النص المفهرس
صفحات 221-240
فهذه المدة هي أيامه ؛ وأما أبوه عبد الملك فإنه تولى بعد أبيه مروان في شهر رمضان المعظم سنة خمس وستين للهجرة ومات سنة ست وثمانين، فهذه مدته . وتوفي معاذ سنة تسعين ومائة وقيل في السنة التي نكبت فيها البرامكة وهي سنة سبع وثمانين ومائة ، وهو الأصح، رحمه الله تعالى . وكان يكنى أبا مسلم ، فولد له ولد سماه علياً فصار يكنى به . والهرا : بفتح الهاء وتشديد الراء وبعدها ألف مقصورة ؛ وإنما قيل له ذلك لأنه كان يبيع الثياب الهروية فنسب إليها . (257) وأما أبو السري الشاعر صاحب الأبيات الدالية المذكورة فإنه نشأ بسجستان ، وأدعى رضاع الجن وأنه صار إليهم ، ووضع كتاباً ذكر فيه أمر الجن وحكمتهم وأنسابهم وأشعاره، وزعم أنه بايعهم للأمين بن هارون الرشيد ولي العهد فقربه الرشيد وابنه الأمين وزبيدة أم الأمين ، وبلغ معهم ، وأفاد منهم، وله أشعار حسان وضعها على الجن والشياطين والسعالي، وقال له الرشيد: إن كنت رأيت ما ذكرت لقد رأيت عجباً ، وإن كنت ما رأيته لقد وضعت أدبأ ، وأخباره كلها غريبة عجيبة ، والله أعلم بالصواب . ٧٢٦ ابن طرارا الجريري القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا بن يحيى بن حميد بن حماد بن داود المعروف بابن طرارا الجريري النهرواني ؛ كان فقيهاً أديباً شاعراً ، عالماً بكل فن ، ولي القضاء ببغداد ، بباب الطاق نيابة عن ابن صبر القاضي ، وروى عن جماعة من الأئمة ، منهم أبو القاسم البغوي وأبو بكر بن أبي داود ويحيى بن ٧٢٦ - ترجمته في طبقات الشيرازي : ٩٣ وعبر الذهبي ٣: ٤٧ وانباه الرواة ٣ : ٢٩٦ (وراجع الحاشية ) . ٢٢١ صاعد وأبو سعيد العدوي وأبو حامد محمد بن هارون الحضرمي وغيرهم. وأخذ الأدب عن أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة المعروف بنفطويه وغيره . وروى عنه جماعة من الأئمة أيضاً، منهم أبو القاسم الأزهري والقاضي أبو الطيب الطبري الفقيه الشافعي وأحمد بن علي التوّزي وأحمد بن عمر بن روح . وذكر أحمد بن عمر بن روح أن أبا الفرج المذكور حضر في دار لبعض الرؤساء ، وكان هناك جماعة من أهل العلم والأدب ، فقالوا له : في أي نوع من العلوم نتذاكر ؟ فقال أبو الفرج لذلك الرئيس : خزانتك قد جمعت أنواع العلوم، وأصناف الأدب ، فإن رأيت أن تبعث الغلام إليها ، تأمره أن يفتح بابها ، ويضرب بيده إلى أي كتاب رأى١ منها ، فيحمله ثم يفتحه ، وينظر في أي العلوم هو ، فنتذاكره ونتجارى فيه . قال ابن روح : وهذا يدل على أن أبا الفرج كان له أنسة بسائر العلوم . وكان أبو محمد عبد الباقي يقول: إذا حضر القاضي أبو الفرج فقد حضرت العلوم كلها ، وقال : لو أوصى رجل بثلث ماله لأعلم الناس٢ لوجب أن يدفع إلى أبي الفرج المعافى. وكان ثقة مأموناً في روايته ، وله شعر حسن، فمن ذلك ما رواه عنه القاضي أبو الطيب الطبري الفقيه الشافعي ، وهو : ألا قل لمن كان لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب لأنك لم ترض لي ما وهب أسأت على الله في فعله وسد عليك وجوه الطلب فجازاك عنه بأن زادني وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب ((طبقات الفقهاء)) وأثنى عليه ثم قال : وأنشدني قاضي بلدنا أبو علي الداودي ، قال : أنشدني أبو الفرج لنفسه : أأقتبس الضياء من الضباب وألتمس الشراب من السراب الي : أراد . ٢ ر: الخلق ٢٢٢ وأرياً من جنى سَلَع وصاب أريد من الزمان النذل بذلاً خيار الناس في زمن الكلاب أرجّي أن ألاقي لاشتياقي ومن شعره أيضاً : فلماذا أملك الخلق رقي مالك العالمين ضامن رزقي خالقي جل ذكره قبل خلقي قد قضى لي بما عليّ وما لي ورفيقي في عُسرتي حسن رفق صاحبي البذل والندى في يساري فكذا لا يجر رزقيَ حذقي وكما لا يردُّ عجزيَ رزقي وذكر أنه عملها في معنى قول علي بن الجهم١ : لعمرك ما كل التعطل ضائر ولا كلُّ شغلٍ فيه للمرء مَنْفَعه إذا كانت الأرزاق في القرب والنوى عليك سواء فاغتم راحَة الدَّعَهِ ومن غريب ما اتفق له ما حكاه أبو عبد الله الحميدي، صاحب ((الجمع بين الصحيحين)) - المقدم ذكره - قال : قرأت بخط أبي الفرج المعافى بن زكريا النهرواني : حججت سنة ، وكنت بمنى أيام التشريق ، فسمعت منادياً ينادي: يا أبا الفرج، فقلت: لعله يريدني، ثم قلت : في الناس خلق كثير ممن يكنى أبا الفرج ، ولعله ينادي غيري ، فلم أجبه ، فلما رأى أنه لا يجيبه أحد نادى : يا أبا الفرج المعافى، فهممت أن أجيبه ثم قلت : قد يتفق أن يكون آخر اسمه المعافى ، ويكنى أبا الفرج ، فلم أجبه ، فرجع فنادى : يا أبا الفرج المعافى بن زكريا النهرواني ، فقلت : لم يبق شك في مناداته إياي إذ ذكر اسمي وكنيتي واسم أبي وبلدي الذي أنسب إليه ، فقلت : ها أنا ذا فما تريد ؟ قال : لعلك من نهروان الشرق ، فقلت : نعم ، فقال : نحن نريد نهروان الغرب ، فعجبت من اتفاق الاسم والكنية واسم الأب وما أنتسب ١ لم تورد لي بر من إلا بيتاً واحداً وبعده إحالة على بيتين آخرين؛ وانظر ديوان ابن الجهم : ١٩٤ حيث لم يرد في التكملة إلا بيتان . ٢٢٣ إليه، وعلمت أن بالمغرب موضعاً يسمى النهروان، غير النهروان الذي بالعراق. ولأبي الفرج المذكور عدة تصانيف ممتعة في الأدب وغيره [وكتاب ( الجليس الأنيس)) تصنيفه أيضاً ]١. وكانت ولادته يوم الخميس لسبع خلون من شهر رجب سنة ثلاث ، وقيل خمس ، وثلثمائة ؛ وتوفي يوم الاثنين الثامن عشر من ذي الحجة، سنة تسعين وثلثمائة بالنهروان ، رحمه الله تعالى وطَرارا : بفتح الطاء المهملة والراء وبعد الألف راء ثانية مفتوحة ثم ألف مقصورة وبعضهم يكتبه بالهاء بدلاً من الألف ، فيقول: طرارة ، والله أعلم والجريري : بفتح الجيم وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها واء هذه النسبة إلى الإمام محمد بن جرير الطبري - المقدم ذكره - وإنما نسب إليه لأنه كان على مذهبه مقلداً له ، وقد تقدم في ترجمته أنه كان مجتهداً صاحب مذهب مستقل، وكان له أتباع ، وأخذ بمذهبه جماعة منهم أبو الفرج المذكور . وقد سبق الكلام على النهرواني٢ فأغنى عن الإعادة، والله تعالى أعلم. ٧٢٧ المعز العبيدي أبو تميم معد ، الملقب المعز لدين الله ، بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله. قد تقدم ذكر والده وجده وجد أبيه وطرف من أخباره ؛ وكان ١ انفردت به لي بر من . ٢ ن: النهروان ٧٢٧ - أخباره في المنتظم ٧: ٨٢ وأعمال الاعلام ٣: ٥٥ والبيان المغرب ١ : ٢٢١ والدرة المضية: ١١٩ والخطط ١: ٣٥١ واتعاظ الحنفا : ٩٣ وابن خلدون ٤: ٦؛ وابن الأثير (جـ: ٨) والنجوم الزاهرة٤: ٦٩ وعبر الذهبي ٢: ٣٣٩ والشذرات ٣: ٥٢، وابتداء من هذه الترجمة تشترك مخطوطة آيا صوفيا رقم : ٣٥٣٣ مع سائر المخطوطات (ورمزها ص) ؛ وبترجمة المعز يبدأ الجزء الثاني من المختار الذي صنعه ابن المؤلف . ٢٢٤ المعز المذكور قد بويع بولاية العهد في حياة أبيه المنصور إسماعيل ثم جددت له البيعة بعد وفاته١ في التاريخ المذكور في ترجمته ، ودبر الأمور وساسها وأجراها على أحسن أحكامها إلى يوم الأحد سابع ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، فجلس يومئذ على سرير ملكه ، ودخل عليه الخاصة وكثير من العامة ، وساموا عليه بالخلافة ، وتسمى بالمعز ، ولم يظهر على أبيه حزناً . ثم خرج إلى بلاد إفريقية يطوف فيها ، ليمهد قواعدها ويقرر أسبابها ، فانقاد له العصاة من أهل تلك البلاد ودخلوا في طاعته ، وعقد لغلمانه وأتباعه على الأعمال ، واستندب لكل ناحية من يعلم كفايته وشهامته ، وضم إلى كل واحد منهم جمعاً كبيراً من الجند وأرباب السلاح . ثم جهز أبا الحسن جوهراً القائد - المذكور في حرف الجيم - ومعه جيش كثيف ، ليفتح ما استعصى عليه من بلاد المغرب، فسار إلى فاس ، ثم منها إلى سجلماسة ففتحها ، ثم توجه إلى البحر المحيط وصاد من سمكه وجعله في قلال الماء٤، وأرسله إلى المعز، ثم رجع إلى المعز ومعه صاحب سجلماسة وصاحب فاس أسيرين في قفصَي حديد ، والشرح في ذلك يطول . وخلاصة الأمر : أنه ما رجع القائد جوهر إلى مولاه المعز إلا وقد وطد له البلاد ، وحكم على أهل الزيغ والعناد من باب إفريقية إلى البحر المحيط في جهة الغرب، وفي جهة الشرق من باب إفريقية إلى أعمال مصر ، ولم يبق بلد من هذه البلاد إلا أقيمت فيه دعوته وخطب له في جمعته" وجماعته ، إلا مدينة سبتة فإنها بقيت لبني أمية أصحاب الأندلس . ولما وصل الخبر إلى المعز المذكور بموت كافور الإخشيدي صاحب مصر - حسبما شرحناه في ترجمته من هذا الكتاب- تقدم المعز إلى القائد جوهر المذكور ١ ص : وفاة أبيه . ٢ في أكثر النسخ ((جوهر)» دون تنوين . ٣ ن : ديار . ٤ ر : قلل من الماء . ٥ ق ن ص بر من : جميعه : جمعته ؛ ر : جميع جمعته . ١٥ - ٥ ٢٢٥ ليتجهز للخروج إلى مصر ، فخرج أولاً إلى جهة المغرب لإصلاح أموره ، وكان معه جيش عظيم ، وجمع قبائل العرب الذين يتوجه بهم إلى مصر، وجبى القطائع التي كانت على البربر فكانت خمسمائة ألف دينار . وخرج