النص المفهرس
صفحات 121-140
غليل باطنٌ لك في فؤادي يخفف بالدموع الجاريات لفرضك والحقوق الواجبات ولو أني قدرت على قيام ونحت بها خلاف النائحات ملأت الأرض من نظم القوافي مخافة أن أعد من الجناة ولكني أُصبِّر عنك نفسي لأنك نُصْبُ هَطْل الهاطلات وما لك تربة فأقول تسقى عليك تحية الرحمن تترى برحمات غوادٍ رائحات ولم يزل١ ابن بقية مصلوباً إلى أن توفي عضد الدولة - في التاريخ المذكور في ترجمته في حرف الفاء٢ - فأنزل عن الخشبة ، ودفن في موضعه ، فقال فيه أبو الحسن ابن الأنباري صاحب المرئية المذكورة : لم يُلْحِقوا بك عاراً إذاصليت بلى باءوا بإثمك ثم استرجعوا ندما نصبوا من سؤدد علما وانهم وأيقنوا أنهم في فعلهم غلطوا. بدفنه دفنوا الافضال والكرما فاسترجعوك وواروا منكطودَ علا يُنسى، وكم هالك ينسى إذا عدما لئن بليتَ فلا يبلى نداك ولا تقاسم الناس حسن الذكر فيك كما ما زال مالُكَ بين الناس منقسما قال الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)): لما صنع أبو الحسن المرئية التائية كتبها ورماها في شوارع بغداد، فتداولتها الأدباء٣، إلى أن وصل الخبر إلى عضد الدولة ، فلما أنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب دونه ، فقال : عليَّ بهذا الرجل ، فطلب سنة كاملة، واتصل الخبر بالصاحب ابن عباد وهو بالري فكتب له الأمان ، فلما سمع أبو الحسن ابن الأنباري بذكر الأمان قصد حضرته فقال له : أنت القائل هذه الأبيات ؟ قال : نعم، قال : أنشدنيها من فيك ، فلما أنشد : ١ ق : قال الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق ولم يزل ... الخ. ٢ انظر = ٤ : ٥٤ ٠ ٣ ق : فتداولها الناس والأدباء . ١٢١ ولم أر قبل جذعك قط جذعا تمكن من عناق المكرمات قام إليه الصاحب وعانقه وقبل فاه ، وأنفذه إلى عضد الدولة ، فلما مثل بين يديه قال له : ما الذي حملك على مرئية عدوي ؟ فقال : حقوق سلفت وأياد مضت ، فجاش الحزن في قلبي فرثيت ، فقال: هل يحضرك شيء في الشموع ، والشموع تزهر بين يديه ، فأنشأ يقول : كأن الشموع وقد أظهرت من النار في كل رأس سنانا أصابعُ أعدائك الخائفين تضرّعُ تطلب منك الأمانا فلما سمعها خلع عليه وأعطاه فرساً وبدرة ؛ انتهى كلام الحافظ ابن عساكر رحمه الله . (227) قلت : قوله في الأبيات : ركبت مطية من قبل زيد علاها في السنين الماضيات زيد هذا هو أبو الحسين زيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، وكان قد ظهر في أيام هشام بن عبد الملك في سنة اثنتين وعشرين ومائة ، ودعا إلى نفسه ، فبعث إليه يوسف بن عمر الثقفي والي العراقين يومئذ جيشاً مقدمه العباس المري ، فرماه رجل منهم بسهم فأصابه فمات ، وصلب بكناسة الكوفة١، ونقل رأسه إلى البلاد . وقال ابن قانع : كان ذلك في صفر سنة إحدى وعشرين ومائة ، وقيل سنة اثنتين وعشرين ومائة في صفر أيضاً ، بالكوفة ، ولزيد من العمر اثنان وأربعون سنة يومئذ . وقال ابن الكلبي في كتاب ((جمهرة النسب)): إن زيد بن علي رضي الله عنهما أصابه سهم في جبهته فاحتمله أصحابه ، وكان ذلك عند المساء، ثم دعوا الحجام فانتزع النشابة٢ وسالت نفسه، رضي الله عنه. وذكر أبو عمرو الكندي في کتاب ((أمراء مصر)) أن أبا الحكم ابن أبي الأبيض العبسي٣ قدم إلى مصر برأس زيد ١ ق ر : وصلب بالكوفة . ٢ ق والمختار : السهم . ٣. كذا في ق ر والكندي:٨١ وورد في ن والخطط : القيسي . ١٢٢ ابن علي خطيباً يوم الأحد لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين ومائة ، واجتمع إليه الناس في المسجد ، وهو صاحب المشهد الذي بين مصر وبركة قارون ، بالقرب من جامع ابن طولون يقال : إن رأسه مدفون به ، والله أعلم بالصواب . (228) وقتل ولده يحيى بن زيد سنة خمس وعشرين ومائة ، وقصته مشهورة بالجوزجان، قتله سالم بن أحوز المازني، وقيل جهم بن صفوان صاحب الجهمية ١. وهذه القصيدة اتفق العلماء على أنه لم يعمل في بابها مثلها . وقد ذكر أبو تمام أيضاً حال المصلوبين في قصيدته التي مدح بها المعتصم لما صلب الأفشين خيذر ابن كاوس مقدم قواده وبابك ومازيار في سنة ست وعشرين ومائتين ، وقصتهم