النص المفهرس
صفحات 161-180
(237) وكانت وفاة والده أبي محمد نوح بن نصر في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة . (238) وكانت وفاة جده أبي الحسن نصر بن إسماعيل في رجب سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة . (239) وكانت وفاة جد أبيه أبي إبراهيم إسماعيل بن أحمد في صفر ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت منه، سنة خمس وتسعين ومائتين ببخاري ؛ ومولده سنة أربع وثلاثين ومائتين بفَرْ غانة، وكان يكتب الحديث ويكرم العلماء. (240) وكانت وفاة أحمد بن أسد بن سامان سنة خمسين ومائتين بفَرْ غانة، رحمهم الله تعالى . وسامان : بفتح السين المهملة والميم وبينهما ألف وبعد الألف الثانية نون - وهذا وإن كان خارجاً عن المقصود، لكن مساق١ الكلام جره ، وفيه فائدة لا يستغنى عنها، والله أعلم بالصواب . ٧٠٨ ابن شاكر أبو عبد الله محمد بن موسى بن شاكر؛ أحد الإخوة الثلاثة الذين ينسب إليهم حِيلُ بني موسى، وهم مشهورون بها، واسم أخويه أحمد والحسن ، وكانت لهم همم عالية في تحصيل العلوم القديمة وكتب الأوائل ، وأتعبوا أنفسهم في شأنها، وأنفذوا إلى بلاد الروم مَنْ أخرجها لهم، وأحضروا النَّقلة من الأصقاع الشاسعة والأماكن البعيدة بالبذل السَّنيّ، فأظهروا عجائب الحكمة . وكان الغالب عليهم من العلوم : الهندسة والحيل والحركات والموسيقى والنجوم ، وهو ١ ق : سياق . ٧٠٨ - ترجمته في طبقات صاعد: ٥٥ والفهرست: ٢٧١ وأخبار الحكماء : ٣١٥. ١١ - ٥ ١٦١ الأقل . ولهم في الحيل كتاب عجيب نادر يشتمل على كل غريبة ، ولقد وقفتُ علیه فوجدته من أحسن الكتب وأمتعها ، وهو مجلد واحد . ومما اختصوا به في ملة١ الإسلام وأخرجوه من القوّة إلى الفعل - وإن كان أرباب الأرصاد المتقدمون على الإسلام قد فعلوه ، لكنه لم يقل إن أحداً من أهل هذه الملة تصدى له وفعله ، إلا هم - وهو أن المأمون كان مغرى بعلوم الأوائل وتحقيقها، ورأى فيها أن دور كرة الأرض أربعة وعشرون ألف ميل، كل ثلاثة أميال فرسخ ، فيكون المجموع ثمانية آلاف فرسخ، بحيث لو وضع طرف حبل على أي نقطة كانت من الأرض، وأدرنا الحبل على كرة الأرض حتى انتهينا بالطرف الآخر إلى ذلك الموضع من الأرض ، والتقى طرفا الحبل ، فإذا مسحنا ذلك الحبل كان طوله أربعة وعشرين ألف ميل . فأراد المأمون أن يقف على حقيقة ذلك ، فسأل بني موسى المذكورين عنه فقالوا : نعم ، هذا قطعي . فقال : أريد منكم أن تعملوا الطريق الذي ذكره المتقدمون حتى نبصر هل يتحرر ذلك أم لا ، فسألوا عن الأراضي المتساوية في أي البلاد هي ؟ فقيل لهم : صحراء سنجار في غاية الاستواء ، وكذلك وطاة الكوفة ، فأخذوا معهم جماعة ممن يثق المأمون إلى أقوالهم ، ويركن إلى معرفتهم بهذه الصناعة ، وخرجوا إلى سنجار ، وجاءوا إلى الصحراء المذكورة ، فوقفوا في موضع منها وأخذوا ارتفاع القطب الشمالي ببعض الآلات ، وضربوا في ذلك الموضع وَتِداً وربطوا فيه حبلاً طويلاً، ثم مشوا إلى الجهة الشمالية على الاستواء من غير انحراف إلى اليمين واليسار حسب الإمكان . فلما فرغ الحبل نصبوا في الأرض وتداً آخر وربطوا فيه حبلاً طويلاً، ومشوا إلى جهة الشمال أيضاً كفعلهم الأول؛ ولم يزل ذلك دأبهم ، حتى انتهوا إلى موضع أخذوا٢ فيه ارتفاع القطب المذكور ، فوجدوه قد زاد على الارتفاع الأول درجة ، فمسحوا ذلك القدر الذي قدروه من الأرض بالحبل ، فبلغ ستة وستين ميلاً وثلثي ميل ، فعلموا أن كل درجة من درج الفلك ، يقابلها من سطح الأرض ستة وستون ميلاً وثلثان . ١ ملة : سقطت من ق . ٢ لي : الموضع الذي أخذوا . ١٦٢ ثم عادوا إلى الموضع الذي ضربوا فيه الوتد الأول وشدوا فيه حبلاً، وتوجهوا إلى جهة الجنوب ، ومشوا على الاستقامة، وعملوا كما عملوا في جهة الشمال : من نصب الأوتاد وشد الحبال ، حتى فرغت الحبال التي استعملوها في جهة الشمال ، ثم أخذوا الارتفاع فوجدوا القطب الشمالي قد نقص عن ارتفاعه الأول درجة ، فصح حسابهم وحققوا ما قصدوه من ذلك ، وهذا إذا وقف عليه من له يد في علم الهيئة ظهر له حقيقته . ومن المعلوم أن عدد درج الفلك ثلثمائة وستون درجة ، لأن الفلك مقسوم باثني عشر برجاً ، وكل برج ثلاثون درجة ، فتكون الجملة ثلثمائة وستين درجة ، فضربوا عدد درج الفلك في ستة وستين ميلاً وثلثين - أي التي هي حصة كل درجة - فكانت الجملة أربعة وعشرين ألف ميل، وهي ثمانية آلاف فرسخ ، وهذا محقق لا شك فيه . فلما عاد بنو موسى إلى المأمون وأخبروه بما صنعوا ، وكان موافقاً لما رآه في الكتب القديمة من استخراج الأوائل ، طلب تحقيق ذلك في موضع آخر ، فسيرهم إلى أرض الكوفة وفعلوا كما فعلوا في سنجار ، فتوافق الحسابان ، فعلم المأمون صحة ما حرره القدماء في ذلك ، وهذا الفصل هو الذي أشرت إليه في ترجمة أبي بكر محمد بن يحيى الصولي وقلت : لولا التطويل لبينت ذلك١ . وكانت لبني موسى المذكورين أوضاع نادرة غريبة، ولولا الإطالة لذكرت شيئاً منها . وتوفي محمد المذكور في شهر ربيع الأول سنة تسع وخمسين ومائتين ، رحمه الله تعالى ؛ والله أعلم بالصواب . ١ انظر جـ ٤ : ٣٥٩. ١٦٣ ٧٠٩ البتاني الحاسب أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان الحَرّاني الأصل البَتَّاني الحاسب، المنجم المشهور صاحب الزيج، الصابي؛ له الأعمال العجيبة والأرصاد المتقنة . وأول ما ابتدأ بالرصد في سنة أربع وستين ومائتين ، إلى سنة ست وثلثائة ، وأثبت الكواكب الثابتة في زيجه لسنة تسع وتسعين ومائتين. وكان أوحد عصره في فنه، وأعماله تدل على غزارة فضله وسعة علمه . وتوفي سنة سبع عشرة وثلثمائة ، عند رجوعه من بغداد، بموضع يقال له قصر الحَضْر. ولم أعلم أنه أسلم، لكن اسمه يدل على إسلامه . وله من التصانيف ((الزيج)) وهو نسختان : أولى وثانية، والثانية أجود وكتاب ((معرفة مطالع البروج فيما بين أرباع الفلك)) ورسالة في ((مقدار الاتصالات))، وكتاب شرح فيه أربعة أرباع الفلك، ورسالة في تحقيق أقدار الاتصالات ، وشرح أربع مقالات بطليموس١، وغير ذلك والبتاني : بفتح الباء الموحدة ، وقال أبو محمد هبة الله بن الأكفاني٢ بکسرها، وبتشديد التاء المثناة من فوقها وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى بتّان ، وهي ناحية من أعمال حران . والحَضْر: بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وبعدها راء ، وهي مدينة قديمة ، بالقرب من تكريت ، بين دجلة والفرات في البرية ، وكان صاحبها الساطرون ، فحاصره أردشير بن بابك أول ملوك الفرس ، وأخذ البلد وقتله، وفي ذلك يقول أبو دواد الإيادي، واسمه حارثة بن حجاج ، ٧٠٩ - ترجمته في الفهرست: ٢٧٩ وتاريخ الحكماء: ٢٨٠ وطبقات صاعد: ٣١ والشذرات. ٢ : ٠٢٧٦ ١ ن : بطلميوس ٢ ذكره المؤلف ١ : ٢٦٩ وكانت وفاته سنة ٥٢٣ . ١٦٤ وقيل حنظلة بن شرقي١ : وأرى الموت قد تدلى من الحَظْ مر على رب أهله الساطرونِ صرعته الأيام٢ من بعد ملك ونعيم وجوهر مكنون وذكره أيضاً عدي بن زيد العباديّ في قوله٣ : وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تُجْبى إليه والخابورُ وجاء ذكره في الشعر كثيراً ، وقيل إن الذي حصره سابور ذو الأكتاف وهو الذي ذكره ابن هشام في سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول أصح . والساطِرون : بفتح السين المهملة وبعد الألف طاء مهملة مكسورة ثم راء مضمومة ثم واو ساكنة وبعدها نون وهو لفظ سرياني، ومعناه الملك ، واسمه ضَيْزن - بفتح الضاد المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الزاي وبعدها نون - بن معاوية وضيزن : اسم صنم كان في الجاهلية وبه سمي الرجل ، وهو قضاعي ، وكان من ملوك الطوائف، وإذا اجتمعوا لحرب غيرهم تقدم عليهم لعظمته؛ عندهم . فأقام أردشير على حصاره أربع سنين وهو لا يقدر عليه ، وكان الساطرون ابنة يقال لها نضيرة - بفتح النون وكسر الضاد المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وبعدها هاء ساكنة - وفيها يقول الشاعر : أقفر الحَضْر من نضيرة فالمر باع منها فجانب الثرثار وكانت في غاية الجمال، وكانت عادتهم إذا حاضت المرأة أنزلوها إلى الربض، ١ ديوان أبي دواد : ٣٤٧ ٢ ق : صدعته المنون. ٣ ديوان عدي : ٨٨ . ٤ ق ر : لعظمه . ١٦٥ فحاضت نضيرة فأنزلت إلى ربض الحَضْر ، فأشرفت ذات يوم فأبصرت أردشير وكان من أجمل الرجال فهويته ، فأرسلت إليه أن يتزوجها وتفتح له الحصن ، واشترطت عليه ، والتزم لها ما طلبت ، ثم اختلفوا في السبب الذي دلته عليه حتى فتح الحصن ، والذي قاله الطبري أنها دلته على طِلّسْم كان في الحصن ، وكان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء وتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء ، ثم ترسل الحمامة فتنزل على سور الحصن ، فيقع الطَّلَّسْم١ فيفتح الحصن ، ففعل أردشير ذلك واستباح الحصن وخربه وأباد أهله [ وقتل الساطرون أباها ]٢ وسار بنضيرة وتزوجها، فبينما هي نائمة على فراشها ليلاً إذ جعلت تتعامل لا تنام٣ ، فدعا بالشمع ، ففتش فراشها فوجد عليه ورقة آس ، فقال لها أردشير : أهذا الذي أسهرك ؟ قالت : نعم ، قال : فما كان أبوك يصنع بك ؟ قالت : كان يفرش لي الديباج ويلبسني الحرير ويطعمني المخ والزبد وشهد أبكار النحل ، ويسقيني الخمر الصافي ، قال : فكان جزاء أبيك ما صنعت به ؟ أنت إليّ بذلك أسرع، ثم أمر بها؛ فربطت قرون رأسها بذَنب فرس ، ثم ركض الفرس حتى قتلها. والحضر إلى الآن آثاره باقية، وفيه بقايا عمائر ، لكنه لم يسكن منذ ذلك الوقت ؛ وقد طال الكلام فيه ، وإنما هي حكاية غريبة فأحببت إثباتها . ١ ق : فتنزل على طلسم الحصن . ٢ لم ترد إلا في المختار . ٣ ورد النص في لي مغايراً لسائر النسخ إذ جاء هنالك: (( فجعلت تململ ولا يأخذها النوم، فقال لها سابور : أي شيء خبرك لا تنامين ؟ قالت : ما نمت على فراش أخشن من هذا الفراش ، وبعد فأنا أحس بشيء يؤذيني ، فأمر سابور بالفراش فأبدل ، فلم تنم أيضاً حتى أصبحت وهي تشتكي جنبها ، فنظر إليه فاذا ورقة آس قد لصقت ببعض عكنها وقد أدمتها، فعجب سابور من ذلك وقال : أهذا الذي أسهرك ؟ .. الخ))؛ وكذلك أورده وستنفيلد . ٤ لي : ثم أمر بها فشدت ذوائبها إلى فرسين جامحين، ثم أرسلا فقطعاها؛ والدليل على ذلك أن في البرية مواضع قريبة من الثرثار : موضع یعرف بالورك وآخر يقال له الكتف وآخر يعرف بالأعضاء ، وهي أماكن وجدت أعضاؤها فيها فسمي المكان بالعضو الذي وجد فيه ؛ وهذا هو ما أثبته وستنفيلد أيضاً في هذه الترجمة . ١٦٦ ورأيت في تاريخ آخر أنه دخل بغداد وخرج منها وتوفي في الطريق بقصر الحَضْر في التاريخ المذكور، قال ياقوت الحموي في كتابه ((المشترك)): قصر الحضر بقرب سامرا من أبنية المعتصم ، والله تعالى أعلم١ . ٧١٠ أبو الوفاء المهندس أبو الوفاء محمد بن محمد بن يحيى بن إسماعيل بن العباس البُوزْجاني الحاسب المشهور؛ أحد الأئمة المشاهير في علم الهندسة، وله فيه استخراجات غريبة لم يسبق بها ، وكان شيخنا العلامة كمال الدين أبو الفتح موسى بن يونس، تغمده الله برحمته وهو القيم بهذا الفن ، يبالغ في وصف كتبه ويعتمد عليها في أكثر مطالعاته ، ويحتج بما يقوله . وكان عنده من تواليفه عدة كتب . وله في استخراج الأوتار تصنيف جيد نافع . وكانت ولادته يوم الأربعاء مستهل شهر رمضان المعظم سنة ثمان وعشرين وثلثمائة ، بمدينة بُوزْجان . وتوفي سنة سبع وثمانين وثلثمائة٢ ، رحمه الله تعالى. وبُوزْجان : بضم الياء الموحدة وسكون الواو والزاي وفتح الجيم وبعد الألف نون ، وهي بليدة بخراسان بين هَراة ونيسابور . وكان قد قدم العراق سنة ثمان وأربعين وثلثمائة . وكنت وقفت على تاريخ ولادته على هذه الصورة في كتاب ((الفهرست)) ١ ورأيت ... أعلم : لم يرد في لي . ٧١٠ - ترجمته في الفهرست: ٢٨٣ وأخبار الحكماء : ٢٨٧ والوافي ١ : ٢٠٩ وابن الأثير (وفيات: ٣٨٧) وراجع الامتاع والمؤانسة فقد كتبه أبو حيان له؛ ولم يقف صاحب المختار عند هذه الترجمة . ٢ موضع التاريخ بياض في لي ؛ وفي تاريخ الحكماء أنه توفي سنة ٣٨٨. ١٦٧ تأليف أبي الفرج ابن النديم ، ولم يذكر تاريخ وفاته . فكتبت هذه الترجمة ، وذكرت تاريخ الولادة ، فأخليت بياضاً لأجل تاريخ الوفاة لعلى أظفر به ، فإن قصدي في هذا التاريخ إنما هو ذكر الوفاة كما ذكرته في أول الكتاب . ثم إني وجدت تاريخ الوفاة في تاريخ شيخنا ابن الأثير قد ذكرها في هذه السنة المذكورة فألحقتها . وكان بين شروعي في هذا التاريخ وظفري بالوفاة أكثر من عشرين سنة ، والله تعالى أعلم . ٧١١ الزمخشري صاحب الكشاف أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمَخْشَري، الإمام الكبير في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان ؛ كان إمام عصره من غير مدافع ، تُشّد إليه الرحال في فنونه. أخذ النحو عن أبي مضر منصور!، وصنف التصانيف البديعة: منها ((الكشاف)) في تفسير القرآن العزيز، لم يصنف قبله مثله [و ((المحاجاة بالمسائل النحوية)) و((المفرد والمركب)) في العربية]٢ و((الفائق)) في تفسير الحديث، و((أساس البلاغة)) في اللغة، و ((ربيع الأبرار وفصوص الأخبار)) و((متشابه أسامي الرواة)) و((النصائح الكبار)) و((النصائح الصغار)) و((ضالة الناشد والرائض٣ في علم الفرائض)) ٧١١ - ترجمته في طبقات المعتزلة: ٢٠ ولسان الميزان ٦: ٤ والجواهر المضية ٢: ١٦٠ والبدر السافر، الورقة: ١٩٣ وعبر الذهبي٤: ١٠٦ وانباه الرواة ٣: ٢٦٥ وفي الحاشية ثبت كبير بالمصادر الأخرى . ١ لي: أبي منصور مضر؛ وسقطت مضر من بر من والمختار ٢ لم يرد في