المعز بنفسه في الشتاء إلى المهدية ، فأخرج من قصور آبائه خمسمائة حمل دنانير وعاد إلى قصره . ولما عاد جوهر بالرجال والأموال، وكان قدومه على المعز يوم الأحد لثلاث بقين من المحرم سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، أمره المعز بالخروج إلى مصر ، فخرج ومعه أنواع القبائل - وقد ذكرت في ترجمة جوهر تاريخ خروجه وتاريخ وصوله إلى مصر فأغنى عن الإعادة [مفصلاً ها هنا]١ - وأنفق المعز في العسكر المسيْر صحبته أموالاً كثيرة ، حتى أعطى من ألف دينار إلى عشرين ديناراً ، وغمر الناس بالعطاء، وتصرفوا في القيروان وصبرة في شراء جميع حوائجهم٢، ورجلوا ومعه ألف٣ حمل من المال والسلاح ، ومن الخيل والعدد ما لا يوصف ، وكان بمصر في تلك السنة غلاء عظيم ووباء ، حتى مات في مصر وأعمالها في تلك المدة ستمائة ألف إنسان على ما قيل . ولما كان منتصف شهر رمضان المعظم سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وصلت البشارة إلى المعز بفتح الديار المصرية ودخول عساكره إليها ، ثم وصلته النجُبُ بعد ذلك تخبر بصورة الفتح ، وكانت كتب جوهر ترد إلى المعز باستدعائه إلى مصر وتحثه كل وقت على ذلك ، ثم سير٤ إليه يخبره بانتظام الحال بمصر والشام والحجاز وإقامة الدعوة له بهذه المواضع، فسر المعز بذلك سروراً عظيماً . ولما تقررت قواعده بالديار المصرية استخلف على إفريقية بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي - المذكور في حرف الباء - وخرج المعز متوجهاً بأموال جليلة المقدار ورجال عظيمة الأخطار . وكان خروجه من المنصورية دار ملكه يوم ١ زيادة من المختار . ٢ لي : ما يحتاجون. ٣ لي : الف الف . ٤ المختار : كتب . ٢٢٦ ذاك يوم الاثنين، لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلثمائة، وانتقل إلى . سردانية، وأقام بها ليجتمع رجاله وأتباعه ومن يستصحبه معه . وفي هذه المنزلة عقد العهد لبلكين في التاريخ المذكور في ترجمته ، ورحل عنها يوم الخميس خامس صفر سنة اثنتين وستين وثلثمائة . ولم يزل في طريقه يقيم بعض الأوقات في بعض البلاد أياماً ويحدُّ السير في بعضها، وكان اجتيازه على برقة ، ودخل الإسكندرية يوم السبت لست بقين من شعبان من السنة المذكورة وركب فيها١ ودخل الحمام ، وقدم عليه بها قاضي مصر - وهو أبو طاهر محمد ابن أحمد - وأعيان أهل البلاد ، وسلموا عليه ، وجلس لهم عند المنارة وخاطبهم بخطاب طويل يخبرهم فيه أنه لم يرد دخول مصر لزيادة في ملكه ولا كمال، وإنما أراد إقامة الحق والحج والجهاد وأن يختم عمره بالأعمال الصالحة ، ويعمل بما أمر به جده صلى الله عليه وسلم، ووعظهم وأطال حتى بكى بعض الحاضرين ، وخلع على القاضي وبعض الجماعة وحملهم ، وودعوه وانصرفوا ثم رحل منها في أواخر شعبان . ونزل يوم السبت ثاني شهر رمضان المعظم على ميناء ساحل مصر بالجيزة٢ ، فخرج إليه القائد جوهر وترجل عند لقائه وقبل الأرض بين يديه ، وبالجيزة أيضاً اجتمع به الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات - المذكور في حرف الجيم - وأقام المعز هناك ثلاثة أيام، وأخذ العسكر في التعدية بأثقالهم إلى ساحل مصر. ولما كان يوم الثلاثاء لخمس خلون من شهر رمضان المعظم من السنة، عبر المعز النيل ودخل القاهرة، ولم يدخل مصر ، وكانت قد زينت له ، وظنوا أنه يدخلها، وأهل القاهرة لم يستعدوا للقائه لأنهم بنوا الأمر على دخوله مصر أولاً، ولما دخل القاهرة ودخل القصر ودخل مجلساً منه خرّ ساجداً الله تعالى، ثم صلى ركعتين وانصرف الناس عنه . وهذا المعز هو الذي تنسب إليه القاهرة ، فيقال القاهرة المعزية ، لأنه الذي بناها القائد جوهر له . ١ ن : وركب فيها يوم السبت . ٢ المختار: ونزل على الجيزة تجاه مصر على الساحل ٢٢٧ وفي يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة أربع وستين عزل المعز القائد جوهراً عن دواوين مصر وجباية أموالها والنظر في سائر أمورها . وقد ذكرنا في ترجمة الشريف عبد الله بن طَباطبا ما دار بينه وبين المعز من السؤال عن نسبه وما أجابه به وما اعتمده بعد الدخول إلى القصر . وكان المعز عاقلاً حازماً سرياً أديباً حسن النظر في النجامة ، وينسب إليه من الشعر قوله : لله ما صنعت بنا تلك المحاجر في المعاجر أمضى وأقضى في النفو س من الخناجر في الحناجر ولقد تعبت ببينكم تعب المهاجر في الهواجر وينسب إليه أيضاً : أطلع الحسن من جبينك شمساً فوق ورد في وجنتيك أَطْلا