النص المفهرس
صفحات 21-40
المهملة وتشديد الدال المهملة وألف مقصورة ، وصَدّاء مثل الأول لكن الصاد مفتوحة والألف ممدودة ، فمن ضم قصر ومن فتح مد ، واللغة الثالثة صدعاء : بتخفيف الدال وهمزتين متواليتين والصاد مفتوحة ، وهي بئر معروفة مشهورة ماؤها عذب نمير ، والله أعلم . ٧٧٠ البحتري أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد بن شملال بن جابر بن سلمة بن مسهر بن الحارث بن خيثم بن أبي حارثة بن جدي بن تدول بن بحتر بن عتود بن. عنين بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة ، وهو طيء ، بن أُدد ابن زيد بن كهلان بن سبإبن يشجب بن يعرب بن قحطان ، الطائي البحتري الشاعر المشهور ؛ ولد بمَنْبِجَ ، وقيل بِزَرْدَفنَة ١ وهي قرية من قراها، ونشأ وتخرج بها، ثم خرج إلى العراق ومدح جماعة من الخلفاء أولهم المتوكل على الله ، وخلقاً كثيراً من الأكابر والرؤساء ، وأقام ببغداد دهراً طويلاً ثم عاد إلى الشام ، وله أشعار كثيرة ذكر فيها حلب وضواحيها ، وكان يتغزل بها٢ ، وقد روى عنه أشياء من شعره أبو العباس المبرد ومحمد بن خلف بن المرزبان والقاضي أبو عبد الله المحاملي ومحمد بن أحمد الحكيمي وأبو بكر الصولي وغيرهم . ٧٧٠ - ترجمته في معجم الأدباء ١٩: ٢٤٨ وتاريخ بغداد ١٢ : ٤٤٦ ومعاهد التنصيص ١ : ٢٣٤ والشريشي ١: ٣٦ والمنتظم ٦: ١١ ومرآة الجنان ٢: ٢٠٢ والأغاني ٢١: ٢٩ والموشح : ٣٣٠ والنجوم الزاهرة ٣: ٩٩ وعبر الذهبي ٢: ٧٣ والشذرات ٢: ١٨٦ وأخبار البحتري للصولي (ط . دمشق ١٩٥٨) وقد أخذت مخطوطة ق ابتداء من هذه الترجمة تعتمد التلخيص والإيجاز على غير ما كان عليه الحال في التراجم السابقة ؛ وأول الترجمة متابع لما في تاريخ الخطيب. ١ ص ن : بجر دفنة ، وضبطت كذلك في ختام الترجمة في هاتين النسختين . ٢ ق ن : وتغزل بها ؛ بر من : وتغزل فيها . ٢١ قال صالح بن الأصبغ التنوخي المنبجي ١ : رأيت البحتري هاهنا عندنا قبل أن يخرج إلى العراق، يجتاز بنا في الجامع من هذا الباب ، وأومأ إلى جنبي المسجد، يمدح أصحاب البصل والباذنجان ، وينشد الشعر في ذهابه ومجيئه ، ثم كان منه ما كان ، وعلْوَةُ التي شبب بها في كثير من أشعاره هي بنت زريقة الحلبية ، وزريقة أمها ٢ . وحكى أبو بكر الصولي في كتابه الذي وضعه في ((أخبار أبي تمام الطائي)) ٣ أن البحتري كان يقول : أول أمري في الشعر ونباهتي فيه أنّي صرت إلى أبي تمام وهو بحمص ، فعرضت عليه شعري ، وكان يجلس فلا يَبْقى شاعر إلا قصده وعرض عليه شعره ، فلما سمع شعري أقبل عليّ وترك سائر الناس، فلما تفرقوا قال لي : أنت أشعر من أنشدني ، فكيف حالك؟ فشكوت خَلّة ، فكتب إلى أهل معرة النعمان ٤ ، وشهد لي بالحذق وشفع لي إليهم وقال لي : امتدحهم ، فصرت إليهم فأكرموني بكتابه ووظفوا لي أربعة آلاف درهم ، فكانت أول مال أصبته . وقال أبو عبادة المذكور° : أول ما رأيت أبا تمام ، وما كنت رأيته قبلها ، أنّي دخلت إلى أبي سعيد محمد بن يوسف ، فامتدحته بقصيدتي التي أولها : أأفاق صبٌّ من هوّى فأفيقا أم خان عهداً أم أطاع شفيقا فأنشدته إياها ، فلما أتممتها سُرّ بها. وقال لي: أحسن الله إليك يا فتى، فقال له رجل في المجلس : هذا ، أعزّك الله. شعري علقه هذا الفتى، فسبقني به إليك ، فتغير أبو سعيد وقال لي : يا فتى ، قد كان في نسبك وقرابتك ما يكفيك أن تمت به إلينا ، ولا تحمل نفسك على هذا ، فقلت : هذا شعري أعزّك ١ تاريخ بغداد ١٣ : ٤٤٧ . ٢ ق : ثم شبب بعلوة بنت زريقة الحلبية؛ وسقط هذا من: بر من. ٣ أخبار أبي تمام : ٦٦ وأخبار البحتري : ٥٥ - ٥٦ . ٤ أورد الصولي نص الكتاب وهو: (( يصل كتابي هذا على يد الوليد أبي عبادة الطائي وهو على بذاذته شاعر فأكرموه)). ( أخبار أبي تمام : ٦٦). • أخبار أبي تمام: ١٠٥ - ١٠٦ وأخبار البحتري : ٦٣ . ٢٢ الله، فقال الرجل : سبحان الله يا فتى لا تقل هذا ، ثم ابتدأ فأنشد من القصيدة أبياتاً ، فقال لي أبو سعيد : نحن نبلغك ما تريد ، ولا تحمل نفسك على هذا ، فخرجت متحيراً لا أدري ما أقول ، ونويت أن أسأل عن الرجل مَنْ هو ، فما أبعدت حتى ردني أبو سعيد ثم قال لي : جنيت عليك فاحتمل ، أتدري من هذا ؟ فقلت : لا ، قال : هذا ابن عمكٍ ، حبيب بن أوس الطائي أبو تمام ، فقم إليه ، فقمت إليه فعانقته . ثم أقبل عليّ يقرظني ويصف شعري وقال : إنما مَزَّحتُ معكَ ؛ فلزمته بعد ذلك وكثر عجبي من سرعة حفظه . وروى الصولي أيضاً في كتابه المذكور أن أبا تمام راسل أم البحتري في التزوج بها ، فأجابته وقالت له : اجمع الناس للإملاك ، فقال : اللّه أجل من أن يذكر بيننا ، ولكن نتصافح ونتسافح ١ . وقيل للبحتري ٢ : أيما أشعر أنت أم أبو تمام ؟ فقال: جيده خير من جيدي ورديئي خير من رديئه . وكان يقال لشعر البحتري : سلاسل الذهب ، وهو في الطبقة العليا . ويقال إنّه قيل لأبي العلاء المعري أي الثلاثة أشعر ، أبو تمام أم البحتري أم المتنبي ؟ فقال: حكيمان ، والشاعر البحتري . ولعمري ما أنصفه ابن الرومي في قوله : والفتى البحتري يسرق ما قال ابن أوس في المدح والتشبيبٍ كل بيت له يُجوّد معنا ٥ فمعناه لابن أوس حبيب وقال البحتري ٣ : أنشدت أبا تمام شيئاً من شعري ، فأنشدني بيت أوس ابن حَجَر ؛ : إذا مقرم منا ذَرَا حدُّ نابه تخمّطَ فينا نابُ آخر مقرمٍ ١ أخبار البحتري : ١٤٤ وأخبار أبي تمام : ٢٤٦ وفيه : نتماسح ونتسافح . ٢ أخبار أبي تمام : ٦٧ . ٣ تاريخ بغداد ١٣ : ٤٤٧ - ٤٤٨ . ٤ ديوانه : ١٢٢ . ٢٣ وقال : نعيت إليّ نفسي، فقلت: أعيذك باللّه من هذا، فقال: إن عمري ليس يطول وقد نشأ لطيّء مثلك ، أما علمت أن خالد بن صفوان المنقري رأى شبيب بن شيبة ، وهو من رهطه ، وهو يتكلم فقال : يا بني ، نعى نفسي إليَّ إحسانك في كلامك ، لأنا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب إلا مات من قبله ، قال : فمات أبو تمام بعد سنة من هذا . وقال البحتري ١ : أنشدت أبا تمام شعراً لي في بعض بني حُميد وصلت به إلى مال له خطر ٢ ، فقال لي : أحسنت ، أنت أمير الشعر بعدي ، فكان قوله هذا أحب إلي من جميع ما حويته . وقال ميمون بن هارون : رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري المؤرخ ، وحاله متماسكة ، فسألته ، فقال : كنت من جلساء المستعين فقصده الشعراء ، فقال: لستُ أقبل إلا ممن قال مثل قول٣ البحتري في المتوكل: ولو أن مشتاقاً تكلف فوق ما في وسعه لمشى إليك المنبرُ فرجعت إلى داري وأتيته وقلت : قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري فقال : هاته ، فأنشدته : يظن لظن البردُ أنك صاحبه ولو أن بُرْدَ المصطفى إذ لبسته نعم ، هذه أعطافه ومناكبه وقال - وقد أعطيته ولبسته - : فقال : ارجع إلى منزلك ، وافعل ما آمرك به ، فرجعت ، فبعث إلي سبعة آلاف دينار ، وقال : إدخر هذه للحوادث من بعدي ، ولك عليّ الجراية والكفاية ما دمت حيّاً . وللمتنبي في هذا المعنى : لو تَعْقِلُ الشجر التي قابلتها مدت مُحَيّة إليك الأغصنا ١ المصدر نفسه . ٢ ق : مال جزيل . ٣ قول : سقطت من ق ن . ٢٤ وسبقهما أبو تمام بقوله : لو سعت بقعة لإعظام نُعمى لسعى نحوها المكان الجديبُ والبيت الذي للبحتري من جملة قصيدة طويلة أحسن فيها كل الإحسان، يمدح بها أبا الفضل جعفراً المتوكل على الله، ويذكر خروجه لصلاة عيد الفطر، وأولها١ : أخفي هوى لك في الضلوع وأظهرُ وأُلام من كمد عليك وأعذرُ والأبيات التي يرتبط بها البيت المقدم ذكره هي ٢ : بالبر صمت وأنت أفضل صائم وبسنة الله الرضيّة تفطرُ يومٌ أغرّ من الزمان مشهرُ تَجِبٍ يُحاط الدين فيه وينصر عدداً يسيرُ بها العديدُ الأكثر والبيضُ تلمع ، والأسنة تزهرُ والجوُّ معتكرُ الجوانبِ أغبرُ طوراً ويطفيها العجاجُ الأكدرُ ذاك الدجى وانجاب ذاك العِثْيَرُ يومى إليكَ بها وَعين تنظر من أنعمِ اللّه التي لا تُكْفَرُ لما طلعتّ من الصفوف وكبروا نور الهدى يبدو عليك ويظهر الله لا يُزْهى ولا يتكبر فانعم بيوم الفطر عيناً إنّه أظهرت عزّ الملك فيه يجحفل خلنا الجبال تسيرُ فيه وقد غدَتْ فالخيلُ تصهلُ ، والفوارس تدعي والأرضُ خاشعةٌ تميدُ بثقلها والشمسُ طالعةٌ توقَّد في الضحى حتى طلعتَ بضوء وجهك فانجلى فافتَنَّ فِيكَ الناظرون فإصبعٌ يجدون رؤيتك التي فازوا بها ذكروا بطلعتك النبيَّ فهلّلوا حتى انتهيتَ إلى المصلّى لابساً ومشيتَ مِشْة خاشعٍ متواضعٍ فلوَ آن مشتاقاً تكلّف غير ما في وُسعهِ لمشى إليكَ المنبرُ ١ ديوان البحتري : ١٠٧٠ . ٢ ن : وهي طويلة ستة عشر بيتاً وأولها . ٢٥ أَيّدْتَ من فصْلِ الخطابِ بحكمةٍ تنبي عن الحقّ المبينِ وتُخبرُ باللّهِ تنذرُ تَارَةً وتبشر ووقفت في برد النبي مذكراً هذا القدر هو المقصود ممّا نحن فيه ، وهذا