النص المفهرس
صفحات 341-360
أحضر الدفتر الذي بخطي، فقلت له: هيهات، لا والله أو تُوَثَّقَ لي بما أسكن إليه أنك لا تطالبني بشيء مما جرى على يدي ، وتخرق هذه المؤامرة ولا تنظر لي في حساب، فحلف لي على ذلك بما سكنت إليه وخرق العمل المعمول ، فأحضرت له الدفتر فوضعه في خفّه ، وانصرفت وقد زالت عني المطالبة . ولموسى المذكور أخبار كثيرة أضربت عن ذكرها طلباً للاختصار . وتوفي في شوال سنة ست وأربعين ومائتين ، رحمه الله تعالى . والسِّيرَوانُ: بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء والواو وبعد الألف نون، وهي كورة ماسَبَذان من أعمال الجبل. وماسبذان : بفتح الميم وبعد الألف سين مهملة وباء موحدة وذال معجمة والجميع مفتوح وبعد الألف نون ، وهي قرية كان يسكنها المهدي بن المنصور أبي جعفر، والد هارون الرشيد ، وبها توفي، وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة الشاعر - المقدم ذكره : وأكرم قبر بعد قبر محمد نيِّ الهدى قبرٌ بماسَبَذان عجبت لأيْدٍ هالت الترب فوقه ضحى كيف لم ترجع بغير بَنان والسيروان : اسم لأربعة مواضع هذا أحدها . وبلاد الجبل عبارة عن عراق العجم الفاصل بين عراق العرب وخراسان ، وبلاده المشهورة : أصبهان وهمذان والري وزنجان . ٣٤١ ٧٥١ أبو منصور الجواليقي أبو منصور موهوب بن أبي طاهر أحمد بن محمد بن الخضر ، الجواليقي البغدادي الأديب اللغوي ؛ كان إماماً في فنون الأدب ، وهو من مفاخر بغداد قرأ الأدب على الخطيب أبي زكريا التبريزي - الآتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - ولازمه وتتلمذ له حتى برع في فنه . وهو متدين ثقة غزير الفضل وافر العقل مليح الخط كثير الضبط ، صنف التصانيف المفيدة وانتشرت عنه، مثل ((شرح أدب الكاتب)) و((المعرب)) ولم يعمل في جنسه أكبر منه وتتمة (( درة الغواص)) تأليف الحريري صاحب المقامات سماه (( التكملة فيما يلحن فيه العامة)) إلى غير ذلك، وكان يختار في بعض مسائل النحو مذاهب غريبة . وكان في اللغة أمثل منه في النحو ، وخطه مرغوب فيه ، يتنافس الناس في تحصيله والمغالاة فيه١ . وكان إماماً للإمام المقتفي بالله يصلي به الصلوات الخمس ، وألف له كتاباً لطيفاً في علم العروض ، وجرت له مع الطبيب هبة الله بن صاعد المعروف بابن التلميذ النصراني - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - واقعة عنده ، وهي أنه لما حضر إليه للصلاة به ودخل عليه أول دخلة فما زاده على أن قال : السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله تعالى ، فقال ابن التلميذ ، وكان حاضراً قائماً بين يدي المقتفي ، وله إدلال الخدمة والصحبة : ما هكذا يسلم٢ على أمير المؤمنين ٧٥١ - ترجمته في ذيل ابن رجب ١: ٢٠٤ وعبر الذهبي٤: ١١٠ وأنباه الرواة ٣ : ٣٣٥ ( وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى ) علق صاحب المختار هنا بقوله: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: رأيت بخزانة كتب والدي قدس الله روحه ، ملكاً له ، عشرة كتب بخط المذكور منها الكامل للمبرد في جزء واحد ومنها الحماسة والخطب النباتية وغير ذلك)). ٢ المختار : ما هكذا السلام . ٣٤٢ يا شيخ؟ فلم يلتفت ابن الجواليقي إليه، وقال للمقتفي: يا أمير المؤمنين ، سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية، وروى له خبراً في صورة السلام ثم قال : يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانياً أو يهودياً لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه المرضي لما لزمته كفارة الحنث لأن الله تعالى ختم على قلوبهم ، ولن يفك ختم الله إلا الإيمان ، فقال له : صدقت وأحسنت فيا فعلت ، وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع فضله وغزارة أدبه . وسمع ابن الجواليقي من شيوخ زمانه وأكثر، أخذ الناس عنه علماً جماً ، وينسب إليه من الشعر شيء قليل ، فمن ذلك ما رأيته منسوباً إليه في بعض المجاميع ولم أتحققه له ، وهو : ورد الورى سلسالَ جودك فارتووا ووقفتُ خلف الورد وقفة حاتم. حيران أطلب غفلة من وارد والورد لا يزداد غير تزاحم ثم وجدت هذين البيتين لابن الخشاب من جملة أبيات . وحكى ولده أبو محمد إسماعيل، وكان أنجب أولاده ، قال : كنت في حلقة والدي يوم الجمعة بعد الصلاة بجامع