النسخ، وورد عند وستنفيله والمطبوعة المصرية . ٣ ن : وضالة الناشد وكتاب الرائض ١٦٨ و ((المفصل)) في النحو وقد اعتنى بشرحه خلق كثير، و((الأنموذج)) في النحو، و((المفرد والمؤلف)) في النحو، و((رؤوس المسائل)) في الفقه، و((شرح أبيات كتاب سيبويه)) و((المستقصى١ في أمثال العرب)) و((صميم العربية)) و((سوائر الأمثال)) و((ديوان التمثيل)) و((شقائق النعمان في حقائق النعمان)) و((شافي العيّ من كلام الشافعي)) رضي الله عنه، و((القسطاس)) في العروض، و((معجم الحدود)) و((المنهاج)) في الأصول، و((مقدمة الآداب))٢ و((ديوان الرسائل)) و((ديوان الشعر)) و((الرسالة الناصحة)) والأمالي في كل فن، وغير ذلك؛ وكان شروعه في تأليف ((المفصل)) في غرة شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وخمسمائة ، وفرغ منه في غرة المحرم سنة خمس عشرة وخمسمائة وكان قد سافر إلى مكة ، حرسها الله تعالى، وجاور بها زماناً ، فصار يقال له ((جار الله)) لذلك، وكان هذا الاسم علماً عليه. وسمعت من بعض المشايخ أن إحدى رجليه كانت ساقطة ، وأنه كان يمشي في جاون خشب ، وكان سبب سقوطها أنه كان في بعض أسفاره ببلاد خوارزم أصابه ثلج كثير وبرد شديد في الطريق فسقطت منه رجله ، وأنه كان بيده محضر فيه شهادة خلق كثير ممن اطلعوا على حقيقة ذلك خوفاً من أن يظن من لم يعلم صورة الحال أنها قطعت لريبة ، والثلج والبرد كثيراً ما يؤثر في الأطراف في تلك البلاد فتسقط، خصوصاً خوارزم ، فإنها في غاية البرد ، ولقد شاهدت خلقاً كثيراً ممن سقطت أطرافهم بهذا السبب ، فلا يستبعده من لم يعهده . ورأيت في تاريخ بعض المتأخرين٣ أن الزمخشري لما دخل بغداد واجتمع بالفقيه الحنفي الدامغاني سأله عن سبب قطع رجله، فقال : دعاء الوالدة، وذلك أني في صباي أمسكت عصفوراً وربطته بخيط في رجله، وأفلت من يدي، فأدر كته وقد دخل في خرق ، فجذبته فانقطعت رجله في الخيط ، فتألمت ١ ق؛ والمستصفى، وقد طبع الكتاب باسم ((المستقصى)). ٢ ن بر من : الادب. ٣ انظر انباه الرواة ٣ : ٢٦٨ ١٦٩ والدتي لذلك وقالت : قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله ؛ فلما وصلت إلى سن الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم ، فسقطت عن الدابة فانكسرت الرجل١ وعملت عليّ عملً أوجب قطعها؛ والله أعلم بالصحة. وكان الزمخشري المذكور معتزلي الاعتقاد متظاهراً به ، حتى نقل عنه أنه كان إذا قصد صاحباً له واستأذن عليه في الدخول يقول لمن يأخذ له الإذن : قل له أبو القاسم المعتزلي بالباب. وأول ما صنف كتاب ((الكشاف)) كتب استفتاح الخطبة ((الحمد لله الذي خلق القرآن)) فيقال إنه قيل له : متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس ولا يرغب أحد فيه، فغيره بقوله (( الحمد لله الذي جعل القرآن)) وجعل عندهم بمعنى خلق ، والبحث في ذلك يطول ، ورأيت في كثير من النسخ ((الحمد لله الذي أنزل القرآن)) وهذا إصلاح الناس لا إصلاح المصنف . وكان الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد السَّلَفي المقدم ذكره، رحمه الله تعالى، قد كتب إليه من الإسكندرية٢ ، وهو يومئذ مجاور بمكة حرسها الله تعالى ، يستجيزه في مسموعاته ومصنفاته ، فرد جوابه بما لا يشفي الغليل ، فلما كان في العام الثاني كتب إليه أيضاً مع الحُجّاج استجازة أخرى اقترح فيها مقصوده ، ثم قال في آخرها : ولا يحوج ، أدام الله توفيقه، إلى المراجعة ، فالمسافة بعيدة، وقد كاتبه في السنة الماضية. فلم يجبه بما يشفي الغليل ، وله في ذلك الأجر الجزيل. × فكتب إليه الزمخشري جوابه، ولولا خوف التطويل لكتبت الاستدعاء والجواب ، لكن نقتصر على بعض الجواب وهو ((ما مثَلي مع أعلام العلماء إلا كمثل السُّها مع مصابيح السماء ، والجَهام الصفر من الرهام مع الغوادي الغامرة للقيعان والآكام، والسُّكيْت المخلف مع خيل السباق ، والبغاث مع الطير العتاق ، وما التلقيب بالعلامة ، إلا شبه الرقم بالعلامة ، والعلم مدينة أحدٌ بابيها الدراية ، والثاني الرواية٣، وأنا في كلا البابين ذو بضاعة مُزجاة ، ظلي ١ ق : رجلي . ٢ انظر هذه المكاتبات في أزهار الرياض ٣ : ٢٨٣. ٣ ق : الدراية ... للرواية . ١٧٠ فيه أقلص من ظل حَصاة ، أما الرواية فحديثة الميلاد ، قريبة الإسناد ، لم تستند إلى علماء تحارير ، ولا إلى أعلام مشاهير ، وأما الدراية فَتَمد لا يبلغ أفواها، وبرض لا يبلُّ شفاها)) ثم كتب بعد هذا: لا يغرنكم قول فلان فيّ ولا قول فلان ، وعدد جماعة من الشعراء