النص المفهرس

صفحات 81-100

وشرع في عمارة البلاد واستخراج الأموال من جهاتها ، وكان سلطاناً عظيم القدر
جميل الذكر محباً للعلماء متمسكاً بالسنة النبوية حسن الاعتقاد معاشراً لأرباب
الفضائل حازماً في أموره ، لا يضع الشيء إلا في موضعه من غير إسراف
ولا إقتار؛ وكانت تبيت عنده كل ليلة جمعة جماعة من الفضلاء ، ويشاركهم في
مباحثاتهم ، ويسألهم عن المواضع المشكلة من كل فن، وهو معهم كواحد منهم،
وكان يعجبه هذان البيتان وينشدهما كثيراً، وهما :
ما كنت من قبل ملك قلبي تصدُ عن مدنف حزين
وإنما قد طمعت لما حللت في موضع حصين
وبنى بالقاهرة دار حديث ورتب لها وقفاً جيداً، وكان قد بنى على ضريح
الإمام الشافعي ، رضي الله عنه ، قبة" عظيمة، ودفن أمه عنده ، وأجرى
إليها من ماء النيل ، ومدده بعيد ، وغرم على ذلك جملة عظيمة .
ولما مات أخوه الملك المعظم صاحب الشام - في التاريخ المذكور في ترجمته-
وقام ولده الملك الناصر صلاح الدين داود مقامه ، خرج الملك الكامل من الديار
المصرية قاصداً أخذ دمشق منه ، وجاءه أخوه الملك الأشرف مظفر الدين
موسى - الآتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى - فاجتمعا على أخذ دمشق
- بعد فصول جرت يطول شرحها - وملك دمشق في أول شعبان سنة ست
وعشرين وستمائة، وكان يوم الاثنين، فلما ملكها دفعها إلى أخيه الملك الأشرف ،
وأخذ عوضها من بلاد الشرق حران والرها وسروج والرقة ورأس عين ، وتوجه
إليها بنفسه في تاسع شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة .
واجتزت بحرّان في شوال سنة ست وعشرين وستمائة، والملك الكامل مقيم
بها بعساكر الديار المصرية، وجلال الدين خوارزم شاهيوم ذاك يحاصر خلاط ،
وكانت لأخيه الملك الأشرف ، ثم رجع إلى الديار المصرية.
ثم تجهز١ في جيش عظيم وقصد آمد في سنة تسع وعشرين وستمائة ، فأخذها
مع حصن كيفا وتلك البلاد من الملك المسعود ركن الدين مودود بن الملك الصالح
١ المختار : ثم تجهز من الديار المصرية
٦ -٥
٨١

أبي الفتح محمد بن نور الدين محمد بن فخر الدين قرا أرسلان بن ركن الدولة داود
ابن نور الدولة سقمان - ويقال سكمان - بن أرتق ، وقد تقدم ذكر جده
أرتق ؛ أخبرني بعض أهل آمد ممن عنده معرفة أن آمد انبرم أمرها وتسليمها
إلى الملك الكامل في تاسع عشر ذي الحجة من السنة المذكورة ، ودخلها ولده
الملك الصالح نجم الدين أيوب في العشرين من الشهر المذكور، ودخلها الملك
الكامل في مستهل المحرم سنة ثلاثين وستمائة .
ولما مات الملك الأشرف - في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في
ترجمته - جعل ولي عهده أخاه الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل ، فقصده
الملك الكامل وانتزع منه دمشق، بعد مصالحة جرت بينهما، وذلك في التاسع
من جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وستمائة، وأبقى له١ بعلبك وأعمالها وبصرى
وأرض السواد وتلك البلاد . ولما ملك البلاد الشرقية وآمد وتلك النواحي
استخلف فيها ولده الملك الصالح نجم الدين أبا المظفر أيوب ، واستخلف ولده
الأصغر الملك العادل سيف الدين أبا بكر بالديار المصرية .
وقد تقدم في ترجمة الملك العادل أنه سير الملك المسعود إلى اليمن ، وكان أكبر
أولاد الملك الكامل، وملك الملك المسعود مكة حرسها الله تعالى وبلاد الحجاز
مضافة إلى اليمن. وكان رحيل الملك المسعود عن الديار المصرية متوجهاً إلى اليمن
يوم الاثنين سابع عشر رمضان المعظم سنة إحدى عشرة وستمائة، ودخل مكة
شرفها الله تعالى في الثالث من ذي القعدة من السنة ، وخطب له بها وحج ،
ودخل زبيد وملكها مستهل المحرم سنة اثنتي عشرة ثم ملك مكة شرفها الله
تعالى في ربيع الآخر من سنة عشرين وستمائة ، أخذها من الشريف حسن بن
قتادة الحسني، واتسعت المملكة للملك الكامل. ولقد حكى لي من حضر الخطبة
يوم الجمعة بمكة شرفها الله تعالى أنه لما وصل الخطيب إلى الدعاء الملك الكامل
قال : صاحب مكة وعبيدها، واليمن وزبيدها، ومصر وصعيدها ، والجزيرة
ووليدها، سلطان القبلتين، ورب العلامتين، خادم الحرمين الشريفين ، أبو
١ المختار : وأبقى عليه.
٨٢

