١ يَكُرُّ على صَفَّيْ تميم لَوَلْتٍ
ودخل ابن الفضل المذكور يوماً على الوزير المذكور الزيني ، وعنده الحيص
فقال : قد عملت بيتين ولا يمكن أن يعمل لهما ثالث ، لأنني قد استوفيت المعنى
فيهما ، فقال له الوزير : هاتهما ، فأنشده :
زار الخيالُ نَحيلاً مِثْلَ مُرْسله فما شَفَانيَ منه الضُّّ والقُبَلُ
ما زارني قَطُّ إلا كي يوافقني على الرُّقاد فينفيه ويَرْتحلُ
فالتفت الوزير إلى الحيص وقال له : ما تقول في دعواه ؟ فقال : إن أعادهما
سمع الوزير لهما ثالثاً ، فقال له الوزير : أعدهما ، فأعادهما ، فوقف الخيص
بيص لحظة ثم أنشد :
وما درَى أن نومي حيلَةٌ نُصبَتْ لطيْفِهِ حين أعْيا اليَقْظةَ الحيَلُ
فاستحسن الوزير ذلك منه .
وسمعت لبعض المعاصرين ٢ ، ولم أتحقق أنها له حتى أعينه ، وقد أخذ هذا
المعنى ونظمه وأحسن فيه ، وهو :
أُرْدَيَتهِ وأحَلْت ذاك على القضا
يا ضرّة القمرين مَنْ لمتيمٍ
بل كان ذلك للخيال تعرضا
وحَيَاة حُبُّك لم يَنَّمْ عن سَلْوَة
ما كان إلا مثل شخصك مُعرِضا
لا تأسفي إنْ زارَ طَيْفُك في الکری
ثم وجدت هذه الأبيات لأبي العلاء بن أبي الندى المعروف ٣ .
ولما هجا قاضي القضاة جلال الدين الزيني بالقصيدة الكافية - المقدم ذكرها
١ ق ص ر : فارة .
٢ ع : العيارين .
٣ ن : الشاعر المعروف .
٥٧

في ترجمة ابن السوادي ١ -، ولولا طولها لذكرتها ، سير إليه أحد الغلمان فأحضره
وصفعه وحبسه ، فلما طال حَبْسُه كتب إلى مجد الدين ابن الصاحب أستاذ الدار
الخليفتية :
بلاء حلَّ لستُ له مطيقا
إليك أظلُّ مجدَ الدين أشكو
إلى قاضي القضاة النّدْب سيقا
وقوماً بلغوا عني مُحالا
غليظٌ جرَّني كما وزيقا
فأحضرني بباب الحكم خصم"
إلى أن أوجس القلب الخفوقا
وأخفق نعله بالصفع رأسي
إلى أن ما تهدينا الطريقا
على الخصم الأداء وقد صفعنا.
فيا مولاي هبْ ذا الإفك حقا
أيحبسُ بعد ما استوفى الحقوقا
ولمّا خرج من الحبس أنشد :
قد غض من قدري وآذاني
عند الذي طرّفَ بي أنّه
فالحبس ما غير لي خاطراً والصفع ما لين آذاني
وقد سبق في ترجمة الحيص أبياته الميمية في هجوه ، وجواب الحيص عنها .
ولمّا ولي الزينبي المذكور الوزارة دخل عليه ابن الفضل المذكور والمجلس
محتفل بأعيان الرؤساء ، وقد اجتمعوا للهناء ، فوقف بين يديه ودعا له وأظهر
الفرح والسرور٢ ورقص، فقال الوزير لبعض من يفضي إليه بسره : قبح الله
هذا الشيخ، فإنّه يشير برقصه إلى ما تقول العامة في أمثالها ((ارقص للفرد في
زمانه)) . وقد نظم هذا المعنى في أبيات وكتبها إلى بعض الرؤساء ، وهي :
هو شخصٌ مشخّصُ
يا كمالَ الدين الذي
ذنبُ دهري بمحَّص
والرئيسُ الذي به
سوف يرخص
نبأ
خذ حديثي فإنّه
١ انظر جـ ٣ : ٤٨٢ .
٢ ع ن ر بر من: السرور والفرح .
٥٨