مشهورة ، فمنها قوله٢ : ولقد شفى الأحشاء من بُرَحائها إذ صار بابك جار مازيّارٍ كاثنين ثان إذ هما في الغار ثانيه في كبد السماء ولم يكن عن ناطس خبراً من الأخبار وكأنما انتَبَذا لكيا يطويا أيدي السموم مدارعاً من قار سود اللباس كأنما نَسَجتْ لهم قيدت لهم من مربط النجار بكروا وأسروا في متون ضوامر لا يبرحون ومَنْ رآهم خالهم أبداً على سفر من الأسفار وقبل هذا في وصف الأفشين خاصة : رمقوا أعاليَ جذعه فكأنما رمقوا الهلالَ عشية الإفطار " وهي من القصائد الطنانة. والأفشين مشهور فلا حاجة إلى ضبطه ؛ وهو بكسر الهمزة وفتحها، واسمه خيذر - بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الذال المعجمة وبعدها راء - وإنما قيدته لأنه يتصحف على كثير من الناس بجيدر ، بالحاء المهملة . ١ ق : وقتل أيضاً جهم بن صفوان صاحب ( بياض). ٢ ديوان أبي تمام ٢ : ٢٠٧ ١٢٣ (229) ومن شعر أبي الحسن الأنباري المذكور في الباقلى الأخضر قوله١: فصوص زمرّد في غلف در بأقماع حكت تقلي ظفر وقد خلع الربيع لها ثيابا لها لونان من بيض وخُصْر وقد ذكره الخطيب في ((تاريخ بغداد))٢، وقال: إنه من المقلين في الشعر، رحمه الله تعالى . ٧٠٠ الوزير فخر الملك أبو غالب محمد بن علي بن خلف ، الملقب فخر الملك، وزير بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة بن بويه ، وبعد وفاته وزر لولده سلطان الدولة أبي شجاع فَنَّاخُسْرو . وكان فخر الملك المذكور من أعظم وزراء آل بويه على الإطلاق بعد أبي الفضل محمد بن العميد والصاحب بن عباد - المقدم ذكرهما - وكان أصله من واسط ، وأبوه صيرفياً ، وكان واسع النعمة فسيح مجال الهمة جم الفضائل والإفضال جزيل العطايا والنوال ، قصده جماعة من أعيان الشعراء ومدحوه ، وقَرَّضُوه بنخب المدائح ، منهم أبو نصر عبد العزيز بن نباتة الشاعر - المقدم ذكره - له فيه قصائد مختارة ، منها قصيدته النونية التي من جملتها يقول : لكل فق قرين حين يسمو وفخر الملك ليس له قرين أنخْ يجنابه واحكم عليه بما أملته فأنا الضمين ١ ورد البيتان في حلبة الكميت : ٢٣٥ منسوبين للصنوبري وانظر ديوانه ٤٨٠ . ٢ تاريخ بغداد ٣ : ٣٥ . ٧٠٠ - أخباره في المنتظم ٧ : ٢٨٦ والوافي ٤: ١١٨ ومواضع متفرقة من ابن الاثير ( ج : ٩) وعبر الذهبي ٣ : ٩٧ والشذرات ٣ : ١٨٥. ١٢٤ أخبرني بعض علماء الأدب أن بعض الشعراء امتدح فخر الملك بعد هذه القصيدة ، فأجازه إجازة لم يرضها ، فجاء الشاعر إلى ابن نباتة ، وقال له : أنت غررتني١، وأنا ما مدحته إلا ثقة بضمانك ، فتعطيني ما يليق بمثل قصيدي، فأعطاه من عنده شيئاً رضي به ، فبلغ ذلك فخر الملك ، فسير لابن نباته جملة مستكثرة لهذا السبب . ويقرب من معنى هذين البيتين في شدة الوثوق بالعطاء قول المتنبي : وثقنا بأن تُعْطي فلو لم تجد لنا لخلناك قد أعطيت من قوة الوهم ويحكى في هذا المعنى أيضاً أن بعض الشعراء مدح بعض الأكابر بقصيدة ، فلما أصبح كتب إليه : لم أعالجك بالرقاع إلى أن عاجَلَتْني رقاعُ أهل الديونِ علموا أنني بمدحك أمسي ت مليّاً فأصبحوا يرفعوني٢" ومن جملة مداحه المهيار بن مرزويه الكاتب الشاعر المشهور - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وفيه يقول قصيدته الرائية التي منها٣ : أرى كبدي وقد بردت قليلاً أمات الهم أم عاش السرورُ أم الأيامُ خافتني لأني بفخر الملك منها أستجير ومدائحه كثيرة، ولأجله صنف أبو بكر محمد بن الحسن الحاسب الکرجي، كتاب ((الفخري)) في الجبر والمقابلة، وكتاب ((الكافي)) في الحساب. ورأيت في بعض المجاميع أن رجلً شيخاً رفع إلى فخر الملك المذكور قصة ١ ر والمختار : غريتني. ٢ ن : يقتضوني . ٣ ديوان مهيار ١ : ٣٥٨°. ٤ الكرجي : كذا في ر والمختار ، والمشهور أنه الكرخي، ( كما في بعض النسخ ) ، وانظر فصلا عن جهوده في الرياضيات في كتاب تراث العرب العلمي لقدري طوقان ص : ٢٤٩. ١٢٥ سعى فيها بهلاك شخص ، فلما وقف فخر الملك عليها قلبها وكتب في ظهرها : ((السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة، فان كنت أجريتها مجرى النصح، فخسرانِك فيها أكثر من الربح ، ومعاذ الله أن نقبل من مهتوك في مستور ، ولولا أنك في خفارة من شيبك لقابلناك بما يشبه مقالك ، ونردع به أمثالك ، فاكتم هذا العيب ، واتق من يعلم الغيب ، والسلام» . وذكر أبو منصور الثعالبي في كتاب ((تتمة يتيمة الدهر)) للأشرف بن فخر الملك قوله١ : مرّ بيَ الموكبُ لكنني لم أر فيه قمر الموكب قل لأمير الجيش يا سيدي ما الأمير الحسن لم يركب ومحاسن فخر الملك كثيرة ، ولم يزل في عزه وجاهه وحرمته إلى أن نقم عليه مخدومه سلطان الدولة المذكور بسبب اقتضى ذلك ، فحبسه ثم قتله بسفح جبل قريب من الأهواز، يوم السبت، وقيل يوم الثلاثاء ، لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعمائة ، ودفن هناك ، ولم يستقص في دفنه فنبشت الكلاب قبره وأكلته ، ثم أعيد دفن رمته ، فشفع فيه بعض أصحابه فنقلت عظامه إلى مشهد هناك فدفنت فيه في سنة ثمان وأربعمائة . [ وقال أبو عبد الله أحمد بن القادسي في ((أخبار الوزراء)): وكان الوزير فخر الملك قد أهمل بعض الواجبات فعوقب سريعاً ، وذلك أن بعض خواصه قتل رجلاً ظلماً ، فتصدت له زوجة المقتول تستغيث، فلم يلتفت إليها، فلقيته ليلة في مشهد باب التبن وقد حضر الزيارة ، فقالت له : يا فخر الملك ، القصص التي أرفعها إليك ولا تلتفت إليها صرت أرفعها إلى الله ، وأنا منتظرة خروج التوقيع من جهته ، فلما قبض عليه قال : لا شك أن توقيعها خرج ، واستدعي إلى مضرب سلطان الدولة ، ثم قبض عليه وعدل به إلى خركاه ، وقد أحيط على أمواله وخزائنه وكراعه وولده وأصحابه ، وقتل في التاريخ المذكور أعلاه، وأخذ من ماله ستمائة ألف دينار ونيف وثلاثون ألف دينار ، وقيل إنه وجد ١ انظر تتمة اليتيمة ١ : ٥٦ - ٥٧ ١٢٦ له ألف ألف ومائتا ألف دينار منطبعة . ورثاه الشريف الرضي بأبيات ما اخترت منها شيئاً حتى أثبته هاهنا ] فسبحان اللطيف الخبير ، الفعال لما يريد . ومولده بواسط يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وثلثمائة ، وقد استوفى هلال ابن الصابي أخباره في تاريخه ، والله تعالى أعلم بالصواب . ٧٠١ أبو نصر ابن جھیر أبو نصر محمد بن محمد بن جهير، الملقب فخر الدولة مؤيد الدين الموصلي الثعلي؛ كان ذا رأي وعقل وحزم وتدبير ، خرج من الموصل لأمر يطول شرحه، وصار ناظر الديوان بحلب ، ثم صرف عنه وانتقل إلى آمد ، وأقام بها مدة بطالا ، ثم توصل إلى أن وزر للأمير٢ نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي صاحب مَيَّافارقين وديار بكر - وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة نصر الدولة - وكان نافذ الكلمة مطاع الأمر ، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي نصر الدولة في التاريخ المذكور في ترجمته ، وقام بالأمر ولده نظام الدين ، فأقبل عليه وزاد في إكرامه فرتب أمور دولته وأجراها على الأوضاع التي كانت في أيام أبيه . ثم خطر له التوجه إلى بغداد ، فعمل على ذلك ، وكان يكاتب الإمام القائم بأمر الله، ولم يزل يتوصل ويبذل الأموال حق خرج إليه نقيب النقباء ابن طراد الزيني ، فقرر معه ما أراد تقريره ثم خرج لوداعه ، ويمم إلى بغداد ، وأرسل ١ انفردت ق بما بين معقفين . ٧٠١ - أخباره في تاريخ ابن الأثير (ج: ١٠) وابن خلدون ٤: ٣٢٠ وتاريخ الدولة السلجوقية: ٦٢ والمنتظم ٩: ٥٤ والفخري: ٢٦٠ والواني ١: ١٢٢ وعبر الذهبي ٣: ٣٠٤ والشذرات ٣ : ٣٦٩ ٠ ٢ ر : استوزره الأمير . ١٢٧ ابن مروان خلفه من يرده فلم يقدر عليه ، فلما بلغها تولى وزارة القائم بدلاً من أبي الغنائم ابن دارست١ في سنة أربع وخمسين وأربعمائة، ودام فيها إلى أن توفي القائم ، وتولى ولد ولده المقتدي بأمر الله فأقره على الوزارة مدة سنين ، ثم عزله عنها يوم عرفة الأميرُ أبو الغنائم ابن دارست، باشارة الوزير نظام الملك ، وكان ولده عميد الدولة شرف الدين أبو منصور محمد ينوب عنه فيها ، فلما عزل والده خرج هو إلى نظام الملك أبي الحسن وزير ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي - المقدم ذكره - واسترضاه وأصلح حاله معه وعاد إلى بغداد ،وتولى الوزارة مكان أبيه . وخرج أبوه فخر الدولة في سنة ست وسبعين إلى جهة