النص المفهرس

صفحات 241-260

قال أبو حاتم السجستاني : كان أبو عبيدة يكرمني على أنني من خوارج سجستان .
وقال الثوري : دخلت المسجد على أبي عبيدة وهو ينكت الأرض جالساً وحده
فقال لي : من القائل :
أقول لها وقد جشأت وجاشت مكانك تُحْمَدي أو تستريحي
فقلت له : قَطَرَيُ بن الفُجاءة، فقال: فَضَّ الله فاك! هلا قلت : هو
لأمير المؤمنين أبي نَعامة ، ثم قال لي: اجلس، واكتم عليَّ ما سمعت مني ،
قال : فما ذكرته حتى مات .
قلت أنا : وهذه الحكاية فيها نظر ، لأن البيت من جملة أبيات لعمرو ابن
الإطنابة الخزرجي الأنصاري ، والإطنابة أمه ، واسم أبيه زيد مناة ، لا يكاد
يخالف فيه أحد من أهل الأدب ، فانها أبيات مشهورة للشاعر المذكور .
وذكر المبرد في كتاب ((الكامل))١ أن معاوية بن أبي سفيان الأموي قال :
اجعلوا الشعر أكبر همكم وأكثر آدابكم، فإن فيه مآثر أسلافكم، ومواضع
إرشادكم ، فلقد رأيتني يوم الهرير وقد عزمت على الفرار فما ردني إلا قول ابن
الإطنابة الأنصاري :
أبت لي عفّتي وأبى بلائي وأخذي الحمدَ بالثمن الربيعِ
وضربي هامَة البطل المُشِيح
وإجشامي على المكروه تفسي
مكانك تحمدي أو تستريحي
وقولي كاما جشات وجاشت
لأدفعَ عن مآثرَ صالحاتٍ وأحمي بعد عن عرضٍ صريح
رجعنا إلى حديث أبي عبيدة :
وكان لا يقبل شهادتهُ أحدٌ من الحكام لأنه كان يتهم بالميل إلى الغلمان ؛
قال الأصمعي : دخلت أنا وأبو عبيدة يوماً المسجد ، فإذا على الاسطوانة التي
١٥ الكامل ٤ : ٦٨.
١٦ - ٥
٢٤١

يجلس إليها أبو عبيدة مكتوب على نحو من سبعة أذرع :
صلى الإله على لوط وشيعته أبا عبيدة قل بالله آمينا
فقال لي : يا أصمعي ، امحُ هذا، فركبت على ظهره ومحوته بعد أن أثقلته
إلى أن قال : أثقلتني وقطعت ظهري، فقلت له : قد بقيت الطاء ، فقال : هي
شر حروف هذا البيت ؛ وقيل إنه لما ركب ظهره وأثقله قال له : عجل ،
فقال: قد بقي لوط، فقال: من هذا نَفِرّ . وكان الذي كتب البيت أبو نواس
الحسن بن هانىء المقدم ذكره .
وقيل إنه وجدت رقاع في مجلس أبي عبيدة هذا البيت فيها ، وبعده :
فأنت عندي بلا شك بقيتهم منذُ احتلمتَ وقد جاوزت سبعينا!
وقال الزمخشري في كتاب ((ربيع الأبرار)) في باب الأسماء والكنى
والألقاب : سأل رجل أبا عبيدة عن اسم رجل ، فما عرفه ، فقال كيسان :
أنا أعرف الناس به، هو: خداش، أو خراش أو رياش أو شيء آخر ،
فقال أبو عبيدة : ما أحسن ما عرفته ! فقال : إي والله ، وهو قرشي أيضاً ،
قال : فما يدريك ؟ قال : أما ترى كيف احتوشته الشينات من كل جانب٢ ؟
وأخبار أبي عبيدة كثيرة ؛ وكانت ولادته في رجب سنة عشر ومائة ، في
الليلة التي توفي فيها الحسن البصري ، رضي الله عنه ، وقد تقدم ذكره ، وقیل
في سنة إحدى عشرة ومائة ، وقيل أربع عشرة ، وقيل ثمان ، وقيل تسع ،
والأول أصح ؛ والذي يدل عليه أن الأمير جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله
ابن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه سأله عن مولده فقال: قد سبقني إلى
الجواب عن مثل هذا عمر بن أبي ربيعة المخزومي وقد قيل له : متى ولدت ؟
فقال : في الليلة التي مات فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فأي خير رفع
وأي شر وضع ؟ وإني ولدت في الليلة التي مات فيها الحسن البصري وجوابي
١ بر من : تسعينا.
٢ النص المنقول عن الزمخشري لم يرد في: لي بر من ، وهو في المختار .
٢٤٢