وكأن الجمال خاف على الور د جفافاً فمد بالشعر ظلا وهو معنى غريب بديع . وقد مضى ذكر ولده تميم وشيء من شعره، وسيأتي ذكر ولده العزيز نزار في حرف النون إن شاء الله تعالى . وكانت ولادته بالمهدية يوم الاثنين حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلثمائة . وتوفي يوم الجمعة الحادي عشر من شهر ربيع الآخر ، وقيل الثالث عشر، وقيل لسبع خلون منه سنة خمس وستين وثلثمائة بالقاهرة، رحمه الله تعالى. ومَعَدّ : بفتح الميم والعين المهملة وتشديد الدال المهملة ، والله تعالى أعلم . ٢٢٨ ٧٢٨ المستنصر العبيدي أبو تميم معد الملقب المستنصر بالله بن الظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم بن العزيز بن المعز لدين الله المذكور قبله ، وقد تقدم بقية النسب ؛ بريع بالأمر بعد موت والده الظاهر ، وذلك يوم الأحد النصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة ، وجرى على أيامه ما لم يجر على أيام أحد من أهل بيته ممن تقدمه ولا تأخره : منها قضية أبي الحارث أرسلان البساسيري - المقدم ذكره في حرف الهمزة - فإنه لما عظم أمره وكبر شأنه ببغداد قطع خطبة الإمام القائم ، وخطب للمستنصر المذكور، وذلك في سنة خمسين وأربعمائة ، ودعا له على منابرها مدة سنة . ومنها أنه ثار في أيامه علي بن محمد الصليحي - المقدم ذكره - وملك بلاد اليمن كما شرحنا، ودعا للمستنصر على منابرها بعد الخطبة ، وهو مشهور فلا حاجة إلى الإطالة في شرحه . ومنها أنه أقام في الأمر ستين سنة ، وهذا أمر لم يبلغه أحد من أهل بيته ولا من بني العباس . ومنها أنه ولي الأمر وهو ابن سبع سنين . ومنها أن دعوتهم لم تزل قائمة بالمغرب منذقام جدهم المهدي - المقدم ذكره - إلى أيام المعز المذكور قبله، ولما توجه المعز إلى مصر واستخلف بلکين بن زيري حسبما شرحناه ، كانت الخطبة في تلك النواحي جارية على عادتها لهذا البيت ، إلى أن قطعها المعز بن باديس - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - في أيام ٧٢٨ - أخباره في تاريخ ابن خلدون ٤: ٦٢ والخطط ١: ٣٥٥ والدرة المضية: ٣٤٢ والنجوم الزاهرة ٥ : ١ - ٢٣ وعبر الذهبي ٣: ٣١٨ والشذرات ٣: ٣٨٢، وسقطت هذه ٠ الترجمة من بر ٢٢٩ المستنصر المذكور، وذلك في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، وقال في ((تاريخ القيروان))٠١: إن ذلك كان في سنة خمس وثلاثين، والله تعالى أعلم بالصواب . وفي سنة تسع قطع اسمه واسم آبائه من الحرمين الشريفين ، وذكر اسم المقتدي خليفة بغداد ، والشرح في ذلك يطول . ومنها أنه حدث في أيامه الغلاء العظيم الذي ما عهد مثله منذ زمان يوسف عليه السلام، وأقام سبع سنين ، وأكل الناس بعضهم بعضاً، حتى قيل إنه بيع رغيف واحد بخمسين ديناراً ، وكان المستنصر في هذه الشدة يركب وحده، وكل من معه من الخواص مترجلون ليس لهم دواب يركبونها ، وكانوا إذا مشوا تساقطوا في الطرقات من الجوع ، وكان المستنصر يستعير من ابن هبة صاحب ديوان الإنشاء بغلته ليركبها صاحب مظلته، وآخر الأمر توجهت أم المستنصر وبناته إلى بغداد من فرط الجوع ، وذلك في سنة اثنتين وستين وأربعمائة ، وتفرق أهل مصر في البلاد وتشتتوا ، ولم يزل هذا الأمر على شدته حتى تحرك بدر الجمالي والد الأفضل أمير الجيوش من عنا وركب البحر - حسبما شرحناه في ترجمة ولده الأفضل شاهنشاه- وجاء إلى مصر وتولى تدبير الأمور فانصلحت، وشرح ذلك يطول . وكانت ولادة المستنصر صبيحة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة عشرين وأربعمائة٢، وتوفي ليلة الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى . قلت : وهذه الليلة هي ليلة عيد الغدير ، أعني ليلة الثامن عشر من ذي الحجة وهو غدير خم - بضم الخاء وتشديد الميم - ورأيت جماعة كثيرة يسألون عن هذه الليلة متى كانت من ذي الحجة ؟ وهذا المكان بين مكة والمدينة ، وفيه غدير ماء ، ويقال إنه غيْضَة هناك ، ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من ١٠ ر : التاريخ القيرواني . ٠٠ ٢ علق ابن المؤلف هنا بقوله: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: قد ذكر أنه ولي الأمر وهو ابن سبع سنين وأنه بويع في سنة أربع وعشرين فكيف يستقيم أن يكون مولده سنة عشرين، والله أعلم) ٢٣٠ مكة ، شرفها الله تعالى ، عام حجة الوداع ، ووصل إلى هذا المكان وآخى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال : علي مني كهارون من موسى ، اللهم وآلٍ من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله ، والشيعة به تعلق كبيرا . وقال الحازمي : هو وادٍ بين مكة والمدينة عند الجحفة به غدير عنده خطب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة وشدة الحر٢. وقد تقدم ذكر جماعة من أهل بيته وسيأتي ذكر الباقين كل واحد في موضعه إن شاء الله تعالى ، والله أعلم بالصواب . ٧٢٩ معروف الكرخي أبو محفوظ معروف بن فيروز ، وقيل الفيروزان ، وقيل علي ، الكرخي الصالح المشهور ، وهو من موالي علي بن موسى الرضا - وقد تقدم ذكره . وكان أبواه نصرانيين، فأسلماه إلى مؤديهم وهو صبي ، فكان المؤدب يقول له : قل ثالث ثلاثة، فيقول معروف: بل هو الواحد ، فضربه المعلم على ذلك ضرباً مبرحاً فهرب منه . وكان أبراه يقولان: ليته يرجع إلينا على أي دين شاء فنوافقه عليه ، ثم إنه أسلم على يد علي بن موسى الرضا ، ورجع إلى أبويه ١ ص ق : كثير ٢ قلت وهذه الليلة ... الحر: سقط من لي ن . ٧٢٩ - ترجمته في طبقات السلمي: ٨٣ وصفة الصفوة ٢: ١٧٩ وطبقات الحنابلة ١ : ٣٨١ وتاريخ بغداد ١٣: ١٩٩ وحلية الأولياء ٨: ٣٦٠ والرسالة القشيرية ١: ٦٠ وعبر الذهبي ١: ٣٣٥ (وفيات سنة ٢٠٠) وشذرات الذهب ١ : ٣٣٥. ٢٣١ فدق الباب ، فقيل له : من بالباب ؟ فقال: معروف، فقيل له : على أي دين؟ فقال : على الإسلام ، فأسلم أبواه . وكان مشهوراً بإجابة الدعوة ، وأهل بغداد يستسقون بقبره ويقولون : قبر معروف ترياق مجرب . وكان سري السَّقَطي المقدم ذكره تلميذه ، وقال له يوماً : إذا كانت لك حاجة إلى الله تعالى فأقسم عليه بي. وقال سري السقطي: رأيت معروفاً الكرخي في النوم١ كأنه تحت العرش ، والباري جلت قدرته يقول لملائكته : من هذا ؟ وهم يقولون: أنت أعلم يا ربنا منا، فقال : هذا معروف الكرخي سكر من حبي فلا يفيق إلا بلقائي . وقال معروف : قال لي بعض أصحاب داود الطائي : إياك أن تترك العمل ، فإن ذلك الذي يقربك إلى رضا مولاك ، فقلت : وما ذلك العمل ؟ قال : دوام الطاعة لمولاك٢ ، وحرمة المسلمين ، والنصيحة لهم . وقال محمد بن الحسين ، سمعت أبي يقول: رأيت معروفاً الكرخي في النوم بعد موته فقلت له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي ، فقلت : بزهدك وورعك ؟ فقال : لا، بل بقبول موعظة ابن السماك ولزومي الفقر ومحبتي للفقراء . وكانت موعظة ابن السماك ما رواه معروف قال : كنت ماراً بالكوفة فوقفت على رجل يقال له ابن السماك وهو يعظ الناس ، فقال في خلال كلامه : مَنْ أعرض عن الله بكليته أعرض عنه الله جملة، ومن أقبل على الله تعالى بقلبه أقبل الله تعالى برحمته عليه ، وأقبل بوجوه الخلق إليه ، ومن كان مرة ومرة فالله تعالى يرحمه وقتاً ما ، فوقع كلامه في قلبي وأقبلت على الله تعالى وتركت جميع ما كنت عليه إلا خدمة مولاي علي بن موسى الرضا ، وذكرت هذا الكلام لمولاي فقال : يكفيك هذا موعظة إن اتعظت . وقد تقدم ذكر ابن السماك في المحمدين . وقيل المعروف في مرض موته: أوْص، فقال: إذا مت فتصدقوا بقميصي، فاني أُريد أن أخرج من الدنيا عرياناً كما دخلتها عرياناً؛ ومر معروف بسقاء وهو ١ ن : رأيت يوماً في المنام معروفاً الكرخي ٢ لي : دوام طاعة مولاك؛ ر : داوم على طاعة مولاك ٢٣٢ يقول : رحم الله من يشرب، فتقدم وشرب ، وكان صائماً ، فقيل له : ألم تك صائماً ؟ قال : بلى ، ولكن رجوت دعاءه . وأخبار معروف ومحاسنه أكثر من أن تعد ؛ وتوفي سنة مائتين ، وقيل إحدى ومائتين ، وقيل أربع ومائتين ببغداد ، وقبره مشهور بها يزار ، رحمه الله تعالى . والكرخي : بفتح الكاف وسكون الراء وبعدها خاء معجمة ، هذه النسبة إلى الكَرْخ ، وهو اسم تسع مواضع ذكرها ياقوت الحموي في كتابه ، وأشهرها كرخ بغداد، والصحيح أن معروفاً الكرخي منه، وقيل إنه من كرخ جُدّان- بضم الجيم وتشديد الدال المهملة وبعد الألف نون - وهي بليدة بالعراق تفصل بين ولاية خانقين وشهرزور ، والله تعالى أعلم بالصواب . ٧٣٠ المعز بن باديس الصنهاجي المعز بن باديس بن المنصور بن بُلُكين بن زيري بن مَناد الحميري الصنهاجي ، صاحب إِفريقية وما والاها من بلاد المغرب ، وقد سبق تمام نسبه عند ذكر ولده الأمير تميم ، وكان الحاكم صاحب مصر قد لقبه شرف الدولة ، وسير له تشريفاً وسجلً يتضمن اللقب المذكور ، وذلك في ذي الحجة سنة سبع وأربعمائة. وكان ملكاً جليلاً عالي الهمة ، محباً لأهل العلم كثير العطاء ، وكان واسطة عقد بيته - وقد تقدم ذكر أبيه وجده وجد أبيه - ومدحه الشعراء وانتجعه الأدباء ، وكانت حضرته محط بني الآمال . وكان مذهب أبي حنيفة رضي الله ٧٣٠ - أخباره في تاريخ ابن خلدون ٦: ١٥٨ وابن الاثير ( ج: ١٠) والبيان المغرب ١: ٢٦٧ وأعمال الأعلام ٣: ٧٢ ورحلة التجاني: ١٣ - ١٦ وعبر الذهبي ٣: ٢٣٣ والشذرات ٣ : ٢٩٤. ٢٣٣ عنه بإفريقية أظهر المذاهب ، فحمل المعز المذكور جميع أهل المغرب على التمسك بمذهب الإمام مالك بن أنس ، رضي الله عنه، وحَسَم مادة الخلاف في المذاهب واستمر الحال في ذلك إلى الآن . وقد تقدم في خبر المستنصر بالله العبيدي أن المعز المذكور قطع خطبته وخلع طاعته ، فلما فعل ذلك خطب للإمام القائم بأمر الله خليفة بغداد ، فكتب إليه المستنصر يتهدده ويقول له : هلا اقتفيت آثار آبائك في الطاعة والولاء ، في كلام طويل ، فأجابه المعز: إن آبائي وأجدادي كانوا ملوك المغرب قبل أن تملكه أسلافك ، ولهم عليهم من الخدم أعظم من التقديم ، ولو أخروهم لتقدموا بأسيافهم ؛ واستمر على قطع الخطبة ، ولم يخطب بعد ذلك بإفريقية لأحد من المصريين إلى اليوم . وأخبار المعز كثيرة وسيرته مشهورة ، فلا حاجة إلى الإطالة ، وله شعر قليل لم أقف منه على شيء . وكان المعز يوماً جالساً في مجلسه وعنده جماعة من الأدباء، وبين يديه أترجة ذات أصابع، فأمرهم المعز أن يعملوا فيها شيئاً ، فعمل أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني الشاعر المقدم ذكره١ : تلقى العيون بحسن غير منحوس أترجة سَبْطَة الأطراف ناعمة تدعو بطول بقاء لابن باديس كأنما بسطت كفا لخالقها فاستحسن ذلك منه وفضلّه على من حضر من الجماعة الأدباء . وكانت ولادته بالمنصورية ، ويقال لها صبرة ، من أعمال إفريقية ، يوم الخميس لخمس مضين من جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وثلثائة ، وملك بعد أبيه باديس في التاريخ المذكور في ترجمته ، وبويع بالمحمدية من أعمال إفريقية أيضاً يوم السبت لثلاث مضين من ذي الحجة سنة ست وأربعمائة . وتوفي رابع شعبان سنة أربع وخمسين وأربعمائة بالقيروان ، من مرض أصابه وهو ضعف الكبد ، ولم تطل مدة أحد من أهل بيته في الولاية كمدته ، ورثاه أبو علي الحسن بن ١ ديوان ابن رشيق : ٩٢ ٢٣٤ رشيق - المقدم ذكره - بأبيات على رَويّ الكاف١، أضربت عن ذكرها٢ خوف الإطالة . وهذا المعز لا يعرف له اسم سوى المعز ، مع أني كشفت عنه كشفاً تاماً من الكتب وأفواء العلماء وأهل المغرب ، فلم يذكر أحد سوى المعز ، ولا تعرف كنيته أيضاً، والظاهر أن هذا اسمه ، فإن أهل بيته لم يكن فيهم من تلقب حتى يقال هذا لقب ، فأثبته على قدر ما وجدته ، والله تعالى أعلم بالصواب . ٧٣١ أبو عبيدة معمر بن المثنى أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى، التَّيمي بالولاء ، تَيْم قريش، البصري النحوي العلامة ؛ قال الجاحظ في حقه : لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم يجميع العلوم منه. وقال ابن قتيبة في كتاب ((المعارف))٣: كان الغريب أغلب عليه وأخبار العرب وأيامها ، وكان مع معرفته ربما لم يقم البيت إذا أنشده حتى يكسره، وكان يخطىء إذا قرأ القرآن الكريم نظراً، وكان يبغض العرب ، وألف في مثالبها كتباً، وكان يرى رأي الخوارج . وقال غيره: إن هارون الرشيد أقدمه من البصرة إلى بغداد سنة ثمان وثمانين ومائة، وقرأ عليه بها أشياء٤ من كتبه، وأسند الحديث إلى هشام بن عروة وغيره ، وروى عنه علي بن المغيرة الأثرم وأبو عبيد القاسم بن سلام - المقدم ١ انظر ديوان ابن رشيق : ١٣٧، ومطلع الأبيات الكافية : لكل حي وان طال المدى هلك · لا عز مملكة يبقى ولا ملك ٢ ق : عنها وعن ذكرها . ٧٣١ - ترجمته في نور القبس: ١٠٩ وعبر الذهبي ١: ٣٥٩ وانباه الرواة ٣: ٢٧٦ (والحاشية). ٣ المعارف : ٥٤٣ ٤ لي ص : شيئاً ٢٣٥ ذكره - وأبو عثمان المازني وأبو حاتم السجستاني وعمر بن شبة النميري وغيرهم ، وقد تقدم ذكر هؤلاء جميعهم . وقال أبو عبيدة : أرسل إليّ الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه ، فقدمت عليه ، وكنت أخبر عن تجبره ، فأذن لي ، فدخلت عليه وهو في مجلس طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه ، وفي صدره فُرُش عالية لا يرتقى عليها إلا بكرسي وهو جالس على الفرش ، فسلمت عليه بالوزارة ، فرد وضحك إلي واستدناني حتى جلست معه على فرشه ، ثم سألني وبسطني وتلطف بي وقال : أنشدني ، فأنشدته من عيون أشعار أحفظها جاهلية ، فقال لي : قد عرفت أكثر هذه وأريد من ملح الشعر ، فأنشدته ، فطرب وضحك وزاد نشاطاً ، ثم دخل رجل في زي الكتاب وله هيئة حسنة ، فأجلسه إلى جانبى ، وقال له : أتعرف هذا ؟ قال : لا ، فقال : هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة أقدمناه لنستفيد من علمه ، فدعا له الرجل وقرظه لفعله هذا، ثم التفت إلي وقال لي : كنت إليك مشتاقاً، وقد سُئلت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرفك إياها ؟ قلت : هات، فقال: قال الله تعالى ﴿طَلْعُها كأنه رءوس الشياطين). (الصافات: ٦٥) وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عُرف مثله، وهذا لم يعرف، قال : فقلت : إنما كلم الله العرب على قدر كلامهم ، أما سمعت قول امرىء القيس: أيقتلني والمشرفيُّ مُضاجعي ومسنونة زرقٌ كأنيابٍ أُغوالِ وهم لم يروا الغول قط ، ولكنه لما كان أمر الغول هولهم أوعدوا به ، فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل ، وأزمعت منذ ذلك اليوم أن أضع كتاباً في القرآن لمثل هذا وأشباهه ، ولما يحتاج إليه من علمه ، ولما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته (( المجاز)) وسألت عن الرجل فقيل لي : هو من كتاب الوزير وجلسائه . وقال أبو عثمان المازني١، سمعت أبا عبيدة يقول: أدخلت على هارون الرشيد ١ سقطت هذه الفقرة من لي ر بز من، وذلك لأنها تكررت ، إذ ورد ما يشبهها في ترجمة الأصمعي ٣ : ١٧٢ ٢٣٦ فقال لي : يا معمر ، بلغني أن عندك كتاباً حسناً في صفة الخيل أحب أن أسمعه منك ، فقال الأصمعي : وما تصنع بالكتب ؟ يحضر فرس ونضع أيدينا على عضو عضو منه ونسميه ونذكر ما فيه ، فقال الرشيد : يا غلام، فرس، فأحضر فرس١ فقام الأصمعي فجعل يضع يده على عضو عضو منه ويقول : هذا كذا ، قال فيه الشاعر كذا ، حتى انقضى قوله ، فقال لي الرشيد : ما تقول فيا قال؟ فقلت: أصاب في بعض وأخطأ في بعض، والذي أصاب فيه منِّي تعلمه، والذي أخطأ فيه ما أدري من أين أتى به . وبلغ أبا عبيدة أن الأصمعي يعيب عليه كتاب ((المجاز))، فقال : يتكلم في كتاب الله تعالى برأيه ؛ فسأل عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو ، فركب حماره في ذلك اليوم ومر بحلقته ، فنزل عن حماره وسلم عليه ، وجلس عنده وحادثه ثم قال له : أبا سعيد، ما تقول في الخبز، أي شيء هو ؟ فقال : هو الذي تخبزه وتأكله ، فقال أبو عبيدة : فقد فسرت كتاب الله تعالى برأيك ، فإن الله تعالى قال ﴿وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً﴾ (يوسف: ٢٦) فقال الأصمعي : هذا شيء بان لي فقلته ولم أفسره برأيي ، فقال أبو عبيدة : والذي تعيب علينا كله شيء بان لنا فقلناه ولم نفسره برأينا ، وقام فركب حماره وانصرف . وزعم الباهلي صاحب كتاب ((المعاني)) أن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الأصمعي اشتروا البعر في سوق الدر ، وإذا أتوا مجلس أبي عبيدة اشتروا الدر في سوق البعر، لأن الأصمعي كان حسن الإنشاد والزخرفة لرديء الأخبار والأشعار حتى يحسن عنده القبح، وإن الفائدة عنده مع ذلك قليلة ، وإن أبا عبيدة كان معه سوء عبارة مع فوائد كثيرة وعلوم جمة ، ولم يكن أبو عبيدة يفسر الشعر . وقال المبرد : كان أبو زيد الأنصاري أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو ، وكانا بعده يتقاربان ، وكان أبو عبيدة أكمل القوم ، وكان علي بن المديني يحسن ذكر أبي عبيدة ويصحح روايته، وقال : كان لا يحكي عن العرب إلا الشيء !. ق : يا غلام أحضر فرساً فأحضر فرساً .. الخ . ٢٣٧ الصحيح . وحُمِل أبو عبيدة والأصمعي إلى هارون الرشيد للمجالسة ، فاختار الأصمعي لأنه كان أصلح للمنادمة . وكان أبو نواس يتعلم من أبي عبيدة ويصفه ويشنأ الأصمعي ويهجره ، فقيل له : ما تقول في الأصعمي ؟ فقال: بلبل في قفص ، قيل له : فما تقول في خلف الأحمر ؟ فقال : جمع علوم الناس وفهمها ، قيل : فما تقول في أبي عبيدة؟ فقال : ذاك أديم طُوي على علم١. وقال إسحاق بن إبراهيم النديم الموصلي يخاطب الفضل بن الربيع ، يمدح أبا عبيدة ويذم الأصمعي٢ : فإن العلم عند أبي عبيده .