القصر ، والناس يقرؤون عليه ، فوقف عليه شابٌ وقال : يا سيدي ، قد سمعت بيتين من الشعر ولم أفهم معناهما ، وأريد أن تسمعهما مني وتعرفني معناهما ، فقال : قل ، فأنشده : وَصَْلُ الحبيب جِنانُ الخلد أسكنها وهجره النار يصليني به النار! فالشمس بالقوس أمست وهي نازلة إن لم يزرني ، وبالجوزاء إِن زارا قال إسماعيل : فلما سمعهما والدي قال : يا بني ، هذا شيء من معرفة علم النجوم وتسييرها لا من صنعة أهل الأدب ، فانصرف الشاب من غير حصول فائدة ، واستحيا والدي من أن يُسأل عن شيء ليس عنده منه علم ، وقام ، وآلى على نفسه أن لا يجلس في حلقته حتى ينظر في علم النجوم ويعرف تسيير الشمس والقمر ، فنظر في ذلك وحصل معرفته ، ثم جلس . ومعنى البيت المسئول عنه أن الشمس إذا كانت في آخر القوس كان الليل في غاية الطول، لأنه يكون آخر فصل الخريف، وإذا كانت في آخر الجوزاء ٣٤٣ كان الليل في غاية القصر، لأنه آخر فصل الربيع ، فكأنه يقول : إذا لم يزرني فالليل عندي في غاية الطول ، وإن زارني كان الليل عندي في غاية القصر ، والله أعلم . ولبعض شعراء عصره فيه وفي المغربي مفسر المنامات١، وذكرها في ((الخريدة)) لحيص بيص، هكذا وجدتها في ((مختصر الخريدة)) للحافظ: كلُّ الذنوبِ ببلدتي مغفورةٌ إلا اللذين تعاظما أن يُغْفَرا أدباً، وكون المغربي مُعَبِّرا كونُ الجواليقيّ فيها ملقيا وغفول يقظته يعبر عن کرى فأسير لكنته يُمِلُّ فصاحة ونوادره كثيرة . وكانت ولادته سنة ست وستين وأربعمائة. وتوفي يوم الأحد منتصف المحرم سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ببغداد ، ودفن بباب حرب ، رحمه الله تعالى ، بعد أن صلى عليه قاضي القضاة الزيني يجامع القصر . والجواليقي : نسبة إلى عمل الجوالق وبيعها ، وهي نسبة شاذة لأن الجموع لا ينسب إليها، بل ينسب إلى آحادها إلا ما جاء شاذاً مسموعاً في كلمات محفوظة مثل قولهم : رجل أنصاري ، في النسبة إلى الأنصار ، والجواليق في جمع جوالق شاذ لأن الياء لم تكن موجودة في مفرده، والمسموع فيه جُوالق بضم الجيم وجمعه جَوالق بفتح الجيم ، وهو باب مطرد ، قالوا : رجل حُلاحل، إذا كان وقوراً، وجمعه حَلاحل ، وشجر عُدامل ، إذا كان قديماً، وجمعه عَدامل ، ورجل عُراعر ، وهو السيد ، وجمعه عَراعر ، ورجل عُلاكد ، إذا كان شديداً ، وجمعه عَلاكد ، وله نظائر كثيرة . وهو اسم أعجمي معرب ، والجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة عربية ألبتة٣ . ١ ن ق: المفسر للمقامات ؛ وهو خطأ يدل عليه البيت الثاني . ٢ ن ص ق : يمد . ٣ علق ابن المؤلف هنا بقوله: قلت يعني موسى بن أحمد ، وكذلك الجيم والكاف نحو كيلجه ، والله أعلم . ٣٤٤ ٧٥٢ رضي الدين النيسابوري أبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي الطوسي الأصل النيسابوري الدار المحدث الملقب رضي الدين ؛ كان أعلى المتأخرين إسناداً ، لقي جماعة من الأعيان وأخذ عنهم، وسمع ((صحيح مسلم )) من الفقيه أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي - المقدم ذكره - وهو آخر من بقي من أصحابه، وسمع ((صحيح البخاري )) من أبي بكر وجيه بن طاهر بن محمد الشحامي وأبي الفتوح عبد الوهاب بن شاه ابن أحمد الشاذياخي، وسمع ((الموطأ)) رواية أبي مصعب إلا ما استثني منه من أبي محمد هبة الله بن سهل بن عمر١ البسطامي المعروف بالسندي٢، وسمع ((تفسير القرآن الكريم )» تصنيف أبي إسحاق الثعلي من أبي العباس محمد الطوسي المعروف بعباسة ، وسمع أيضاً من جماعة من شيوخ نيسابور منهم الفقيه أبو محمد عبد الجبار ابن محمد الخواري وأم الخير فاطمة بنت أبي الحسن علي بن المظفر بن زعبل٣ ، وحدث بالكثير ، ورحل إليه من الأقطار ، ولنا منه إجازة كتبها من خراسان باستدعاء الوالد رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة عشر وستمائة، وإنما ذكرته لشهرته وتفرده في آخر عصره ؛ وكانت ولادته سنة أربع عشرين وخمسمائة ، ظناً . وتوفي ليلة العشرين من شوال سنة سبع عشرة وستمائة بنيسابور ، ودُفن من الغد ، رحمه الله تعالى . ثم بعد إثبات هذه الترجمة على هذه الصورة بسنين رأيت بخط الشيخ المؤيد ٧٥٢ - انظر عبر الذهبي ٥: ٧١ والشذرات ٥ : ٧٨ وزاد في ن ق في نسبه بعد علي: ابن الحسن ابن محمد بن أبي صالح ، وسيرد هذا في آخر الترجمة . ١ ن ص : عمرو . ٢ ن ق : بالسيدي ، وعند دي سلان : بالسدي . ٣ ق : رغبل؛ ن: زغيل؛ وانظر الضبط في تبصير المنتبه : ٦٠٧ ٣٤٥ المذكور في إجازة ، وقد رفع نسبه فقال: كتبه المؤيد بن محمد بن علي بن الحسن ابن محمد بن أبي صالح الطوسي . ٧٥٣ الألوسي أبو سعيد المؤيد بن محمد بن علي بن محمد١ الألوسي ، الشاعر المشهور ؛ كان من أعيان شعراء عصره كثير الغزل والهجاء ، ومدح جماعة من رؤساء العراق ، وله ديوان شعر ، وكان منقطعاً إلى الوزير عَوْن الدين يحيى بن هبيرة ، وله فيه مدائح جيدة . ذكره محب الدين ابن النجار في ((تاريخ بغداد)) فقال: هو عطاف بن محمد ابن علي بن أبي سعيد الشاعر المعروف بالمؤيد ، ولد بألوس، قرية بقرب الحديثة ، ونشأ بدجيل ودخل بغداد ، وصار جاووشا٢ً. في أيام المسترشد بالله ، وهجاه ابن الفضل الشاعر بأبيات ؛ ثم إن المؤيد نظم الشعر فأكثر منه حتى عرف به ومدح وهجا ، وكان قد لجأ إلى خدمة السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه - وقد تقدم ذكره٣ - قال : وتفسح في ذكر الإمام المقتفي وأصحابه بما لا ينبغي ، فقبض عليه وسجن . وذكره العماد الكاتب في كتاب ((الخريدة)) فقال: ترفع قدره وأثرى حاله، ونفق شعره ، وكان له قبول حسن ، واقتنى أملاكاً وعقاراً وكثر رياشه ، وحسن معاشه ، ثم عثر به الدهر عثرة صعب منها انتعاشه ، وبقي في حبس الإمام المقتفي أكثر من عشر سنين إلى أن خرج في أول خلافة الإمام المستنجد ٧٥٣ - انظر اللباب ( الألوسي ) ١ ق ص ر : أحمد ٢ ر : جاويشاً ٣ انظر = ٥ : ٢٠٠ ٣٤٦ سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، ولقيته حينئذ وقد غشي بصره من ظلمة المطمورة! التي كان فيها محبوساً . وكان زيه زي الأجناد، وسافر إلى الموصل ، وله شعر حسن غزل وأسلوب مطرب بنظم معجب ، وقد يقع له من المعاني المبتكرة ما يندر ، فمن ذلك قوله في صفة القلم : ومثقف يُفْني ويُفني دائماً في طَورَي الميعاد والإيعادِ قلم يفلُ الجيشَ وهو عرمرمٌ . والبيض ما سلت من الأغماد وهبت له الآجامُ حين نشا بها كرمَ السيول وهيبةَ الآساد قلت أنا : ولقد رأيت هذه الأبيات منسوبة إلى غيره، والله أعلم بالصواب . ولم يقُل في القلم أحسن من هذا المعنى . ولبعضهم في القلم أيضاً وهو في هذا المعنى : يشتّتُ شملَ الخطب وهو جميعُ وأرقشَ مرهوب الشباة مهفهف تدينُ له الآفاق شرقاً ومغرباً وتعنو له أفلاكها وتطيع حمى الملك مفطوماً كما كان يحتمي به الأسْدُ في الآجام وهو رضيع ولبعضهم أيضاً في هذا المعنى : له قلمٌ كقضاء الإله بالسعد طوراً وبالنحس ماضي يبيساً وذا ورقات غضاض فما فارق الأسد في حالتيه ففي كف ليث الوغى في الندى وفي وجه ليث الشرى في الغياض ومعنى البيت الثالث مأخوذ من قول بعضهم في وصف طنبور : وطنبورٍ مليح الشكل يحكي بنغمته الفصيحة عندليبا روى لما ذوى نغماً فصاحاً حواها في تقلبه قضيبا كذا مَنْ عاشر العلماء طفلاً يكون إذا نَشا شيخاً أديبا ١ هنا ينتهي الحرم الذي أشرنا إليه سابقاً في النسخة لي . ٣٤٧ وهذا معنى مطروق أكثرت الشعراء استعماله ، فمن ذلك قول بعضهم وهو أبو محمد عبد الله بن قاضي ميلة : انظر بدائعَ ما يأتي به الشجرُ جاءت بعودٍ يُناغیها ويسعدها حيناً فلما ذَوَى غَنَّى به البشر غنت عليه ضروبُ الطير ساجعة". ييجه الأعجمان: الطير والوتر فلا يزال عليه الدهرَ مصطخبٌ ولبعضهم في المعنى أيضا١ً : فبورك جانٍ يحتنيه وغارس وعود له نوعان من لذة المنى تغنت عليه وهو رطبٌ طيورها وغنت عليه قيْنةٌ وهو يابس ولولا خوف الإطالة والخروج عما نحن بصدده لذكرت عدة مقاطيع في هذا المعنى . ولبهاء الدين زهير المقدم ذكره من قصيدة يمدح بها اقسيس بن الملك الكامل : وتهتز أعوادُ المنابر باسمه فهل ذكَرَتْ أيامها وهي أغصانُ (279) ثم قال العماد في بقية الترجمة : و کان ولده محمد ذکیاً، له شعر حسن، هاجر إلى الملك العادل نور الدين بالشام سنة أربع وستين، وكان يومئذ بصرخد، فمرض فأنفذه إلى دمشق ، فمات في الطريق بقرية يقال لها رشيدة٢ ؛ انتهى كلام العماد . ومن شعر المؤيد المذكور من جملة قصيدة له ، رحمه الله تعالى : فيا بَرْدَها من نفحة حاجرية على حَرَّ صدرٍ ليس تخبو سمائمه بطَيفي فغطاني من الشَّعر فاحمُه ویا حسنه طيفاً وشی نور وجها سقاها الحيا فاخضر" واهتز ناعمه يحول وشاحاه على