الشعر هو السحر الحلال على الحقيقة ، والسهل الممتنع ، فلله دره ! ما أسلس قياده وأعذب ألفاظه ، وأحسن سبكه وألطف مقاصده ، وليس فيه من الحشو شيء ، بل جميعه نُخَب . وديوانه موجود وشعره سائر ، فلا حاجة إلى الإكثار منه هاهنا ، لكن نذكر من وقائعه ما يستظرف : فمن ذلك أنّه كان له غلام اسمه نسيم فباعه ، فاشتراه أبو الفضل الحسن بن وهب الكاتب - وقد سبق ذكر أخيه سليمان في حرف السين - ثم إن البحتري ندم على بيعه وتتبعته نفسه ، فكان يعمل فيه الشعر ويذكر أنّه خدع وأن بيعه لم يكن من مراده ، فمن ذلك قوله ١ : أنسيمُ هل للدهر وعدٌ صادقُ فيما يؤمله المحبُّ الوامقُ عونَ المشوق إذا جفاه الشائق ما لي فقدتك في المنام ولم تزل منهم فهل مُنِعَ الخيالُ الطارق أمُنِعْتَ أنت من الزيارة رقبةً في أهله وعلمت أنّي عاشقُ اليومَ جازَ بيَ الهوى مقداره فليهنىء الحسنَ بن وهب أنّه يلقى أحبته ونحن نفارق وله فيه أشعار كثيرة . ومن أخباره ٢ أنّه كان بحلب شخص يقال له طاهر بن محمد الهاشمي ، مات أبوه وخلف له مقدار مائة ألف دينار ، فأنفقها على الشعراء والزوّار في سبيل اللّه ، فقصده البحتري من العراق ، فلما وصل إلى حلب قيل له : إنّه قد قعد في بيته لديون ركبته ، فاغتم البحتري لذلك غماً شديداً وبعث المدحة إليه مع بعض مواليه ، فلما وصلته ووقف عليها بكى ، ودعا بغلام له وقال له : بع داري ، فقال له : أتبيع دارك وتبقى على رؤوس الناس ؟ فقال : لا بد من بيعها ، فباعها ١ ديوانه : ١٥١٣ . ٢ أخبار البحتري : ١٢٤ والديوان : ٦٦٦ ! . ٢٦ ٠٫٠ بثلثمائة دينار ، فأخذ صرّة وربط فيها مائة دينار ، وأنفذها إلى البحتري ، وكتب إليه معها رقعة فيها هذه الأبيات : ت لدينا به محلّ وأهْلُ لو يكون الحباء حَسْبَ الذي أذ قوت حَثْواً وكان ذاك يقلّ لحبيت اللجينَ والدرَّ واليا ر إذا قَصّر الصديق المقلّ والأديبُ الأريبُ يسمحُ بالعذ فلما وصلت الرقعة إلى البحتري رد الدنانير ، وكتب إليه : بأبي أنت واللّه للبرّ أهلُ والمساعي بعدٌ وسَعْيْكُ قبلُ ء مُرَجّيك والكثير يقلّ والنوال القليل يكثر إن شا ن رباً منك ، والربا لا يحلّ غير أنّي رددت برك إذ كا قُضي الحقُّ ، والدنانير فضل وإذا ما جزيتَ شعراً بشعر فلما عادت الدنانير إليه حل الصرة ، وضم إليها خمسين ديناراً أُخرى ، وحلف أنّه لا يردها عليه ، وسيرها ، فلما وصلت إلى البحتري أنشأ يقول : ومَن يشكر المعروفَ فاللّه زائدُهْ شكرتكَ إنّ الشكر للعبد نعمةٌ وهذا زمانٌ أنت لا شك واحده لكل زمانٍ واحدٌ يقتدى به .ھد وكان البحتري كثيراً ما ينشد لشاعر أنسي اسمه ، ويعجبه قوله : حمامَ الأراك ألا فاخبرينا لمن تندبين ومن تُعْوِلينا وأبكيت بالندب منّا العيونا فقد شُقْتِ بالنوح منا القلوب ونعولُ إخواننا الظاعنينا تعالَيْ نُقِمْ مأتماً للهمومِ فإن الحزينَ يُوَاسِي الحزينا ونسعد كنَّ ـ وتسعدننا ثم إني وجدت هذه الأبيات لنبهان الفقعسي من العرب . وكان البحتري ١ قد اجتاز بالموصل ، وقيل برأس عين ، ومرض بها مرضاً ١ أخبار البحتري : ٢٢! ٢٧ ٠ شديداً ، وكان الطبيب يختلف إليه ويداويه ، فوصف له يوماً مزوّرة ١ ، ولم يكن عنده من يخدمه سوى غلامه ، فقال الغلام : اصنع هذه المزورة ، وكان بعض رؤساء البلد عنده حاضراً ، وقد جاء يعوده ، فقال ذاك الرئيس : هذا الغلام ما يحسن طبخها ، وعندي طباخ من صفته وصفته ، وبالغ في حسن صنعته ، فترك الغلام عملها اعتماداً على ذلك الرئيس وقعد البحتري ينتظرها ، واشتغل الرئيس عنها ونسي أمرها ، فلما أبطأت عنه وفات وقت وصولها إليه ، كتب إلى الرئيس : وجدتُ وعدَكَ زوراً في مزورة حلفت مجتهداً إحكام طاهيها ولا علت كف مُلْق كفَّه فيها فلا شفی الله من ير جو الشفاء بها فقد حبستُ رسولي عن تقاضيها فاحبس رسولك علي أن يجيء بها وأخباره ومحاسنه كثيرة فلا حاجة إلى الإطالة . ولم يزل شعره غير مرتب حتى جمعه أبو بكر الصولي ورتبه على الحروف ، وجمعه أيضاً علي بن حمزة الأصبهاني ، ولم يرتبه على الحروف بل على الأنواع كما صنع بشعر أبي تمام . وللبحتري أيضاً كتاب ((حماسة)) على مثال (( حماسة أبي تمام )) وله كتاب ((معاني الشعر)). وكانت ولادته سنة ست ، وقيل خمس ومائتين . وتوفي سنة أربع وثمانين ، وقيل خمس وثمانين ، وقيل ثلاث وثمانين ومائتين ، والأول أصح، والله أعلم. وقال ابن الجوزي في كتاب ((أعمار الأعيان)): توفي البحتري وهو ابن ثمانين سنة ، والله أعلم بالصواب ، وكان موته بمنبج ، وقيل بحلب ، والأول أصح . وقال الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٢: إنّه كان يكنى أبا الحسن وأبا عبادة، فأشير عليه في أيام المتوكل أن يقتصر على أبي عبادة فإنها أشهر ، ففعل . ١ المزورة : نوع من الحساء يصنع للمريض . ٢ تاريخ بغداد ١٣ : ٤٤٧ . ٢٨ وأهل الأدب كثيراً ما يسألون عن قول أبي العلاء المعري١ : وقال الوليدُ: النبعُ ليس بمثمر وأخطأ ، سربُ الوحش من ثمر النبعِ فيقولون : مَن هو الوليد المذكور ؟ وأين قال النبع ليس بمثمر ؟ ولقد سألني عنه جماعة كثيرة ، والمراد بالوليد هو البحتري المذكور ، وله قصيدة طويلة يقول فيها٢ : وعيرتني سِجال العُدْمِ جاهلةٌ والنبعُ عُرْيان ما في فرعه ثُمَرُ وهذا البيت هو المشار إليه في بيت المعري ، وإنّما ذكرت هذا لأنّه فائدة تستفاد . وعبيد اللّه وأخوه أبو عبادة، ابنا يحيى بن الوليد البحتري، اللذان مدحهما المتنبي في قصائده ، هما حفيدا البحتري الشاعر المذكور ، وكانا رئيسين في زمانهما . والبحتري : بضم الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وضم التاء المثناة من فوقها وبعدها راء ، هذه النسبة إلى بحتر ، وهو أحد أجداده ، كما تقدم ذكره في عمود نسبه . وزَرْدَفْنَة ٣ : بفتح الزاي وسكون الراء وفتح الدال المهملة ، وسكون الفاء وفتح النون وبعدها هاء ساكنة ، وهي قرية من قرى منبج، بالقرب منها . ومنبج : بفتح الميم وسكون النون وكسر الباء الموحدة وبعدها جيم، وهي بلدة بالشام بين حلب والفرات بناها كسرى لما غلب على الشام ، وسماها منبه ، فعرّبت فقيل منبج ، ولكونها وطن البحتري كان يذكرها في شعره كثيراً ، فمن ذلك قوله في آخر قصيدة طويلة يخاطب بها الممدوح ، وهو أبو جعفر محمد ابن حميد بن عبد الحميد الطوسي * : ١ من قصيدة له في وداع بغداد مطلعها : نبي من الغربان ليس على شرع يخبرنا أن الشعوب إلى صدع ( انظر شروح السقط : ١٣٤٨)؛ يقول: زعم البحتري أن النبع غير مثمر وقد أخطأ، لأن القسي تعمل من النبع ويصطاد بها الحيوان ، فذلك هو ثمره . ٢ ديوان البحتري : ٩٥٤ . ٣ ص ن: وجرد فنة، بفتح الجيم وسكون الراء ... الخ. ٤ ديوان البحيري : ٤٠٥ . ٢٩ وظلال عیش کان عندك سجسج لا أنسيَنْ زمناً لديك مُهذّباً أفيائها فكأنّني في منبجٍ في نعمة أوطنتها وأقمت في وكان البحتري مقيماً بالعراق في خدمة المتوكل والفتح بن خاقان ، وله الحرمة التامة ، فلما قتلا ، كما هو مشهور في أمرهما ، رجع إلى منبج ، وكان يحتاج للترداد إلى الوالي بسبب مصالح أملاكه ، ويخاطبه بالأمير لحاجته إليه ، ولا تطاوعه نفسه إلى ذلك ، فقال قصيدة منها١ : مضى جعفرٌ والفتحُ بين مرمَّلٍ وبين صبيغ بالدماء مضرّجٍ څوىمنهما في الترب أو سي وخزرجي أأطلب أنصاراً على الدهر بعدما حلبت أفاويق الربيع المنجّج أولئك ساداتي الذين بفضلهم أُخاطبُ بالتأمير واليَ منبج مضوا أَمماً قصداً وخُلّفتُ بعدهم وذكر المسعودي في ((مروج الذهب))٢ أن هارون الرشيد اجتاز ببلاد منبج ومعه عبد الملك بن صالح وكان أفصح ولد العباس في عصره ، فنظر إلى قصر مشيد وبستان معتمر بالأشجار كثير الثمار ، فقال : لمن هذا ؟ فقال : هو لك ولي بك يا أمير المؤمنين ، قال : وكيف بناء هذا القصر ؟ قال : دون منازل أهلي ، وفوق منازل الناس . قال : فكيف مدينتك ؟ قال : عذبة الماء باردة الهواء ، صلبة الموطأ قليلة الأدواء ، قال : فكيف ليلها ؟ قال : سحَر كله ، انتهى كلام المسعودي . (297) وعبد الملك المذكور هو أبو عبد الرحمن عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنه . وكانت منبج إقطاعاً له وكان مقيماً بها . وتوفي سنة تسع وتسعين ومائة بالرقة، رحمه الله تعالى. وله بلاغة وفصاحة أضربتُ عن ذكرها خوف الإطالةَ . وذكر باقوت الحموي في كتابه ((المشترك ))٣ : باب السقيا خمسة مواضع، ١ ديوانه : ٤١٨ . ٢ مروج الذهب ٣ : ٤٠٥ ٣ المشترك : ٢٥٠ . ٣٠ ثم قال في آخر هذا الباب : والخامس قرية على باب منبج ذات بساتين ، وهي وقف على ولد البحتري الشاعر ، وقد ذكرها أبو فراس ابن حمدان في شعره . ٧٧١ الوليد بن طريف الشاري الوليد بن طريف بن الصلت بن طارق بن سيحان بن عمرو [ بن فدوکس ابن عمرو ] بن مالك الشيباني - هكذا