السلطان ملكشاه المذكور باستدعائه إياه ، فعقد له على ديار بكر ، وسار معه الأمير أرتق بن أكسب صاحب حلوان -المقدم ذكره- في جماعة من التركمان والأكراد والأمراء، فلما وصلوا إلى ديار بكر فتح ولده أبو القاسم زعيم الرؤساء مدينة آمد بعد حصار شديد ، ثم فتح أبوه فخر الدولة مَيّافارقين بعد ثلاثة أشهر من فتح آمد وكان أخذها من ناصر الدولة أبي المظفر منصور بن نظام الدين ، واستولى على أموال بني مروان وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة. ومن عجيب الاتفاق أن منجماً حضر إلى ابن مروان نصر الدولة، وحكم له بأشياء ، ثم قال له : ويخرج على دولتك رجل قد أحسنت إليه ، فيأخذ الملك من أولادك ، فأفكر ساعة ثم رفع رأسه إلى فخر الدولة وقال : إن كان هذا القول صحيحاً فهو الشيخ هذا، ثم أقبل عليه وأوصاه على أولاده ، فكان الأمر كما قال ، فإنه وصل إلى البلاد وكان فتحها على يديه كما ذكرنا ، والشرح في ذلك يطول . و كان رئيساً جليلاً ، خرج من بيتهم جماعة من الوزراء والرؤساء ، ومدحهم أعيان الشعراء ، فمنهم أبو منصور علي بن الحسن ٢ المعروف بصَرْدُر"، أنفذ إلى فخر الدولة المذكور من واسط عند تقلده الوزارة قصيدة ، وهي من مشاهير القصائد ، وأولها٣ : ... ٢ ر ق : الحسين . ١ بدلا ... دارست : سقطت من ن رِ . ٣ الديوان : ٥٦ وانفذهما اليه سنة ٤٥٥ وفيها يعرض بابن دارست . ١٢٨ لجاجةُ قلبٍ ما يُفيق غرورها وقفنا صفوفاً في الديار كأنها يقول خليلي والظباءُ سوانح : لئن شابهت أجيادها وعيونها فيا عجبا منها يصدُّ أنيها وما ذاك إلا أن غزلانَ عامرٍ ألم يكفها ما قد جنته شموسها نکصنا على الأعقاب خوف إناٹها ووالله ما أدري غداة نظرتنا فإن کن من نبلٍ فأين حفيفها ؟ أيا صاحبي" استأذنا ليَ خُمْرها هباها تجافت عن خليل يروعها وقد قلتما لي ليس في الأرض جنة فلا تحسبا قلي طليقاً فإنما يعز على الهيم الخوامس وردها إذا كان ما بين الشفاه غديرها أراكَ الحمى قل لي بأي وسيلة توسَّلتَ حتى قبلتْكَ ثغورها ومن مديجها : وحاجةُ نفسٍ ليس يُقضى يسيرها صحائفُ ملقاةٌ ونحن سطورها أهذا الذي تهوى ؟ فقلت : نظيرها لقد خالفت أعجازها وصدورها ويدنو على ذعر إلينا نَفُورها تيقْنُ أن الزائرين صقورها على القلب حتى ساعدتها بُدورُها فما بالها تدعو نَزالٍ ذكورها أتلك سهام أم کؤوس تديرها وإن كن من خمر فأين سرورها ؟ فقد أذنت لي في الوصول خدورها فهل أنا إلا كالخيال يزورها أما هذه فوق الركائب حُورُها لها الصدر سجن وهو فيه أسيرها أعدت إلى جسم الوزارة روحه وما كان يُرجى بعثها ونشورها وهذا الزمان قرؤها وطهورها أقامت زماناً عند غيرك طامئاً من الحق أن يُحْبَى بها مستحقها ويُنْزَعَها مردودة مستعيرها إذا ملك الحسناء من ليس كفؤها أشار عليها بالطلاق مشيرها وأنشده أيضاً لما عاد إلى الوزارة في صفر سنة إحدى وستين وأربعمائة بعد العزل ، وكان المقتدي بالله قد أعاده إلى الوزارة بعد العزل وقبل الخروج إلى ٩٠ - ٥ ١٢٩ السلطان ملكشاه ، فعمل فيه صردر هذه القصيدة١ : قد رجع الحق إلى نصابهِ وأنت من كل الورى أولى بهِ ما كنت إلا السيف سلته يد ثم أعادته إلى قرابه هزّته حتى أبصرته صارماً أكرم بها وزارة ما سلمت رونقه يغنيه عن ضرابه ما استودعت إلا إلى أربابه شوق أخي الشيب إلى شبابه مشوقة إليك مذ فارقتها أن يدرك البارق في سحابه مثلك محسود ولكن معجزٌ يخرج ليثاً خادراً من غابه في خِيسه بظفره ونابه حاولها قوم ومن هذا الذي يُدْمي أبو الأشبال من زاحمه وهل سمعتَ أو رأيتَ لابساً ما خلع الأرقم من إهابه ومنها : تيقنوا لما رأوها صَعْبة٢ أن ليس للجو سوى عقابه بعد السَّرار ليلة احتجابه إن الهلال يرتجى طلوعه وإن طواها الليل في جنابه والشمس لا يُؤيسُ من طلوعها للمرء أحلى أثر اغترابه ما أطيب الأوطان إلا أنها والخلد للإنسان في مآبه كم عودةٍ دلت على دوامها ما لَجْجَ الغائص في طلابه لو قرب الدرُ على جالبه ولو أقام لازماً أصدافه لم تكن التيجان في حسابه ما لؤلؤ البحر ولا مَرْجانه إلا وراء الهول من عبابه وهي قصيدة طويلة اقتصرنا منها على هذا القدر . وقد سبق في ترجمة