غصن بانةٍ ١ سقط البيتان من لي . ٢ لي : رسدة . ٣٤٨ ولم يبق منها غير معنى ألازمه فلما رمى في شملنا الصبحُ بالنوى وقفت بحُزْوى وهي منها معالم وقوف بناني١ في يميني ولم أقف قواء وجسمي قد تعفَّتْ معالمه وقوف شحیح ضاع في الترب خاتمه فيشجی بدمعي كلما انهلَّ طاسمه ولم يُبْقِ لي رسماً بجسمي صدودُها بثانية والمُتْلِفُ الشيءَ غارمُه ولا مقلة أبقت فتغرم نظرة دموعي وقد حنت بليل روازمه فلله وجدي في الركاب كأنه وقد مد من كف الثريا هلالها فَقبَّلْتُه حتى تهاوت مناظمه وهي قصيدة طويلة أجاد فيها، وقد وازن بها قصيدة المتنبي في سيف الدولة ابن حمدان التي أولها : وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه وقد استعمل في قصيدته أنصاف أبيات من قصيدة المتنبي على وجه التضمين وأكثر شعره جيد . وله أيضاً من جملة أبيات قالها وهو محبوس : رحلوا فأفنيت الدموع تشوقا٢ً من بَعْدِهم وعجبت إذا أنا باقي وعلمت أن العود يقطر ماؤه عند الوقود لفرقة الأوراق عندي تعادل فرحةَ الإطلاق وأبيت مأسوراً وفرحة ذكركم فالحرق. يحكم صنعة الحراق لا تنكر البلوى سواد مفارقي وكانت٣ ولادته سنة أربع وتسعين وأربعمائة بألوس ، ونشأ بها . وتوفي يوم الخميس الرابع والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وخمسين وخمسمائة بالموصل ، وكان خروجه من بغداد سنة ست وخمسين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى . ١ ق ص : نبالي . ٢ كتب في المختار فوقها : تحرقاً ، وفي ر : تحرقاً. ٣ زاد قبل هذه اللفظة في ر : وكان اكثر شعره جيداً . ٣٤٩ ولما ذكرت تاريخ ولاية المستنجد ذكرت نكتة غريبة أحببت ذكرها، وهو ما أخبرني به بعض مشايخ العراق الفضلاء أن المستنجد رأى في منامه في حياة والده المقتفي كأن ملكاً نزل من السماء فكتب في كفه أربع خامات ، فلما استيقظ طلب معبر الرؤيا، فقص عليه ما رآه ، فقال له: تلي الخلافة في سنة خمس وخمسين وخسمائة ، فكان الأمر كذلك ، وكان ذلك قبل وفاة والده بمدة . والألوسي : بضم الهمزة واللام وبعدها واو ساكنة ثم سين مهملة ، هذه النسبة إلى ألوس ، وهي ناحية عند حديثة عانة على الفرات ، هكذا ذكره عز الدين بن الأثير - المقدم ذكره - فيما استدركه على الحافظ ابن السمعاني ، لأنه قال : ألوس موضع بالشام في الساحل عند طرسوس١ ، وهو بغدادي الدار والمنشأ - لأنه دخل بغداد في صباه - وقيدها ابن النجار ((الآلسي)) ومدً الهمزة وضم اللام ، والله أعلم . ٧٥٤ المهلب بن أبي صفرة أبو سعيد المهلبُ بن أبي صُفْرة - كانت له بنت اسمها صفرة وبها كان يكنى- واسمه ظالم بن سراق بن صبح بن كندي بن عمرو بن عدي بن وائل بن الحارث بن العتيك بن الأزد ، ويقال الأسد بالسين الساكنة، ابن عمران بن عمرو مُزَيقياء ابن عامر ماء السماء بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد ، الأزدي العتكي البصري ؛ قال الواقدي : كان أهلُ دَبا أسلموا في عهد رسول الله صلى ٠ ١ الباب ١ : ٦٦ . ٧٥٤ - أخبار، في كتب التاريخ التي تتحدث عن عصر بني أمية أو عن حروب الخوارج، كالطبري والمسعودي وابن الأثير وكامل المبرد .. الخ وانظر المعارف: ٣٩٩ والاصابة ٦ : ٢١٦ وسرح العيون: ١٠٣ والمحبر: ٢١٦ والجرح والتعديل ١/٤: ٣٦٩ وعبر الذهبي ١ : ٩٥ والشذرات ١ : ٩٠ ٣٥٠ : الله عليه وسلم ، ثم ارتدوا بعده ومنعوا الصدقة ، فوجَّه إليهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه عكرمة بن أبي جهل المخزومي رضي الله عنه ، فقاتلهم فهزمهم وأثخن فيهم القتل ، وتحصن فَلهم في حصن لهم وحصرهم المسلمون ، ثم نزلوا على حكم حُذيفة بن اليمان، فقتل مائة من رؤسائهم١، وسبى ذَرَاريهم، وبعثهم إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفيهم أبو صُفْرة غلام لم يبلغ ، فأعتقهم أبو بكر رضي الله عنه وقال : اذهبوا حيث شئتم ، فتفرقوا، فكان أبو صُفْرة ممن نزل البصرة . وقال ابن قتيبة في كتاب ((المعارف)): هذا الحديث باطل ، أخطأ فيه الواقدي لأن أبا صُفْرة لم يكن في هؤلاء ولا رآه أبو بكر قط ، وإنما وفد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو شيخ أبيض الرأس واللحية ، فأمره أن يخضب فخضب ، وكيف يكون غلاماً في زمن أبي بكر وقد ولد المهلب وهو من أصاغر ولده قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين٢ . وقد كان في ولده من ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثين سنة أو أكثر . وكان المهلب المذكور من أشجع الناس ، وحمى البصرة من الخوارج ، وله معهم وقائع مشهورة بالأهواز استقصى أبو العباس المبرد في كتابه (( الكامل)) أكثرها ، فهي تسمى بصرة المهلب لذلك ، ولولا طولها وانتشار وقائعها لذكرت طرفاً منها . وكان سيداً جليلاً نبيلاً ، روي أنه قدم على عبد الله بن الزبير أيام خلافته بالحجاز والعراق وتلك النواحي، وهو يومئذ بمكة ، فخَلا به عبد الله يشاوره ، فدخل عليه عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب القرشي الجمحي فقال : من هذا الذي قد شغلك يا أمير المؤمنين يومك هذا؟ قال : أو ما تعرفه ؟ قال : لا ، قال : هذا سيد أهل العراق ، قال: فهو المهلب بن أبي صُفْرة ، قال : نعم ، فقال المهلب : من هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : هذا سيد قريش ، فقال : فهو عبد الله بن صفوان ، قال : نعم . ١ ر : فقتل أشرافهم ؛ بر من : مائة من أشرافهم . ٢ في بعض النسخ : بسنين . ٣٥١ قال ابن قتيبة في ((المعارف)) ١: ولم يكن يعاب بشىء إلا بالكذب وفيه قيل: راح يكذب ، ثم قال ابن قتيبة بعد هذا : وأنا أقول : كان المهلب أتقى الناس الله عز وجل ، وأشرف وأنبل من أن يكذب ، ولكنه كان محرباً ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحرب خدعة ، وكان يعارض الخوارج بالكلمة فيوري بها عن غيرها ، يرهب بها الخوارج، وكانوا يسمونه الكذاب ويقولون: راح يكذب ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد حرباً ورى بغيرها . وقال أبو العباس المبرد في ((الكامل))٢ في شرح أبيات رمي فيها المهلب بالكذب، ما صورته: وقوله ((الكذاب)) لأن المهلب كان فقيهاً ، وكان يعلم ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله (( كل كذب يكتب كذباً إلا ثلاثة : الكذب في الصلح بين الرجلين، وكذب الرجل لامرأته يَعِدُها، وكذب الرجل في الحرب يتوعد ويتهدد)). وكان المهلب ربما صنع الحديث ليشدً به أمر المسلمين ويضعف به من أمر الخوارج، وكان حي من الأزد يقال لهم النَدَبُ إذا رأوا المهلب رائحاً قالوا : قد راح المهلب يكذب ، وفيه يقول رجل منهم : أنت الفتى كل الفق لو كنت تصدق ما تقول وذكر المبرد في كتاب ((الكامل )٣ في أواخره في فصل قتال الخوارج وما جرى بين المهلب والأزارقة: وكانت رُكبُ الناس قديماً من الخشب ، فكان الرجل يَضْربُ بركابه فينقطع ، فإذا أراد الضرب والطعن لم يكن له معين أو معتمد ، فأمر المهلب فضربت الركُبُ من الحديد ، فهو أول من أمر بطبعها . وأخبار المهلب كثيرة . وتقلبت به الأحوال ، وآخر ما ولي خراسان من جهة الحجاج بن يوسف الثقفي -المقدم ذكره- فإنه كان أمير العراقين، وضم إليه عبد الملك بن مروان خراسان وسجستان ، فاستعمل على خراسان المهلب المذكور ، وعلى سجستان ١ المعارف : ٣٩٩ ٢ الكامل ٣: ٣١٨ ٣ الكامل ٣ : ٣٧٨ ٠ ٣٥٢ عبيد الله بن أبي بكرة ، فورد المهلب خراسان والياً عليها سنة تسع وسبعين للهجرة . وكان قد أصيب بعينه على سمرقند لما فتحها سعيد بن عثمان بن عفان رضي الله عنه، في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه١، فإنه كان معه في تلك الغزوة ، وفي تلك الغزوة تلك قلعت عين سعيد أيضاً ، وفيها قلعت أيضاً عين طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي المعروف بطلحة الطلحات المشهور بالكرم والجود ، وفي ذلك يقول المهلب : لئن ذهبت عيني لقد بقيت نفسي وفيها بحمد الله عن تلك ما يُنسي إذا جاء أمر الله أعيا خيولنا٢ ولا بد أن تعمى العيونُ لدى الرمس وقيل إن المهلب قلعت عينه على الطالقان . ولم يزل المهلب والياً بخراسان حتى أدركته الوفاة هناك ، ولما حضره أجله عهد إلى ولده يزيد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وأوصاه بقضايا وأسباب ، ومن جملة ما قال له : يابني ، استعقل الحاجب ، واستظرف الكاتب ، فإن حاجب الرجل وجهه وكاتبه لسانه؛ ثم توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وثمانين للهجرة، بقرية يقال لها زاغول من أعمال مرو الروذ من ولاية خراسان ، رحمه الله تعالى . وله كلمات لطيفة وإشارات مليحة تدل على مكارمه ورغبته في حسن السمعة والثناء