المعالي محمد الملك الكامل ناصر الدين خليل أمير المؤمنين ؛ وبالجملة فقد خرجنا
عن المقصود .
ولقد رأيته بدمشق في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة عند رجوعه من بلاد الشرق
واستنقاذه إياها من يد علاء الدين كيفباذ بن كيخسرو بن قلج١ أرسلان بن مسعود
ابن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق بن دقاق السلجوقي
صاحب الروم ، وهي وقعة مشهورة يطول شرحها ، وفي خدمته يومئذ بضعة
عشر ملكاً منهم أخوه الملك الأشرف. ولم يزل في علو شانه وعظم سلطانه إلى
أن مرض بعد أخذ دمشق ولم يركب ، وكان ينشد في مرضه كثيراً :
يا خليليّ خبراني بصدق كيف طعم الكرى فإني عليلُ
ولم يزل كذلك إلى أن توفي يوم الأربعاء بعد العصر ، ودفن بالقلعة بمدينة
دمشق يوم الخميس الثاني والعشرين من رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة ، وكنت
بدمشق يومئذ، وحضرت الصبحة يوم السبت في جامع دمشق لأنهم أخفوا
موته إلى وقت صلاة الجمعة ، فلما حضرت الصلاة قام بعض الدعاة على العريش
الذي بين يدي المنبر وترحم على الملك الكامل ودعا لولده الملك العادل صاحب
مصر، وكنت حاضراً في ذلك الموضع ، فضج الناس ضجة واحدة ، وكانوا قد
أحسوا بذلك ، لكنهم لم يتحققوه إلا ذلك اليوم .
وترتب ابن أخيه الملك الجواد مظفر الدين يونس بن شمس الدين مودود ابن
الملك العادل في نيابة السلطنة بدمشق ، عن الملك العادل بن الملك الكامل صاحب
مصر، باتفاق الأمراء الذين كانوا حاضرين ذلك الوقت بدمشق .
ثم بنى له تربة مجاورة الجامع، ولها شباك إلى الجامع، ونقل إليها ؛ وكانت
ولادته في سنة ست وسبعين وخمسمائة في الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول؛
كذا وجدته بخط من يعتني بالتاريخ ، والله أعلم .
(218) وتوفي ولده الملك المسعود بمكة شرفها الله تعالى في ثالث عشر جمادى
الأولى سنة ست وعشرين وستمائة، ومولده في سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وكان
١ ق.ر : قايج .
٨٣