جواب عمر بن أبي ربيعة . وقد تقدم في ترجمة ابن أبي ربيعة هذا الجواب منسوباً
إلى الحسن البصري رضي الله عنه، فلينظر هناك؛ وتوفي سنة تسع ومائتين بالبصرة
وقيل سنة إحدى عشرة ، وقيل سنة عشر ، وقيل سنة ثلاث عشرة ومائتين
رحمه الله تعالى . وكان سبب موته أن محمد بن القاسم بن سهل النشوشجاني أطعمه
موزاً فمات منه ، ثم أناه أبو العتاهية فقدم إليه موزاً ، فقال له : ما هذا يا أبا
جعفر؟ قتلت أبا عبيدة بالموز، وتريد أن تقتلني به؟ لقد استحليت قتل العلماء !.
وأبو عبيدة : بضم العين المهملة وإثبات الهاء في آخره ، بخلاف القاسم بن
سلام المقدم ذكره فإنه أبو عبيد ، بغير هاء .
ومَعْمر : بفتح الميمين بينهما عين مهملة وفي آخره الراء .
والمثنى : بضم الميم وفتح التاء المثلثة وتشديد النون المفتوحة وفي آخره
ياء مثناة من تحتها.
وباجَرْ وان التي والده منها : بفتح الباء الموحدة وبعد الألف جيم مفتوحة
ثم راء ساكنة وبعدها واو مفتوحة وبعد الألف فون ، وهو اسم لقرية من بلاد
البليخ من أعمال الرقة ، واسم لمدينة بنواحي أرمينية من أعمال شروان عندها
- فيما قيل - عينُ الحياة التي وجدها الخضر عليه السلام، وغالب ظني أن أبا
عبيدة من هذه المدينة . وقيل إن باجروان اسم القرية التي استطعم أهلها
موسى والخضرُ عليها السلام .
والنشوشجاني: بضم النون وسكون الوار والشين المعجمة وفتح الجيم وبعد
الألف نون ، هذه النسبة إلى نُوشجان ، وهي بلدة من بلاد فارس ، والله تعالى
أعلم بالصواب .
٢٤٣

٧٣٢
معن بن زائدة
أبو الوليد معن بن زائدة بن عبد الله بن زائدة بن مطر بن شريك بن الصُّلب
- بضم الصاد المهملة وسكون اللام وآخره الباء الموحدة١ - واسمه عمرو بن
قيس بن شراحيل بن همام بن مرة بن ذُهل بن شيبان ، الشيباني ، وبقية النسب
معروف؛ وقال ابن الكلبي في كتاب ((جمهرة النسب)): هو معن بن زائدة بن
مطر بن شريك بن عمرو بن قيس بن شراحيل بن مرة بن هَمّام بن مرة بن ذهل
ابن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن
هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان٣.
كان جواداً شجاعاً جزل العطاء كثير المعرف ممدحاً مقصوداً؛ [ حكى
الأصمعي قال : وفد أعرابي على معن بن زائدة فمدحه وطال مقامه على بابه ولم
يحصل له جائزة ، فعزم على الرحيل ، فخرج معن راكباً فقام إليه وأمسك
بزمام دابته وقال :
وما في يديك الخير يا معنُ كله وفي الناس معروف وعنك مذاهبٌ
ستدري بنات العم ما قد أتيته إذا فتشت عند الإياب الحقائب
فأمر معن بإحضار خمس نوق من كرام إبله وأوقرهم؛ له ميرة وبُرّاً
٧٣٢ - ترجمته في تاريخ بغداد ١٣: ٢٣٥ ومعجم المرزباني: ٣٢٤ وتاريخ ابن الاثير (ج : ٥)
وأمالي المرتضى ١ : ٢٢٢ وخزانة الأدب ١ : ١٨٢ واسماء المغتالين (نوادر المخطوطات
٢: ١٩٥) ورغبة الآمل ٨: ١٦٨ وعبر الذهبي ١: ٢١٧ والشذرات ١ : ٢٣١.
١ هذا الضبط لم يرد في ق لي ص بر من ؛ وفي النسختين الأخيرتين : بن شريك بن قيس .
٢ ص : تبر .
٣ الرواية عن ابن الكلبي لم ترد في: لي بر من .
٤ كذا في النسخ .
٢٤٤

وثياباً وقال : انصرف يا ابن أخي في حفظ الله إلى بنات عمك ، فلئن فتشن
الحقائب ليجدن فيها ما يسرهن، فقال له : صدقت، وبيت الله ]١. وقد سبق
في ترجمة مروان بن أبي حفصة الشاعر طرف من أخباره، وكان مروان خصيصاً
به وأكثر مدائحه فيه .
وكان معن في أيام بني أمية متنقلاً في الولايات، ومنقطعاً إلى يزيد بن عمر بن
هبيرة الفزاري أمير العراقين ، فلما انتقلت الدولة إلى بني العباس وجرى بين
أبي جعفر المنصور وبين يزيد بن عمر المذكور من محاصرته بمدينة واسط ما هو
مشهور - وسيأتي في ترجمة يزيد المذكور طرف من هذه الواقعة إن شاء الله تعالى-
أبلى يومئذ معن مع يزيد بلاء حسناً ، فلما قتل يزيد خاف معن من المنصورة
فاستتر عنه مدة ، وجرى له مدة استتاره غرائب .
فمن ذلك ما حكاه مروان بن أبي حفصة الشاعر المذكور قال : أخبرني
معن بن زائدة ، وهو يومئذ متولي بلاد اليمن ، أن المنصور جد في طلبي وجعل
لمن يحملني إليه مالاً ، قال : فاضطررت لشدة الطلب إلى أن تعرضت للشمس
حتى لوحت وجهي ، وخففت عارضي ولبست حبة صوف، وركبت جملاً
وخرجت متوجهاً إلى البادية لأقيم بها ، قال : فلما خرجت من باب حرب ،
وهو أحد أبواب بغداد ، تبعني أسود متقلد بسيف ، حتى إذا غبت عن الحرس
قبض على خطام الجمل فأناخه ، وقبض على يدي ، فقلت له : ما بك ؟ فقال :
أنت طلبة أمير المؤمنين ؟ فقلت : ومن أنا حتى أطلب٣ ؟ فقال : أنت معن
ابن زائدة، فقلت له : يا هذا اتق الله عز وجل ، وأين أنا من معن ؟ فقال:
دع هذا، فوالله إني لأعْرَفُ بك منك ، فلما رأيت منه الجد قلت له : هذا
جوهر قد حملته معي بأضعاف ما جعله المنصور لمن يجيئه بي ، فخذه ولا تكن
سبباً في سفك دمي ، قال: هاته ، فأخرجته إليه ، فنظر فيه ساعة وقال :
صدقت في قيمته ، ولست قابله حتى أسألك عن شيء ، فإن صَدْقتني أطلقتك ،
١ زيادة من لي بر من ، أوردها أيضاً وستنفيلد .
٢ لي بر من : أبي جعفر المنصور .
٣ ر : ومن أنا حتى أكون طلبة أمير المؤمنين.
٢٤٥

