النص المفهرس
صفحات 321-340
وعلم أنه إن فتح نسب الفتح إليه دونه ، فأخذ في جَمْع العساكر ، وولى على القيروان ولده عبد الله، وتبعه فلم يدركه إلا بعد الفتح . وكان لذريق المذكور قد قصد عدوّاً له ، واستخلف في المملكة شخصاً يقال له تُدْمير ، وإلى هذا الشخص تنسب بلاد تُدمير بالأندلس - وهي مرسية وما والاها ، وهي خمسة مواضع تسمى بهذا الاسم ، واستولى الفرنج على مرسية سنة اثنتين وخمسين وستمائة١ - فلما نزل طارق من الجبل بالجيش الذي معه كتب تدمير إلى لذريق الملك إنه قد وقع بأرضنا قوم لا ندري من السماء هم أم من الأرض ، فلما بلغ ذلك لذريق رجع عن مقصده في سبعين ألف فارس ، ومعه العَجَلُ يحمل الأموال والمتاع ، وهو على سريره بين دابتين عليه قبة مكللة بالدر والياقوت والزبرجد . فلما بلغ طارقاً دنوه قام في أصحابه فحمد الله سبحانه وتعالى ، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم حث المسلمين على الجهاد ورغبهم في الشهادة ، ثم قال : أيها الناس ، أين المفر والبحر من ورائكم والعدو أمامكم؟ فليس لكم والله إلا الصدق والصبر ، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيعُ من الأيتام في مآدب اللئام ، وقد استقبلكم عدوّ كم يحيشه وأسلحته ، وأقواته موفورة ، وأنتم لا وزر لكم غير سيوفكم، ولا أقوات٢ لكم إلا ما تستخلصونه من أيدي أعدائكم، وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ، ولم تنجزوا لكم أمراً، ذهبت ريحكم وتعوضت القلوب برعبها منكم الجراءة عليكم ، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية٣ ، فقد ألقت به إليكم مدينته المحصنة ، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن لكم إن سمحتم بأنفسكم للموت. وإني لم أحذركم أمراً أنا عنه بنجوة٤، ولا حملتكم على خطة أرخصُ متاع فيها النفوس أبدأ فيها بنفسي ، واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلاً، استمتعتم بالأرفه الألذ طويلاً، فلا ترغبوا ١ وهي مرسية .... وستمائة : سقط من : لي بر من . ٢ ق ن ص : أثواب . ٣ ر ن ق لي : هذه الطاغية . ٤ ق : بنجاة ؛ ن : بمنجاة . ٢١ -٥ ٣٢١ بأنفسكم عن نفسي، فيا حظكم فيه أوفر من حظي ، وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان من بنات اليونان الرافلات في الدر والمرجان ، والحلل المنسوجة بالعقيان ، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان ، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك من الأبطال عرباناً، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً، ثقة منه بارتياحكم للطعان، واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان ، ليكون حظه معكم ثواب الله على إعلاء كلمته ، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، ويكون مغنمها خالصاً لكم من دونه ومن دون المسلمين سواكم، والله تعالى وليّ إنجاد كم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين. واعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه ، وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية قومه لذريق فقاتله إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي ، فإن هلكت بعده فقد كفيتكم٢ أمره ولن يعوزكم بطل عاقل تسندون أمركم إليه ، وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه ، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا المهمّ من فتح هذه الجزيرة بقتله ، فإنهم بعده يخذلون . فلما فرغ طارق من تحريض أصحابه على الصبر في قتال٣ لذريق وأصحابه وما وعدهم من النيل الجزيل ، انبسطت نفوسهم وتحققت آمالهم وهبت ريح النصر عليهم وقالوا : قد قطعنا الآمال مما يخالف ما عزمت عليه ، فاحضر إليه فأنا معك وبين يديك . فر کب طارق ور کبوا وقصدوا مناخ لذريق ، وكان قد نزل بمتسع من الأرض ، فلما تراءى الجمعان نزل طارق وأصحابه ، فباتوا ليلتهم في حرس إلى الصبح . فلما أصبح الفريقان تلبَّبوا؛ وعَبَّوا كتائبهمْ وحُمل لذريق على سريره، وقد رفع على رأسه رواق ديباج يظله، وهو مقبل٦ في غاية من٢ البنود والأعلام ١ ق ص بر من : عزبانا ؛ لي : غزيانا . ٢ ق : كفيتم . ٣ ص : على قتال ؛ بر من : من قتال . ٤ لي : تلبسوا ؛ النفح : تكتبوا . • ن : كنائنهم ؛ بر : مواكبهم . ٦ ص : متحمل . ٧ ق : على غاية من ؛ من: سقطت من لي . ٣٢٢ وبين يديه المقاتلة والسلاح ، وأقبل طارق وأصحابه عليهم الزرد ، ومن فوق رؤوسهم العمائم البيض وبأيديهم القسي العربية ، وقد تقلدوا السيوف واعتقلوا الرماح ، فلما نظر إليهم لذريق قال : أما والله إن هذه الصور التي رأينا ببيت الحكمة ببلدنا، فداخله منهم بُعُب. ونتكلم هاهنا على