ذكره أبو سعد السعماني في كتاب ((الأنساب)) في موضعين أحدهما في ترجمة الأراقم١، والآخر في ترجمة السيحانيّ ، بكسر السين المهملة - الشاري، أحد الشجعان الطغاة الأبطال ؛ كان رأس الخوارج وكان مقيماً بنصيبين والخابور وتلك النواحي ، وخرج في خلافة هارون الرشيد وبغى ، وحشد جموعاً كثيرة ، فأرسل إليه هارون الرشيد جيشاً كثيفاً مقدمه أبو خالد يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني - وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - فجعل يخاتله ويما كره ، وكانت البرامكة منحر فة ١ عن يزيد فأغروا به الرشيد وقالوا : إنّه يراعيه لأجل الرحم ، وإلا فشوكة الوليد يسيرة ، وهو يواعده وينتظر ما يكون من أمره ، فوجه إليه الرشيد كتاب مغضب وقال : لو وجهت أحد الخدم لقام بأكثر ممّا تقوم به ولكنك مداهن متعصب ، ٧٧١ - أخباره في تاريخ الطبري وابن الأثير ( جـ: ٦) والنجوم الزاهرة ٢ : ٩٥ واليعقوبي ومروج الذهب والعيون والحدائق : ٢٩٦ ومرآة الجنان ١ : ٣٧٠ والسمط : ٩١٣ ومعاهد التنصيص ٣: ١٦١ وعبر الذهبي ١: ٢٧٢ والشذرات ١ : ٢٨٨؛ والزيادة في نسبه من النسختين ص ن ولم يرفع النسب : في بر من ، وقال ابن حزم في الجمهرة : الوليد بن طريف بن عامر الخارجي وهو من بني صيفي بن حيي بن عمرو بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب . ١ كذا قال، مع أن ابن الأثير يستدرك على السمعاني في هذه المادة ((الأرقمي)) ويقول إنه فاته النسبة إلى الأراقم . ٢ ن : منحرفين . ٣١ وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن أخرت مناجزة الوليد ليبعثن إليك من يحمل رأسك إلى أمير المؤمنين ، فلقي الوليد فظهر عليه فقتله ، وذلك في سنة تسع وسبعين ومائة عشية أول ١ خميس في شهر رمضان ، وهي واقعة ٢ مشهورة تضمنتها التواريخ . وكان للوليد المذكور أخت تسمى الفارعة، وقيل فاطمة ٣ ، تجيد الشعر وتسلك سبيل الخنساء في مراثيها لأخيها صَخْر ، فرئت الفارعة أخاها الوليد بقصيدة أجادت فيها ، وهي قليلة الوجود ، ولم أجد في مجاميع كتب الأدب إلا بعضها ، حتى إن أبا علي القالي لم يذكر منها في أماليه سوى أربعة أبيات ، فاتفق أنّي ظفرت بها كاملة فأثبتها لغرابتها مع حسنها ، وهي هذه؛ : ے" بتلِّ نهاكىْ رسمُ قبرٍ كأنه على جبلٍ فوق الجبالِ منيفٍ وهمةَ مقدام ورأيّ حصيف تضمّنَ مجداً عُدْمُلياً وسؤددا كأنك لم تحزن على ابن طريف فيا شجرَ الخابور مالك مورقاً فتى لا يحبُّ الزادَ إلا من التقى ولا الذخرَ إلا كل جَرْداء صلدم كأنك لم تشهدْ هناك ولم تقمْ ولم تستلم يومياً لوردٍ كريهةٍ # ولم تسعَ يومَ الحربِ ، والحربُ لاقح حلیف الندی ما عاش یرضى به الندى فقدناك فقدانَ الشباب وليتنا ولا المالَ إلا من قَناً وسيوف معاودةٌ للكرّ بين صفوف٦ مقاماً على الأعداء غيرَ خفيف من السَّرد في خضراء ذات رفيف وسُمْرُ القنا ينكزنها٧ بأنوف فإن مات لا يرضى الندى بحليف فديناك من فتياننا بألوف ١ أول : سقطت من ن ع . ٢ ن ع : وقعة . ٣ سماها ابن حزم في الجمهرة ((ليلى)) وكذلك ورد اسمها في حماسة البحتري . ٤ هي أكثر أبياتاً مما جاء به المؤلف، في حماسة البحتري: ٢٧٦ وانظر حماسة ابن الشجري: ٨٩. • ن ص : نباتى؛ ق : بناتى ؛ حماسة البحتري : نباثا . ٦ ع : وكل رقيق الشفرتين حليف؛ حماسة البحتري: وأجرد عالي المنسجين غروف . ٧ ن ص ع ق : ينهزنها . ٣٢ شَجَّى لعدوّ أو لجا١ً لضعيف وما زال حتى أزهق الموتُ نفسه وللأرض هَمّتْ بعده برجوف ودهرٍ مُلحٍّ بالكرامِ عنيف وللشمس لمّا أزمعت بكسوف ٢ ألا يا القومي للحمام والبلى ألا يا لقومي للنوائبٍ والردى وللبدر من بين الكواكب إذ هوى ملحودة وسقيف حفرة إلى ولليث كل الليث إذ يحملونه فَتَّى كان للمعروف غيرَ عيوف ألا قاتل الله الحشى حيث٣ أضمرتْ فربَّ زُحوف لفها بزحوف فإن يكُ أرداه يزيدُ بن مزيد عليه سلامُ اللّه وقفاً فإنّني أرى الموتَ وقّاعاً بكلّ شريف ولها فيه مراثٍ كثيرة ، فمن ذلك قولها فيه أيضاً : إذ الأرض من شخصه بلقعُ ذكرتُ الوليدَ وأيّامه كما يبتغي أنفَه الأجدع فأقبلتُ أطلبه في السماء إفادةَ مثلِ الذي ضيعوا أضاعك قومُك فليطلبوا يصيبك تعلم ما تصنع لو آن السيوفَ التي حدها وخوفاً لصولك لا تقطع نَبَتْ عنك إذ جعلت هيبة وكان الوليد يوم المصاف ينشد : أنا الوليدُ بن طريف الشاري