الجميل ، فمن ذلك قوله : الحياة خير من الموت ، والثناء الحسن خير من الحياة ، ولو أعطيت ما لم يعطه أحد لأحببت أن تكون لي أذن أسمع بها ما يقال فيّ غداً إذا مت ؛ وقد قيل إن هذا الكلام لولده يزيد ، والله أعلم .. وكان المهلب يقول لبنيه : يابني ، أحسن ثيابكم ما كان على غيركم، وقد أشار إلى هذا أبو تمام الطائي فيما كتبه إلى من يطلب منه كسوة٣ : فأنت العليم الطَّبُ أيُّ وصيةٍ بها كان أوصى في الثياب المهلبُ ١ رضي الله عنه: سقطت من جميع النسخ، ما عدا المختار . ٢ ق : أعيا حيولنا ؛ ر : تعيى خيولنا . ٣ ديوان أبي تمام ١ : ٢٨٦ . ٢٣ - ٥ ٣٥٣ وقد ذكر الطبري في تاريخه أنه توفي سنة اثنتين وثمانين، والله أعلم، والكلام على وفاته مذكور في ترجمة ابنه يزيد ، فلينظر هناك فإنه مستوفى . ولما حضرته الوفاة جمع من حضره من بنيه ودعا بسهام فحزمت ، ثم قال : أترونكم كاسريها مُجَمَّعة ؟ قالوا لا، قال: أفترونكم كاسريها مفرقة ؟ قالوا : نعم ، قال : هكذا الجماعة ، ثم مات١ . ولما مات رثاه الشعراء وأكثروا، وفي ذلك يقول نهار بن توسعة الشاعر المشهور: ألا ذهب الغَزوُ المقرَّبُ للغنى ومات الندى والجود بعد المهلبِ أقاما بمَرْو الروذ لا يَبْرَحانها وقد قعدا من كل شرقٍ ومغرب وخلف المهلبُ عدة أولاد نجباء كرماء أجواداً أمجاداً ، وقال ابن قتيبة في كتاب ((المعارف)) ويقال: إنه وقع إلى الأرض من صُلب المهلب ثلثمائة ولد - وقد تقدم في حرف الراء ذكر حفیدیه روح ويزيد ابني حاتم بن قبيصة بن المهلب ، وسيأتي ذكر يزيد في حرف الياء إن شاء الله تعالى . (280) ومن سراة أولاده أبو فراس المغيرة، وكان أبوه يقدمه في قتال الخوارج، وله معهم وقائع مأثورة تضمنتها التواريخ أبلى فيها بلاء أبان عن نجدته وشهامته وصرامته ، وتوجه صحبة أبيه إلى خراسان واستنابه عنه بمرو الشاهجان ، وتوفي بها في حياة أبيه سنة اثنتين وثمانين في شهر رجب، ورفاه أبو أمامة زياد الأعجم ، وهو زياد بن سليمان ، ويقال ابن جابر ، وهو ابن عبد القيس الشاعر المشهور ، بقصيدته الحائية السائرة التي أولها : قل للقوافل والغزاة إذا غزوا للباكرين وللمجدِّ الرائحِ: قبراً بمَرْو على الطريق الواضح إن السماحة والمروءة ضمنا كُومَ الهجان وكل طِرْفٍ سابح فإذا مررتَ بقبره فاعْقِرْ به فلقد يكون أخا دم وذبائح وانضح جوانب قبره بدمائها واهتفْ بدعوة مُصلتِينَ شَرامح٢ بيزته وعقد لوائه واظهر ١ بعد هذا في ر لي : بقرية يقال لها زاغول، ثم أورد ما تقدم من كلمات له .... ٢ الشرمحي : الطويل القوي . ٣٥٤ آب الجنود معاقباً أو قافلاً وأقام رَهْنَ حفيرةٍ وضرائح زالت بفضل فواضل ومدائح وأرى المكارم يوم زيل بنعشه رجفت لمصرعه البلادُ وأصبحت الآن لما كنت أكرمَ من مشى وتكاملت فيك المروءةُ كلها منا القلوبُ لذاك غير صحائح وافْتَرَّ نابك عن شَباة القارح وأعَنْتَ ذلك بالفعال الصالح وكفى بنا حزناً ببيتٍ حلّ أُخرى المنون فليس عنه بنازح فعفت منابره وحط سروجه عن كل طامحة وطرف طامح أن المغيرة فوق نوح النائح والباكيات برَنْةٍ وتَصايُح للقتل بين أسنة وصفائح وتنوزعت١ بمغالقٍ ومفاتح دون الرجال بفضل عقل راجح تبكي على طَلْق اليدين مسامح وخَبَتْ لوامعُ كلِّ برقٍ لائح ألقى الذلاء إلى قليب المائح في حَوْضه بنوازع وموانح فاضت معاطشُها بشرب سائح يَمْري قوادمَ كل حرب لاقح تجتابُ سهلَ سباسبٍ وصحاصح مُلحَ المُتُونِ من النضيح الراشح طرف الصديق بغض طرف الكاشح يناح على امرىء فلتعلمن® وإِذا تبكي المُغيرة خيلُنا ورماحُنا مات المغيرةُ بعد طول تعرض وإِذا الأمور على الرجال تشابهت قتل٢ السحيلَ بمُبْرمِ ذِي مِرَّةٍ وأرى الصَّعالك للمغيرة أصبحت كان الربيعَ لهم إذا انتجعوا الندى كان المهلبُ بالمغيرةِ كالذي فأصاب جمة ما استقى فسقى له أيام لو يَحْتَلُ وَسْطَ مفازة إن المهلب لن يزال لها فتى بالمقربات لواحقاً آطالها مُتَلبْباً تهفو الكتائبُ حوله ملكٌ أغر متوَّجٌ يسمو له رَفَّاع ألوية الحروب إلى العدا بسُعُود طير سوانح وبوارح ١ ق ن بر من : وتوزعت . ٢ ق ص ن : فقد ٣٥٥ وهذه القصيدة من غرر القصائد ونُخَبها ، ولولا خوف الإطالة لأثبتها كلها وهي طويلة تزيد على خمسين بيتاً ، وقد ذكرها أبو على القالي - المقدم ذكره في حرف الهمزة١ - في كتابه الذي جعله ذيلا على أماليه٢ ، وتكلم