بيت الحكمة ما هو ، ثم نتكلم على حديث١ هذه الواقعة : وأصل خبر بيت الحكمة أن اليونان - وهم الطائفة المشهورة بالحكمة - كانوا يسكنون ببلاد المشرق قبل عهد الإسكندر ، فلما ظهرت الفرس واستولت على البلاد ، وزاحمت اليونان على ما كان بأيديهم من المالك ، انتقل اليونان إلى جزيرة الأندلس ، لكونها طرفاً في آخر العمارة ، ولم يكن لها ذكر يوم ذاك ، ولا ملكها أحد من الملوك المعتبرة ، ولا كانت عامرة ، وكان أول من عمر فيها واختطها أندلس بن يافث بن نوح عليه السلام ، فسميت باسمه ، ولما عمرت الأرض بعد الطوفان كان صورة المعمور منها عندهم على شكل طائر رأسه المشرق والجنوب والشمال جناحاه ، وما بينهما بطنه ، والمغرب ذنبه ، فكانوا يزدرون المغرب لنسبته إلى أخس أجزاء الطائر . قلت٢ : وجرى في مجلس الحافظ أبي طاهر السلفي نادرة تصلح أن نذكرها هاهنا وهي أن أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله المعروف بابن الجمش البلبيسي كان في مجلسه ، وعبد العزيز الشريشي يقرأ حديث عمرو بن العاص : خلقت الدنيا على صورة طير ... الحديث المذكور ؛ فقال الشريشي لأبي إسحاق يمازحه : اسمع يا أبا إسحاق، وشرّ ما في الطير ذنبه، فقال أبو إسحاق : هيهات ما عرفت أنت ما كان ذلك الطائر المشبه ؟ كان طاووساً، وما فيه أحسن من ذنبه . وكانت اليونان لا ترى فناء الأمم بالحروب لما ترى فيه من الإضرار والاشتغال ١ ر بر من : ثم نكمل حديث. ٢ هذه القصة لم ترد في النسخ؛ لي بر من والمطبوعة المصرية ودي سلان . ٣٢٣ عن العلوم التي كان أمرها عندهم من أهم الأمور ، فلذلك انحازوا من بين يدي الفرس إلى الأندلس. فلما صاروا إليها أقبلوا على عمارتها ، فشقُّوا الأنهار وبنوا المعاقل ، وغَرَسوا١ الجنات والكروم، وشيدوا الأمصار، وملؤوها حرثاً ونسلاً وبنياناً، فعظمت وطابت حتى قال قائلهم لما رأى بهجتها : إن الطائر الذي صورت العمارة على شكله ، وكان المغرب ذنبه ، كان طاوساً معظم جماله في ذَنَبه. فاغتبطوا بها أتم اغتباط واتخذوا دار الملك والحكمة بها مدينة٣ طُلَيَطَلة لأنها وسط البلاد ، وكان أهم الأمور عندهم تحصينها عمن يتصل به خبرها من الأمم ، فنظروا فإذا ليس ثَمّ من يَحْسُدهم على أرغد العيش إلا أرباب الشَّظَف والشقاء، وهم يوم ذاك طائفتان: العرب والبربر٣، فخافوهم على جزيرتهم المعمورة ، فعزموا أن يتخذوا لدفع هذين الجنسين من الناس طِلّسْماً ، فرصدوا لذلك أرصاداً . ولما كان البربر بالقرب منهم ، وليس بينهم سوى تعدية البحر ، ويرد عليهم منهم طوائف منحرفة الطباع خارجة عن الأوضاع ، ازدادوا منهم نفوراً ، وكثر تحذيرهم من مخالطتهم في نسب أو مجاورة ، حتى انبثَّ ذلك في طبائعهم، وصار بغضهم مركباً في غرائزهم ، فلما علم البربر عداوة أهل الأندلس لهم وبغضهم ، أبغضوهم وحسدوهم ، فلا تجد أندلسياً إلا مبغضاً بربريّاً ولا بربريّاً إلا مبغضاً أندلسيّاً، إلا أن البربر أحوج إلى أهل الأندلس من أهل الأندلس إلى البربر ، لكثرة وجود الأشياء بالأندلس وعدمها ببلاد البربر . وكان بنواحي غرب جزيرة الأندلس ملك يوناني يجزيرة يقال لها قادس ، وكانت له ابنة في غاية الجمال ، فتسامع بها ملوك الأندلس ، وكانت جزيرة الأندلس كثيرة الملوك ، لكل بلدة أو بلدتين ملك تناصُفاً منهم في ذلك ، فخطبها كل واحد منهم٤ ، وكان أبوها يخشى من تزويجها لواحد منهم وإسخاط• ١ ق : وعرشوا . ٢ مدينة : سقطت من ص ن ق . ٣ ق : البربر والعرب . ٤ وقع هنا خرم في النسخة ( لي ) ضاعت به عدة أوراق ؛ وفي ص ر بر من : كل منهم . ٥ ص : أن يسخط ؛ ن ق : اسخاطاً . ٣٢٤ الباقين ، فتحير في أمره ، وأحضر ابنته المذكورة ، وكانت الحكمة مركبة في طباع القوم ذكورهم وإنائهم١ - ولذلك قيل إن الحكمة نزلت من السماء على ثلاثة أعضاء من أهل الأرض : على أدمغة اليونان وأيدي أهل الصين وألسنة العرب - فلما حضرت بين يديه قال لها : يا بنية ، إني قد أصبحت في حيرة من أمري ، قالت : وما حيَّرك ؟ قال : قد خطبك جميع ملوك الأندلس ، ومتى أرضيت واحداً أسخطت الباقين ، فتمالت : اجعل الأمر إلي تخلص من اللوم ، قال : وما تصنعين ؟ قالت: أقترح لنفسي أمراً مَنْ فعله كنت زوجته ، ومن عجز عنه لم يحسن به السخط قال : وما الذي تقترحين ؟ قالت : أقترح أن يكون ملكاً حكيماً ، قال : نعم ما اخترتيه٢ لنفسك، وكتب في أجوبة الملوك الخُطاب: إني جعلت الأمر إليها فاختارت من الأزواج الملك الحكيم . فلما وقفوا على الأجوبة سكت عنها كل من لم يكن حكيماً . وكان في الملوك رجلان حكيان ، فكتب كل واحد منهما إليه : أنا الرجل الحكيم . فلما وقف على كتابيهما قال : يا بنية بقي الأمر على إشكاله ، وهذان ملكان حكيان، أيهما أرضَيْته أسخطت الآخر ، قالت : سأقترح على كل واحد منهما أمراً يأتي به ، فأيهما سبق إلى الفراغ مما التمسته تزوجت به ، قال : وما الذي تقترحين عليهما ؟ قالت : إننا ساكنون بهذه الجزيرة ، ونحن محتاجون إلى رحى تدور بها ، وإني مقترحة على أحدهما إدارتها بالماء العذب الجاري إليها من ذلك البر ، ومقترحة على الآخر أن يتخذ طلسماً يحصن٣ به جزيرة الأندلس من البربر ، فاستظرف أبوها اقتراحها ، وكتب إلى الملكين بما قالته ابنته ، فأجابا إلى ذلك ، وتقاسماه على ما اختارا ، وشرع كل واحد في عمل ما ندب؛ إليه من ذلك . فأما صاحب الرحى فإنه عمد إلى خَرز عظام اتخذها من الحجارة ، ونضد ١ ن ق : ذكرهم وأنثاهم ٢ ر : اقترحتيه . ٣ ر : نحمن ؛ ق ؛ لتحصين . ٤ ندب: سقطت من : قص ن ؛ النفح : أسند . ٣٢٥ بعضها في بعض في البحر المالح الذي بين جزيرة الأندلس والبر الكبير في الموضع المعروف بزقاق سَبْتة، وسدّ الفروج التي بين الحجارة بما اقتضته حكمته ، وأوصل تلك الحجارة من البر إلى الجزيرة، وآثارها باقية إلى اليوم في الزقاق الذي بين سَبتة والجزيرة الخضراء ، وأكثر أهل الأندلس يزعمون أن هذا أثر قنطرة كان الإسكندر قد عملها ليعبر عليها الناس من سبتة إلى الجزيرة ، والله أعلم أي القولين أصح . فلما تم تنضيد الحجارة للملك الحكيم ، جلب إليها الماء العذب من موضع عالٍ في الجبل بالبر الكبير ، وسلطه في ساقية محكمة البناء ، وبنى يجزيرة الأندلس رحى على هذه الساقية . وأما صاحب الطلسم فإنه أبطأ عمله بسبب انتظار الرصد الموافق لعمله ، غير أنه أعمل أمره وأحكمه ، وابتنى بنياناً مربعاً من حجر أبيض على ساحل البحر في رمل حفر أساسه إلى أن جعله تحت الأرض بمقدار ارتفاعه فوق الأرض ليثبت ، فلما انتهى البناء المربع إلى حيث اختار صوّر من النحاس الأحمر والحديد المصفى المخلوطين بأحكم الخلط صورة رجل بربري له لحية ، وفي رأسه ذؤابة من شعر جعد قائم في رأسه لجعودتها، متأبط بصورة كساء قد جمع طرفيه على يده اليسرى، بألطف١ تصوير وأحكمه ، في رجليه نعل ، وهو قائم في رأس البناء على مستدق٢ بمقدار رجليه فقط، وهو شاهق في الهواء طوله نيف عن ستين ذراعاً أو سبعين، وهو محدد الأعلى إلى أن ينتهي إلى ما سعته قدر الذراع ، وقد مد يده اليمنى بمفتاح قفل قابضاً عليه مشيراً إلى البحر كأنه يقول: لا عبورَ . وكان من تأثير هذا الطلسم في البحر الذي تجاهه أنه لم ير قط ساكناً ولا كانت تجري فيه قط سفينة بربري٣ حتى سقط المفتاح من يده . وكان الملكان العاملان الرحى والطلسم يتسابقان إلى التمام من عملهما إذا كان بالسبق يستحق التزويج ، وكان صاحب الرحى قد فرغ لكنه يخفي أمره عن صاحب الطلسم حتى لا يعلم به فيبطل عمل الطلسم ، وكان يود عمل الطلسم حتى ١ ن ق بر من : بأرطب . ٢ ص : مسترق ؛ ر : مستند ٣ ق ص : ببربري . ٣٢٦ يحظى بالمرأة والرحى والطلسم ، فلما علم اليوم الذي يفرغ صاحب الطلسم في آخره أجرى الماء بالجزيرة من أوله وأدار الرحى ، واشتهر ذلك واتصل الخبر بصاحب الطلسم وهو في أعلاه يصقل وجهه ، وكان الطلسم مذهباً ، فلما تحقق أنه مسبوق ضعفت نفسه فسقط من أعلى البناء ميتاً ، وحصل صاحب الرحى على الرحى والمرأة والطلسم . وكان مَنْ تقدم مِنْ ملوك اليونان يخشى على جزيرة الأندلس من البربر السبب الذي قدمنا ذكره، فاتفقوا وعملوا الطلسمات١ في أوقات اختاروا أرضادها، وأودعوا تلك الطلسمات تابوتاً من الرخام وتركوه في بيت بمدينة طليطلة، وركبوا على ذلك البيت باباً وأقفلوه، وتقدموا إلى كل مَنْ ملك منهم بعد صاحبه أن يلقي على ذلك الباب قُفْلًا، تأكيداً لحفظ ذلك البيت، فاستمر أمرهم على ذلك . ولما كان٢ وقت انقراض دولة اليونان ودخول العرب والبربر إلى جزيرة الأندلس ، وذلك بعد مضي ستة وعشرين ملكاً من ملوك اليونان من يوم عملهم الطلسمات بمدينة طليطلة ، وكان الملك لذريق المذكور السابع والعشرين من ملوكهم ، فلما جلس في ملكه قال لوزرائه وأهل الرأي من دولته : قد وقع في نفسي من أمر هذا البيت الذي عليه ستة وعشرون قفلا شيء ، وأريد أن أفتحه لأنظر ما فيه ، فإنه لم يعمل عبثاً ، فقالوا : أيها الملك، صدقت لم يعمل عبئاً ولا أقفل سدى ، بل المصلحة أن تلقي عليه قفلً كما فعل مَنْ تقدمك من الملوك، وكانوا آباءَك وأجدادك ولم يهملوا هذا فلا تهمله وسر سيرهم، فقال: إن نفسي تنازعني إلى فتحه، ولا بد لي منه ، فقالوا: إن كنت تظن فيه مالاً فقدره ونحن نجمع لك من أموالنا نظيره ، ولا تحدث علينا بفتحه حدثاً لا نعرف عاقبته ، فأصر على ذلك ، وكان رجلً مهيباً فلم يقدروا على مراجعته ، وأمر يفتح الأقفال ، وكان على كل قفل مفتاحه معلقاً ، فلما فتح الباب لم ير في البيت شيئاً إلا مائدة عظيمة من ذهب وفضة