فقلت١: قل٢، قال: إن الناس قد وصفوك بالجود، فأخبرني هل وهبتَ مالك
كله قط ؟ قلت : لا ، قال : فنصفه ؟ قلت : لا، قال : فثلثه ؟ قلت : لا ،
حتى بلغ العشر ، فاستحييت وقلت : أظن أني قد فعلت هذا ، قال : ما ذاك
بعظيم ، أنا والله راجل ورزقي من أبي جعفر المنصور كل شهر عشرون درهماً،
وهذا الجوهر قيمته ألوف دنانير ، وقد وهبته لك ووهبتك لنفسك ولجودك
المأثور٣ بين الناس ، ولتعلم أن في هذه الدنيا من هو أجود منك ، فلا تعجبك
نفسك ، ولتحقر° بعد هذا كل جود فعلته ولا تتوقف عن مكرمة ، ثم رمى
العقد في حجري وترك خطام الجمل وولى منصرفاً، فقلت: يا هذا، قد والله
فضحتني ولَسفك دمي أهونُ - علي مما فعلت، فخذ ما دفعته لك فإني غنيّ
عنه ، فضحك وقال: أردت أن تكذبني في مقالي هذا، والله لا أخذته ولا
آخذ لمعروف ثمناً أبداً، ومضى لسبيله، فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت،
وبذلت لمن يجيء به ما شاء، فما عرفت له خبراً، وكأن الأرض ابتلعته .
ولم يزل معن مستتراً حتى كان يوم الهاشمية ، وهو يوم مشهور ثار فيه جماعة
من أهل خراسان على المنصور فوثبوا عليه، وجرت مَقْتلة٦ بينهم وبين أصحاب
المنصور بالهاشمية ، وهي مدينة بناها السفاح بالقرب من الكوفة . ذكر غرسُ
النعمة بن الصابي في كتاب ((الهفوات)) ما مثاله: لما فرغ السفاح من بناء
مدينته بالأنبار ، وذلك في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائة ، وكان معن
متوارياً بالقرب منهم ، فخرج متنكراً معتماً ملثماً، وتقدم إلى القوم وقاتل
قدام المنصور قتالاً أبان فيه عن نجدة وشهامة وفرقهم ، فلما أفرج عن المنصور
١ ر : فقلت له
٢ بر : نعم قل .
٣ ق : المأثور عنك .
٤ هذه : سقطت من بر من والمختار .
٥ ر ص لي : ولتحتقر .
٦ بر من : مقتلة عظيمة .
٧ لم ترد هذه الحكاية في كتاب الهفوات المطبوع .
٢٤٦

قال له : من أنت ويحك ؟ فكشف لثامه فقال: أنا طلبتك يا أمير المؤمنين
معن بن زائدة ، فأمنه المنصور وأكرمه وكساه وزيَّنه ، وصار من خواصه ،
ثم دخل عليه بعد ذلك في بعض الأيام فلما نظر إليه قال : هيه يا معن ، تعطي
مروان بن أبي حفصة مائة ألف درهم على قوله :
معن بن زائدة الذي زيدت به شرفاً على شرف بنو شيبانٍ
فقال : كلا يا أمير المؤمنين، إنما أعطيته على قوله في هذه القصيدة :
ما زلت يوم الهاشمية مُعْلِناً بالسيف دون خليفة الرحمن
فمنعت حوزته وكنت وقاءه من وقع كل مهنّدٍ وسنان
فقال : أحسنت يا معن .
وقال له يوماً : يا معن ، ما أكثر وقوع الناس في قومك ؟ فقال: يا أمير
المؤمنين :
إن العرانين تلقاها محسدة ولا ترى للنام الناس حسادا
ودخل عليه يوماً وقد أسن فقال له : كبرت يا معن، فقال: في طاعتك
يا أمير المؤمنين، فقال: وإنك لجلد، فقال: على أعدائك يا أمير المؤمنين ،
فقال : وفيك بقية ، فقال : هي لك يا أمير المؤمنين.
وعُرض هذا الكلام على عبد الرحمن بن زيد زاهد أهل البصرة ، فقال :
ويح هذا ، ما ترك لربه شيئاً .
وأشهر قصائد مروان فيه وأحسنها القصيدة اللامية التي ذكرتُ بعضها في
ترجمة مروان، وهي طويلة تزيد على خمسين بيتاً، ولولا خوف الإطالة لذكرتها،
وله فيه من قصيدة :
قد آمن الله من خوف ومن عَدَمِ من كان معنٌ له جاراً من الزمنِ
مَعْن بن زائدة المُوفي بذمّته. والمشتري المجد بالغالي من الثمن
يرى العطايا التي تبقى محامدُها عُنْماً إذا عدَّها المعطي من الفَبن
٢٤٧

