النص المفهرس

صفحات 101-120

رحم الله رحيما دل عينيْ عليه
سهرَتْ عيني ونامت عين من هنْتُ لديه
وقال أحمد الأحول : لما قبض على ابن الزيات تلطفتُ إلى أن وصلت إليه
فرأيته في حديد ثقيل ، فقلت له : يعز علي ما أرى ، فقال :
سل ديار الحي من غَيّرَها وعفاها ومحا منظرها
صيرت معروفها مُنْكَرَها
وهي الدنيا إذا ما أقبلت
نَحْمد الله كذا قدرها
إنما الدنيا كظل مائل.
ولما جعل في التنور قال له خادمه : يا سيدي ، قد صرت إلى ما صرت
إليه وليس لك حامد ، فقال : وما نفع البرامكة صنعهم ؟ فقال : ذكرك لهم
هذه الساعة ، فقال : صدقت ، رحمه الله تعالى .
٦٩٦ ب
الوزير ابن الزيات
... كان شاعراً مجيداً وفاضلًا نبيلاً، وزر لثلاثة خلفاء من بني العباس وهم :
المعتصم والواثق والمتوكل ، وكان سبب وزارته ما حكى الصولي عن سعيد بن
سلم قال : ورد كتاب من الجبل على المعتصم بوصف خصب السنة وكثرة الكلا
فقال لأحمد بن عمار : ما الكلأ ؟ فلم يعرفه، فدعا ابن عبد الملك وسأله عنه
فقال : ما رطب من النبات فهو كلأّ، وإذا جف فهو حشيش ، ويسمى أول
ما ينبت الرطب والبقل، فقال لأحمد : انت انظر في الأمور والدواوين
والأعمال، وهذا يعرض عليّ، فعرض عليه أياماً ثم استوزره؛ وكان محمد
٦٩٦ ب - انفردت بها النسخة مج على هذا النحو .
١٠١

المذكور قبل ذلك يلي أمور المطبخ والفرش .
وكان الواثق لما ولي أمر أن يقوم جميع الناس لابن الزيات ، ولم يجعل في
ذلك رخصة لأحد، فكان ابن أبي دواد يستعجل صلاة الضحى إذا أحس بقدومه
أنفة من القيام له في دار السلطان ، وامتثالاً للأمر ، فصنع ابن الزيات :
صلّى الضحى لما استقاد عداوتي وأراه ينسك بعدها ويصومُ
لا تأمننّ عداوةَ مسمومة تركتك تقعد ثارةً وتقومُ
وقد سبق شيء من خبره معه في ترجمته .
ومن شعر محمد المذكور في جاريته أُم ابنه عمر ، وقد ماتت :
يقول لي الخلان لو زرت قبرها فقلت وهل غير الفؤاد لها قبر
على حين لم أحدث فأجهل فقدها ولم أبلغ السنّ التي معها الصبرُ
وشعره كله نخب ، ونقتصر منه على هذا القدر ففيه كفاية .
وكان أبوه زياتاً إلا أنه كان كثير المال ؛ وكان محمد المذكور شديد القسوة
صعب العريكة لا يرق لأحد ولا يرحمه ، وكان يقول : الرحمة خور في الطبيعة.
ووقع يوماً على رقعة رجل توسل إليه بقرب الجوار منه : الجوار للحيطان ،
والتعطف للنسوان .
فلما أراد المتوكل قتله أحضره وأحضر تنور خشب فيه مسامير من حديد
أطرافها إلى داخل التنور تمنع من يكون فيه من الحركة ، كان محمد اتخذه ليعذب
فيه من يطالبه - وهو أول من عمل ذلك وعذب فيه ابن أسباط المصري -
وقال : أجرينا فيك حكمك في الناس ، فأجلس فيه ، فمات بعد ثلاث وذلك في
سنة ثلاث وثلاثين ومائتين ؛ وقيل أنه كتب في التنور بفحمة :
من له عهد بنوم يرشد الصِبَّ إليه
رحم الله رحيماً دلَّ عينيَ عليه
ودفن ولم يعمق قبره فنبشته الكلاب وأكلته ، رحمه الله تعالى .
١٠٢

وكان الجاحظ منقطعاً إليه فخاف أن يؤخذ مع أسبابه ، فغاب وكان يقول:
كدت أكون [ ...... ]. وحكى ابن أبي العيناء قال: كنت عند ابن أبي دواد
بعد قتل ابن الزيات فجيء بالجاحظ مقيداً وكان في أسبابه وناحيته ، وعند ابن
أبي دواد محمد بن منصور ، وهو إذ ذاك يلي قضاء فارس وخوزستان ، فقال ابن
أبي دواد الجاحظ: ما تأويل هذه الآية ﴿ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى
وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد﴾ ( هود : ١٠٢) فقال : تلاوتها تأويلها
أُعزّ الله القاضي ، فقال: جيئوا بحداد، فقال: أعز الله القاضي ، ليفك عني
أو ليزيدني ؟ فقال: بل ليفك عنك، فجيء بالحداد وغمزه بعض أهل المجلس
أن يعنف بساق الجاحظ ويطيل أسره قليلاً ، ففعل ، فلطمه الجاحظ وقال :
اعمل عملَ شهر في يوم وعمل يوم في ساعة وعمل ساعة في لحظة ، فان الغرر على
ساقي وليس يجذعٍ ولا ساجة ، فضحك ابن أبي دواد وأهل المجلس منه ، وقال
ابن أبي دواد لمحمد بن منصور : أنا أثق بظرفه ولا أثق بدينه .
٦٩٧
أبو الفضل ابن العميد
أبو الفضل محمد بن العميد أبي عبد الله الحسين بن محمد الكاتب ، المعروف بابن
العميد ، والعميد لقب١ والده، لقبوه بذلك على عادة أهل خراسان في إجرائه
مجرى التعظيم ، وكان فيه فضل وأدب وله ترسل .
وأما ولده أبو الفضل فإنه كان وزير ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه
٦٩٧ - ترجمته في اليتيمة ٣: ١٥٨ ومعاهد التنصيص ٢: ١١٥ وتراجع أخباره في تجارب الأمم
لمسكويه وأخلاق الوزيرين والامتاع ١: ٦٦ والشذرات ٣ : ٣١ وترجمته في مج مختلفة
عما ورد هنا ، وتكاد لا تلتقي في كثير من الأمور مع ما ورد في النسخ الأخرى وستثبت أهم
ما ورد فيها في الحواشي .
١ ن ر ق بر من : نعت .
١٠٣