سابور بن أردشير ثلاثة أبيات كتبها إليه أبو إسحاق ١ ديوانه : ٦٣ . ٢ ق. ر والمختار : صنعة ؛ بر : ضيعة . ١٣٠ . الصابي لما عاد إلى الوزارة بعد العزل ، ولم يعمل في هذا الباب مثلها . وممن مدحه أيضاً القائد أبو الرضا الفضل بن منصور الشريف الفارقي ، وفيه عمل الأبيات الحائية المشهورة ، وهي : يا قالةَ الشعر قد نصحت لكم ولست أدهى إلا من النصحِ ذاك أمورٌ طويلةُ الشرح قد ذهب الدهرُ بالكرام وفي ظرف١ وجوهاً في غاية القبح وأنتمُ تمدحون بالحسن والـ قد طُبعت نفسه على الشح وتطلبون السماح من رجل لأنكم تكذبون في المدح من أجل ذا تحرمون كدكمُ يعثر فيه الرجاء بالنجح صونوا القوافي فما أرى أحداً فكذبوني بواحد سمح فإن شككتم فيا أقول لكم سوى الوزير الذي رياسته تعرك أُذْنَ الزمان بالملح وكانت ولادة فخر الدولة المذكور في سنة ثمان وتسعين وثلثمائة بالموصل ؟ وتوفي بها في شهر رجب ، وقيل في المحرم ، سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة ودفن في تل توبة، وهو تل في قبالة الموصل يفصل بينهما عرض الشط، رحمه الله تعالى. وكان قد عاد إلى ديار ربيعة متولياً من جهة ملكشاه أيضاً في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة ، فأول ما ملك نصيبين في شهر رمضان من هذه السنة ، ثم ملك الموصل وسنجار والرحبة والخابور وديار ربيعة أجمع ، وخطب له على منابرها٢ نيابة عن الموصل إلى أن توفي . (230) وأما ولده عميد الدولة المذكور فقد ذكره محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه فقال : انتشر عنه الوقار والهيبة والعفة وجودة الرأي ، وخدم ثلاثة من الخلفاء ووزر لاثنين منهم، وكان عليه رسوم كثيرة وصلات جمة ، وكان نظام الملك يصفه دائماً بأوصاف عظيمة ، ويشاهده بعين الكافي الشهم ، ويأخذ رأيه في أهم الأمور ويقدمه على الكفاة والصدور ، ولم يكن يعاب بأشد من الكبر ١ ق : بالظرف والحسن . ٢ ق : المناير . ١٣١ الزائد، فإن كلماته كانت محفوظة مع ضنه بها، ومَنْ كلمه بكلمة قامت عنده مقام بلوغ الأمل، فمن جملة ذلك ما قاله لولد الشيخ الإمام أبي نصر ابن الصباغ: اشتغل وتأدب ، وإلا كنت صباغاً بغير أب ، انتهى كلام ابن الهمداني . وكان نظام الملك الوزير قد زوجه زبيدة ابنته ، وكان قد عزل عن الوزارة ثم أعيد إليها بسبب المصاهرة.، وفي ذلك يقول الشريف أبو يعلى ابن الهَبّارية - المقدم ذكره - : وإن تعاظم واستولى لمنصبهِ قل للوزير ولا تُفزعك هيبته لولا ابنة الشيخ ما استوزرت ثانية فاشكر حراً صرت مولانا الوزير به ووجدت بخط أسامة بن منقذ - المقدم ذكره - أن السابق بن أبي مهزول الشاعر المعري قال : دخلت العراق واجتمعت بابن الهَبّارية ، فقال لي في بعض الأيام : امض بنا لنخدم الوزير ابن جهير ، وكان قد عزل ثم استوزر ، قال السابق : فدخلت معه حتى وقفنا بين يدي الوزير ، فدفع إليه رقعة صغيرة ، فلما قرأها تغير وجهه ورأيت فيه الشر، وخرجنا من مجلسه فقلت : ما كان في الرقعة ؟ فقال: خير ، الساعة تضرب رقبتي ورقبتك ، فأشفقت وقلقت ، وقلت : أنا رجل غريب صحبتك هذه الأيام ، وسعيت في هلاكي ، فقال : كان ما كان . فقصدنا باب الدار لنخرج فردّنا البواب، فقال: أمرت بمنعكما ، فقال السابق : أنا رجل غريب من أهل الشام ما يعرفني الوزير ، وإنما القصد هذا ، فقال البواب : لا تطوّل فما إلى خروجك من سبيل ، فأيقنت بالهلاك ، فلما خفّ الناس من الدار خرج إليه غلام معه قرطاس فيه خمسون ديناراً وقال : قد شكرنا فاشكر ، فانصرفنا ، ودفع لي عشرة دنانير منها ، فقلت : ما كان في الرقعة ؟ فأنشدني البيتين المذكورين ، فآليت أن لا أصحبه بعدها . ولعميد الدولة شعر ذكره في (( الخريدة)) لكنه غير مرضي ، وذكره ابن السمعاني في كتاب ((الذيل))؛ ومدحه خلق كثير من شعراء عصره ، وفيه يقول صردر المذكور قصيدته العينية المشهورة التي أولها١: ١ ديوانه : ٦٧ ١٣٢ قد بان عذرك والخليط مودّع وهوى النفوس مع الهوادج يرفعُ لك حيثما سمت الركائب لفتة أترى البدور بكل واد تطلع أحشاء مرعى والمآتي مكرع في الطاعنين من الحمى ظبي له الـ حذراً عليه من العيون البرقع ممنوعُ أطراف الجمال رقيبه فارتاع فهو لكل حبل يقطع عهد الحبائلَ صائداتٍ شبهه حرم الكلام له لساني الأصبع لم يدر حامي سربه أني إذا بتحية منه فعيني تسمع وإذا الطيوف إلى المضاجع أرسلت وهذه القصيدة طويلة ، وهي من غرر الشعر ، وقوله فيها : عهد الحبائل صائدات شبهه فارتاع فهو لكل حبل يقطع نظير قول ابن الحمارة الأندلسي : عن النوم سل عيناً به طال عهدها وكان قليلاً في ليالٍ قلائلٍ إذا ظن وكراً مقلتي طائرُ الكرى رأى هُدْبَها فارتاع خوف الحبائل ولا أدري أيهما أخذ من الآخر، لأني لم أقف على تاريخ وفاة ابن الحمارة حتى أعرف عصره١. ويجوز أن يكون ذلك بطريق التوارد على هذا المعنى من غير أن يأخذ أحدهما من الآخر . وعزل عميد الدولة المذكور عن الوزارة وحُبس وقيّد في شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وتوفي في شوال من السنة، وإليه كتب أبو الكرم ابن العلاف الشاعر قوله : ولولا مدائحنا لم تبن٢ فعالُ المسيءٍ من المحسنِ فهبك احتجبت عن الناظرين فهلا احتجبت عن الألسنِ ١ المشهور بهذا الاسم أبو عامر ابن الحمارة تلميذ ابن باجة الاندلسي في الغناء والموسيقى (انظر ترجمته في بغية الملتمس : ٥١٧ والمغرب ٢ : ١٢٠ وصفحات متفرقة من نفح الطيب). ٢ ق ر والمختار : تكن . ١٣٣ (231) وتوفيت زوجته بنت نظام الملك المذكور في شعبان سنة سبعين وأربعمائة وكان تزوجها في سنة اثنتين وستين وأربعمائة . وتوفي سنة ثلاث وتسعين في حصن مقابل لتل بها١ . (232) ولصردر أيضاً في زعيم الرؤساء أبي القاسم ابن فخر الدولة قصيدته القافية التي أولها٢ : صبِّحها الدمع ومساها الأرَق هل بين هذين بقاء الحدق وهي بديعة مختارة مشهورة فلا حاجة إلى التطويل في الإتيان بها ؛ وتولى زعيم الرؤساء أبو القاسم ابن فخر الدولة وزارة الإمام المستظهر بالله ، في شعبان من سنة ست وتسعين وأربعمائة ، ولقبه نظام ، وقيل قوام ، الدين . وجهير : بفتح الجيم وكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، وقال السمعاني : بضم الجيم ، وهو غلط، يقال رجل جَهير بَيِّنُ الجهارة ، أي ذو منظر، ويقال أيضاً جهير الصوت بمعنى جهوري الصوت ، والله تعالى أعلم بالصواب . ٧٠٢ ظهير الدين الروذراوري أبو شجاع محمد بن الحسين بن محمد٣ بن عبد الله بن إبراهيم، الملقب ظهير الدين، الرُّوذ راوَري الأصل الأهوازي المولد ؛ قرأ الفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وقرأ الأدب، وولي الوزارة للإمام المقتدي بأمر الله بعد عزل عميد ١ كذا وهو مغاير لما سبق . ٢ ديوانه : ١١٠ . ٧٠٢ - أخباره في تاريخ ابن الأثير ( ج: ١٠) والفخري: ٢١٤ والوافي ٣: ٣ والمنتظم ٩ : ٩٠ والخريدة ( قسم العراق) ١: ٧٧ وطبقات السبكي ٣ : ٥٧ . ٣ بن محمد : سقطت من ر ق . ١٣٤ الدولة أبي منصور ابن جَهير المذكور قبله في ترجمة أبيه فخر الدولة ، وذلك في سنة ست وسبعين وأربعمائة ، وعزل عنها يوم الخميس تاسع عشر صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وأعيد عميد الدولة ابن جَهير . ولما قرأ أبو شجاع التوقيع بعزله أنشد : تولاها وليس له عدو وفارقها وليس له صديق وخرج بعد عزله ماشياً يوم الجمعة من داره إلى الجامع ، وانثالت عليه العامة تصافحه وتدعو له ، وكان ذلك سببا١ً لإلزامه بالقعود في داره ، ثم خرج إلى رُوُذْراوَر وهي موطنه قديماً، فأقام هناك مدة، ثم خرج إلى الحج في الموسم٢ سنة سبع وثمانين وأربعمائة ، وخرجت العرب على الركب الذي هو فيه بقرب الربذة ، فلم يسلم من الرفقة سواه، وجاور بعد الحج بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، إلى أن توفي في النصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ، ودفن بالبقيع عند القبة التي فيها قبر إبراهيم عليه السلام ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وكانت ولادته سنة سبع وثلاثين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى . قال العماد الكاتب في (( الخريدة)) في حقه: وكان عصره أحسن العصور، وزمانه أنضر٣ الأزمان، ولم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدين وقانون