بنى لشيبان مجداً لا زَوال له حتى تزولَ ذرى الأركان من حَضَن
حَضَن : بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة وبعدها نون، اسم جبل عظيم بين
نجد وتهامة ، بينه وبين تهامة مرحلة ، يقال في المثل : أنجد من رأى حَضَناً ،
وله ذكر كثير في الأشعار والأخبار١ .
ودخل على ممن بعض الفصحاء يوماً فقال له : إني لو أردت أن استشفع
إليك ببعض مَنْ يثقل عليك لوجدت ذلك سهلاً، ولكني استشفعت إليك
بقدرك ، واستغنيت بفضلك ، فإن رأيت أن تضعني من كرمك بحيث وضعتُ
نفسي من رجائك فافعل، وإني لم أكرم نفسي عن مسألتك فأكرم وجهي
عن ردك .
ولمعن أشعار جيدة وأكثرها في الشجاعة ، وقد ذكره أبو عبد الله ابن المنجم
في كتاب ((البارع)) وأورد له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله في خطاب ابن
أخي عبد الجبار بن عبد الرحمن، وقد رآه يتبختر بين السماطين ، وكان قبل
ذلك لقي الخوارج ففر منهم :
وصَبَرَت عند الموت يا خَطّابُ
هلا مشيت كذا غداة لقيتَهُمْ
تحت العجاج إذا استحثّ عقاب
نَجَّاكُ خَوَّارُ العِنان كأنه
وكذاك مَنْ قعدَتْ به الأحساب
وتركتَ صحبكِ والرماحُ تنوشُهم
وقال أبو عثمان المازني النحوي : حدثني صاحب شرطة معن قال : بينما أنا
على رأس معن إذا هو براكب يُوضع، فقال معن : ما أحسب الرجل يريد
غيري ، ثم قال لحاجبه : لا تحجبه ، قال : فجاء حتى مثل بين يديه وأنشد :
أصلحك الله قلّ ما بيدي فما أطيقُ العيالَ إِذ كثروا
ألحْ دَهْر رَمى بكلكلِهِ فأرسلوني إليك وانتظروا
قال، فقال معن وأخذته الأريحية : لا جرم والله لأعجلنَّ أوبَتك، ثم قال :
١ وله فيه ... والأخبار : سقط من : لي بر من .
٢٤٨

يا غلام، ناقتي الفلانية وألف دينار، فادفعها إليه، فدفعها إليه وهو لا يعرفه،
هكذا روى هذا الخطيب في تاريخه١ .
وأخبار معن ومحاسنه كثيرة .
وكان قد ولي سجستان في أواخر أمره ، وانتقل إليها ، وله فيها آثار
وماجرايات، وقصده الشعراءُ بها ، فلما كانت سنة إحدى وخمسين ، وقيل اثنتين
وخمسین، وقیل ثمان وخمسين ومائة ، كان في داره صناع يعملون له شغلا، فاندس
بينهم قوم من الخوارج ، فقتلوه بسجستان وهو يحتجم ، ثم تتبعهم ابن أخيه
يزيد بن مزيد بن زائدة - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فقتلهم بأسرهم ،
وكان قتله بمدينة بُسْت . ولما قتل معن رثاه الشعراء بأحسن المرائي ، فمن ذلك
قول مروان بن أبي حفصة شاعره المذكور ، وهي قصيدة من أفخر الشعر
وأحسنه ، وأولها :
مضى لسبيله معن، وأبقى مكارم لن تَبيدَ ولن تُنالا
من الإظلام مُلبَسةٌ جلالا
كأن الشمس يوم أصيب معن
تهد من العدو" به الجبالا
وقد يروي بها الأسل النهالا٢
المجللة اختلالا
مصمته
هو الجبل الذي كانت نزار
وعطلت الثغور لفقد معن
وأظلمت العراق وأُورثتها
وظل الشام یرجف جانباه
وكادت من تهامة كل أرض
لركن العز حين وَهى فيالا٣
ومن نجد تزول غداة زالا
فإن يَعل٤ البلادَ له خشوعٌ فقد كانت تطول به اختيالا
أصاب الموتُ يوم أصاب معناً من الأحياء أكرمهم فعالا
وكان الناس كلهمُ لمعن إلى أن زار حفرته عيالا
١ سقطت رواية المازني من النسخ لي بر من .
٢ ق ن والمختار : النبالا .
٣ لي ق : ومالا .
٤ ص. والمختار : يعرُ .
٢٤٩

ولم يك طالب للعرف يَنْوي إلى غير ابن زائدة ارتحالا
. ويسبق فيض نائله السؤالا
ولا حَطَّوا بساحته الرحالا
يميناً من يديه ولا شمالا
من المعروف مُتْرَعة سجالا
يعم به بغاة الخير مالا!
وليتِ العمر مُدَّ له فطالا
سيوف الهند والحلقَ المذالا
ترى فيهن ليناً واعتدالا
مضى من كان يحمل كل ثقل
وما عمد الوفود لمثل معن
ولا بلغت أکفُ ذوي العطايا
وما كانت تجفُ له حياضٌ
الأبيض لا يعُدّ المال حتى
فليت الشامتين به فَدَوْهُ
ولم يك كنزه ذهباً، ولكن
ومارنة" من الخطِّيْ سمراً
وذخراً من محامد باقيات وفَضلِ تُقِىَّ به التفضيلَ ثالا
ومنها٢ :
مضى لسبيله من كنت ترجو به عَثرات دهرك أن تُقالا
فلست بمالك عبَرات عينٍ أبت بدموعها إلا أنهالا
كحر" النار تشتعل اشتعالا
وفي الأحشاء منك غليلُ حزنٍ
وقائلة رأت جسمي ولوني
معاً عن عهدها قُلِيا فحالا
من الهندي قد فَقدَ الصَّقالا
اری مروان عاد کذي نحول
أضر به وأورثه خبالا
لفجع مصيبة أنكى وعالا٣
رأت رجلاً براه الحزن حتى
فقلت لها : الذي أنكرت مني
وأيام المنون لها صروف تَقَلْبُ بالفتى حالاً فحالا
ومنها؛ :
١ سقط البيت من أكثر النسخ .
٢ ن : ومن القصيدة.
٣ في أكثر النسخ : وغالا
٤ ن : ومن قصيدته
٢٥٠