الديلمي والد عضد الدولة - وقد تقدم ذكرهما١ - وتولى وزارته عقيب موت
وزيره أبي علي ابن القمي ، وذلك في سنة ثمان وعشرين وثلثمائة ٢، وكان متوسعاً
في علوم الفلسفة والنجوم، وأما الأدب والترسل فلم يقاربه فيه أحد في زمانه ،
وكان يسمى الجاحظ الثاني ، وكان كامل الرياسة جليل المقدار ، من بعض أتباعه
الصاحبُ ابن عَبَّاد - المقدم ذكره - ولأجل صحبته قيل له الصاحب ، وكان
له في الرسائل اليد البيضاء .
قال الثعالبي في كتاب ((اليتيمة)): كان يقال : بدئت الكتابة بعبد الحميد ،
وختمت بابن العميد ، وقد تقدم ذكر عبد الحميد .
وكان الصاحب ابن عَبَّاد قد سافر إلى بغداد، فلما رجع إليه قال له : كيف
وجدتها ؟ فقال: بغداد في البلاد ، كالأستاذ في العباد، وكان يقال له ((الأستاذ))
وكان سائساً مدبراً للملك قائماً بحقوقه .
وقصده جماعة من مشاهير الشعراء من البلاد الشاسعة ، ومدحوه بأحسن
المدائح ، فمنهم أبو الطيب المتنبي ، ورد عليه وهو بأرَّجان ، ومدحه بقصائد
إحداها التي أولها٣ :
باد هواك صبرت أو لم تصبرا وبُكاك إن لم يجر دمعك أو جرى
ومنها عند مخلصها :
عزمي الذي يذر الوشيج مكسرا
أرجانَ أيتها الجيادُ فإنه
ما شق كوكبك العجاج الأكدرا
لو كنت أفعل ما اشتهيت فعاله
لأممَنَّ أجلَّ بحر جوهرا
أمّي أبا الفضل المبرّ، أليتي
١ انظر ج ٢ : ١١٨ .
٢ جاء في مج أن ركن الدولة كان واهي السياسة «قطع على بغال له خرجت إلى العلف، فأخذ منها
ستة بغال ، فقال : كم كان الحرامية ؟ فقيل : سبعة فقال : الآن يختلفون لأن البغال لا تنقسم
على عددهم : فقامت سياسة ابن العميد لضبط الأمر وسد خلل ضعف صاحبه ، وله في ذلك أخبار
مشهورة )» .
٣ ديوان المتنبي : ٥٣٧ ٠
١٠٤

أفتى برؤيته الأنام وحاش لي من أكون مُقَصرا أو مُقْصرا
ومنها :
شاهدت رسطاليس والإسكندرا
من مبلغ الأعراب أني بعدها
من ينحر البِدَرَ النضار لمن قَرَى
ومللت نحر عِشارها فأضافني
متملكاً متبدياً متحضرا
وسمعت بطلميوس دارس كتبه
رد الإله نفوسهم والأعصرا
ولقيت كل الفاضلين كأنما
نُسقوا لنا نسق الحساب مقدما وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا
وهي من القصائد المختارة. وقال ابن الهمداني في كتاب ((عيون السير)):
أعطاه ثلاثة آلاف دينار .
وقد استعمل أرجان بتخفيف الراء ، وهي مشددة على ما ذكره الجوهري
في كتاب ((الصحاح)) والحازمي في كتاب (( ما اتفق لفظه وافترق مسماه)) وابن
الجواليقي في كتاب (( المعرب)). وقد سبق ذكره هذه القصيدة في ترجمة أبي
الفضل جعفر بن الفرات، وأن المتنبي نظمها فيه وهو بمصر، فلما لم يرضه لم
ينشده إياها ، فلما توجه إلى بلاد فارس صرفها لابن العميد .
وكان أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدى - المقدم ذكره١ - قد ورد
عليه وهو بالري وامتدحه بقصيدته التي أولها :
ولهيب أنفاس حرّارٍ
برْحُ اشتياق وادكار
ترفضّ عن نوم مُطار
عبراتها
ومدامــع
من الهموم وما يواري
لله قلبي ما يجنُّ
ب وما انقضى وصب الحمار
لقد انقضى سكر الشبا
ر وما سلوت عن الصغار
وكبرت عن وصل الصفا
سقياً لتغليسي إلى باب الرُّصافة وابتكاري
١ انظر ج ٣ : ٠
١٠٥