علي بعض أبياتها، وقال : إنها قد تنسب إلى الصَّلتان العبدي الشاعر المشهور ، ولكن الأصح أنها لزياد الأعجم . والبيت الثاني منها تستشهد به النحاة في كتبهم على جواز تذكير المؤنث إذا لم يكن له فرج حقيقي ، وهو أشهر بيت في هذه القصيدة لكثرة استعمالهم له ، وقد أخذ بعض الشعراء معنى البيت الثالث والرابع فقال٣: احملاني إن لم يكن لكما عَقْ رٌ إِلى جَنْبِ قبره فاعقِراني وانضَحا من دمي عليه فقد كان دمي من نداه لو تعلمانِ (281) وصاحب هذين البيتين هو الشريف أبو محمد الحسن بن محمد بن علي بن أبي الضوء العلوي الحسيني نقيب مشهد باب التبن ببغداد ، وهما من جملة قصيدة يرني بها النقيب الطاهر والد عبيد الله، ذكر ذلك العماد الكاتب في كتاب ((الخريدة)) وقال أيضاً: إن الشريف أبا محمد المذكور توفي سنة سبع وثلاثين و خمسمائة ببغداد ، رحمه الله تعالى . ثم بعد وقوفي على ما ذكره العماد في ((الخريدة)) وجدت هذين البيتين في كتاب ((( معجم الشعراء)) تأليف المرزباني لأحمد بن محمد الخثعمي ، وكنيته أبو عبد الله، ويقال أبو العباس ، ويقال إنه الحسن ، وكان يتشيع ويُهاجي البحتري . وكان المغيرة بن المهلب المذكور قد مزق قباء ديباجاً كان على زياد الأعجم فقال زياد في ذلك : العمرُكَ ما الديباجَ مزقْتَ وَحْدَه ولكنْما مزقتَ عرض المهلبِ ١ أنظر ج ١ : ٢٢٦ . ٢ ذيل الأمالي : ٨ - ١١ . ٣ انظر ترجمة خالد الكاتب ــ ٢: ٢٣٦ حيث ورد البيتان؛ والترجمة المذكورة مما انفردت به النسختان صر ، وبين ما قاله المؤلف هنا وما ثبت هنالك ما قد يشير إلى أن المؤلف لا علاقة له بترجمة خالد الكاتب . ٣٥٦ فبلغ ذلك المهلب فأرضاه واستعطفه . وذكر أبو الحسين علي بن أحمد السَّلامي في كتاب ((تاريخ ولاة خراسان)) أن رجلاً سمع من زياد الأعجم هذه القصيدة قبل أن يسمعها المهلب فجاء إلى المهلب فأنشده إياها ، فأعطاه مائة ألف درهم ، ثم أتاه زياد الأعجم فأنشده إياها ، فقال له : قد أنشدنيها رجل قبلك ، فقال: إنما سمعها مني ، فأعطاه مائة ألف درهم . والمهلب عقب كثير بخراسان يقال لهم المهالبة وفيهم يقول بعض شعراءٍ (( الحماسة)) وهو الأخنس الطائي يمدح المهلب١ : نزلتُ على آل المهلب شاتياً بعيداً عن الأوطان في الزمن المحلِ فما زال بي مَعْرُوُفهم وافِتقادُهُم وبرُّهُمُ حتى حسبتُهُمُ أهلي والوزير أبو محمد المهلبي - المقدم ذكره في حرف الحاء٢ - من نسله أيضاً، رحمهم الله أجمعين. وفي أوائل هذه الترجمة أسماء تحتاج إلى الضبط والكلام عليها . فأما العتيك والأزد فقد تقدم الكلام عليها . وأما مُزيقياء فهو بضم الميم وفتح الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر القاف وفتح الياء الثانية وبعدها همزة ممدودة ، وهو لقب عمرو المذكور وكان من ملوك اليمن ، وإنما لقب بذلك لأنه كان يلبس كل يوم حلتين منسوجتين بالذهب ، فاذا أمسى مزقهما وخلعها ، وكان يكره أن يعود فيهما ، ويأنف أن يلبسهما أحد غيره ، وهو الذي انتقل من اليمن إلى الشام لقصة يطول شرحها، والأنصار من ولده، وهم الأوس والخزرج، وحكى أبو عمر ابن عبد البر صاحب كتاب ((الاستيعاب)) في كتابه الذي سماه ( القصد الأمم في أنساب العرب والعجم)) ٣ وهو كتاب لطيف الحجم أن الأكراد من نسل عمرو مزيقياء ١ شرح الحماسة المرزوقي ، رقم : ٢٧٦ . ٢ انظر ج ٢ : ١٢٤ . ٣ القصد والأمم : ٣١ . ٣٥٧ المذكور ، وأنهم وقعوا إلى أرض العجم فتناسلوا بها وكثر ولدهم ، فسموا الكرد ، وقال بعض الشعراء في ذلك وهو يعضد ما قاله أبو عمر ابن عبد البر: لعمرك ما الأكراد أبناء فارس ولكنه كرد بن عمرو بن عامر وأما أبوه عامر فإنما لقب بماء السما لجوده وكثرة نفعه ، فشبه بالغيث وأما المنذر بن ماء السماء اللخمي أحد ملوك الحيرة ، فإن أباه امرؤ القيس ابن عمرو بن عدي، وماء السماء أمه ، وهي بنت عوف بن جُثَم بن النمر بن قاسط، وإنما قيل لها ماء السماء لحسنها وجمالها . وأما دَبا بفتح الدال المهملة والباء الموحدة وبعدها ألف مقصورة ، وهو اسم موضع بين عمان والبحرين أضيفت جماعة من الأزد إليه لما نزلوه ، وكان الأزد عند تفرقهم - حسبما ذكرناه في أول هذه الترجمة - أضيفت كل طائفة إلى شيء يميزها عن غيرها، فقيل أزد دَبا، وأزد شَئُوءَة، وأزد عمان، وأزد السَّراة، ومرجع الكل إلى الأزد المذكور ، فلا يظن ظان أن الأزد مختلف باختلاف المضافين إليه، وقد قال الشاعر - وهو النجاشي ، واسمه قيس بن عمرو بن مالك ابن حزن بن الحارث بن كعب بن الحارث الحارثي١ - : وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل بها ريبٌ من الحدثان : وأما التي شلت فأزد عمان فأما التي صحت فأزد شنوءة ولما هزم المهلب قَطَري بن الفُجاءة - المقدم ذكره٢ - بعث إلى مالك بن بشير فقال : إني موفدك إلى الحجاج فسر فإنما هو رجل مثلك ، وبعث إليه بجائزة فردها وقال : إنما الجائزة بعد الاستحقاق ، وتوجه فلما دخل على الحجاج قال : ما اسمك ؟ قال : مالك بن بشير ، قال : ملك وبشارة ، ثم قال : كيف تركت المهلب ؟ قال: أدرك ما أمل وأمن ما خاف، قال: فكيف هو يجنده؟ ١ ترجمة النجاشي في الاصابة ٦: ٢٦٣ والخزانة ٤: ٣٦٨ والسمط: ٨٩٠ والشعر والشعراء : ٢٤٦ . ٢ انظر = ٤ : ٩٣ ٣٥٨ قال: والد رءوف ، قال : كيف رضاهم عنه ؟ قال : وسعهم بالفضل وأقنعهم بالعدل، قال : كيف تصنعون إذا لقيتم عدوكم ؟ قال : نلقاهم يجدنا فنقطع فيهم ويلقوننا يجدهم فيطمعون فينا، قال: فما حال قَطَري بن الفُجاءة ؟ قال: كادنا بمثل ما كدناه به ، قال : فما منعكم من اتباعه ؟ قال : رأينا المقام من ورائه خيراً من اتباعه ؟ قال : فأخبرني عن ولد المهلب ؟ قال : رعاة البيات حتى يؤمنوه وحماة السرح حتى يردوه، قال: أيهم أفضل ؟ قال : ذلك إلى أبيهم ، قال: لتقولن، قال : هم كحلقة مفرغة لا يعلم طرفاها، قال : أقسمت عليك هل رَوَّيْتَ في هذا الكلام ؟ قال: ما أطلع الله أحداً على غَيْبهِ. فقال الحجاج لجلسائه : هذا والله الكلام المطبوع لا الكلام المصنوع، قلت : كان حق هذا الفصل أن يكون متقدماً، لكنه كذا وقع ، والله تعالى أعلم بصوابه وصحته . ٧٥٥ مهيار الديلمي أبو الحسين مِهْيار بن مَرْزَوَيه الكاتب الفارسي الديلمي الشاعر المشهور ؛ كان مجوسياً فأسلم ، ويقال إن إسلامه كان على يد الشريف الرضي أبي الحسن محمد الموسوي - المقدم ذكره - وهو شيخه، وعليه تخرج في نظم الشعر، وقد وازن كثيراً من قصائده . وذكر شيخنا ابن الأثير الجزري في تاريخه١ أنه أسلم في سنة أربع وتسعين وثلثمائة، فقال له أبو القاسم ابن برهان: يا مهيار قد انتقلت بأسلوبك في النار من زاوية إلى زاوية ، فقال : وكيف ذاك ؟ قال : كنت مجوسياً فصرت تسبّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعرك . ٧٥٥ - ترجمته في تاريخ بغداد ١٣ : ٢٧٦ والمنتظم ٧: ٩٤ ودمية القصر : ٧٦ والبداية والنهاية ١٢: ٤١ وعبر الذهبي ٣: ١٦٧ والشذرات ٣ : ٢٤٢ . ١ تاريخ ابن الأثير ٩ : ٤٥٦ ٣٥٩ وكان شاعراً جَزْلَ القول ، مقدماً على أهل وقته ، وله ديوان شعر كبير يدخل في أربع مجلدات ، وهو رقيق الحاشية طويل النفس في قصائده . ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في ((تاريخ بغداد )) وأثنى عليه وقال : كنت أراه يحضر جامع المنصور في أيام الجمعات ، يعني ببغداد ، ويُقرأ عليه ديوان شعره ولم يقدر لي أسمع منه شيئاً . وذكره أبو الحسن الباخَر زي -المقدم ذكره- في كتاب ((دمية القصر)) فقال في حقه : هو شاعر، له في مناسك الفضل مشاعر، وكاتب ، تجلى تحت كل كلمة من كلماته كاعب ، وما في قصيدة من قصائده بيت ، يتحكم عليه لو وليت ، وهي مَصْبُوبة في قوالب القلوب ، وبمثلها يعتذر الزمان المذنب عن الذنوب ؟ ثم عقب هذا الكلام بذكر مقاطيع من شعره وأبيات من جملة قصائده . وذكره أبو الحسن علي بن بَسّام في كتاب (( الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة)) وبالغ في الثناء عليه وذكر شيئاً من شعره . ومن نظمه المشهور قصيدته التي أولها١ : سقى دارها بالرقْمَتَيْنِ وحَيّاها مُلِثٌ يُحيلُ التربَ في الدار أمواها ومنها : وبين بلادينا زَرودُ وحَبْلاها وكيف بوصل الحبل من أمّ مالك فیحظی، ولکن من لعيني برؤياها وأبعدها مني الغداة وأدناها نظائرَ تصبيني إليها وأشباها وأرشف ثغر الكأس أحسبه فاها مولهة قد ضل بالقاع خشفاها فتزداد حسناً مقلتاها وليتاها · على صحة التشبيه أنك إياها يراها بعينِ الشوق قلبي على النوى فلله ما أصفى وأكدرَ حبها إذا استوحشت عيني أنستُ بأن أرى وأعتَنِقُ الغصن الرطيب لِقَدَّها ويومَ الكثيب استشرفت ليَ ظبيةٌ يُدَلَّهُ خوفُ الثكل حبةَ قلبها فما ارتاب طرفي فيكِ يا أم مالك ١ ديوانه ٤ : ١٨٣. ٣٦٠