لياليَ قد قُونَ به فطالا
كأن الليل واصل بعد معن
فلهف أبي عليك إذا العطايا
ولهف أبي عليك إذا اليتامى
وهف أبي عليك إذا القوافي
وهف أبي عليك لكل ميجا
جعلن مُنى كواذب واعتلالا
غدوا شعثاً كأن بهم سلالا!
الممتدح بها ذهبت ضلالا
لها تلقي حواملها السخالا
أقمنا باليمامة إذ يننا مقاماً لا نريد له زيالا
وقلنا أين نرحل بعد معن وقد ذهب النوال فلا نوالا
وأكرم مقدماً وأشد بالا
وما شهد الوقائع منك أمضى
سيذكرك الخليفة غير قال إذا هو في الأمور بَلا الرجالا
ولا ينسى وقائعك اللواتي على أعدائه جعلت وبالا
ومعتركاً شهدت به حفاظاً وقد كرهت فوارسه الغزالا
حباك أخو أمية بالمرائي
مع المدح الذي قد كان قالا
يطيل بواسط الرحل اعتقالا
أقام وكان نحوك كل عام
وألقى رحله أسفاً وآلى يميناً لا يشد له حبالا
١
وهذه المرثية من أحسن المرائي . وقال عبد الله بن المعتز في كتاب ((طبقات
الشعراء))٢: دخل مروان بن أبي حفصّة على جعفر البَرْمكي فقال له: ويحك،
أنشدني مرثيتك في معن بن زائدة ، فقال : بل أنشدك مديحي فيك ، فقال
جعفر : أنشدني مرثيتك في معن ، فأنشأ يقول :
وكان الناس كلهم لمعن إلى أن زار حفرته عيالا
حتى فرغ من القصيدة ، وجعل جعفر يرسل دموعه على خديه ، فلما فرغ
قال له جعفر: هل أنابك على هذه المرئية أحد من ولده وأهله شيئاً ؟ قال :
١ ق : غدوا غرقى وقد راحوا ثكالى ؛ لي ر : غدوا سغباً .
٢ طبقات ابن المعتز : ٤٥ .
٢٥١

لا، قال جعفر : فلو كان معن حياً ثم سمعها منك كم كان يثيبك عليها ؟ قال :
أصلح الله الوزير ، أربعمائة دينار ، قال جعفر : فانا نظن أنه كان لا يرضى لك
بذلك ، قد أمرنا لك عن معن ، رحمه الله تعالى ، بالضعف مما ظننت ، وزدناك
نحن مثل ذلك ، فاقبض من الخازن ألفاً وستمائة دينار قبل أن تنصرف إلى
رحلك ، فقال مروان يذكر جعفراً وما سمح به عن معن :
نفحت مكافئاً عن قبر معن لنا مما تجود به سجالا
فعجلت العطيةَ يا ابن يحيى لنادِبه ولم ترد المطالا
بأجودِ راحة بذِل النوالا
فكافأ عن صدى معن جوادٌ
بنى لك خالد وأبوك يحيى بناء في المكارم لن ينالا
كأن البرمكي بكل مال تجود به يداه يفيد مالا
ثم قبض المال وانصرف .
وحكى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب ((الأغاني)) عن محمد البيذق النديم أنه
دخل على هارون الرشيد ، فقال له: أنشدني مرئية مروان بن أبي حفصة في معن
ابن زائدة ، فأنشده بعض هذه القصيدة ، فبكى الرشيد ، قال : وكان بين
يديه سكرجة فملأها من دموعه .
ويقال : إن مروان بعد هذه القصيدة المرئية١ لم ينتفع بشعره ، فإنه كان
إذا مدح خليفة أو من دونه قال له : أنت قلت في مرثيتك :
وقلنا أين نرحل بعد معن وقد ذهب النوال فلا نوالا
فلا يعطيه الممدوح شيئاً ، ولا يسمع قصيدته .
حدث الفضل بن الربيع قال٢ : رأيت مروان بن أبي حفصة وقد دخل على
المهدي بعد موت معن بن زائدة في جماعة من الشعراء فيهم سَلم الخاسر وغيره،
فأنشده مديحاً ، فقال له : من أنت ؟ فقال : شاعرك مروان بن أبي حفصة ،
١ القصيدة: سقطت من: لي ر بر من ؛ المرئية : سقطت من المختار .
٢ الأغاني ١٠ : ٩١ .
٢٥٢