أيام أخطر في الصبا نشوان مسحوب الإزار
حَجِّي إلى حُجَر الصَّرَا ة وفي حدائقها اعتماري
ومواطن اللذات أو طاني ودار اللهو داري
ومنها :
لم يبق لي عيش يلذ سوى معاقرة العقار
حسبي بألحان قمر ت بهن ألحان القَماري
وإذا استهل ابن العميـ ، تضاءلت دِيَمُ القطار
صفو السبيك من النضار
خرق صفت أخلاقه
فكأنما رُقدت موا هبه بأمواج البحار
وكأن نَشْرَ حديثه نشر الخُزامى والعَرار
وكأننا مما تفـ رق راحتاه في نثار
كلف بحفظ السر تحسب صدره ليل السّرار
ومنها :
إن الكبار من الأمو ر تُنال بالهم الكبار
وإلى أبي الفضل اتبع ت هواجس النفس السواري
فتأخرت صلته عنه ، فشفع هذه القصيدة بأخرى وأتبعها برقعة ، فلم يزده
ابن العميد على الإهمال مع رقة حاله التي ورد عليها إلى بابه ، فتوسَّل إلى أن
دخل عليه يوم المجلس وهو حفل بأعيان الدولة ومقدمي أرباب الديوان ، فوقف
بين يديه وأشار إليه بيده ، وقال : أيها الرئيس ، إني لزمتك لزوم الظل ،
وذللت لك ذل النعل ، وأكلت النوى المحرق انتظاراً لصلتك ، والله ما بي من
الحرمان ، ولكن شماتة الأعداء، قوم نصحوني فاغتششتهم، وصدقوني فاتهمتهم،
فبأي وجه ألقاهم وبأي حجة أقاومهم؟ ولم أحصل من مديح بعد مديح ومن نثر
بعد نظم إلا على ندم مؤلم ويأس مسقم ؟ فإن كان للنجاح علامة فأين هي وما
١٠٦

هي ؟ إن الذين تحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك ، وإن الذين هجوا
كانوا مثلك، فزاحم بمنكبك أعظمهم سناماً وأنورهم شعاعاً، وأشرفهم بقاعاً ،
فحار ابن العميد وشُدِه ولم يدر ما يقول ، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال :
هذا وقت يضيق عن الإطالة منك في الاستزادة ، وعن الإطالة مني في المعذرة ،
وإذا تواهبنا ما دفعنا إليه استأنفنا ما نتحامد عليه ، فقال ابن نباتة : أيها
الرئيس، هذه نفئة صدرٍ دَوي١ّ منذ زمان، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر،
والغني إذا مطل لئيم ، فاستشاط ابن العميد ، وقال : والله ما استوجبت هذا
العتب من أحد من خلق الله تعالى، ولقد نافرت العمید من دون ذا حتى دفعنا
إلى قريّ عائم ولجاج قائم ، ولست ولي نعمتي فأحتملك ، ولا صنيعتي فأغضي
عليك ، وإن بعض ما أقررته في مسامعي ينقض مرة الحليم ويبدد شمل الصبر،
هذا وما استقدمتك بكتاب ولا استدعيتك برسول ، ولا سألتك مدحي ولا
كلفتك تقريضي ؛ فقال ابن نباتة : صدقت أيها الرئيس ما استقدمتني بكتاب ،
ولا استدعيتني برسول، ولا سألتني مدحك ، ولا كلفتني تقريضك ، ولكن
جلست في صدر ديوانك بأبهتك وقلت: لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة ، ولا
ينازعني خلق في أحكام السياسة ، فاني كاتب ركن الدولة وزعيم الأولياء
والحضرة، والقيم بمصالح المملكة ، فكأنك دعوتني بلسان الحال ولم تدعني بلسان
المقال ، فثار ابن العميد مغضباً وأسرع في صحن داره إلى أن دخل حجرته ،
وتقوض المجلس وماج الناس ، وسمع ابن نباتة وهو في صحن الدار ماراً يقول :
والله إن سف التراب والمشي على الجمر أهون من هذا، فلعن الله الأدب إذا كان
بائعه مهيناً له ، ومشتريه مماكساً فيه . فلما سكن غيظ ابن العميد وثاب إليه
حلمه التمسه من الغد ليعتذر إليه ويزيل آثار ما كان منه ، فكأنما غاص في سمع
الأرض وبصرها ، فكانت حسرةً في قلب ابن العميد إلى أن مات .
ثم إني وجدت هذه القصيدة وصورة هذا المجلس منسوبين إلى غير ابن نباتة،
وكشفت ديوان ابن نباتة فلم أر هذه القصيدة فيه ، والله أعلم بالصواب ، ثم
١ ق ر والمختار : ذوى .
١٠٧

وجدت في كتاب ((الوزيرين))١ تأليف أبي حيان التوحيدي هذه القصيدة
لأبي محمد عبد الرزاق بن الحسين المعروف بابن أبي الثياب البغدادي اللغوي
المنطيقي الشاعر ، وهذه المخاطبة لشاعر آخر من أهل الكرخ يعرف بممويه
والله أعلم .
وكان أبو الفرج أحمد بن محمد الكاتب مكيناً عند مخدومه ركن الدولة ابن
بُويَه ، وله الرتبة العلية لديه ، وكان ابن العميد لا يوفيه حقه من الإكرام ،
فعاتبه مراراً فلم يفد ، فكتب إليه :
أكسبك التيه على المعدم.
مالكَ موفور فما باله
جئنا تطاولت ولم تُتْمِم ؟
ولمْ إذا جئت نهضنا وإن
نقول قَدَّمْ طِرْقَهُ قدم
وإن خرجنا لم تقل مثل ما
مثل الذي تعلم لم يعلم
إن كنت ذا علم فمن ذا الذي
ونحن من دونك في المنسم
ولست في الغارب من دولة
أنت فلم نصغر ولم تعظم
وقد ولينا وعزلنا كما
تكافأت أحوالنا كلها فَصل على الإنصاف أو فاصرم
وللصاحب ابن عباد فيه مدائح كتيرة ، وكان ابن العميد قد قدم مرة إلى
أصبهان والصاحب فيها فكتب إليه :
قالوا ربيعك قد قدم قلت البشارة إن سلم
. أم الربيع أخو الكرم
أهو الربيع أخو الشتا
أمن المقلّ من العدم
قالوا الذي بنواله
قلت الرئيس ابن العميـ ـد إذاً ، فقالوا لي نعم
وكان ابن العميد كثير الإعجاب بقول بعضهم :
١ انظر أخلاق الوزيرين: ٤٢٧، ٥٣٣ وفي الرواية اختلاف عما أورده ابن خلكان .
١٠٨