مكللة بالجواهر، وعليها مكتوب٣ : ١ ن ص ق بر من : طلسمات . ٢ ر : حان . ٣ ن ق : مكتوب عليها . ٣٢٧ هذه مائدة سليمان بن داود عليهما السلام، ورأى في البيت ذلك التابوت ، وعليه قفل ومفتاحه معلق ، ففتحه فلم يجد فيه سوی ر ق ، وفي جوانب التابوت صور فرسان مصورة بأصباغ محكمة التصوير على أشكال العرب، وعليهم الفراء وهم معممون على ذوائب جعد ، ومن تحتهم الخيل العربية ، وبأيديهم القسي العربية وهم متقلدون بالسيوف١ المحلاة، معتقلون بالرماح٢، فأمر بنشر ذلك الرَّقْ، فإذا فيه : متى فتح هذا البيت وهذا التابوت المقفلان بالحكمة دخل القوم الذين صورهم في التابوت إلى جزيرة الأندلس، وذهب مُلك اليونان من أيديهم ، ودَرَسَت حكمتهم ، فهذا هو بيت الحكمة المقدم ذكره ؛ فلما سمع لذريق ما في الرق ندم على ما فعل ، وتحقق انقراض دولتهم ، فلم يلبث إلا قليلاً حتى سمع أن جيشاً وصل من المشرق جهزه ملك العرب يستفتح بلاد الأندلس ؛ انتهى الكلام على بيت الحكمة . ونعود الآن إلى تتمة حديث لذريق وجيش طارق بن زياد : فلما رأى طارق لذريق قال لأصحابه : هذا طاغية القوم ، فحمل وحمل أصحابه معه ، فتفرقت المقاتلة من بين يدي لذريق ، فخلص إليه طارق ، وضربه بالسيف على رأسه فقتله على سريره ، فلما رأى أصحابه مصرع ملكهم اقتحم الجيشان ، وكان النصر للمسلمين، ولم تقف هزيمة اليونان على موضع ، بل كانوا يسلمون بلداً بلداً ومعقلاً معقلاً . فلما سمع بذلك موسى بن نصير المذكور أولاً عبر الجزيرة بمن معه، ولحق بمولاه طارق، فقال له : يا طارق، إنه لن يجازيك الوليد بن عبد الملك على بلائك بأكثر من أن يبيحك جزيرة الأندلس ، فاستبحه هنيئاً مريئاً، فقال طارق : أيها الأمير ، والله لا أرجع عن قصدي هذا ما لم أنته إلى البحر المحيط وأخوض فيه بفرسي ، يعني البحر الشماليّ الذي تحت بنات نعش، فلم يزل طارق ١ ن ص: متقلدو السيوف؛ بر من: متقلدون السيوف . ٢ ر ص ن: معتقلو الرماح؛ بر من: معتقلون الرماح. ٣٢٨ يفتح وموسى معه إلى أن بلغ جليقية ، وهي على ساحل البحر المحيط ، ثم رجع . قال الحميدي في (( جذوة المقتبس)): إن موسى بن نصير نقم على طارق إذ غزا بغير إذنه ، وسجنه وهمّ بقتله ، ثم ورد عليه كتاب الوليد بإطلاقه فأطلقه، وخرج معه إلى الشام . وكان خروج موسى من الأندلس وافداً على الوليد يخبره بما فتح الله سبحانه وتعالى على يديه وما معه من الأموال في سنة أربع وتسعين للهجرة ، وكان معه مائدة سليمان بن داود عليهما السلام التي وجدت في طليطلة على ما حكاه بعض المؤرخين ، فقال : كانت مصنوعة من الذهب والفضة ، وكان عليها طوق لؤلؤ وطوق ياقوت وطوق زمرد ، وكانت عظيمة بحيث إنها حملت على بغل قوي فما سار قليلاً حتى تفسخت قوائمه ، وكان معه تيجان الملوك الذين تقدموا من اليونان ، وكلها مكللة بالجواهر ، واستصحب ثلاثين ألف رأس من الرقيق . ويقال إن الوليد كان قد نقم عليه أمراً ، فلما وصل إليه وهو بدمشق أقامه في الشمس يوماً كاملاً في يوم صائف حتى خر مغشياً عليه . وقد أطلنا هذه الترجمة كثيراً لكن الكلام انتشر فلم يمكن قطعه ، مع أني تركت الأكثر وأتيت بالمقصود . وقال الليث بن سعد: ان موسى بن نصير حين فتح الأندلس كتب إلى الوليد ابن عبد الملك، إنها ليست الفتوح ولكنها الجنة ١. ولما وصل موسى إلى الشام ومات الوليد بن عبد الملك وقام من بعده سليمان أخوه، وحج في سنة سبع وتسعين للهجرة - وقيل سنة تسع وتسعين - حج معه موسى بن نصير ، ومات في الطريق بوادي القرى ، وقيل بمر الظهران ، على اختلاف فيه . وكانت ولادته في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنة تسع عشرة للهجرة ، رحمه الله تعالى . ١٠ ر والنفح: الحشر ٣٢٩ ٧٤٩ الملك الأشرف موسى الأيوبي أبو الفتح موسى ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب ، الملقب الملك الأشرف مظفر الدين ؛ أول شيء ملكه من البلاد مدينة الرها ، سيره إليها والده من الديار المصرية في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ، ثم أضيفت إليه جران . وكان محبوباً إلى الناس مسعوداً مؤيداً في الحروب من يومه ، لقي نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل - المذكور في حرف الهمزة - وكان يوم ذاك من الملوك المشاهير الكبار ، وتواقعا في مصاف فكسره ، وذلك في سنة ستمائةٍ يوم السبت تاسع عشر شوال بموضع يقال له بين النهرين من أعمال الموصل وهي وقعة مشهورة فلا حاجة إلى تفصيلها ؛ ولما توفي أخوه الملك الأوحد نجم الدين أيوب صاحب خلاط وميافارقين وتلك النواحي ، أخذ الملك الأشرف مملكته مضافة إلى ملكه ، وتوفي الملك الأوحد في شهر ربيع الأول سنة تسع وستمائة وكانت وفاته بملاز كرد من أعمال خلاط