فقال له المهدي : ألست القائل :
وقلنا أين نرحل بعد معن
وأنشده البيت المذكور ، وقد جئت تطلب نوالنا وقد ذهب النوال ؟! لا شيء
لك عندنا، جروا برجله ، قال: فجروا برجله حتى أخرجوه ، فلما كان في
العام المقبل تلطف حتى دخل مع الشعراء ، وإنما كانت الشعراء تدخل على
الخلفاء في ذلك الحين في كل عام مرة ، قال : فمثل بين يديه وأنشده قصيدته
التي أولها :
طرقتك زائرة فحي خيالها [ بيضاء تخلط بالحياء دلالها
قاد القلوب إلى الصبا فأمالها
قادت فؤادك فاستقاد ومثلها
فأنصت له حتى بلغ إلى قوله :
هل تطمسون من السماء نجومها بأكفكم أو تسترون هلالها ]١
:
وقد تقدم ذكر بعضها في ترجمة مروان ، قال : فأنصت له المهدي ، ولم يزل
يزحف كلما سمع شيئاً فشيئاً منها ، حتى صار على البساط إعجاباً بما سمع ، ثم
قال له : كم بيت هي ؟ فقال : مائة بيت ، فأمر له بمائة ألف درهم ، وهذا
يخالف ما ذكرناه في ترجمته ، لكنه يختلف باختلاف الروايات ، ويقال إنها
أول مائة ألف أعطيها شاعر في خلافة بني العباس . قال الفضل بن الربيع فلم
تلبث الأيام أن٣ افضت الخلافة إلى هارون الرشيد ، ولقد رأيت مروان ماثلاً
مع الشعراء بين يديه ، وقد أنشده شعراً ، فقال له : من أنت ؟ فقال : شاعرك
مروان بن أبي حفصة ، فقال له : ألست القائل في معن كذا ، وأنشده البيت ،
ثم قال : خذوا بيده فأخرجوه فإنه لا شيء له عندنا ، ثم تلطف حتى دخل
عليه بعد ذلك ، فأنشده فأحسن جائزته٢ .
١ ما بين معقفين انفردت ر بايراده؛ وهو متابع لما في الأغاني .
٢ ق : فلم تلبث الأيام والليالي حتى .
٣ حدث الفضل ... جائزته: سقط كله من : لي بر من ، والمختار .
٢٥٣

ومن المرائي النادرة أيضاً أبيات الحسين بن مطير بن الأشيم الأسدي في معن
ابن زائدة أيضاً، وهي من أبيات ((الحماسة))١:
ألمًا على معنٍ وقولا لقبره سقتك الغوادي مربعاً ثم مربعا
وقد كان منه البر والبحر مُترعًا
فيا قبرَ معنٍ كِيف واريْتَ جودَهُ
من الأرض خُطْتْ المكارم مضجعا
ويا قبرَ معن أنتِ أُولُ حفرةٍ
ولو كان حياً ضقتَ حتى تصدعاً
بلى قد وَسِعْتَ الجودَ، والجودُ ميت
كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
فتى عيش في معروفه بعد موته
ولما مضى معنٌ مضى الجودُ وانقضى وأصبح عرفينُ المكارم أجدعا
وقد سبق لمعن في ترجمة الصاحب بن عباد نادرة مستظرفة٢ فلا حاجة إلى
إعادتها هنا ، ولولا خوف الإطالة لأتيت من محاسنه بكل نادرة بديعة .
(258) والحوفزان بن شريك الشيباني الموصوف بالكرم والشجاعة أخو جده
مطر بن شريك ، وإنما قيل له الحوفزان لأن قيس بن عاصم المنقري حفزه بالرمح
حين خاف أن يفوته ، ومعنى حفزه أي دفعه من خلفه، واسم الحوفزان
الحارث بن شريك، وقيل إن الذي حفزه بسطام بن قيس الشيباني، والأول
أصح ، والله تعالى أعلم بالصواب .
١ انظر شرح المرزوقي: الحماسية رقم : ٣١٩.
٢ انظر ج ١ : ٢٢٩.
٢٥٤

٧٣٣
مقاتل صاحب التفسير
أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير، الأزدي بالولاء الخراساني المروزي ،
أصله من بلخ وانتقل إلى البصرة ودخل بغداد وحدث بها ، وكان مشهوراً
بتفسير كتاب الله العزيز ، وله التفسير المشهور .
وأخذ الحديث عن مجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح - المقدم ذكره -
وأبي إسحاق السبيعي - وقد تقدم ذكره أيضاً - والضحاك بن مزاحم ومحمد
ابن مسلم الزهري وغيرهم . وروى عنه بقية بن الوليد الحمصي١ وعبد الرزاق بن
همام الصنعاني - المقدم ذكره - وحرمي بن عمارة وعلي بن الجعد ، وغيرهم .
وكان من العلماء الأجلاء ، حكي عن الإمام الشافعي، رضي الله عنه، أنه
قال : الناس كلهم عيال على ثلاثة : على مقاتل بن سليمان في التفسير ، وعلى زهير
ابن أبي سلمى في الشعر ، وعلى أبي حنيفة في الكلام .
وروي أن أبا جعفر المنصور كان جالساً ، فسقط عليه الذباب فطيره ،
فعاد إليه وألح عليه ، وجعل يقع على وجهه ، وأكثر من السقوط عليه مراراً
حتى أضجره ، فقال المنصور : انظروا من بالباب، فقيل له : مقاتل بن سليمان ،
فقال : عليَّ به، فأذن له، فلما دخل عليه قال له : هل تعلم لماذا خلق الله تعالى
الذباب ؟ قال : نعم ليذل الله عز وجلّ به الجبابرة ، فسكت المنصور .
وقال إبراهيم الحربي : قعد مقاتل بن سليمان فقال : سلوني عما دون العرش ،
فقال له رجل: آدم صلى الله عليه وسلم حين حج مَنْ حلق رأسه ؟ فقال له :
ليس هذا من علمكم ، ولكن الله تعالى أراد أن يبتليني لما أعجبتني نفسي . وقال
٧٣٣ - ترجمته في الجرح والتعديل ١/٤: ٣٥٤ وتاريخ بغداد ١٣ : ١٦٠ وتهذيب التهذيب
١٠ : ٢٧٩ وميزان الاعتدال ٤: ١٧٣ والشذرات ١ : ٢٢٧.
١ الحمصي : سقطت من: بر من لي .
٢٥٥