وجاءت إلى ستر على الباب بيننا مُجاف١ٍ وقد قامت عليه الولائدُ
بوحي تؤديه إليه القصائد
لتسمع شعري وهو يقرع قلبها
له نفساً تنقد منه القلائد
إذا سمعت مني لطيفاً تنفست
ولابن العميد شعر، وما أعجبني الذي وقفت عليه منه حتى أثبته٢ ، سوى
ما ذكره ابن الصابي في كتاب («الوزراء » ، وهو قوله :
رأيت في الوجه طاقة بقيت سوداء عيني تحبُ رؤيتها
فقلت للبيض إذ تروعها بالله إلا رحمت وحدتها
فقلَّ لبث السوداء في وطنٍ تكون فيه البيضاء ضرتها
وذكر له الأمير أبو الفضل الميكالي في كتاب ((المنتخل)):
آخ الرجال من الأبا عد والأقاربَ لا تُقارب
إن الأقارب كالعقا رب بل أضر من العقارب
وتوفي ابن العميد المذكور في صفر ، وقيل في المحرم بالري ، وقيل ببغداد ،
سنة ستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى٣ .
وذكر أبو الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابي في كتاب ((الوزراء))
أنه توفي في سنة تسع وخمسين وثلثمائة، [ وكذا قال جده إبراهيم الصابي في
كتاب ((التاجي))، والله أعلم ]٤.
[ وكان أبو الفضل ابن العميد يعتاده القولنج قارة والنقرس أخرى، تسلمه
١ ر المختار ؛ بر من : يخاف .
٢ كذا قال هنا، وفي مج: وله شعر حسن فمنه قوله في غلام قام على رأسه يظله من الشمس :
نفس أعز علي من نفسي
كانت تظللني من الشمس
فأقول يا عجباً ومن عجب
شمس تظللني من الشمس
٣ زاد في مج: وكان عمره قد زاد على ستين سنة يسيراً، وكانت وزارته أربعاً وعشرين سنة؛
وقال في مج : إنه توفي بهمذان .
٤ زيادة من ر .
١٠٩
ها۔۔

هذه إلى هذه، وقال لسائل سأله : أيهما أصعب عليك وأشق ؟ قال : إِذا
عارضني النقرس فكأني بين فكي سبع يمضغني ، وإذا اعتراني القولنج وددت
لو استبدلت النقرس عنه، ويقال: إنه رأى أكاراً في بستان يأكل خبزاً ببصل
ولبن وقد أمعن منه، فقال : وددت لو كنت كهذا الأكار آكل ما أشتهي ؛
قلت : وهذه شيمة الدنيا، قل أن تصفو من الشوائب ]١.
ورأيت في بعض المجاميع أن الصاحب بن عباد عبر على باب داره بعد وفاته
فلم ير هناك أحداً بعد أن كان الدهليز يَغَصُّ من زحام الناس ٢، فأنشد :
أيها الربع لمْ علاك اكتئاب أين ذاك الحجاب والحجّابُ
فهو اليوم في التراب تراب
أين من كان يفزع الدهر منه
قل بلا رقبة وغير احتشام مات مولاي فاعتراني اكتئاب
ثم رأيت في كتاب ((اليميني)) العتي هذه الأبيات، وقد نسبها إلى أبي
العباس الضبي ، ثم قال : ويقال إنها لأبي بكر الخوارزمي ، وقد اجتاز بباب
الصاحب ابن عباد ، ولا يمكن أن تكون على هذا التقدير للخوارزمي لأنه
مات قبل الصاحب كما تقدم ذكره .
ومثل هذه الحكاية ما حكاه علي بن سلیمان قال : رأيت بالري دار قوم لم يبق
منها إلا رسم بابها ، وعليه مكتوب :
فهذه الدار من عجائبها
اعجب لصرف الزمان٣ معتبرا
قد سطح النور في جوانبها
عهدي بها بالملوك زاهية
تبدلَتْ وحشة بساكنها ما أوحش الدار بعد صاحبها
(223) ولما مات رتب مخدومه ركن الدولة ولده ذا الكفايتين أبا الفتح
١ سقط من النسخ وهو ثابت في المطبوعة المصرية .
٢ ق : الزحام بالناس .
٣ ق : الأزمان .
١١٠

عليا١ً مكانه في دست الوزارة ، وكان جليلاً نبيلاً سرياً ذا فضائل وفواضل ،
وهو الذي كتب إليه المتنبي الأبيات الخمسة الدالية الموجودة في ديوانه في أثناء
مدائح والده ، ولا حاجة إلى ذكرها .
وذكره الثعالبي في ((اليتيمة)) في ترجمة والده ، وقال: كتب إلى صديق له
يستهديه خمراً مستوراً عن والده ((قد اغتنمت الليلة - أطال الله بقاءك يا سيدي -
رقدة من عين الدهر ، وانتهزت فرصة من فرص العمر ، وانتظمت مع أصحابي
في سمط الثريا ، فإن لم تحفظ علينا هذا النظام ، باهداء المدام ، عدنا كبنات نعش
والسلام )) وذكر له مقاطيع من الشعر . ولم يزل أبو الفتح المذكور في وزارة
ركن الدولة إلى أن توفي في التاريخ المذكور في ترجمته في حرف الحاء ، وقام
بالأمر ولده مؤيد الدولة فاستوزره أيضاً ، وأقام على ذلك مدة مديدة ، وكانت
بينه وبين الصاحب ابن عباد منافسة ، ويقال : إنه أغرى قلب مؤيد الدولة
عليه ، فظهر له منه التنكر والإعراض ، وقبض عليه في بعض شهور سنة ست
وستين وثلثمائة ، وله في اعتقاله أبيات شرح فيها حاله . وقال الثعالبي: اجتاح
ماله وقطع في العقوبة أنفه وجز لحيته - وقال غيره : وقطع يديه - فلما أيس
من نفسه وعلم أنه لا مخلص له مما هو فيه ولو بذل جميع ما تحتوي عليه يده ، فتق
جيب جبة كانت عليه واستخرج منها رقعة فيها تذكرة بجميع ما كان له ولوالده
من الذخائر والدفائن٢ ، وألقاها في النار، فلما علم أنها احترقت قال للموكل به :
افعل ما أمرت به . فوالله لا يصل إلى صاحبك من أموالنا درهم واحد ، فما زال
يعرضه على أنواع٣ العذاب حتى تلف ، وكان القبض عليه يوم الأحد ثامن عشر
ربيع الآخر سنة ست وستين وثلثمائة ، وكانت ولادته سنة سبع وثلثمائة .
[ ولما انصرف أهل خراسان في سنة خمس وخمسين وثلثمائة أيام الغزاة من
الري بعد الحادثة التي جرت هناك - وهي واقعة مشهورة ودفع الله شرها -
١ ترجمة أبي الفتح في اليتيمة ٣: ١٨٥ ومعجم الأدباء ١٤ : ١٩١ ونكت الهميان : ٢١٥
وتاريخ ابن خلدون ٤: ٤٥٢ وراجع أخلاق الوزيرين التوحيدي .
٢ ر ق بر من : والدفاتر.
- ٣ أنواع: سقطت من رق والمختار .
١١١