والفضلاء مدحوه بمقاطيع من الشعر ، وأوردها كلها ، ولا حاجة إلى الاتيان بها ها هنا، فلما فرغ من إيرادها كتب ((فإن ذلك اغترار منهم بالظاهر المموّه، وجهل بالباطن المشوّه، ولعل الذي غرهم مني ما رأوا من حسن منصح للمسلمين وبليغ الشفقة على المستفيدين ، وقطع المطامع عنهم ، وإفادة المبار والصنائع عليهم، وعزة النفس والرَّبِ بها عن الإسفاف للدنيّات ، والإقبال على خويصتي، والإعراض عما لا يعنيني ، فجللت في عيونهم ، وغلطوا في ونسبوني إلى ما لست منه في قَبيل ولا دَبير ، وما أنا فيما أقول بهاضمٍ لنفسي كما قال الحسن البصري، رحمه الله تعالى، في أبي بكر الصديق رضوان الله عليه بقوله (( وليتكم ولست بخيركم)): إن المؤمن ليهضم نفسه، وإِنما صدقت الفاحص عني وعن كنه روايتي ودرايتي ومن لقيت وأخذت عنه ، وما بلغ علمي وقصارى فضلي ، وأطلعته طلعَ أمري، وأفضيت إليه بخبيّة سري، وألقيت إليه عُجَري وبُجَري ، وأعلمته نجمي وشجري . وأما المولد. فقرية مجهولة من قرى خوارزم تسمى زَمَخْشر ، وسمعت أبي ، رحمه الله تعالى، يقول : اجتاز بها أعرابي فسأل عن اسمها واسم كبيرها، فقيل له : زمخشر والردّاد ، فقال لا خير في شر وردّ، ولم يُلْمم بها؛ ووقت الميلاد شهر الله الأصم في عام سبع وستين وأربعمائة، والله المحمود، والمصلى عليه محمد وآله وأصحابه)) هذا آخر الإجازة، وقد أطال الكلام فيها ، ولم يصرح له بمقصوده فيها ، وما أعلم هل أجازه بعد ذلك أم لا . وبيني وبينه في الرواية شخص واحد ، فإنه أجاز زينب بنت الشّعْري ، ولي منها إجازة كما تقدم في ترجمتها في حرف الزاي . ومن شعره السائر قوله، وقد ذكره السمعاني في ((الذيل))١ قال: أنشدني أحمد بن محمود الخوارزمي إملاء بسمرقند، قال : أنشدنا محمود بن عمر الزمخشري ١ لي : المذيل . ١٧١ لنفسه بخوارزم ، وذكر الأبيات وهي : ألا قل لسعدى ما لنا فيك من وَطَرْ وما تطلبين النجل من أعين البقر عيونهمُ والله يجزي من اقتصر ولم أر في الدنيا صفاء بلا كدر إلى جَنْب حوض فيه للماء مُنْحَدَر أردت به ورد الخدود وما شعر فانا اقتصرنا بالذين تضايقت مليح ولكن عنده كل جَفْوة ولم أنس إذ غازلته قرب روضة فقلت له : جئني بورد وإنما فقال : انتظرني رَجْعَ طرفٍ أجىء به فقلت له : هيهات ماليَ منتظر فقال : ولا ورد سوى الخد حاضر فقلت له: إني قنعت بما حضر ومن شعره يرئي شيخه أبا مضر منصوراً المذكور أولاً وقائلة : ما هذه الدرر التي تساقط من عينيك سمطين سمطين؟ فقلت : هو الدر الذي كان قد حشا أبو مضر أذْني تساقَطَ من عيني وهذا مثل قول القاضي أبي بكر الأرجاني - المقدم ذكره - ولا أعلم أيها أخذ من الآخر لأنهما كانا متعاصرين ، وهو : لم يُبكني إلا حديث فراقكم١ لمَّا أسر به إِلى مُوَدِّعي . هو ذلك الدر الذي أودعْتُمُ في مسمعي أجريته من مدمعي وهذان البيتان من جملة قصيدة طويلة بديعة ؛ ومن المنسوب إلى القاضي الفاضل في هذا المعنى : لا تردني نظرةٌ ثانية كَفَتِ الأولى ووفّت تمني لك في قلبي حديث مودع لا جحدت الحب ما أودعني خذه من جفني عقوداً إنه بعضُ ما أودعتَه في أذني ومما أنشده لغيره في كتابه ((الكشاف)) عند تفسير قول الله تعالى في سورة البقرة ﴿ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها﴾ (البقرة: ٢٦) ٠٠٠ ١ ق ر لي : فراقهم . : ١٧٢ فإنه قال : أنشدت لبعضهم : يا من يرى مدًّ البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليلِ ويرى عروق نياطها في نحرها والمخ في تلك العظام النحَلِ اغفرْ لعبدٍ تاب من فرطاته ما كان منه في الزمان الأول. وكان بعض الفضلاء قد أنشدني هذه الأبيات بمدينة حلب وقال : إن الزمخشري المذكور أوصى أن تكتب على لوح قبره هذه الأبيات ، ثم أنشدني ذلك الفاضل الرئيس بيتين وذكر أن صاحبهما أوصى أن يكتبا على قبره وهما١: إلهيَ قد أصبحْتُ ضيفك في الثرى وللضيف حق عند كل كريم فهب لي ذنوبي في قراي فإنها عظيم ولا يُفْرَى بغير عظيمِ وأخبرني بعض الأصحاب أنه رأى يجزيرة سواكن تربة ملكها عزيز الدولة ريحان وعلى قبره مكتوب : يا أيها الناس كان لي أمل قَصْر بي عن بلوغه الأجَلُ فليتق الله ربه رجل أمكنه قبل موته العمل ما أنا وحدي نقلت حيث ترى كل إلى ما نقلت ينتقل وكانت ولادة الزمخشري يوم الأربعاء السابع والعشرين من شهر رجب سنة سبع وستين وأربعمائة بزمخشر . وتوفي ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، ، فى يجُرْ جانية خوارزم، بعد رجوعه من مكة، رحمه الله تعالى؛ ورثاه