الشريعة مثله، صعباً شديداً في أمور الشرع ، سهلاً في أمور الدنيا ، لا تأخذه في الله لومة لائم . ثم قال: ذكره ابن الهمداني في ((الذيل))٤ فقال: كانت أيامه أوفى الأيام سعادة للدولتين، وأعظمها بركة على الرعية ، وأعمها أمناً وأشملها رخصاً وأكملها صحة، لم يغادها° بؤس ولم تشبها مخافة ، وقامت الخلافة في نظره من الحشمة ١ ق : سبيلا . ٢ ق : موسم . ٣ ر : أفضل؛ بر من: أحسن . ٤ ق ر : المذيل . • ق ر ن بر من : يغادرها . ١٣٥ والاحترام ، ما أعادت سالف الأيام ، وكان أحسن الناس خطاً ولفظاً . وذكره الحافظ ابن السمعاني في ((الذيل)) فقال: كان يرجع إلى فضل كامل وعقل وافر ورزانة ورأي صائب ، وكان له شعر رقيق مطبوع ، أدركته حرفة الأدب ، وصُرف عن الوزارة وكلف لزوم البيت ، فانتقل من بغداد إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم، وأقام بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام إلى حين وفاته ، وزرت قبره غير مرة عند قبر إبراهيم ابن نبينا ، صلى الله عليه وسلم، بالبقيع ؛ ثم قال السمعاني بعد ذلك: سمعت من أثق به يقول إن الوزير أبا شجاع وقت أن قرب أمره وحان ارتحاله من الدنيا حمل إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فوقف عند الحظيرة وبكى وقال : يا رسول الله ، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيا﴾ ( النساء : ٦٤) ولقد جئتك معترفاً بذنوبي وجرائمي أرجو شفاعتك ، وبكى ورجع وتوفي من يومه. وله شعر حسن مجموع في ديوان ، فمن ذلك! قوله : لأعذّبن العينَ غيرَ مفكّر فيها بكت بالدمع أو فاضت دما حتى يعودّ على الجفون محرّما ولأهجرن من الرقاد لذيذَهُ لو لم تكنْ نظرتْ لكنت مسلما هي أوقعتني في حبائلٍ فتنةٍ وهي التي بدأت فكانت أظلما سفكت دمي فلأسفكن دموعها وإلى هذا المعنى ينظر قول بعضهم : يا عين ما ظلم الفؤادُ ولا تعدَّى في الصنيعِ جرعته مرَّ الهوى فمحا سوادَكِ بالدموعِ؟ وله أيضاً : وإني لأبدي في هواك تجلداً وفي القلب مني لوعة وغليلُ ١ بر من : فمن شعره . ٢ وإلى هذا ... بالدموع: ثبت في النسخ الخطية ولم يرد في المطبوعة المصرية. ١٣٦ فلا تحسي أني سلوت فربما ◌ُرى صحة بالمرء وهو عليل١ُ وله أيضا٢ً : بغير لقاء ؟ إن ذا لشديدٌ أيذهب جلّ العمر بيني وبينكم فإن يسمح الدهر الخؤون بوصلكم على فاقتي إني إذاً لسعيدُ وعمل ذيلاً على كتاب ((تجارب الأمم))، تأليف أبي علي أحمد بن محمد المعروف بمسكويه ، وهو التاريخ المشهور بأيدي الناس . وقال محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه : وظهر منه من التلبس في الدين وإظهاره وإعزاز أهله والرأفة بهم والأخذ على أيدي الظالمة ما أذكرَ به عدل العادلين ؛ وكان لا يخرج من بيته حتى يكتب شيئاً من القرآن العظيم ويقرأ في المصحف ما تيسر . وكان يؤدي زكاة أمواله الظاهرة في سائر أملاكه وضياعه واقطاعه ويتصدق سراً . وعرضت عليه رقعة فيها : إن الدار الفلانية بدرب القيّار ، فيها امرأة معها أربعة أيتام وهم عراة جياع ، فاستدعى صاحباً له وقال له: مُرّ واكسهم وأشبعهم ، وخلع أثوابه وحلف : لا لبستها ولا دفنت حتى تعود إلي وتخبرني أنك كسوتهم وأشبعتهم . ولم يزل يُرْعد إلى أن جاء صاحبه وأخبره بذلك ؛ وكانت له مبار كثيرة . والرُّوذْ رَاوريّ: بضم الراء وسكون الواو والذال المعجمة وفتح الراء والواو بينهما ألف في آخرها راء أخرى، هذه النسبة إلى رُوذْرَاوَرَ ، وهي بليدة٣ بنواحي همذان ، والله تعالى أعلم . ١ لم يرد إلا في بر من . ٢ بر من : ومن شعره أيضاً. ٣ ق ن بر من : بلدة . ١٣٧ ٧٠٣ عميد الملك الكندري أبو نصر محمد بن منصور بن محمد ، الملقب عميد الملك الكندري ؛ كان من رجال الدهر جوداً وسخاء وكتابة وشهامة، واستوزره السلطان طُغْرلبَك السلجوقي - المقدم ذكره - ونال عنده الرتبة العالية والمنزلة الجليلة ، ولم يكن لأحد من أصحابه معه كلام ، وهو أول وزير كان لهذه الدولة ، ولم تكن له منقبة إلا صحبة إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك ابن الشيخ أبي محمد الجويني الفقيه الشافعي صاحب ((نهاية المطلب)) على ما ذكره