بمكة رجل من المجاورين يقال له الشيخ صديق بن بدر بن جناح ، من أكراد بلد
إربل ، وكان من كبار الصالحين ، فلما حضرت الملك المسعود الوفاة أوصى أنه
إذا مات لا يجهز بشيء من ماله ، بل يسلم إلى الشيخ صديق يجهزه من عنده بما
يراه ، فلما مات تولى الشيخ صديق أمره، وكفنه في إزار كان أحرم فيه بالحج
والعمرة سنين عديدة، وجهزه تجهيز الفقراء على حسب قدرته، وكان أوصى أنه
لا يبنى على قبره شيء، بل يدفن في جانب المعلى جبانة مكة، شرفها الله تعالى،
ويكتب على قبره (( هذا قبر الفقير إلى رحمة الله تعالى١ يوسف بن محمد بن أبي
بكر بن أيوب٢ )) ففعل به ذلك. ثم إن عتيقه الصارم قاماز المسعودي الذي تولى
القاهرة بعد ذلك بنى عليه قبة ، ولما بلغ الملك الكامل ما فعله الشيخ صديق
كتب إليه وشكره فقال: ما فعلت ما أستحق به الشكر، فإن هذا رجل فقير
سألني القيام بأمره فساعدته بما يجب على كل أحد القيام به من مواراة الميت ،
فقيل له : تكتب جواب الملك الكامل ؟ فقال : ليس لي إليه حاجة ، وكان قد
سأله أن يسأله حوائجه كلها ، فما رد عليه الجواب ؛ أخبرني بذلك كله من كان
حاضراً ويعرف ما يقول ، والله أعلم .
(219) وأما ولده الملك العادل فإنه أقام في المملكة إلى يوم الجمعة ثامن ذي
القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة ، فقبض عليه أمراء دولته بظاهر بلبيس ،
وطلبوا أخاه الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكان الصالح قد صالح الملك الجواد
على أن أعطاه دمشق ، وعوضه عنها سنجار وعانة، وقدم الصالح دمشق
متملكاً لها في مستهل جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وستمائة. ثم إن عمه الملك
الصالح عماد الدين إسماعيل صاحب بعلبك اتفق مع الملك المجاهد أسد الدين
شير كوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص على أخذ دمشق
اغتيالاً، وكان الملك الصالح نجم الدين قد خرج منها قاصداً الديار المصرية ليأخذها
من أخيه الملك العادل ، فلما استقر بنابلس وأقام بها مدة جرت هذه الكائنة في
سنة سبع وثلاثين وستمائة ، يوم الثلاثاء السابع والعشرين من صفر ، فهجما دمشق
١٠ ق : رحمة ربه .
٢ انظر العقد الثمين ٧: ٤٩٢، ٤ : ١٦٨.
٨٤

بعساكرهما وأخذاها، وهي قضية مشهورة ، فلما أخذت دمشق رجع العسكر
الذي كان مع الصالح نجم الدين إليها ليدرك كل واحد منهم أهله وبنيه، وتركوا
الملك الصالح بنابلس وحيداً في نفر قليل من غلمانه وأتباعه١، فجاءه الملك
الناصر ابن الملك المعظم صاحب الكرك، وقبض عليه ليلة السبت الثاني والعشرين
من شهر ربيع الأول من السنة، وأرسله إلى الكرك واعتقله بها، ثم إنه أفرج
عنه في ليلة السبت السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة،
وشرح ذلك يطول. واجتمع هو والملك الناصر على نابلس، فلما قبض الملك
العادل في التاريخ المذكور وطلب الأمراء الملك الصالح نجم الدين أيوب جاءهم
ومعه الملك الناصر صاحب الكرك، ودخلا القاهرة في الساعة الثانية من يوم
الأحد السابع والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وسمائة ، وكنت إذ
ذاك٢ بالقاهرة٣، وأدخل أخوه الملك العادل في محفة وحوله جماعة كثيرة من
الأجناد يحفظونه ، وحمله من خارج البلد إلى القلعة واعتقله بها عند دخوله في
داخل الدور السلطانية ، وبسط العدل في الرعية وأحسن إلى الناس وأخرج
الصدقات ورمم ما تهدم من المساجد ، وسيرته طويلة .
ثم إنه أخذ دمشق من عمه الملك الصالح في يوم الاثنين ثامن جمادى الأولى
سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وأبقى عليه بعلبك ، ومضى بعد ذلك إلى الشام في
سنة [أربع وأربعين ودخلها في تاسع عشر ذي القعدة من السنة، ثم توجه إليها]٤
ست وأربعين بعد أن كان عاد إلى مصر، ودخل دمشق في أوائل شعبان
من السنة ، وسير العساكر لحصار حمص ، وقد كان الملك الناصر صاحب حلب
أخذها من صاحبها الأشرف ابن صاحب حمص، ثم رجع في أوائل سنة سبع
وأربعين وهو مريض .
وقصد الفرنج دمياط وهو مقيم بأشموم ينتظر وصولهم، وكان وصولهم إليها
١ وأتباعه : سقطت من ق والمختار .
٢ ق بر من : يومئذ ؛ ر : يوم ذاك .
٣ ق بر من : بالقاهرة مقيماً .
٤ زيادة من ق، وفي المختار : ثم خرج إلى الشام مرتين .
٨٥