بعضهم. ٥٣٨ بأبيات ، ومن جملتها : فأرض مكة تذري الدمع مقلتها حزناً لفرقة جار الله محمودٍ وزَمَخْشَر : بفتح الزاي والميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الشين المعجمة ١ ينتهي هنا الجزء الأول من المختار، وقد سقطت منه تراجم، ثم يبدأ الجزء الثاني بترجمة ((أبو تيم معد)» ١٧٣ وبعدها راء ، وهي قرية كبيرة من قرى خوارزم . وجُرْجانية: بضم الجيم الأولى وفتح الثانية وسكون الراء بينهما وبعد الألف نون مكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها مفتوحة مشددة ثم هاء ساكنة ، وهي قصبة خوارزم . قال ياقوت الحموي في كتاب ((البلدان)): يقال لها بلغتهم كركانج، وقد عربت فقيل لها الجرجانية ، وهي على شاطىء جيحون ، والله تعالى أعلم بالصواب . ٧١٢ القاضي الأصبهاني أبو طالب محمود بن علي بن أبي طالب بن عبد الله بن أبي الرجا التميمي الأصبهاني ، المعروف بالقاضي ، صاحب الطريقة في الخلاف ، تفقه على الشهيد محمد بن يحيى - المقدم ذكره - وبرع في الخلاف ، وصنف فيه التعليقة التي شهدت بفضله وتحقيقه وتبريزه على أكثر نظرائه، وجمع فيها بين الفقه والتحقيق، وكان عمدة المدرسين في إلقاء الدروس عليها ومن لم يذكرها فإنما كان لقصور فهمه عن إدراك دقائقها ، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به ، وصاروا علماء مشاهير . وكان له في الوعظ اليد الطولى ، وكان متفنناً في العلوم خطيباً ، خطب ودرس بأصبهان مدة ؛ وتوفي في شوال سنة خمس وثمانين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى . ٧١٢ - ترجمته في طبقات السبكي ٤: ٣٠٤ والشذرات ٤: ٢٨٤. ١٧٤ ٧١٣ محمود بن سبکتکین أبو القاسم محمود بن ناصر الدولة أبي منصور سُبُكتِكِين ، الملقب أولاً سيف الدولة ، ثم لقبه الإمام القادر بالله لما سلطنه بعد موت أبيه ((يمين الدولة وأمين الملة )) واشتهر به . (241) وكان والده سبكتكين قد ورد مدينة بخارى في أيام نوح بن منصور أحد ملوك السامانية ١ المذكورين في ترجمة أبي بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب، وكان وروده في صحبة أبي إسحاق ابن البتكين ، وهو حاجبه وعليه مدار أموره ، فعرفه أركانُ تلك الدولة بالشهامة والصرامة ، وتوسموا فيه الارتفاع إلى اليفاع. ولما خرج أبو إسحاق المذكور إلى غَزْنَة والياً عليها وسادّاً مسدًّ أبيه انصرف الأمير سبكتكين بانصرافه على جملته٢ في زعامة رجاله ومراعاة ما وراء بابه ، فلم يلبث أبو إسحاق بعد موافاتها أن قضى نحبه ، ولم يبق من ذوي قرابته مَنْ يصلح لمكانته واحتاج الناس إلى من يتولى أمورهم ، فاختلفوا فيمن يصلح لذلك ، ثم وقع اتفاقهم واجتمعت كلمتهم على تأمير الأمير سبكتكين ، فبايعوه على ذلك ، وانقادوا لحكمه . فلما تمكن واستحكم شرع في الغزاة والإغارة على أطراف الهند ، فافتتح قلاعاً كثيرة منها ، وجرت بينه وبين الهنود حروب يقصر الشرح عن وصفها ولم يلبث أن اتسعت رقعة ولايته وعظم حجم جريدته، وعمرت أرض خزانته٣، وأشفقت النفوس من هيبته . وكان من جملة فتوحاته ناحية بُسْت ، وكان من ....... ٧١٣ - أخباره في تاريخ ابن الأثير (ج: ٩) وابن خلدون ٤: ٣٦٣ والجواهر المضية ٢: ١٥٧ والبداية والنهاية ٢: ٢٧ والمنتظم ٨: ٥٢ وعبر الذهبي ٣: ١٤٥ والشذرات ٣: ٢٢٠. ١ ق : أحد الملوك السلطانية السامانية . ٢٠ لي لي ن : حملته . ٣ لي : خزائنه . ١٧٥ جملة ما استفاده١ من صفاياها أبو الفتح علي بن محمد البستي الشاعر المقدم ذكره ، فإنه كان كاتباً لملك الناحية المذكورة ، واسمه بابي نور٢ ، فلما تعلق بخدمته اعتمد عليه في أموره، وأسر إليه بأحواله ، وشرحُ ذلك يطول . وآخر الأمر أن الأمير سبكتكين كان قد وصل إلى مدينة بلخ من طوس فمرض بها ، واشتاق إلى غَزْنَة فخرج إليها في تلك الحال ، فمات في الطريق قبل وصوله، وذلك في شعبان سنة سبع وثمانين وثلثائة ، ونقل تابوته إلى غزنة، ورثاه جماعة من شعراء عصره منهم كاتبه أبو الفتح البستي المذكور بقوله : قلت إذ مات ناصر الدين والدولة حَيّاه ربه بالكرامه وتداعت جموعه بافتراق : هكذا هكذا تكون القيامه ! واجتاز بعض الأفاضل بداره بعد موته وقد تشعثت ، فأنشد : عليك سلام الله من منزل قفر فقد هِجتَ لي شوقاً قديماً وما تدري صروف الردى تبلي مغانيك في شهر عهدتك مذ شهر جديداً ولم أخل وكان الأمير المذكور قد جعل ولي عهده من بعده ولده إسماعيل ، واستخلفه على الأعمال ، وأوصى إليه بأمور أولاده وعياله ، وجمع وجوه حجابه وقواده على طاعته