شرع الرئيس أبو الفضل ابن العميد في بناء حائط عظيم حول دار مخدومه ركن
الدولة ، فقال له عارض الجيش : هذا كما يقال : الشد بعد الضراط ، فقال ابن
العميد : هذا أيضاً جيد، لئلا تنفلت أخرى، فاستحسن منه هذا الجواب ]١.
وفيه يقول بعض أصحابه :
آلَ العميد وآل بَرْمَكَ مالِكمِ قَلَّ المعينُ لكم وذل الناصرُ
كان الزمانُ يحبكم فبدا له إن الزمان هو الخؤون الغادر
وتولى موضعه الصاحب ابن عباد - وقد تقدم ذكره في ترجمته فينظر هناك
في حرف الهمزة٢ .
وكان أبو الفتح المذكور قبل أن يقتل بمدة قد لهج بانشاء هذين البيتين :
دخل الدنيا أناس قبلنا رحلوا عنها وخلوها لنا
ونزلناها كما قد نزلوا ونخليها لقوم بعدنا
[ ومن المنسوب إلى أبي الفتح ابن العميد :
يقول ليّ الواشون : كيف تحبها ؟ فقلت لهم: بين المقصر والغالي
فقلت : هوى لم يهوه قط أمثالي
ولولا حذاري منهم لصدقتهم
فقلت:ترى ما بي وتسأل عن حالي]٣
وكم من شفيق قال : مالك واجما ؟
(224) وكان أبو حيان علي بن محمد التوحيدي البغدادي٤ قد وضع كتاباً
سماه ((مثالب الوزيرين)) ضمنه معايب أبي الفضل ابن العميد المذكور والصاحب
١ لم يرد هذا في النسخ الخطية، وهو قلق في موضعه .
٢ انظر ج ١ : ٢٢٨ .
٣ لم يرد في النسخ الخطية .
٤ البغدادي: سقطت من ق ر بر من والمختار، وفي ترجمة التوحيدي يراجع معجم الأدباء ٥:١٥
وميزان الاعتدال ٢: ٣٥٥ وشد الازار : ٥٣ وطبقات السبكي ٤: ٢ ولسان الميزان ٦ : ٣٦٩
وبغية الوعاة : ٣٤٨ وروضات الجنات : ٧١٤ وعنه كتبت دراسات متعددة في السنوات الأخيرة .
١١٢

ابن عباد ، وتحامل عليهما وعدد نقائصهما ، وسلبهما ما اشتهر عنهما من الفضائل
والإفضال ، وبالغ في التعصب عليهما وما انصفهما ، وهذا الكتاب من الكتب
المحدودة، ما ملكه أحد إلا وتعكست أحواله، ولقد جربت ذلك وجربه
غيري على ما أخبرني مَنْ أثق به . وكان أبو حيان المذكور فاضلاً مصنفاً له من
الكتب المشهورة ((الإمتاع والمؤانسة)) في مجلدين، وكتاب ((البصائر والذخائر))،
وكتاب ((الصديق والصداقة)) في مجلد واحد، وكتاب ((المقابسات))١ في مجلد
أيضاً، وكتاب ((مثالب الوزيرين)) في مجلد واحد أيضاً، وغير ذلك ، وكان
موجوداً في السنة الأربعمائة، ذكر ذلك في كتاب ((الصديق والصداقة )).
والتوحيدي : بفتح التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وكسر الحاء المهملة
وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة، ولم أر أحداً من وضع
كتب الأنساب تعرض إلى هذه النسبة ، لا السمعاني ولا غيره ، لكن يقال إن
أباه كان يبيع التوحيد ببغداد ، وهو نوع من التمر بالعراق ، وعليه حمل بعض
من شرح ديوان المتنبي قوله :
يترشفْنَ من فمي رشفات هُنَّ فيه أحلى من التوحيدِ
والله أعلم بالصواب .
٦٩٨
ابن مقلة
أبو علي محمد بن علي بن الحسين بن مُقْلَة الكاتب المشهور؛ كان في أول أمره
يتولى بعض أعمال فارس ويجبي خراجها ، وتنقلت أحواله إلى أن استوزره
١ ن ق بر من : المقايسات .
٦٩٨ - أخباره في ثمار القلوب ٢١٠ - ٢١٢ ورسالة في الكتابة التوحيدي والوافي ١ : ١٦٨
والمنتظم ٦: ٣٠٩ وج ٨ من ابن الأثير والشذرات ٢: ٣١٠ وعبر الذهبي ٢: ٢١١ والفخري:
٢٤٣ وتحفة أولي الألباب: ٤٣ وما بعدها؛ ولم ترد هذه الترجمة في مج .
٨ - ٥
١١٣