قَسْوَرَةٌ لا يُصْطَلى بناري جوركمُ أخرجني من داري ويقال إنّه لما انكسر جيش الوليد وانهزم تبعه يزيد بنفسه حتى لحقه على مسافة بعيدة فقتله وأخذ رأسه ، ولما قتله وعلمت بذلك أخته المذكورة لبست عدة حربها وحملت على جيش يزيد ، فقال يزيد : دعوها ، ثم خرج فضرب ١ لها : تخفيف لجأ ، أي ملجأ . ٢ سقط البيت من : ص ن ق . ٣ ص : كيف . ٣ -٦ ٣٣ بالرمح فرسها وقال : اغربي غرب اللّه عينك١ فقد فضحت العشيرة ، فاستحيت وانصرفت . وطريف : بفتح الطاء المهملة وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها فاء . وتل نهاكى - أظنه في بلد نصيبين - وهو موضع الواقعة المذكورة . والخابور: نهر معروف أوله من رأس عين وآخره عند قرقيسيا، يصب في الفرات ، وعلى هذا النهر مدن صغار تشبه الكبار في عمارة بلادها وأسواقها وكثرة خيراتها ، وهو مشهور فلا حاجة إلى ضبطه . والشاري : بفتح الشين المعجمة وبعد الألف راء وهو واحد الشّرّاة ، وهم الخوارج ، وإنّما سموا بذلك لقولهم : إنّا شرينا أنفسنا في طاعة اللّه ، أي بعناها بالجنة حين فارقنا الأئمة الجائرة . (297) والخنساء : اسمها تماضر ، بضم التاء المثناة من فوقها وفتح الميم وبعد الألف ضاد مكسورة معجمة وبعدها راء ، وهي ابنة عمرو بن الشريد السلمي . والخنّس : تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع الأرنبة ، ولذلك قيل لها الخنساء ، لأنها كانت على هذه الصفة ٢ ، وأخبارها مع أخيها مشهورة في مراثيها وغيرها ، - وقد سبق طرف من أخبار أخيها صخر في ترجمة أبي أحمد العسكري في حرف الحاء - وقد اختلف في موضع قبره ، فقيل إنّه مدفون عند عسيب ، وهو جبل مشهور ببلاد الروم ، وإن القبر الذي هناك ينسب إلى امرىء القيس بن حُجْر الكندي الشاعر المشهور ليس لامرىء القيس ، وإنّما هو لصخر المذكور ، وقيل إن كل واحد من امرىء القيس وصخر مدفون هناك ، وقال الحافظ أبو بكر الحازمي المقدم ذكره في كتاب (( ما اتفق لفظه وافترق مسماه )): إن عسيباً جبل حجازي ، ودفن عنده صخر أخو الخنساء، فعلى هذا يكون عسيب اسماً لجبلين: أحدهما بالروم وهو الأشهر ، والآخر بالحجاز ، وكان من لوازم ياقوت الحموي أن يذكره في كتابه الذي وضعه في البلاد المشتركة الأسماء ، ولم أجده ذكره فيه ، والله أعلم . ١ ع ص ق بر من : عليك . ٢ هنا تنتهي الترجمة موجزة في ق . ٣٤ ٧٧٢ وهب بن منبه أبو عبد الله وهب بن منبه ١ اليماني، صاحب الأخبار والقصص ؛ وكانت له معرفة بأخبار الأوائل وقيام الدنيا وأحوال الأنبياء، صلوات الله عليهم وسلامه، وسير الملوك، وذكر عنه ابن قتيبة في كتاب ((المعارف)) ٢ أنّه كان يقول: قرأت من كتب الله تعالى اثنين وسبعين كتاباً . ورأيت له تصنيفاً ترجمه بذكر الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم ، في مجلد واحد ، وهو من الكتب المفيدة . وكان له إخوة منهم : همام بن منبه ٣ ، كان أكبر من وهب ، وروى عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، وهو معدود من جملة الأبناء ومعنى قولهم: ((فلان من الأبناء )) أن أبا مرّة سيف بن ذي يزن الحميري صاحب اليمن ، لما استولت الحبشة على ملكه ، توجه إلى كسرى أنوشروان ملك الفرس يستنجده عليهم ، وقصته في ذلك مشهورة وخبره طويل ؛ وخلاصة الأمر أنّه سير معه سبعة آلاف وخمسمائة فارس من الفرس ، جعل مقدمهم وَهْرز ، هكذا قاله ابن قتيبة ٤ . وقال محمد بن إسحاق : لم يسير معه ٧٧٢ - ترجمته في معجم الأدباء ١٩: ٢٥٩ وطبقات ابن سعد ه: ٣٩٥ ( ط : ليدن) وحلية الأولياء ٤: ٢٣ وتهذيب التهذيب ١١: ١٦٦ ومرآة الجنان ١: ٢٤٨ وميزان الاعتدال ٤ : ٣٥٢ وتذكرة الحفاظ: ١٠٠ وأقواله منثورة في كتب التفسير ككتاب الطبري وكتب الأدب كعيون الأخبار والمعارف وغير ذلك؛ وانظر بروكلمان ( الترجمة العربية) ١ : ٢٥١ - ٢٥٢، وكتابه التيجان طبع في الهند (١٣٤٧ هـ). ١ زاد في ن : بن كامل بن سلخ بن ذي كبار . ٢ المعارف : ٤٥٩. ٣ ذكر ابن قتيبة أيضاً معقل بن منبه وعمر بن منبه . ٤ المعارف : ٦٣٨ ٣٥ سوى ثمانمائة فارس ، فغرق منهم في البحر مائتان ، وسلم ستمائة . قال أبو القاسم السهيلي : والقول الأول أشبه بالصواب ، إذ يبعد مقاومة الحبشة بستمائة فارس . فلما وصل الجيش إلى اليمن جرت الواقعة بينهم وبين الحبشة ، فاستظهرت الفرس عليهم وأخرجوهم من البلاد ، وملك سيف