۵
سفيان بن عيينة ، قال مقاتل بن سليمان يوماً : سلوني عما دون العرش ، فقال
له إنسان: يا أبا الحسن، أرأيت الذرة والنملة مِعاها في مقدمها أو في مؤخرها؟
قال : فبقي الشيخ لا يدري ما يقول له ، قال سفيان : فظننت أنها عقوبة
عوقب بها .
وقد اختلف العلماء في أمره ، فمنهم من وثقه في الرواية ، ومنهم من نسبه
إلى الكذب . قال بقية بن الوليد : كنت كثيراً أسمع شعبة بن الحجاج وهو
يسأل عن مقاتل ، فما سمعته قط ذكره إلا بخير . وسئل عبد الله بن المبارك
عنه فقال: رحمه الله، لقد ذكر لنا عنه عبادة . وروي عن عبد الله بن المبارك
أيضاً أنه ترك حديثه . وسئل إبراهيم الحربي عن مقاتل: هل سمع من الضحاك
ابن مزاحم شيئاً ؟ فقال : لا، مات الضحاك قبل أن يولد مقاتل بأربع سنين .
وقال مقاتل : أغلق علي وعلى الضحاك باب أربع سنين ؛ قال إبراهيم : وأراد
بقوله ((باب )) يعني باب المدينة ، وذلك في المقابر . وقال إبراهيم أيضاً: ولم
يسمع مقاتل عن مجاهد شيئاً ولم يلقه .
وقال أحمد بن سيار : مقاتل بن سليمان كان من أهل بلخ، وتحول إلى مرو،
وخرج إلى العراق ، وهو متهم متروك الحديث مهجور القول ، وكان يتكلم في
الصفات بما لا تحل الرواية عنه. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني : مقاتل بن
سليمان كان دجالاً جسوراً . وقال أبو عبد الرحمن النسائي : الكذابون المعروفون
بوضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة : ابن أبي يحيى بالمدينة ،
والواقدي ببغداد ، ومقاتل بن سليمان بخراسان ، ومحمد بن سعيد - ويعرف
بالمصلوب - بالشام .
وذكر وكيع يوماً مقاتل بن سليمان فقال : كان كذاباً . وقال أبو بكر
الآجري : سألت أبا داود سليمان بن الأشعث عن مقاتل بن سليمان ، فقال :
تركوا حديثه . وقال عمرو بن علي الفلاس : مقاتل بن سليمان كذاب متروك
الحديث. وقال البخاري: مقاتل بن سليمان سكتوا عنه. وقال في موضع آخر: لا
شيء ألبتة . وقال يحيى بن معين: مقاتل بن سليمان ليس حديثه بشيء . وقال
أحمد بن حنبل : مقاتل بن سليمان صاحب التفسير ما يعجبني أن أروي عنه
٢٥٦

شيئاً . وقال أبو حاتم الرازي : هو متروك الحديث . وقال زكريا بن يحيى
الساجي : مقاتل بن سليمان من أهل خراسان قالوا : كان كذاباً متروك
الحديث . وقال أبو حاتم محمد بن حبّان البستي : مقاتل بن سليمان كان يأخذ
عن اليهود والنصارى علم القرآن العزيز الذي يوافق كتبهم ، وكان مشبهاً يشبه
الرب بالمخلوقين ، وكان يكذب مع ذلك في الحديث .
وبالجملة فإن الكلام في حقه كثير ، وقد خرجنا عن المقصود ، لكن أردت
ذكر اختلاف أقاويل العلماء في شأنه .
وتوفي سنة خمسين ومائة بالبصرة ، رحمه الله تعالى .
وقد تقدم الكلام على الأزدي والمروزي فأغنى عن الإعادة .
٧٣٤
شبل الدولة
أبو الهيجاء مقاتل بن عطية بن مقاتل البكري الحجازي ، الملقب شبل الدولة؛
كان من أولاد أمراء العرب، فوقع بينه وبين إخوته وحشة أوجبت رحيله عنهم،
ففارقهم ووصل إلى بغداد ثم خرج إلى خراسان وانتهى إلى غَزنة ، وعاد
إلى خراسان ، واختصَّ بالوزير نظام الملك وصاهره ، ولما قتل نظام الملك رئاه
أبو الهيجاء المذكور ببيتين ، تقدم ذكرهما في ترجمته .
ثم عاد إلى بغداد وأقام بها مدة ، وعزم على قصد كرمان مسترفداً وزيرها
ناصر الدين مكرم بن العلاء ، وكان من الأجواد المشاهير ، فكتب إلى الإمام
المستظهر بالله قصة يلتمس فيها الإنعام عليه بكتاب إلى الوزير المذكور ، مضمونه
الإحسان إليه، فوقع المستظهر على رأس قصته: (( يا أبا الهيجاء، أبعدت
النُّجْعة ، أسرع الله بك الرجعة، وفي ابن العلاء مقنع، وطريقه في الخير
٧٣٤ - انظر النجوم الزاهرة ٥ : ٢٠٤؛ ولم يرد من هذه الترجمة في المختار إلا بعض أبيات الغزي.
١٧ - ٥
٢٥٧