الإمام المقتدر بالله ، وخلع عليه لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة
ست عشرة وثلثمائة ، وقبض عليه يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى
الأولى سنة ثماني عشرة وثلثمائة، ثم نفاه إلى بلاد فارس بعد أن صادره ، ثم
استوزره الإمام القاهر بالله ، فأرسل إليه إلى فارس رسولاً يجيء به ، ورتب له
تائباً عنه ، فوصل ابن مقلة من فارس بكرة يوم الخميس عيد الأضحى من سنة
عشرين وثلثمائة ، وخلع عليه ، ولم يزل وزيره حتى اتهمه بمعاضدة علي بن بليق
على الفتك به ، وبلغ ابن مقلة الخبر ، فاستتر في أول شعبان من سنة إحدى
وعشرين وثلثمائة .
ولما ولي الراضي بالله ، لست خلون من جمادى الأولى من سنة اثنتين وعشرين
وثلثمائة ، استوزره أيضاً لتسع خلون من جمادى الأولى من السنة المذكورة ،
وكان المظفر بن ياقوت مستحوذاً على أمور الراضي ، وكان بينه وبين أبي علي
الوزير وحشة ، فقرر ابن ياقوت المذكور مع الغلمان الحجرية أنه إذا جاء الوزير
أبو علي قبضوا عليه ، وأن الخليفة لا يخالفهم في ذلك ، وربما سره هذا الأمر ،
فلما حصل الوزير في دهليز دار الخلافة وثب الغلمان عليه ومعهم ابن ياقوت
المذكور ، فقبضوا عليه وأرسلوا إلى الراضي يعرفونه صورة الحال ، وعددوا له
ذنوباً وأسباباً تقضي ذلك ، فرد جوابهم وهو يستصوب رأيهم فيا فعلوه، وذلك
في يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة أربع وعشرين
وثلثمائة ، واتفق رأيهم على تفويض الوزارة إلى عبد الرحمن بن عيسى بن داود بن
الجراح ، فقلده الراضي الوزارة ، وسلم إليه أبا علي بن مُقْلة ، فضربه بالمقارع
وجرى عليه من المكاره بالتعليق وغيره من العقوبة شيء كثير ، وأخذ خطه
بألف ألف دينار ، ثم خلص وجلس بطالاً في داره .
ثم إن أبا بكر محمد بن رائق استولى على الخلافة ، وخرج عن طاعتها فأنفذ
إليه الراضي واستماله ، وفوض إليه تدبير المملكة وجعله أمير الأمراء ورد٢ إليه
تدبير أعمال الخراج والضياع في جميع النواحي ، وأمر أن يخطب له على جميع
١ الخميس عيد: سقطت من ن رق ؛ وهذا النص كله موجز في بر من .
٢ المختار : وفوض .
١١٤

المنابر ، فقوي أمره وعظم شأنه وتصرف على حسب اختياره ؛ واحتاط على
أملاك ابن مقلة المذكور وضياعه وأملاك ولده أبي الحسين ، فحضر إليه ابن مُقْلة
وإلى كاتبه وتذلل لهما في معنى الإفراج عن أملاكه ، فلم يحصل منهما إلا على
المواعيد ، فلما رأى ابن مُقلة ذلك أخذ في السعي بابن رائق المذكور من كل
جهة، وكتب إلى الراضي يشير عليه بإمساكه والقبض عليه، وضمن له أنه متى
فعل ذلك وقلده الوزارة استخرج له ثلثمائة ألف ألف دينار ، وكانت مكاتبته
على يد علي بن هارون المنجم النديم - المقدم ذكره١ - فأطمعه الراضي بالإجابة
إلى ما سأل، وترددت الرسائل بينهما في ذلك ، فلما استوثق ابن مقلة من الراضي
اتفقا على أن ينحدر إليه سراً ويقيم عنده إلى أن يتم التدبير ، فركب من داره
وقد بقي من شهر رمضان ليلة واحدة ، واختار هذا الطالع لأن القمر يكون
تحت الشماع، وهو يصلح للأمور المستورة، فلما وصل إلى دار الخليفة لم يمكنه
من الوصول إليه ، واعتقله في حجرة ، ووجه الراضي من غدٍ إلى ابن رائق ،
وأخبره بما جرى، وأنه احتال على ابن مُقْلة حتى حصله في أسره وترددت
بينها المكاتبات في ذلك .
فلما كان رابع عشر شوال سنة ست وعشرين وثلثائة ، أظهر الراضي أمر
ابن مقلة وأخرجه من الاعتقال ، وحضر حاجب ابن رائق وجماعة من القواد
وتقابلا، وكان ابن رائق قد التمس قطع يده اليمنى التي كتب بها تلك المطالعة،
فلما انتهى كلامها في المقابلة قطعت يده اليمنى ورد إلى محبسه ، ثم ندم الراضي
على ذلك وأمر الأطباء بملازمته للمداواة ، فلازموه حتى برىء ، وكان ذلك
نتيجة دعاء أبي الحسن محمد بن شنبوذ المقرىء عليه بقطع اليد - وقد تقدم ذكر
سبب ذلك في ترجمته - وذلك من عجيب الاتفاق .
وقال أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الطبيب ، وكان يدخل
عليه لمعالجته : كنت إذا دخلت عليه في تلك الحال يسألني عن أحوال ولده أبي
الحسين ، فأعرفه استتاره وسلامته ، فتطيب نفسه ، ثم ينوح على يده ويبكي
ويقول : خدمت بها الخلفاء وكتبت بها القرآن الكريم دفعتين ، تقطع كما تقطع
١ انظر = ٣ : ٣٧٥ .
١١٥