السمعاني في ترجمة أبي المغالي في كتاب (الذيل)) فإنه قال - بعد الإطناب في وصف إمام الحرمين وذكر تنقله في البلاد - ثم قال : وخرج إلى بغداد وصحب العميد الكندري أبا نصر مدة يطوف معه ويلتقي في حضرته بالأكابر من العلماء ويناظرهم ، وتحنك بهم حتى تهذب في النظر، وشاع ذكره١ . وذكره شيخنا ابن الأثير في تاريخه٢ في سنة ست وخمسين وأربعمائة وقال : إن الوزير المذكور كان شديد التعصب على الشافعية كثير الوقيعة في الشافعي ، رضي الله عنه ، حتى بلغ من تعصبه أنه خاطب السلطان ألب أرسلان السلجوقي في لعن الرافضة على منابر خراسان ، فأذن في ذلك ، فلعنهم وأضاف إليهم الأشعرية، فأنف من ذلك أئمة خراسان، منهم أبو القاسم القشيري وإمام الحرمين الجويني وغيرهما ، ففارقوا خراسان ، وأقام إمام الحرمين بمكة شرفها الله تعالى أربع سنين يدرس ويفتي ، فلهذا قيل له إمام الحرمين فلما جاءت الدولة ٧٠٣ - أخباره في تاريخ ابن الأثير ( ج: ٩، ١٠) وأخبار الدولة السلجوقية واللباب: (الكندري) وعبر الذهبي ٣ : ٢٤٠ والشذرات ٣ : ٣٠١. ١ زاد في ن: قلت: وهذا خلاف ما ذكره شيخنا .. الخ فانه قال . ٢ انظر تاريخ ابن الأثير ١٠ : ٣٣. ١٣٨ النظامية أحضر من انتزح منهم وأكرمهم وأحسن إليهم ؛ وقيل إنه تاب عن الوقيعة في الشافعي ، فإن صح فقد أفلح . وكان عميد الملك ممدَّحاً مقصداً للشعراء ، مدحه جماعة من أكابر شعراء عصره ، منهم أبو الحسن علي بن الحسن الباخرزي - المقدم ذكره - والرئيس أبو منصور علي بن الحسن بن علي بن الفضل ، الكاتب المعروف بصردر - المقدم ذكره أيضاً - وفيه يقول قصيدته النونية ، وهي١ : قُصُّوا عليّ حديثَ من قتلَ الهوى ولئن كتمتم مشفقين لقد درى فوق الركاب ولا أطيل مشبها مُزَّتْ قدودهمُ وقالت الصبا ووراء ذياك المقبل مورد إما بيوت النحل بين شفاههم ترمي بعينيك النجاج مقلباً لو كنت زرقاء اليمامة ما رأت شكواك من ليل التام وإنما ومعنفٍ ٣ في الوجد قلت له اتند ما نافعي إذ كان ليس بنافعي لا تطرقنْ خجلاً للومة لائم أأسومهم، وهم الأجانبُ، طاعة". أكذا يُجازَى ود كل قرين أم هذه شِيَمُ الظباءِ العينِ إِن التأسي رَوْحُ كلِّ حزين بمصارع العذري والمجنون بل ثم شهوة أنفس وعيون هزُؤاً أعند البان مثل غصوني حصباؤه من لؤلؤ مكنون منظومة٢ أو حانة الزرجون ذات الشمال بها وذات يمين من بارق حيّاً على جيرون أرَقي بليل ذوائب وقرون فالدمع دمعي والحنين حنيني جاه الصبا وشفاعة العشرين ما أنت أول حازم ٤ مفتون وهوايَ بين جوانحي يعصيني ١ ديوانه : ٥٣ . ٢ ق بر من : منضودة . ٣ ق ر بر من والمختار : ومعنفي . ٦ ٤ بر : حاذر . ١٣٩ ديني على ظبياتهم ما يُقتضى فبأي حكم يقتضون رهوني وخشيتُ من قلبي الفرارَ إليهمُ حتى لقد طالبته بضمين كلَّ النكال أطيق إلا ذلة يا عين مثل قَذاك رؤيةُ معشرٍ لم يشبهوا الإنسان إلا أنهم نجس العيون فإن رأتهم مقلي أنا إن همُ حسبوا الذخائر دونهم لا يشمتِ الحسادَ أن مطامعي ما يستدير البدر إلا بعدما هذا الطريق اللحبُ زاجرُ ناقتي فإذا عميدُ الملك حَلَّى ربعه ملك إذا ما العزمُ حث جياده بأغرّ ما أبصرت نور جبينه تجلو النواظرُ في نواحي دسته عمت فضائله البرية فالتقى قالوا وقد شنوا عليه غارة لو كان في الزمن القديم تظلمت أما خزائن ماله فمباحة ما الرزق محتاجاً بعرضته إلى إن العزيز عذابه بالهون عارٌ على دنياهُ والدين متكونون من الحما المسنون طهرتُها فنزحت ماء جفوني وهمُ إذا عدوا الفضائل دوني عادت إليّ بصفقة المغبون أبصرته في الضمر كالعرجون واليمُّ قاذفُ فلكيَ المشحون ظفراً بفأل الطائر الميمون مَرِحَتْ بأزهرَ شامخ العرنين إلا اقتضاني بالسجودِ جبيني والسرج بدرَ دجى وليثَ عرين شكر الغنيّ ودعوة المسكين أصيلات جود أم قضاء ديون منه الكنوز إلى يَدَي قارون فاستوهبوا من علمه المخزون ١ طلب وليس الأجرُ بالممنون أقسمتُ أن ألقى المكارمَ عالماً أني برؤيته أبر يميني من رهبةٍ ، وبسالة من لين ساس الأمور فليس يخلي رغبة ومضاؤه في حده المسنون كالسيف رونق أثرهٍ في مَتنه شهدت علاه أن عنصر ذاته مسك وعنصر غيره من طين ١ سقط البيت من ن ر ق . ١٤٠