مَهْيَع، وما يسديه إليك تستحلي ثمرة شكره، وتستعذب مياه بره ، والسلام))
فاكتفى أبو الهيجاء بهذه الأسطر ، واستغنى عن الكتاب .
وتوجه إلى كزمان ، فلما وصلها قصد حضرة الوزير واستأذن في الدخول
فأذن له ، فدخل عليه وعرض على رأيه القصة ، فلما رآها قام وخرج عن دسته
إجلالاً لها وتعظيماً لكاتبها، وأطلق لأبي الهيجاء ألف دينار في ساعته ثم عاد
إلى دَسْته، فعرفه أبو الهيجاء أن معه قصيدة يمدحه بها، فاستنشده إياها فأنشده:
دع العيسَ تذرع عرض الفلا إلى ابن العلاء، وإلا فلا
فلما سمع الوزير هذا البيت أطلق له ألف دينار أخرى ، ولما أكمل إنشاده
القصيدة أطلق له ألف دينار أخرى ، وخلع عليه ، وقاد إليه جواداً بمركبه ،
وقال له : دعاء أمير المؤمنين مسموع مرفوع ، وقد دعا لك بسرعة الرجوع ،
وجهزه بجميع ما يحتاج إليه .
فرجع إلى بغداد وأقام بها قليلاً، ثم سافر إلى ما وراء النهر وعاد إلى
خراسان ونزل إلى مدينة هَراة ، وهوي بها امرأة وأكثر من التشبيب فيها ، ثم
رحل إلى مرو واستوطنها ؛ ومرض في آخر عمره وتسودن ، وحمل إلى
البيارستان ، وتوفي به في حدود سنة خمس وخمسمائة ، رحمه الله تعالى .
وكان من جملة الأدباء الظرفاء ، وله النظم البديع الرائق ، وبينه وبين العلامة
أبي القاسم الزمخشري - المقدم ذكره - مكاتبات ومداعبات، وكتب إليه
قبل الاجتماع به :
هذا أديب كامل مثل الدراري درره
زمخشريّ فاضلٌ أنجبه
زمخشره
خبره
كالبحر إن لم أره فقد أناني
فكتب إليه الزمخشري :
شعره أَمطر شعري شرفا فاعتلى منه ثياب الحسد١
١ ق ن ر : ثياب الجسد
٢٥٨

كيف لا يستأسد النبت إِذا بات مسقياً بنوء الأسد"
وله كل مقطوع لطيف ، رحمه الله تعالى .
والوزير المذكور هو الذي تقدم ذكره في ترجمة أبي إسحاق إبراهيم الغزي ،
الشاعر المشهور ، فإنه قصده بكرمان وامتدحه بقصيدة بائية ظنانة ذكرت
منها في ترجمة الغزي بيتين هما من الشعر العجيب ، وضمنهما المعنى الغريب .
وأول هذه القصدة :
ورود ركايا الدمع يكفي الركائبا وشم تراب الربع يشفي الترائبا
إذا شمت من برق العقيق عقيقه فلا تنتجع دون الجفون٢ السحائبا
ومنها عند الخروج إلى المديح :
إذا قتل الفج العميق المطالبا
وعيسٍ لها برهان عيسى بن مريم
يُرْقِّصهن الآلُ إما طوافيا
سوانح٣ کالبنیان تحسب أنني
تنسمن من كرمان عرفاً عرفه
يرين وراء الخافقين من المنى
إلى ماجد لم يقبل المجد وارثاً
تراهن في آذيُّه أو رواسبا
مسحت المطايا إذ مسحت السياسيا
فهن يُلاعين النشاط لواغبا
مشارق لم يُؤْبَه لها ومغاربا
ولكن سعى حتى حوى المجد كاسبا
تبسم ثغر الدهر منه بصاحب إذا جد لم يصحب سوى العزم صاحبا
ومنها :
تصيخ له الأسماع ما دام قائلاً وتعنو له الأبصار ما دام كاتبا
ينافس في العليا ويعطي الرغائبا.
ولم أر ليثاً خادراً قبل مكرم
ولو لم یکن ليثاً مع الجود لم یکن
إذا صال بالأقلام صارت مخالبا
١ يتلاعب الزمخشري على لفظة ((أسد)) اسم البرج، والممدوح هو ((شبل)» الدولة.
٢ لي : البروق ؛ ق ن : الخفوق .
:
٣ كذا في النسخ، ولعلها ((شوامخ)).
٢٥٩

ومنها :
· ذكرنا له فضلاً يزين المناقبا
إذا زان قوماً بالمناقب واصف
لكانت لوجه الدهر عيناً وحاجبا
له الشيم الشمُّ التي لو تجسمت
فصارت بأدنى لحظة منه كاعبا
ثنى نحو شمطاء الوزارة طرفه
وأحرز أخراها وما قام واثبا
تناول أولاها وما مدَّ ساعداً
وهي من غرَر القصائد، وفي هذا الأنموذج منها دلالة على الباقي .
٧٣٥
المقلد العقيلي
أبو حسان المقلد بن المسيب بن رافع بن المقلد بن جعفر بن عمرو بن المهنّا عبد
الرحمن بن بُرَيد - بالتصغير - ابن عبد الله بن زيد بن قيس بن جوثة١ بن
طهقة بن حزن بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن
بكر بن هوازن ، العقيلي ، الملقب حسام الدولة ، صاحب الموصل .
كان أخوه أبو الدواد٢ محمد بن المسيب أول من تغلب على الموصل وملكها
من أهل هذا البيت ، وذلك في سنة ثمانين وثلثمائة . وتزوج بهاء الدولة أبو نصر
ابن عضد الدولة بن بويه الديلمي ابنته . فلما مات أبو الدواد في سنة سبع
وثمانين قام أخوه المقلد المذكور بالملك من بعده ، وكان أعور . وذكر شيخنا
ابن الأثير في تاريخه أن ذلك في سنة ست وثمانين ، وأن أبا الدواد لما توفي طمع
٧٣٥ - أخباره في تاريخ ابن الاثير ( جـ: ٩) والنجوم الزاهرة ٤: ٢٠٣ وعبر الذهبي ٣: ٥١
والشذرات ٣ : ١٣٨ .
١ ص : جوية؛ وفي ق غير معجمة ؛ لي : حونة ؛ بر : حوثة .
٢ ق : الذواد ؛ ض : الزواد .
٢٦٠