أيدي اللصوص ؟ فأسليه وأقول له : هذا انتهاء المكروه وخاتمة القطوع ،
فينشدني ويقول :
إذا ما مات بعضك فابك بعضا فإن البعض١ من بعض قريبٌ
ثم عاد وراسل الراضي من الحبس بعد قطع يده وأطمعه في المال وطلب
الوزارة وقال : إن قطع اليد ليس مما يمنع الوزارة ، وكان يشد القلم على ساعده
ویکتب به .
ولما قدم٢ بَجْكم التركي من بغداد، وكان من المنتمين إلى ابن رائق أمر
بقطع لسانه أيضاً فقطع، وأقام في الحبس مدة طويلة ثم لحقه ذَرَبٌ، ولم يكن
له من يخدمه ، فكان يستقي الماء لنفسه من البئر ، فيجذب بيده اليسرى جذبة
وبفمه الأخرى . وله أشعار في شرح حاله وما انتهى أمره إليه ورثاء
يده والشكوى من المناصحة وعدم تلقيها بالقبول ، فمن ذلك قوله :
ما سئمت الحياة لكن توثق ت بأيمانهم فبانت يميني
حرموني دنياهُ بعد ديني
بَعتُ ديني لهم بدنياي حتى
حفظ أرواحهم فما حفظوني
ولقد حُطْتُ ما استطعت يجهدي
ليس بعد اليمين لذةُ عيش يا حياتي بانت يميني فبيني
ومن المنسوب إلى ابن مقلة أيضاً :
ـر ولا شامخاً إذا والثاني
لست ذا ذلة إذا عضني الدفـ
أنا ثار في مرتقى نَفَس الحا سدِ ماءٌ جارٍ مع الإخوان
وفي الوزير المذكور يقول بعضهم :
وقالوا العزلُ الوزراء٣ حيض لحاه الله من أمر بغيضٍ
١ بر من : فبعض الشيء .
٢ بر : قرب .
٣ بر: للاخوان ؛ قر : للأحرار .
١١٦

ولكن الوزير أبا علي من اللائي يئسن من المحيضِ
ومن شعره أيضاً ما قاله الثعالبي في ((يتيمة الدهر)):
وإذا رأيت فتى بأعلى رتبة في شامخ من عزه المترفعِ
قالت ليَ النفس العروف بقدرها ما كان أولاني بهذا الموضوعِ
ولم يزل على هذه الحال إلى أن توفي في موضعه يوم الأحد عاشر شوال ،
سنة ثمان وعشرين وثلثمائة ، ودفن في مكانه ، ثم نبش بعد زمان وسلم إلى أهله .
وكانت ولادته يوم الخميس بعد العصر ، لتسع بقين من شوال سنة اثنتين
وسبعين ومائتين ، ببغداد ، رحمه الله تعالى .
وقد تقدم طرف من خبره في ترجمة ابن البواب الكاتب ، وأنه أول من
نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين إلى هذه الصورة هو أو أخوه ، على
الخلاف المذكور في ترجمة ابن البواب، وأن ابن البواب تبع طريقته ونفح
أسلوبه .
ولابن مقلة ألفاظ منقولة مستعملة، فمن ذلك قوله : إذا أحببتُ تهالكت ،
وإذا أبغضت أهلكت ، وإذا رضيتُ آثرت ، وإذا غضبت أثرت . ومن كلامه
أيضاً: يعجبني من يقول الشعر تأدباً لا تكسبا، ويتعاطى الغناء تطرياً لا
تطلبا . وله كل معنى مليح في النظم والنثر . وكان ابن الرومي الشاعر -المتقدم
ذكره - يمدحه فمن معانيه المقولة فيه قوله :
إِن يخدم القمّ السيف الذي خضعت له الرقابُ وَدَانتْ خوفه الأممُ
فالموت، والموت لا شيء يعادله ما زال يتبع ما يجري به القلم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت أن السيوف لها مذ أرهفت خَدَم
وكل صاحب سيف دائماً أبداً ما يزال يتبع ما يجري به القلم
(225) وكان أخوه أبو عبد الله الحسن بن علي بن مقلة كاتباً أديباً بارعاً ،
والصحيح أنه صاحب الخط المليح ، ومولده يوم الأربعاء طلوع الفجر ، سلخ
شهر رمضان سنة ثمان وسبعين ومائتين . وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمان
١١٧

وثلاثين وثلثمائة ، رحمه الله تعالى .
(226) وأما ابن رائق، فإن الحافظ ابن عساكر ذكر في ((تاريخ دمشق)»
أنه قدمها في ذي الحجة سنة سبع وعشرين وثلثمائة وذكر أن الإمام المقتفي بالله
ولاه أمر دمشق ، وأخرج منها بدر بن عبد الله الإخشيدي ، ثم توجه إلى
مصر، وتواقع هو وصاحبها محمد بن طُفْج الإخشيد - المقدم ذكره - فهزمه١
الإخشيد فرجع إلى دمشق، ثم توجه إلى بغداد وقتل بالموصل سنة ثلاثين وثلثمائة،
وقيل إن بني حمدان قتلوه بالموصل٢ ، قتله ناصر الدولة الحسن - المقدم ذكره .
٦٩٩
ابن بقية
الوزير أبو الطاهر محمد بن محمد بن بقية بن علي، الملقب نصير الدولة، وزير عز الدولة
بختيار بن معز الدولة بن بويه - المقدم ذكره٣ - كان من جلة الرؤساء، وأكابر
الوزراء ، وأعيان الكرماء . وقد تقدم في ترجمة عز الدولة طرف من خبره في
قضية الشمع ، وأن الشماع لما سئل عن راتب عز الدولة في الشمع كم كان ، فقال:
كان راتب وزيره محمد بن بقية ألف منّ في كل شهر، فإذا كان هذا راتب الشمع
خاصة مع قلة الحاجة إليه ، فكم يكون غيره مما تشتد الحاجة إليه ؟
وكان من أهل أوانا من أعمال بغداد ، وكان في أول أمره قد توصل إلى أن
صار صاحب مطبخ معز الدولة والد عز الدولة ، ثم تنقل إلى غيرها من الخدم .
١ ق : فقهره .
٢ ق : صلبوه وقتلوه .
٦٩٩ - أخباره في تاريخ ابن الأثير (ج: ٨) وتجارب الأمم (ج: ٢) وراجع الامتاع والمؤانسة
(ج: ١) والشذرات ٣ : ٦٣؛ وبعد سطرين من بداية هذه الترجمة وقع في النسخة مج خرم
ضاعت به أوراق حتى أول ترجمة منصور بن إسماعيل الفقيه .
٣ انظر جـ ١ : ٢٧٦ .
١١٨