ابن ذي يزن ووَهْرز ، وأقاموا أربع سنين ، وكان سيف بن ذي يزن قد اتخذ من أولئك الحبشة خدماً ، فخلوا به يوماً وهو في متصيد له فزرقوه بحرابهم فقتلوه وهربوا في رؤوس الجبال ، وطلبهم أصحابه فقتلوهم جميعاً ، وانتشر الأمر باليمن ، ولم يملكوا عليهم أحداً ، غير أن أهل كل ناحية ملكوا عليهم رجلاً من حمير ، فكانوا كملوك الطوائف ، حتى أتى الله بالإسلام . ويقال إنها بقيت في أيدي الفرس ونواب كسرى فيها ، وبُعِثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وباليمن من قواد أبرويز عاملان ، أحدهما: فيروز الديلمي، والآخر داذويه، وأسلما، وهما اللذان دخلا على الأسود العَنْسي مع قيس بن المكشوح لما ادعى الأسودُ النبوة باليمن وقتلوه ، والقصة في ذلك مشهورة ، فلا حاجة إلى ذكرها . والمقصود من هذا كله أن جيش الفرس لما استوطن اليمن تأهلوا ، ورزقوا الأولاد ، فصار أولادهم وأولاد أولادهم يُدعون الأبناء ، لأنهم من أبناء أولئك الفرس . وكان طاوس العالم - المقدم ذكره - منهم أيضاً ، وقد أومأت إلى ذلك في ترجمته ، ولم أشرحه كما فعلت هاهنا . وأخبار وهب شهيرة فلا حاجة إلى ذكر شيء منها ، ويكفي في هذا الموضع ذكر هذه الفائدة . وتوفي وهب المذكور في المحرم سنة عشر ، وقيل أربع عشرة ، وقيل ست عشرة ومائة بصنعاء اليمن ، وعمره تسعون ١ سنة ، رضي الله عنه. وقد تقدم الكلام على صنعاء في ترجمة عبد الرزاق الصنعاني . وفي هذه الترجمة أسماء أعنجمية ، لو قيدتها لطال الشرح ٢، وهي مشهورة فتركتها لذلك . ١ ق : سبعون . ٢ ن : شرحها . ٣٦ ٠ ٧٧٣ أبو البختري أبو البختري وهب بن وهب بن وهب ١ بن كثير بن عبد اللّه بن زَمَعَةَ بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب ، القرشي الأسدي المدني ؛ حدث عن عبيد الله بن عمر العمري وهشام بن عُرْوَة بن الزبير وجعفر ابن محمد الصادق وغيرهم ، وروى عنه رجاء بن سهل الصاغاني وأبو القاسم ابن سعيد بن المسيب وغيرهما . وكان متروك الحديث مشهوراً بوضعه ، انتقل من المدينة إلى بغداد في خلافة هارون الرشيد ، فولاه القضاء بعسكر المهدي في شرقي بغداد - وقد تقدم الكلام على هذا الموضع في ترجمة الواقدي في حرف الميم - ثم عزله وولاه القضاء بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلّم بعد بكار بن عبد الله الزبيري ، وجعل إليه ولاية حربها مع القضاء ، ثم عزله فقدم بغداد وأقام بها إلى أن توفي . وذكر الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٢ في ترجمة القاضي أبي يوسف يعقوب ابن إبراهيم الحنفي أنّه كان قاضي القضاة في بغداد ، فلما مات ولى الرشيد مكانه أبا البختري وهب بن وهب القرشي . وكان فقيهاً أخبارياً ناسباً جواداً سرياً سخياً يحب المديح ويثيب عليه العطاء الجزيل ، وكان إذا أعطى قليلاً أو كثيراً أتبعه عذراً إلى صاحبه ، وكان يتهلّل عند طلب الحاجة إليه حتى لو رآه من لا يعرفه لقال هذا الذي قُضِيَتْ حاجته ، وكان جعفر الصادق بن محمد الباقر - المقدم ذكره - قد تزوج بأمه بالمدينة ، وله ٧٧٣ - ترجمته في طبقات ابن سعد ٧: ٣٣٢ ومعجم الأدباء ١٩: ٢٦٠ ونسب قريش : ٢٢٢ ولسان الميزان ٦ : ٢٣١ وميزان الاعتدال ٤ : ٣٥٣ ومرآة الجنان ١ : ٤٦٣ وعبر الذهبي ١ : ٣٣٤ والشذرات ١: ٣٦٠ وهذه الترجمة موجزة في ق تشبه أن تكون تلخيصاً . ١ ابن وهب : تكررت مرتين فقط في : ن ق بر من . ٢ تاريخ بغداد ١٤ : ٢٤٣ . ٣٧ عنه روايات وأسانيد ، واسم أمه عَبْدَة بنت علي بن يزيد بن بركة بن عبد يزيد ابن هاشم بن المطلب بن عبد مناف ، وأمها بنت عقيل بن أبي طالب . وقد ذكره الخطيب في (( تاريخ بغداد)) ١وبالغ في تقريظه والثناء عليه، وقال: دخل عليه شاعر فأنشده : تبعق في الأرضين أسعدَه السَّكْبُ إذا افتر وھْبٌ خلته بَرْقَ عارض وَمَا ضرَّ وَهْباً ذمُّ مَن خالف الملا كما لا يضر البدرَ ينبحهُ الكَلْبُ وَذُخْرُ بني فهرٍ عقيدُ الندى وهبُ لكلّ أناسٍ مِنْ أبيهم ذخيرة" قال : فاستهل أبو البختري ضاحكاً وسر سروراً شديداً ، ثم دغا عوناً له فأسر إليه شيئاً ، فأتاه بصُرّة فيها خمسمائة دينار ، فدفعها إليه . وحكى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب ((الأغاني)) ٢ في ترجمة أبي ذُلَفّ العجلي ، قال : أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار ، قال : كنا عند أبي العباس المبرد يوماً وعنده فتى من ولد أبي البختري وهب بن وهب القاضي أمرد حسن الوجه ، وفتى من ولد أبي دُلَفَ العِجْلي شبيه به في الجمال ، فقال المبرد لابن أبي البختري : أعرف لحدّك قصة طريفة ٣ من الكرم حسنة لم يُسْبَق إليها، فقال: وما هي ؟ قال : دعي رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع فسقوه نبيذاً غير الذي كانوا يشربون منه ٤ ، فقال فيهم : نبيذان في مجلس واحد لإيثار مثر على مُقْتْرِ لزمت قياسك في المسكر فلو كان فعلك ذا في الطّعام صنعت صنيع أبي البختري ولو كنت تطلب شأو الكرام فأغنى المقلَّ عن المكثر تتبع إخوانه في البلاد ١ تاريخ بغداد ١٣ : ٤٥١ . ٢ الأغاني ٨ : ٢٥٣. ٣ ر : لطيفة؛ الأغاني : ظريفة . ٤ ر ن : يشربونه . ٣٨ فبلغت الأبيات أبا البختري فبعث إليه بثلثمائة دينار ، قال ابن عمار : فقلت له : قد فعل جدّ هذا الفتى في مثل هذا المعنى ما هو أحسن من هذا ، قال : وما فعل ؟ قلت : بلغه أن رجلاً افتقر بعد ثروة ، فقالت له امرأته : افترض في الجند ، فقال : إليكِ عني فقد كلّفتني شَطَطاً حَمْل السلاح وقول الدارعين قِفٍ أُمْسي وأُصْبِحُ مشتاقاً إلى التّلفِ أمن رجال المنايا خِلتِي رَجُلاً فكيف أمشي إليها بارز الكتِفِ تمشي المنايا إلى غَيْري فأكرهها أو أن قلبيَ في جَنْبِيْ أبي دُلَفٍ حسبتٍ أن نزال القرن مِن خلقي فأحضره أبو دلف ثم قال : كم أمّلَت امرأتك أن يكون رزقك ؟ قال : مائة دينار ، قال : وكم أملت أن تعيش ؟ قال : عشرين سنة ، قال : فذلك . على ما أملت امرأتك في مالنا دون مال السلطان ، وأمر بإعطائه إياه ، قال :. فرأيت وَجْه ابن أبي دلف يتهلّل، وانكسر ابنُ أبي البختري انكساراً شديداً ، انتهى كلام صاحب الأغاني في هذا الفصل ؛ وقد سبق في ترجمة أبي دلف القاسم ابن عيسى العِجْلي ذكر هذه الأبيات وقائلها وصورة الحال ١ ، وبينها وبين هذه الرواية اختلاف يسير . (298) وأما الأبيات الأولى التي في أبي البختري، فهي لأبي عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عطية العطوي الشاعر المشهور٢ ، ونسبته - بالعَطوي - إلى جده عطية المذكور ، وهو من البصرة من موالي بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، وكان معتزلياً ، وله ديوان شعر . وروى الخطيب أيضاً في تاريخه ٣ أن أبا البختري ، قال: لأنْ أكون في قوم أعلم مني أحب إلي من أكون في قوم أنا أعلم منهم لأني إن كنت أعلمهم لم أستفد وإن كنت مع من هم أعلم مني استفدت . وروى أيضاً في تاريخه٤ أن هارون الرشيد لما قدم المدينة أعظم أن يرقى منبر ١ انظر ج ٤ : ٧٥ . ٣ ص : ٤٥٢ . ٢ معجم المرزباني : ٣٧٧ . ٤ المصدر نفسه . ٣٩ رسول الله صلى الله عليه وسلّم في قباء ومنطقة، فقال أبو البختري: حدثني جعفر بن محمد ، يعني جعفر الصادق، عن أبيه قال : نزل جبريلُ على النبي صلى الله عليه وسلّم وعليه قَبَاء وَمَنْطقَة مخنجرا١ً بخنجر ، فقال المعافى التميمي ٢: إذا توافى الناسُ للمحشر وَيْلٌ وَغَوْلٌ لأبي البختري بالكذب في الناس على جعفر من قوْله الزُّورَ وإعلانه للفقه في بَدْوٍ ولا محضر واللّه ما جالسَهُ ساعَةً يَمُرُّ بين القبرِ والمنبر ولا رآهُ الناسُ في دهْرِهِ أعلن بالزُّورِ وبالمنكر يا قاتَلَ اللّه ابن وهبٍ لقد أتاه جبريلُ التّقيُّ البري يزعمُ أن المصطفى أحمداً محَتْجراً في الحقوِ بالخِنجرِ عليه خف وَقَبَا أسْودٌ وحكى جعفر الطيالسي أن يحيى بن معين وقف على حلقته وهو يحدث بهذا الحديث عن جعفر الصادق ، فقال له : كذبت يا عدُوّ اللّه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : فأخذني الشرط ، فقلت لهم : هذا يزعم أن رسول رب العالمين جبريل نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه قباء ، قال فقالوا لي : هذا والله قاضٍ كذاب ، وأفرِجوا عني . وقال ابن قتيبة في كتاب ((المعارف))٣: وكان أبو البختري ضعيفاً في الحديث؛ وقال الخطيب في تاريخه٤ : قال إبراهيم الحربي : قيل لأحمد بن حنبل تعلم أحداً روى (( لا سَبْق إلا في خف أو حافر أو جناح)) ؟ فقال : ما روى هذا إلا ذاك الكذاب أبو البختري . وله من التصانيف كتاب ((الروايات))°. كتاب ((طَسْم وجديس)). كتاب ١ ن : محتجزاً . ٢ تاريخ بغداد : التيمي . ٣ المعارف : ٥١٦ . ٤ تاريخ بغداد ١٣ : ٤٥٥ . ٥ ص ع ر : الرايات . ٤٠