ودفن بها، وكان الملك الأوحد قد ملك خلاط في سنة أربع وستمائة . فاتسعت حينئذ مملكته وبسط العدل على الناس وأحسن إليهم إحساناً لم يعهدوه ممن كان قبله ، وعظم وقعه في قلوب الناس ، وبعد صيته ، وكان قد ملك نصيبين الشرق في سنة ست وستمائة ، وأخذ سنجار سنة سبع عشرة في رابع جمادى الأولى، ورأيت في موضع آخر أنه أخذها في مستهل صفر من السنة، والله أعلم، وكذلك الخابور، وملك١ معظم بلاد الجزيرة، وكان يتنقل ٧٤٩ - أخباره في مفرج الكروب (ج: ٣) وذيل الروضتين: ١٦٥ والسلوك ١: ٢٥٦ والحوادث الجامعة: ١٠٥ ومرآة الزمان: ٧١١ والنجوم الزاهرة ٦: ٣٠٠ وعبر الذهبي ٥ : ١٤٦ والشذرات ٥ : ١٧٥ والزركشي ٣، الورقة : ٢٣٦؛ وقد انفردت النسخ ص ن ر ق بزيادات في عدة مواضع من هذه الترجمة لم ترد في المطبوعة المصرية . ١ ن : فإنه أخذها وملك .... ٣٣٠ فيها ، وأكثر إقامته بالرقة لكونها على الفرات . ولما مات ابن عمه الملك الظاهر غازي صاحب حلب - في التاريخ المذكور في ترجمته في حرف الغين - عزم عز الدین کیکاوس بن غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان صاحب الروم على قصد حلب فسير أرباب الأمر بحلب إلى الملك الأشرف وسألوه الوصول إليهم لحفظ البلد ، فأجابهم إلى سؤالهم وتوجه إليهم وأقام بالياروقية بظاهر حلب مدة ثلاث سنين، وجرت له مع صاحب الروم وابن عمه الملك الأفضل بن صلاح الدين صاحب سُمَيْساط وقائع مشهورة لا حاجة إلى الإطالة في شرحها . ولما أخذت الفرنج دمياط في سنة ست عشرة وستمائة - حسبما شرحناه في ترجمة الملك الكامل - توجهت جماعة من ملوك الشام إلى الديار المصرية ، لإنجاد الملك الكامل ، وتأخر عنه الملك الأشرف لمنافرة كانت بينهما ، فجاءه أخوه الملك المعظم - المقدم ذكره في حرف العين - بنفسه، وأرضاه، ولم يزل يلاطفه حتى استصحبه معه ، فصادف عقيب وصوله إليها بأشهر - كما ذكرناه في ترجمة الكامل محمد - انتصار المسلمين على الفرنج وانتزاع دمياط من أيديهم ، وكانوا يرون ذلك بسبب يُمْنِ غرته . وكان وصوله إليها في المحرم سنة ثماني عشرة وستمائة ، واستناب أخاه الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل في خلاط ، فعصى عليه ، فقصده في عساكره وأخذها منه یوم الاثنین ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وستمائة . ولما مات الملك المعظم - في التاريخ المذكور في ترجمته - قام بالأمر من بعده ولده الملك الناصر صلاح الدين داود ، فقصده عمه الملك الكامل من الديار المصرية ليأخذ دمشق منه ، فاستنجد بعمه الملك الأشرف ، وكان يومئذ ببلاد الشرق ، فوصل إليه ، واجتمع به في دمشق ، ثم خرج منها متوجهاً إلى أخيه الملك الكامل، واجتمع به وجرى الاتفاق بينهما على أخذ دمشق من الملك الناصر وتسليمها إلى الملك الأشرف، ويبقى للملك الناصر الكرك والشوبك ونابلس وبيسان وتلك النواحي، وينزل الملك الأشرف عن حران والرها وسروج والرقة ورأس عين، ويسلمها إلى الملك الكامل، فاستتب الحال على ذلك. ٣٣١ وتسلم الملك الكامل دمشق لاستقبال شعبان من السنة بنوابه ، ورحل الناصر إلى بلاده التي بقيت عليه يوم الجمعة ثاني عشر شعبان ، ثم دخل الملك الكامل إلى دمشق في سادس عشر الشهر المذكور وعاد وخرج إلى مكانه الذي كان فيه ، ثم دخل هو والأشرف إلى القلعة في ثامن عشر شعبان ثم سلمها إلى أخيه الملك الأشرف على ما تقرر بينهما ، في أواخر شعبان من سنة ست وعشرين وستمائة ، وانتقل الملك الكامل إلى بلاده التي تسلمها بالشرق ، ليكشف أحوالها ويرتب أمورها ، واجتزت في التاريخ المذكور بحرًّان وهو بها . وانتقل الأشرف إلى دمشق واتخذها دار إقامة وأعرض عن بقية البلاد ، ونزل جلال الدين خوارزم شاه على خلاط وحاصرها وضايقها أشد مضايقة ، وأخذها في جمادى الآخرة من سنة ست وعشرين من نواب الملك الأشرف ، وهو مقيم بدمشق ، ولم يمكنه في ذلك الوقت قصدها للدفع عنها الأعذار كانت له . ثم عقيب ذلك دخل إلى بلاد الروم باتفاق مع سلطانها علاء الدين كيقباذ أخي عز الدين كيكاوس المذكور ، وتعاقدا على قصد خوارزم شاه ، وضرب المصاف معه ، فإن صاحب الروم أيضاً كان يخاف على بلاده منه لكونه مجاوره، فتوجها نحوه في جيش عظيم من جهة الشام والشرق في خدمة الملك الأشرف ، وعسكر صاحب الروم ، والتقوا بين خِلاط وأرزنكان، بموضع يقال له : يا الرحمان٢ في يوم الجمعة ثاني عشر شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة، وانكسر خوارزم شاه، وهي واقعة مشهورة، وعادت خلاط إلى الملك الأشرف وقد خربت . ثم رجع إلى الشام وتوجه إلى الديار المصرية، وأقام عند أخيه الملك الكامل مدة ، ثم خرج في خدمته قاصدين آمد ، ونزلوا عليها وفتحوها في مدة يسيرة وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة ، وأضافها الملك الكامل إلى ممالكه ببلاد الشرق، ورتب فيها ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب - المذكور في ترجمة ١ ربر من: وتظافرا ؛ (والصواب : وتضافرا أو وتظاهرا). ٢ ر: يا سي جمان؛ دي سلان: بني جمان، وأشار إلى اضطراب النسخ في الاسم، وسقط الاسم من نسختي بر من . ٣٣٢ والده - وفي خدمته الطواشي شمس الدين صواب الخادم العادلي ، ثم عاد كل واحد إلى بلاده . ثم كانت واقعة ببلاد الروم والدربندات في أواخر سنة إحدى وثلاثين وستمائة وهي مشهورة، ورجع الكامل والأشرف ومن معهما من الملوك بغير حصول مقصود، ولما رجعا خرج عسكر صاحب الروم على بلاد الكامل بالشرق فأخذها وأخربها، ثم عاد الكامل والأشرف وأتباعهما ومن معهما من الملوك إلى بلاد الشرق، واستنقذوها من نواب صاحب الروم. ثم رجعوا إلى دمشق في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ، وكنت يومئذ بدمشق ، وفي تلك الوقعة١ رأيت الكامل والأشرف، وكانا يركبان معاً ويلعبان بالكرة في الميدان الاخضر الكبير كل يوم ، وكان شهر رمضان ، فكانا يقصدان بذلك تعبير النهار لأجل الصوم ؛ ولقد كنت أرى من تأدب كل واحد منهما مع الآخر شيئاً كثيراً، ثم وقعت بينهما وحشة ، وخرج الأشرف عن طاعة الكامل ، ووافقته الملوك بأسرها ، وتعاهد هو وصاحب الروم وصاحب حلب وصاحب حماة وصاحب حمص وأصحاب الشرق، على الخروج على الملك الكامل، ولم يبق مع الملك الكامل سوى ابن أخيه الملك الناصر صاحب الكرك ، فإنه توجه إلى خدمته بالديار المصرية ، فلما تحالفوا وتحزبوا واتفقوا وعزموا على الخروج على الملك الكامل ، مرض الملك الأشرف مرضاً شديداً، وتوفي يوم الخميس رابع المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة بدمشق ، ودفن بقلعتها ثم نقل إلى التربة التي أنشئت له بالكلاسة في الجانب الشمالي من جامع دمشق . وكانت ولادته سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بالديار المصرية بالقاهرة ، وقيل بقلعة الكرك ، رحمه الله تعالى . وقد ذكرت في ترجمة أخيه الملك المعظم عيسى ما ذكره سبط ابن الجوزي في مولدهما ؛ وتوفي أخوه شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين في رجب سنة خمس وأربعين وستمائة بمبافارقين . هذه خلاصة أحواله ؛ وكان سلطاناً كريماً حليماً واسع الصدر كريم الأخلاق كثير العطاء ، لا يوجد في خزانته شيء من المال مع اتساع مملكته ، ولا تزال ١ ن بر من : الدفعة . ٣٣٣ عليه الديون التجار وغيرهم . ولقد رأى يوماً في دواة كاتبه وشاعره الكمال أبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن النبيه المصري قلماً واحداً ، فأنكر عليه ذلك، فأنشده في الحال دوبيت : قال الملك الأشرف قولاً رشدا أقلامك يا كمال قلّت عددا جاوبت لعظم كَتْب ما تطلقه تحفى فتقَطُ فهي تفنى أبدا ويقال إنه طرب ليلة في مجلس أنسه على بعض الملاهي ، فقال لصاحب الملهى : تمن عليَّ ، فقال : تمنيت مدينة خلاط ، فأعطاها له ، وكان نائبه بها الأمين حسام الدين المعروف بالحاجب علي بن حماد الموصلي، فتوجه ذلك الشخص إليه ليتسلمها منه ، فعوضه الحاجب عنها جملة كثيرة من المال وصالحه عنها ، وكان له في ذلك غرائب . وكان يميل إلى أهل الخير والصلاح ويحسن الاعتقاد فيهم ، وبنى بدمشق دار حديث ، فوض تدريسها إلى الشيخ تقي الدين عثمان المعروف بابن الصلاح، المقدم ذكره . وكان بالعقيبة ظاهر دمشق خان يعرف بابن الزنجاري ، قد جمع أنواع أسباب الملاذ ، ويجري فيه من الفسوق والفجور ما لا يحد ولا يوصف ، فقيل له عنه: إن مثل هذا لا يليق أن يكون في بلاد المسلمين، فهدمه وعمره جامعاً غرم عليه جملة مستكثرة، وسماه الناس ( جامع التوبة)) كأنه تاب إلى الله تعالى وأناب مما كان فيه. وجرت في خطابته نكتة لطيفة، أحببت ذكرها ، وهي: أنه كان بمدرسة ست الشام التي خارج البلد ، إمام يعرف بالجمال السبتي ، أعرفه شيخاً حسناً ، ويقال كان في صباه يلعب بشيء من الملاهي ، وهي التي تسمى الجغانة ، ولما كبر حسنت طريقته وعاشر العلماء وأهل الصلاح ، حتى صار معدوداً في الأخيار ، فلما احتاج الجامع المذكور إلى خطيب ذكر الملك الأشرف . جماعة ، وشُكر الجمال المذكور ، فتولى خطابته ، فلما توفي تولى موضعه العماد الواسطي الواعظ ، وكان يتهم باستعمال الشراب ، وكان صاحب دمشق يومئذ الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل بن أيوب ، فكتب إليه الجمال عبد ٣٣٤ الرحيم المعروف بابن زويتينة الرحبي أبياتاً ، وهي : يا مليكاً أوضح الحق لدَيْنا وأبانَه « جامع التوبة قد قلدني منه أمانه قال قل للملك الصا لح أعلى الله شانه يا عماد الدين يا من حمد الناسُ زمانه كم إلى كم أنا في ضر وبؤس وإهانه ؟ لي خطيب واسطيّ يعشق الشرب ديانه والذي قد كان من قب ـل يغني يجفانه ـا وما نبرح حافه فکما نحن فما زلت رُدّني للنَّمَطَ الأو ل واستبق ضمانه وهذه الأبيات في بابها في غاية الظرف١ ، وكان ابن الزويتنية المذكور قد ١ كتب في النسخة ق في ورقة صغيرة ملحقة ما يلي: ((ثم لم يزل الجامع المذكور على ذلك الحال إلى أن تولى مولانا السلطان الملك المؤيد شيخ نصره الله تعالى، والجامع المذكور كأنه يقول بلسان الحال: ألا هل من مبلغ قصتي إلى المقام الشريف لعله ينظر في أمري، ثم كتبت قصته وأرسل بها من الشام المحروس إلى القاهرة المحروسة وفيها ما صورته : أطلق الله عنائه يا مليكاً هو فحل يشتكي فينا هوانه جامع التوبة كم ذا فبكم نرجو الامانه أن صلاح الدين ولى زمانه قزماني في قال بالله اذكروني شانه عظم الرحمن واشرحوا حالي لشيخ مکانه و له عندي فهو سلطان سعيد ليرى لي بجطيب وإمام ذي صيانه مثلما عمر غيري ليتني كنت الخزانه ضاع في الناس الامانه فارحموني يا لقومني طبلخانه المعاصي في قوم قد أقاموا الخيانه واستباحوا نقضوا التوبة مني ٣٣٥ وصل إلى الديار المصرية في رسالة من عند صاحب حمص ، وأنشدني هذه الأبيات وحكى السبب الحامل عليها، وذلك في بعض شهور سنة سبع وأربعين وستمائة . ومدح الملك الأشرف أعيانُ شعراء عصره ، وخلدوا مدائحه في دواوينهم فمنهم : شرف الدين محمد بن عُنَين - وقد سبق ذكره . والبهاء أسعد السنجاري - وقد سبق ذكره أيضاً . والشرف راجح الحلي وقد ذكرته في ترجمة الملك الظاهر . (277). والكمال ابن النبيه المذكور وكانت وفاته سنة تسع عشرة وستمائة ، بمدينة نصيبين الشرق ، وعمره تقديراً مقدار ستين سنة١، كذا أخبرني صهره بالقاهرة . (278) والمهذب ٢محمد بن أبي الحسين٣ بن يمن بن علي بن أحمد بن محمد بن عثمان ابن عبد الحميد الأنصاري، المعروف بابن الأردخل الموصلي الشاعر المشهور ، ومولده سنة سبع وسبعين وخمسمائة بالموصل، وتوفي في شهر رمضان ، سنة ثمان وعشرين وستمائة بميافارقين ، رحمه الله تعالى . وغير هؤلاء خلق كثير ، والله أعلم بالصواب . يشقعوا أو يبلعوا أو مع فلان أو فلانه فانتفوا ذقن خطيبي بلبانه نتف كس واصفعوا ظهر إمامي المهانه بالبراطیش فعلى هذا وهذا لعنة الله کمانه تمت ١٥ بيتاً . ١ هنا تنتهي الترجمة في ر . ٢ ص : صهره بالقاهرة أبو المهذب .... الخ . ٣ ص ق : الحسن . ٠٣٣٦ ٧٥٠ موسى بن عبد الملك الأصبهاني أبو عمران١ موسى بن عبد الملك [بن هشام]٢ الأصبهاني صاحب ديوان الخراج ؛ كان من جلة الرؤساء ، وفضلاء الكتاب وأعيانهم ، تنقل في الخدم في أيام جماعة من الخلفاء . وكان إليه ديوان٣ السواد وغيره في أيام المتوكل ، وكان مترسلاً ، وله ديوان رسائل. وقد سبق طرف من خبره مع أبي العَيْناء في ترجمته ، وما دار بينهما من المحاورة في قضية نجاح بن سلمة٤ . وله شعر رقيق حسن فمن ذلك قوله : لما وردنا القادسية حيث مُجْتَمَعُ الرفاقِ وشمعت من أرض الحجاز نسيم أنفاس} العراق أيقنت لي ولمن أحبُّ يجمع شمل واتفاق وضحكت من فرح اللقا ، كما بكيت من الفراق لم يبق لي إلا تجشتُمُ هذه السبع الطباق حتى يطول حديثنا بصفات ما كنا نلاقي [ يروى : لما وردنا الثعلبية، وكلتاهما من منازل الحاج على طريق العراق، والثعلبية منسوبة إلى ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، قاله ابن الكلبي في ((جمهرة النسب)) ]° . ١ ر : أبو عمران والحسين . ٢ زيادة من ر . ٣ ر : اليه النهاية في ديوان . ٤ انظر جـ ٤ : ٣٤٦. ٥ زيادة من ر وهامش ن . ٢٢ - ٥ ٣٣٧ ولهذه الأبيات حكاية مستطرفة أحببت ذكرها هاهنا وقد سردها الحافظ أبو عبد الله الحميدي، في كتاب ((جذوة المقتبس))١، وغيره من أرباب تواريخ المغاربة ، وهي أن أبا علي الحسن بن الأشكري٢ المصري قال: كنت رجلاً من جلاس الأمير تميم بن أبي تميم ، وممن يخف عليه جداً - وهذا تميم هو أبو المعز بن باديس المذكور في حرف التاء - قال : فأرسلني إلى بغداد ، فابتعت له جارية رائقة فائقة الغناء ، فلما وصلت إليه دعا جلساءه ، قال : وكنت فيهم ، ثم مُدَّتِ الستارة ، وأمرها بالغناء فغنت : وبدا له من بعد ما اندمل الهوى برق تألق موهناً لمَعانُهُ صعب الذرا متمنع أركانُه يبدو كحاشية الرداء ودونه نظراً إليه وصدّه٣ سَجّانه فمضى لينظر كيف لاح فلم يطق فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه والماء ما سمحت به أجفانه وهذه الأبيات ذكرها صاحب ((الأغاني))٤ الشريف أبي عبد الله محمد بن صالح الحسني ، قال ابن الأشكري : فأحسنت الجارية ما شاءت ، فطرب الأمير تميم ومن حضر ، ثم غنت : سَيُسْليك عما فات دولة مفضلٍ أوائله محمودة وأواخره ثنى الله عطفيه وألفَ شخصه على البر مذ شدت عليه مآزره قال : فطرب الأمير تميم ومن حضر طرباً شديداً ، قال : ثم غنت : أستودع الله في بغداد لي قمراً بالكَرْخ من فلَكِ الأزرار مطلعه وهذا البيت لمحمد بن زريق الكاتب البغدادي ، من جملة قصيدة طويلة . ١ جذوة المقتبس: ٦٦ - ٦٨ وانظر المطرب : ٦٢. ٢ ر : الاسكبري ، حيثما ورد . ٣ ر : ورده، وكذلك في الأغاني . ٤ الأغاني ١٦ : ٢٨٣. ٣٣٨ قال الراوي : فاشتد طرب الأمير تميم وأفرط جداً ، ثم قال لها: تمنّيْ ما شئت ، فقالت، أتمنى عافية الأمير وسلامته، فقال: والله لا بد أن تتمني، فقالت : على الوفاء أيها الأمير بما أتمنى ؟ قال ، نعم ، فقالت : أتمنى أن أغني بهذه النوبة ببغداد، قال: فانتقع لون الأمير تميم وتغير وجهه وتكدر المجلس ، وقام وقمنا . قال ابن الأشكري : فلقيني بعض خدمه وقال لي : ارجع فالأمير يدعوك، فوجدته جالساً ينتظرني ، فسلمت وقمت بين يديه ، فقال لي : ويحك ، رأيت ما امتجنا به ؟ فقلت: نعم أيها الأمير ، فقال: لا بد من الوفاء لها ، ولا أثق في هذا بغيرك ، فتأهب لتحملها إلى بغداد ، فإذا غنت هناك فاصرفها، فقلت : سمعاً وطاعة . قال: ثم قمت فتأهبت، وأمرها بالتأهب، وأصحبها جارية سوداء له تعادلها وتخدمها ، وأمر بناقة وممل ، فأدخلت فيه ، وجعلتها معي ، وصرت إلى مكة مع القافلة وقضينا حَجْنا، ثم دخلنا في قافلة العراق وسرنا، فلما وردنا القادسية أتتني السوداء ، وقالت لي : تقول لك سيدتي : أين نحن ؟ فقلت لها : نزول بالقادسية ، فانصرفت إليها وأخبَرَتها ، فلم أنشب أن سمعت صوتها قد ارتفع بالغناء ، وغنت الأبيات المذكورة ، قال : فتصايح الناس من أقطار القافلة : أعيدي بالله أعيدي قال : فما سمع لها كلمة . قال : ثم نزلنا الياسرية ، وبينها وبين بغداد نحو خمسة أميال في بساتين متصلة ، ينزل الناس بها فيبيتون ليلتهم ، ثم يبكرون لدخول بغداد . فلما كان وقت الصباح وإذا بالسوداء قد أتتني مذعورة ، فقلت : مالك ؟ قالت : إن سيدتي ليست بحاضرة ، فقلت : ويلك ، وأين هي ؟ قالت : والله ما أدري، قال: فلم أحس لها أثراً بعد ذلك، ودخلت بغداد وقضيت حوائجي منها ، وانصرفت إلى الأمير تميم فأخبرته خبرها ، فعَظُم ذلك عليه واغتم له غماً شديداً ، ثم ما زال بعد ذلك ذاكراً لها واجماً عليها . والقادسية : بفتح القاف وبعد الألف دال مهملة مكسورة وسين مهملة مكسورة أيضاً وبعدها ياء مثناة من تحتها مشددة ثم هاء ساكنة، وهي قرية فوق الكوفة، ٣٣٩ وعندها كانت الوقعة المشهورة في زمن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه . والياسرية : بفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف سين مهملة مكسورة وراء مكسورة أيضاً وبعدها ياء مثناة من تحتها مشددة ثم هاء ساكنة وقد ذكرنا أين هي ، فلا حاجة إلى الإعادة . وحكى إسحاق بن إبراهيم أخو زيد بن إبراهيم أنه كان يتقلد بلاد السِّيروان نيابة عن موسى بن عبد الملك المذكور ، فاجتاز به إبراهيم بن العباس الصولي ، - الشاعر المقدم ذكره - وهو يريد خراسان، والمأمون يوم ذاك بها، وقد بايع بالعهد علي بن موسى الرضا، وهي قضية مشهورة، وقد امتدحه إبراهيم المذكور بقصيدة ذكر فيها آل علي ، وأنهم أحق بالخلافة من غيرهم . قال إسحاق بن إبراهيم المذكور : فاستحسنت القصيدة وسألت إبراهيم بن العباس أن ينسخها ففعل ، ووهبته ألف درهم وحملته على دابة ، وتوجه إلى خراسان . ثم تراخت الأيام إلى زمن المتوكل ، فتولى إبراهيم المذكور موضع موسى بن عبد الملك المذكور، وكان يحب أن يكشف أسباب موسى، فعزلني وأمر أن تعمل مؤامرة١، فعملت وحضرتُ للمناظرة عنها، فجعلت أحتج بما لا يُدْفَع فلا يقبله ، ونحتكم إلى الكتاب فلا يلتفت إلى حكمهم ، ويُسمِعني في خلال ذلك غليظ الكلام ، إلى أن أوجب الكتاب اليمين على باب من الأبواب فحلفت ، فقال : ليست يمين السلطان عندك يميناً لأنك رافضي، فقلت له : تأذن لي في الدنو منك؟ فأذن لي ، فقلت له : ليس لي مع تعريضك بمهجتي للقتل صبر، وهذا المتوكل إن كتبتَ إليه بما أسمعه منك لم آمنه على نفسي ، وقد احتملت كل ما جرى سوى الرفض . والرافضي مَنْ زعم أن علي بن أبي طالب أفضلُ من العباس ، وأن ولده أحق من ولد العباس بالخلافة . قال : ومن هو ذاك ؟ قلت : أنت ، وخَطُكَ عندي به . فأخبرته بالشعر الذي عمله في المأمون وذكر فيه علي بن موسى ، فوالله ما هو إلا أن قلت له ذلك حتى سُقِط في يده ، ثم قال لي : ١ قال الخوارزمي في مفاتيح العلوم: ٣٨ ((المؤامرة عمل تجمع فيه الأوامر الخارجة في مدة أيام الطمع ، ويوقع السلطان في آخره بإجازة ذلك ، وقد تعمل المؤامرة في كل ديوان تجمع جميع ما يحتاج إليه من استثمار واستدعاء توقيع)). ٣٤٠