ولما مات معز الدولة وأفضى الأمر إلى عز الدولة حسنت حاله عنده ، ورعى
خدمته لأبيه ، وكان فيه توصل وسعة صدر ، وتقدم إلى أن استوزره عز الدولة
يوم الاثنين لسبع ليال خلون من ذي الحجة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة .
ثم إنه قبض عليه لسبب اقتضى ذلك يطول شرحه ؛ وحاصله أنه حمله على
محاربة ابن عمه عضد الدولة ، فالتقيا على الأهواز وكُسر عز الدولة ، فنسب
ذلك إلى رأيه ومشورته ، وفي ذلك يقول أبو غسان الطبيب بالبصرة :
أقام على الأهواز خمسين ليلة يدبر أمر الملك حق تَدَمَّرا
فدبر أمراً كان أوله عَمتى وأوسطه بلوى وآخره خرا
وكان قبضه يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة ست وستين
وثلثمائة بمدينة واسط، وسمل عينيه ولزم بيته. وكان في مدة وزارته يبلغ عضد الدولة
ابن بويه عنه أمور يسوءه سماعها، منها أنه كان يسميه أبا بكر الغددي ( تشبيهاً له
برجل أشقر أزرق أنمش يسمى أبا بكر كان يبيع الغدد برسم السنانير ببغداد ،
وكان عضد الدولة بهذه الحلية وكان الوزير يفعل ذلك تقرباً إلى قلب مخدومه عز
الدولة لما كان بينه وبين ابن عمه عضد الدولة من العداوة، فلما قتل عز الدولة-كما
وصفناه في ترجمته - وملك عضد الدولة بغداد ودخلها طلب ابن بقية المذكور
وألقاه تحت أرجل الفيلة، فلما قتل صلبه بحضرة البيمارستان العضدي ببغداد ،
وذلك في يوم الجمعة لست خلون من شوال سنة سبع وستين وثلثمائة ، رحمه
الله تعالى .
وقال ابن الهمداني في كتاب ((عيون السير)): لما استوزر عزّ الدولة بختيار
ابن بريه ابنَ بقية المذكور ، بعد أن كان يتولى أمر المطبخ ، قال الناس : من
الغضارة إلى الوزارة ، وستر كرمُه عيوبه ، وخلع في عشرين يوماً عشرين ألف
خلعة ، قال أبو إسحاق الصابي : رأيته وهو يشرب في بعض الليالي ، وكلما لبس
خلعة خلعها على أحد الحاضرين ، فزادت على مائتي خلعة ، فقالت له مغنيته٢ :
١ بر: العذري؛ وقد جولت ((سنانير)) إلى ((بساتين)) لتوافق هذه اللفظة، في بعض الأصول.
٢ ر ق : مغنية .
١١٩
'۔

يا سيدي الوزير في هذه الثياب زنابير ما تدعها تثبت على جسمك ، فضحك
وأمر لها بحقة حليّ . وهو أول وزير لقب بلقبين، فإن الإمام المطيع لقبه
بالناصح ، ولقبه ولده الطائع بنصير الدولة .
ولما جرت الحرب بين عز الدولة وابن عمه عضد الدولة قبض عز الدولة عليه
وسمله وحمله إلى عضد الدولة مسمولاً ، فشهره عضد الدولة وعلى رأسه
برنس ، ثم أمر بطرحه للفيلة فقتلته ، ثم صلبه عند داره بباب الطاق ، وعمره
نيف وخمسون سنة . ولما صلب رثاء أبو الحسن محمد بن عمر بن يعقوب الأنباري
أحد العدول ببغداد بقوله :
علو في الحياة وفي الممات لحقّ أنت إحدى المعجزاتِ
كأن الناس حولك حين قاموا وفود نَدَاك أيام الصَّلات
وكلهمُ قيامٌ الصَّلاة
کأنك قائم فيهم خطيباً
مددت يديك نحوهم احتفاءً
ولما ضاق بطن الأرض عن أن
أصاروا الجو قبرك واستنابوا
لعظمك في النفوس تبیت ترعى
وتُشْعَلُ عندك النيران ليلاً
ركبت مطية من قبلُ زيدٌ
وتلك فضيلة فيها تأسٍ
ولم أر قبل جذعك قط جذعاً
أسأت إلى النوائب فاستثارت
و کنت تجیر من صرف الليالي
كمدهما١ إليهم بالهبات
يضم علاك من بعد المات
عن الأكفان ثوب السافیات
بحفاظ وحراس ثقات
كذلك كنت أيام الحياة
علاها في السنين الماضيات
تباعد عنك تعبيرَ العداة
تمكن من عناق المكرمات
فأنت قتيلُ ثأر النائبات
فعاد مطالباً لك بالتّرات
إلينا من عظيم السيئات
وصيَّر دهرك الإحسان فيه
مضيت تفرقوا بالمنحسات
وكنت لمعشر سعداً ، فلما
١ رق والمختار : كبدكها .
١٢٠