عليك أبا عبيدة فاصطنعه وقدمه وآثره عليه ودع عنه القُزَيد بن القُرَيده وكان أبو عبيدة إذا أنشد بيتاً لا يقيم وزنه ، وإذا تحدث أو قرأ لحن اعتماداً منه لذلك ، ويقول : النحو محدود . ولم يزل يصنف حتى مات ؛ وتصانيفه تقارب مائي تصنيف : فمنها كتاب ((مجاز القرآن الكريم)) وكتاب ((غريب القرآن)) وكتاب ((معاني القرآن)) وكتاب ((غريب الحديث)) وكتاب ((الديباج)) وكتاب ((التاج)) وكتاب ((الحدود)) وكتاب (خراسان)) وكتاب ((خوارج البحرين واليمامة)) وكتاب ((الموالي)) وكتاب ((البله)) وكتاب ((الضيفان)) وكتاب ((مَرْج٣ راهط)) وكتاب ((المنافرات)) وكتاب ((القبائل)) وكتاب ((خبر البراض)) وكتاب ((القرائن)) وكتاب ((البازي)) وكتاب ((الحمام)) وكتاب ((الحيات)) وكتاب ((العقارب)) وكتاب (النواكح))؛ وكتاب ١ مر شبيه بهذا من قبل، انظر ٢: ١٠٠ وما ثبت هنالك زيادة من نسختي ص ر، فلعله وقع هنالك تحشية من أحد المعلقين . ٢ لي بر من: بمدح أبي عبيدة وذم الأصمعي . ٣ ق لي ص : شرح . ٤ ن: المناكح ٢٣٨ (((النواشز))١ وكتاب ((حُضْر الخيل)) وكتاب (( الأعيان)) وكتاب «بيان باهلة » وكتاب ((أيادي الأزد)) وكتاب ((الخيل)) وكتاب ((الإبل)) وكتاب ((الإنسان)) وكتاب ((الزرع)) وكتاب ((الرحل)) وكتاب ((الدلو)) وكتاب (البكرة)) وكتاب (السرج)) وكتاب ((اللجام)) وكتاب (الفرس)) وكتاب ((السيف)) وكتاب ((الشوارد)) وكتاب ((الاحتلام)) وكتاب ((مقاتل الفرسان)) وكتاب (((مقاتل الأشراف)) وكتاب ((الشعر والشعراء)) وكتاب ((فعل وأفعل)) وكتاب (((المثالب)) وكتاب ((خلق الإنسان)) وكتاب ((الفرق)) وكتاب (( الخف)) وكتاب ((مكة والحرم)) وكتاب ((الجمل وصفِّين)) وكتاب ((بيوتات العرب)) وكتاب (اللغات)) وكتاب ((الغارات)) وكتاب ((المعاتبات)) وكتاب ((الملاومات)) وكتاب ((الأضداد)) وكتاب ((مآثر العرب)) وكتاب ((مآثر غطفان)) وكتاب ((أدعية العرب)) وكتاب ((مقتل عثمان رضي الله عنه)) وكتاب أسماء الخيل)) وكتاب ((العَقَقة)) وكتاب ((قضاة٢ البصرة)) وكتاب ((فتوح الأهواز)) وكتاب ((فتوح أرمينية)) وكتاب ((لصوص العرب)) وكتاب ((أخبار الحجاج)) وكتاب ((قصة الكعبة)) وكتاب ((الحُمْس من قريش)) وكتاب ((فضائل الفرس))٣ و کتاب (((ما تلحن فيه العامة)) وكتاب ((السواد وفتحه)) وكتاب «من شكر من العمال وحمد))٤ وكتاب ((الجمع والتثنية)) و[كتاب (( المجلة)) الأولى والثانية، وكتاب ((البيضة))]° وكتاب ((الأوس والخزرج)) وكتاب (( محمد وإبراهيم ابني عبد الله ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين)) وكتاب (((الأيام)) الصغير، خمسة وسبعون يوماً، وكتاب (( الأيام)) الكبير، ألف ومائتا يوم، وكتاب ((أيام بني مازن وأخبارهم)) وغير ذلك من الكتب النافعة ، ولولا خوف الإطالة لذكرت٦ جميعها. ١ ق : النواشير . ٢ ن ص ق : فضالة . ٣ ق لي ر ن بر من : العرش . ٤ بر : من شكي من العمال وحمل . • زيادة من ق . ٦ ن : لذكرتها ؛ ص : لذكرت لك . ٢٣٩ [ولما جمع كتاب المثالب، قال له رجل مطعون النسب: بلغني أنك عبت العرب جميعها، فقال: وما يضرك؟ أنت من ذلك بريء ، يعني أنه ليس منهم]١. وقال أبو عبيدة: لما قدمت على الفضل بن الربيع قال لي: مَنْ أشعر الناس؟ فقلت: الراعي، قال : وكيف فضلته على غيره ؟ فقلت : لأنه ورد على سعيد ابن عبد الرحمن الأموي فوصله في يومه الذي لقيه فيه وصرفه ، فقال يصف حاله معه : وأنضاءٍ تحنُ إلى سعيد طروقاً ثم عجلن ابتكارا حمدن مناخه وأصبن منه عطاء لم يكن عِدَةَ ضِمارا فقال الفضل : ما أحسن ما اقتضيتنا يا أبا عبيدة ، ثم غدا إلى هارون الرشيد فأخرج لي صلة ، وأمر لي بشيء من ماله وصرفني . وكان أبو عبيدة من موالي بني عبيد الله بن معمر التيمي ، وقال له بعض الأجلاء : تقع في الناس فمن أبوك؟ فقال : أخبرني أبي عن أبيه أنه كان يهودياً من أهل باجَرْوان ، فمضى الرجل وتركه . وكان أبو عبيدة جَبّاهاً، لم يكن بالبصرة أحد إلا وهو يداجيه ويتقيه على عرضه ؛ وخرج إلى بلاد فارس قاصداً موسى بن عبد الرحمن الهلالي ، فلما قدم عليه قال لغلمانه : احترزوا من أبي عبيدة ، فإن كلامه كله دق ، ثم حضر الطعام فصب بعض الغلمان على ذيله مرقة ، فقال له موسى : قد أصاب ثوبك مرق ، وأنا أعطيك عوضه عشر٢ ثياب ، فقال أبو عبيدة : لا عليك ، فإن مرقكم لا يؤذي ، أي ما فيه دهن ، ففطن لها موسى وسكت . وكان الأصمعي إذا أراد دخول المسجد قال : انظروا لا يكون فيه ذاك ، يعني أبا عبيدة ، خوفاً من لسانه ، فلما مات لم يحضر جنازته أحد ، لأنه لم يكن يسلم من لسانه شريف ولا غيره . وكان وسخاً ألثغ مدخول النسب مدخول الدين يميل إلى مذهب الخوارج ، ١ ورد في ن ص، وتأخر في ر إلى ما بعد حكاية موسى بن عبد الرحمن الهلالي. ٢ لي ر ن والمختار : عشرة . ٢٤٠