يوم الجمعة العشرين من صفر سنة سبع وأربعين وستمائة ، وملكوا بر الجيزة
يوم السبت ، وملكوا دمياط يوم الأحد ثلاثة أيام متوالية لأن العسكر وجميع
أهلها تركوها وهربوا منها .
وانتقل الملك الصالح من أشموم إلى المنصورة ، ونزل بها وهو في غاية من
المرض، وأقام بها على تلك الحال إلى أن توفي هناك ليلة الاثنين نصف شعبان من
السنة المذكورة ، وحمل إلى القلعة الجديدة التي في الجزيرة ، وترك بها في مسجد
هناك، وأخفي موته مقدار ثلاثة أشهر، والخطبة باسمه ، إلى أن وصل ولده
الملك المعظم توران شاه من حصن كيفا على البرية إلى المنصورة ، فعند ذلك
أظهروا موته ، وخطب لولده المذكور ، ثم بعد ذلك بني له بالقاهرة إلى جنب
مدارسه تربة ، ونقل إليها في رجب سنة ثمان وأربعين وسمائة . وكانت ولادته
في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وسمائة، هكذا وجد بخط ابنه
مكتوباً ، ورأيت في مكان آخر أنه ولد في ليلة الخميس الخامس من جمادى
الآخرة من السنة المذكورة ، وفي مكان آخر أنه ولد في الرابع من المحرم سنة
أربع وستمائة، والله تعالى أعلم؛ وأمه جارية مولدة سمراء اسمها ورد المنى ،
رحمه الله تعالى .
وكانت ولادة الملك العادل في ذي الحجة سنة سبع عشرة وستمائة، بالمنصورة
ووالده في قبالة العدو على دمياط ، وتوفي في الاعتقال يوم الاثنين ثاني عشر شوال
سنة خمس وأربعين وستمائة بقلعة القاهرة ، ودفن في تربة شمس الدولة خارج باب
النصر ، رحمه الله تعالى
هذه الفصول ذكرت خلاصتها ، ولو فصلتها لطال الشرح ، والمقصود
الاختصار وطلب الإيجاز مع أني كنت حاضراً أكثر وقائعها١ .
(220) وكان الملك العادل المذكور ولد صغير يقال له الملك المغيث مقيماً
بالقلعة ، فلما وصل ابن عمه الملك المعظم توران شاه إلى المنصورة سير من هناك،
ونقله إلى قلعة الشوبك. فلما جرت الكائنة على المعظم أحضر متسلم قلعة الكرك
١ وقعت هذه الجملة في آخر الترجمة في المختار .
٨٦

الملك المغيث من الشوبك وسلم إليه الكرك والشوبك وتلك النواحي، وهو الآن
ملكها ، ولم يزل مالكاً لها إلى سنة إحدى وستين وستمائة ، فنزل الملك الظاهر
ركن الدين بيبرس١ المذكور في ترجمة القاضي مجلي صاحب كتاب ((الذخائر)) بالغور،
وراسله وبذل له من تسليم البلد بذولاً كثيرة وحلف له ، ويقال إنه ورى في
في اليمين ولم يستقض فيها . فنزل إليه إلى منزله بالطور من٢ الغور، فقبض عليه
ساعة وصوله وجهزه إلى قلعة الجبل بمصر واعتقله بها .
(221) وكان للمغيث ولد ينعت بالعزيز فخر الدين عثمان صغير السن، فأمَّرَه
الملك الظاهر ، ولم يزل في خدمته أميراً إلى أن فتح أنطاكية في شهر رمضان
سنة ست وستين وستمائة، وتوجه من الشام بعد ذلك إلى مصر ، فلما دخل إليها
قبض عليه واعتقله ، وهو الآن معتقل بقلعة الجبل المذكورة .
وهذه قلعة الكرك هي المذكورة في ترجمة القاضي مجلي أيضاً ، وكان الملك
الظاهر يخاف على أولاده فكان يبالغ في تحصين القلعة المذكورة، ويملؤها بالذخائر
والأموال ، ولما جرى لولده السعيد ما ذكرنا في ترجمة القاضي مجلي وتوجه إلى
الكرك نفعته تلك الذخائر ووجدها عوناً له على زمانه .
(222) ولما توفي الملك السعيد ابن الملك الظاهر في الكرك - كما ذكرناه في
الترجمة المذكورة - ملكها بعد أخوه الملك المسعود نجم الدين خضر ابن الملك
الظاهر٣ باتفاق ممن كان بها من مماليك أبيه ومن أمرائه، وهو الآن متملكها مقيم
بها ، ثم نزل منها بالأمان بعد حصاره فيها في مدة الأمير حسام الدين طرنطاي
المنصوري كان نائب المملكة ، وتقدم العساكر، ونزل معه أخوه الملك العادل
سلامش بعد أخيه السعيد ، وتوجه إلى الديار المصرية إلى خدمة السلطان الملك
١ المختار : صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية .
٢ بالطور من : سقطت من ر والمختار .
٣ علق ابن المؤلف بقوله: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: ولم يزل خضر
المذكور بها إلى سنة خمس وثمانين فتسلمها منه نواب الملك المنصور سيف الدين قلاون الصالحي
المعروف بالألفي وبدل منها على مصالحة جرت بينهما وانتقل الى الديار المصرية ملازماً للخدمة ))
وجاء بعد ذلك قوله وهو من الأصل: ((وتوفي المعظم توران شاه يوم الاثنين السابع والعشرين
من المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة)).
٨٧