ومتابعته، وجلس على سرير السلطنة، وتحكم واعتبر بيوت الأموال ، وكان أخوه السلطان محمود بخراسان مقيماً بمدينة بلغ وإسماعيل بغزنة ، فلما بلغه نعي أبيه كتب إلى أخيه إسماعيل ولاطفه في القول وقال له : إن أبي لم يستخلفك دوني إلا لكونك كنت عنده وأنا كنت بعيداً عنه، ولو أوقف الأمر على حضوري لفاتت مقاصده٣، ومن المصلحة أن نتقاسم الأموال بالميراث وتكون أنت مكانك بغزنة وأنا بخراسان ، وندبر الأمور ونتفق على المصالح كيلا يطمع فينا عدو ، ومتى ما ظهر للناس اختلافنا قلّت حرمتنا؛ ، فأبى إسماعيل من ١ ن : استقاده . ٢ لي ن : بابي ثور ، ق : بابي النور ، وعند دي سلان : باي توز . ٣ لي : مصالح ومقاصد . ٤ ق ن لي : كي لا يطمع فينا متى ما ظهر للناس اختلافنا . ١٧٦ موافقته على ذلك وكان فيه لين ورخاوة، فطمع فيه الجند وتشغبوا عليه وطالبوه بالأموال فاستنفد في مرضاتهم الخزائن . ثم خرج محمود إلى هراة وجدد مكاتبة أخيه، وهو لا يزداد إلا اعتياصا١ً، فدعا محمود عمه بغراجق إلى موافقته فأجابه ؛ وكان أخوه أبو المظفر نصر بن سبكتكين أميراً بناحية بُسْت ، فنهض إليه وعرض عليه الانقياد لمتابعته فلم يتوقف عليه ، فلما قوي جأشه بعمه وأخيه قصد أخاه إسماعيل بغَزْنة وهما معه، فنازلها في جيش عظيم وجم غفير وحاصرها ، واشتد القتال عليها ففتحها، وانحاز إسماعيل إلى قلعتها متحصناً بها، ثم تلطف في طلب الأمان من أخيه. محمود فأجابه إلى سؤاله ، ونزل في حكم أمانه وتسلم منه مفاتيح الخزائن ، ورتب في غزنة النواب والأكفاء وانحدر إلى بلغ . وكان السلطان محمود قد اجتمع بأخيه إسماعيل في مجلس الأنس بعد ظفره به، فسأله عما كان في نفسه أنه يعتمده في حقه لو ظفر به ، فحملته سلامة صدره ونَشْوة السكر على أن قال: كان في عزمي أن أسيّرك إلى بعض القلاع مُوَسْعاً عليك فيما تقترحه من دار وغلمان وجوار ورزق على قدر الكفاية٢ ، فعامله بجنس ما كان قد نواه له ، وسيره إلى بعض الحصون وأوصى عليه الوالي أن يمكنه من جميع ما يشتهي . ولما انتظم الأمر للسلطان محمود ، كان في بعض بلاد خراسان نواب لصاحب ما وراء النهر من ملوك بني سامان، فجرى بين السلطان محمود وبينهم حروب" انتصر فيها عليهم ، وملك بلاد خراسان وانقطعت الدولة السامانية؛ منها، وذلك في سنة تسع وثمانين وثلثمائة ، واستتب له الملك ، وسير له الإمام القادر بالله خلعة السلطنة، ولقبه بالألقاب المذكورة في أول ترجمته، وتبوأ سرير المملكة ، وقام بين يديه أمراء خراسان سماطين مقيمين برسم الخدمة ، وملتزمين ١ ر : إباء . ٢ ق : على قدر الكفاية دار . ٣ ر : حروب عظيمة . ٤ ق : السلطانية السامانية . ١٢ - ٥ ١٧٧ حكم الهيبة ، وأجلسهم بعد الإذن العام على مجلس الأنس ، وأمر لكل واحد منهم ولسائر غلمانه وخاصته ووجوه أوليائه وحاشيته من الخلع والصلات ونفائس الأمتعة ما لم يسمع بمثله . واتسعت الأمور عن آخرها في كنف إيالته ، واستوسقت الأعمال في ضمن كفالته، وفرض على نفسه في كل عام غزْوَ الهند. ثم إنه ملك سجستان في سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة ، بدخول قوادها وولاة أمرها في طاعته من غير قتال . ولم يزل يفتح في بلاد الهند حتى انتهى إلى حيث لم تبلغه في الإسلام راية ، ولم تتل١ به قط سورة ولا آية، فَرَحَضَ عنها أدناس الشرك وبنى بها مساجد وجوامع، وتفصيل حاله يطول شرحِه . ولما فتح بلاد الهند كتب إلى الديوان العزيز ببغداد كتاباً يذكر فيه ما فتحه الله تعالى على يديه من بلاد الهند ، وأنه كسر الصنم٢ المعروف بسومنات. وذكر في كتابه أن هذا الصنم عند الهنود يُحي ويميت ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأنه إذا شاء أبرأ من جميع العلل، وربما كان يتفق لشقوتهم إبلال عليل يقصده فيوافقه طيب الهواء وكثرة الحركة فیزیدون به افتتاناً ويقصدونه من أقاصي البلاد رجالاً وركباناً ، ومن لم يصادف منهم انتعاشاً احتج بالذنب وقال : إنه لم يخلص له الطاعة ، ولم يستحق منه الإجابة ، ويزعمون أن الأرواح إذا فارقت الأجسام اجتمعت لديه على مذهب أهل التناسخ ، فينشئها فيمن يشاء ، وأن مد البحر وجَزره عبادة له على قدر طاقته ، وكانوا بحكم هذا الاعتقاد يحجونه من كل صقع بعيد ، ويأتونه من كل فج عميق ، ويتحفونه بكل مال نفيس . ولم يبق في بلاد السند والهند على تباعد أقطارها وتفاوت أديانها ملك ولا سوقة إلا تقرب إلى هذا الصنم بما عز عليه من أمواله وذخائره حتى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية مشهورة في تلك البقاع٣ ، وامتلأت خزائنه من أصناف الأموال ، وفي خدمته من البراهمة ألف رجل يخدمونه ، وثلثمائة رجل يحلقون رؤوس حجيجه ولحاهم عند الورود ١ ر : ولم تقر به ؛ ن : ولم تقل به قط صورة ولاية . ٢ ق : الصنم الكبير . ٣ ق : البلاد والبقاع . ١٧٨ عليه ، وثلثمائة رجل وخمسمائة امرأة يغنون ويرقصون عند بابه ، ويجرى من مال الأوقاف المرصَدة له لكل طائفة من هؤلاء رزق معلوم . وكان بين المسلمين وبين القلعة التي فيها الصنم مسيرة شهر في مفازة موصوفة بقلة المياه وصعوبة المسالك واستيلاء الرمل على طرقها ، فسار إليها السلطان محمود في ثلاثين ألف فارس جريدة مختارة من بين عدد كثير ، وأنفق عليهم من الأموال ما لا يحصى ؛ فلما وصلوا إلى القلعة وجدوها حصناً منيعاً، وفتحوها في ثلاثة أيام ، ودخلوا بيت الصنم وحوله من الأصنام الذهب المرصع بأصناف الجوهر عدة كثيرة١ محيطة بعرشه ، يزعمون أنها الملائكة، وأحرق المسلمون. الصنم المذكور فوجدوا في أُذنه نيفاً وثلاثين حلقة ، فسألهم محمود عن معنى ذلك فقالوا: كل حلقة عبادة ألف سنة ، وكانوا يقولون بقدم العالم ويزعمون. أن هذا الصنم يعبد منذ أكثر من ثلاثين ألف سنة ، وكلما عبدوه ألف سنة علقوا في أذنه حلقة ، وبالجملة فإن شرح ذلك يطول . وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أن بعض الملوك بقلاع الهند أهدى له هدايا كثيرة من جملتها طائر على هيئة القمري ، من خاصيته أنه إذا حضر الطعام وفيه سم دمعت عينا هذا الطائر وجرى منها ماء وتحجّر ، فإذا حك٢ ووضع على الجراحات الواسعة لحمها ، ذكر ذلك في سنة أربع عشرة وأربعمائة . وقد جمع سيرته أبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبي الفاضل المعروف في كتاب سماه ((اليميني)) وهو مشهور، وذكر في أوله أن السلطان المذكور ملك الشرق يجنبيه ، والصدر من العالم ويديه ، لانتظام الإقليم الرابع بما يليه من الثالث والخامس في حوزة ملكه وحصول ممالكها الفسيحة وولايتها٣ العريضة في قبضة ملكه ، ومصير أمرائها وذوي الألقاب الملوكية من عظمائها تحت حمايته وجبايته ، واستدرائهم من آفات الزمان بظل ولايته ورعايته ، وإذعان ملوك الأرض لعزته، وارتياعهم بفائض؛ هيبته، واحتراسهم - على تقاذف الديار ١٠ ق : عدد كثير . ٢ ق : حل ، ر : خط . ٣ ن : وولاياتها ؛ لي : وولاتها . ٤ ق : من فائض . ١٧٩ وتحاجز الأنجاد والأغوار - من فاجىء ركضته ، واستخفاء الهند تحت جيوبها١ عند ذكره، واقشعرارهم لمهب الرياح من أرضه، وقد كان مذ لَفَظه المهد وجفاه الرضاع ، وانحلت عن لسانه عقدة الكلام ، واستغنى عن الإشارة بالإفهام ، مشغولَ اللسان بالذكر والقرآن ، مشغوف النفس بالسيف والسنان ، ممدود الهمة إلى معالي الأمور، معقود الأمنية بسياسة الجمهور، لعبه مع الأتراب جد، وجده مستكدّ، يألمُ لما لا يعلم حتى يقتله٢ خُبراً، ويحزن لما يحزن حتى يدمّثه قسراً وقهراً . وذكر إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني-المقدم ذكره-في كتابه الذي الذي سماه ((مغيث الخلق في اختيار الأحق)» أن السلطان محموداً المذكور كان على مذهب أبي حنيفة ، رضي الله عنه ، وكان مولعاً بعلم الحديث ، وكانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه، وهو يسمع، وكان يستفسر الأحاديث ، فوجد أكثرها موافقاً لمذهب الشافعي رضي الله عنه ، فوقع في خلده ٣ حكة ، فجمع الفقهاء من الفريقين في مَرْو، والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر ، فوقع الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي، رضي الله عنه، وعلى مذهب أبي حنيفة، رضي الله عنه، لينظر فيه السلطان ، ويتفكر ويختار ما هو أحسنهما ، فصلى القفال المروزي - وقد تقدم ذكره - بطهارة مسبغَة وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة واستقبال القبلة، وأتى بالأركان والهيئات والسنن والآداب والفرائض على وجه الكمال والتام، وقال: هذه صلاة لا يجوّز الإمام الشافعي دونها رضي الله عنه، ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة رضي الله عنه، فلبس جلد كلب مدبوغاً ولطخ ربعه بالنجاسة ، وتوضأ بنبيذ التمر، وكان في صميم الصيف في المفازة ، واجتمع عليه الذباب والبعوض، وكان وضوءه منكساً منعكساً، ثم استقبل القبلة، وأحرم بالصلاة من غير نية في الوضوء ، وكبر بالفارسية دو بركك سبز، ثم نقر ١ لي : جنودها؛ ن ق : جبوبها . ٢ لي : يقلبه ؛ ق : يقبله . ٣ لي : جلد. ١٨٠