دَدَ قومي تحَمْصَصوا
كلما قلت قد تَبَغْ
ليس إلا ستر يشا
وغواشٍ على الرءو
والرواشين والمنا
۔
ل وبابٌ مخصَّص
سِ عليها المقرنص
ظر والخيل ترقص
م لكلب أبصبص١
وأنا القرد كل يو
ن له قمت أرقص
كلّ من صفق الزما
نِ منها التبر صص ٢
ء وقد جا مخلّص
محنٌ لا يفيدُ ذا النو
فمتى أسمع الندا
ومثل هذا قول بعضهم ٣ :
قد رفع الدهرُ من مكانِه
إذا رأيتَ امرءاً وضيعاً
فكنْ له سامعاً مطيعاً
معظماً من عظيم شانه
قد قال يوماً لترجمانه
فقد سمعنا بأن كسرى
فارقص ٤ للفرد في زمانه
إذا زمانُ السباع ولّى
وحكي أنه دخل مرّة على بعض أهل بغداد وقد تولى ولاية كبيرة لم يكن
من أهلها ، فسلم عليه ودعا له وهنأه بالولاية ، وأظهر انفرح والسرور، ثم خرج ،
فقال بعض الحاضرين: هذا يشير إلى قول الناس في أمثالهم: ((ارقص للقرد
في زمانه )).
وله القصيدة الرائية المشهورة التي جمع فيها خلقاً من الأكابر ونبز كل واحد
منهم بشيء ، وفيها يقول :
١ ق ص : أحفص ؛ ن : أحنبص ؛ بر : لقرد أبصبص .
٢ التبرصص : لعله سلوك طريق برصيصا أحد عباد بني اسرائيل .
٣ سقط الشعر من ع وكذلك بر من ، الحكاية التي بعده .
٤ ن ق : أرقص .
٥ أورد ابن أبي أصيبعة عدداً من أبياتها .
٥٩

تكريتُ تُعجزنا ونحن بجهلنا نمضي لنأخذ ترمذاً من سَنْجَرِ
ومنها البيت السائر ، وهو :
نسب إلى العباس ليس شبيهه في الضعف غير الباقلاء الأخضر
وأنشدني له بعض أصحابنا المتأدبين قوله :
وبين الدهر بالصلحٍ
بيـ
سعى إحسانه بيي
أياد ملأت بيتي على بيت من المدح
ودخل يوماً على الوزير ابن هُبيرة وعنده نقيب الأشراف ، وكان ينسب
إلى البخل ، وكان في شهر رمضان والحر شديد ، فقال له الوزير : أين كنت ؟
فقال : في مطبخ سيدي النقيب ، فقال له : ويحك ! أيش عملت في شهر رمضان
في المطبخ ؟ فقال : وحياة مولانا كسرت الحر، فتبسم الوزير وضحك الحاضرون
وخجل النقيب . وهذا الكلام على اصطلاح أهل تلك البلاد ، فإنهم يقولون :
كسرت الحرّ في الموضع الفلاني، إذا اختار موضعاً بارداً يقيل فيه ١ .
وقصد دار بعض الأكابر في بعض الأيام فلم يؤذن له في الدخول ، فعزّ عليه
فأخرجوا من الدار طعاماً وأطعموه كلاب الصيد وهو يُبْصره ، فقال : مولانا
يعمل بقول الناس : لعن اللّه شجرة لا تظل أهلها .
وقعد يوماً مع زوجته يأكل طعاماً ، فقال لها : اكشفي رأسك ، ففعلت ،
وقرأ ﴿قُل هُوَ اللّهُ أحد﴾ (الإخلاص: ١) فقالت له : ما الخبر ؟ فقال :
إن المرأة إذا كشفت رأسها لم تحضر الملائكة عليهم السلام ، وإذا قرىء ﴿قُل هُوَ
اللّهُ أحد﴾ هربت الشياطين، وأنا أكره الزحمة على المائدة .
وأخباره٢ كثيرة ؛ وكانت ولادته سنة سبع وسبعين وأربعمائة ، وقال السمعاني :
سألته عن مولده فقال : ولدت ضاحي نهار يوم الجمعة السابع من ذي الحجة سنة
ثمان وسبعين . وتوفي يوم السبت الثامن والعشرين من رمضان سنة ثمان وخمسين
١ زاد في المختار : قصد أنه لبخله لا يطبخ شيئاً فيه ، فهو بارد لذلك .
٢ المختار: وأخباره ونوادره ، وهنا تنتهي الترجمة في المختار .
٦٠