المنصور سيف الدين قلاون الصالحي المذكور في ترجمة القاضي مجلي في أوائل هذا
الحرف ، فأحسن السلطان إليهما، وجعل الملك خضراً وأخاه سلامش أميرين ،
وأقطعهما الإقطاعات الجيدة ، وأسكنهما بقلعة الجبل المنصور، واستمر الأمر على
ذلك، وهما مختلطان به في جملة أهله ملازمان للركوب مع ولديه السلطان الملك
الصالح علاء الدين والملك الأشرف صلاح الدين خليل .
[ولم يزل الأمر كذلك إلى شهور سنة ثمان وثمانين وستمائة، فجرى من الأمر ما
اقتضى الحال معه القبض على الأميرين نجم الدين خضر وبدر الدين سلامش المذكورين
واعتقالهما بقلعة الجبل المنصورة وأما الملك الصالح بن الملك المنصور المذكور ، فإنّه
كان ولي عهد أبيه ، وكان حازماً شديد الرأي . وتوفي في حياة والده في شهر شعبان سنة
سبع وثمانين وستمائة ، ثم إن والده جعل ولاية العهد إلى ولده الملك الأشرف المذكور ،
وقلده الملك في شهر شوال سنة سبع وثمانين المذكورة . وهو من الملوك المشهورين
بعلو الهمة والسعادة والحزم .
وتوفي الملك المنصور قلاون في يوم السبت من شهر ذي القعدة سنة تسع وثمانين
وستمائة في دهليزه بمسجد التين . وكان قد خرج على نيّة الغزاة إلى عكا ، فعرض له
مرض ، فقضى به نحبه وعادت العساكر إلى مستقرها
واستقلّ ولده السلطان الملك الأشرف بالمملكة يجمع المعاقل والبلاد ، ولم ير في
الملوك أكثر سعادة منه ، ولا أعلى همة ولا أكرم نفساً ولا أكثر وفاء لمن خدمه ولاذ به .
وفي أيام الملك المنصور فتحت طرابلس الشام يوم الثلاثاء تاسع ربيع الآخر سنة
ثمان وثمانين وستمائة ، وكان نازلها بنفسه وعساكره ، وفتحها قهراً بالسيف ، واستولى
القتل والأسر والنهب على أهلها ، وملك ما جاورها من قلعة جبيل والبترون وغير ذلك ،
ثم إن الملك الأشرف المذكور بعد استقلاله بالملك بمدة يسيرة خرج بنفسه وجمع عساكره
وتوجه إلى عكا ، فنازلها في يوم ، وكان خروجه من مصر في يوم ، واجتمع على عكا
جميع الناس: الجند والمتطوعة وغيرهم وسائر البلاد، ويّسّرّ اللّه فتحها في يوم الجمعة
سابع عشر جمادى الأولى سنة تسعين وستمائة ، في مثل الساعة من اليوم من الشهر
الذي أخذت فيه من المسلمين ، إلا أن الشهر كان الأولى ، وأخذت من المسلمين في
أيام صلاح الدين يوسف بن أيوب في الآخرة سنة سبع وثمانين وخمسمائة ، وأن
٨٨

السلطان الملك الأشرف صلاح الدين أخرج أهلها منها وقتلهم جميعاً بالسيف ، وكذلك
الفرنج عملوا بالذي كان فيها من المسلمين لما ملكوها في أيام صلاح الدين ، فانظروا
إلى هذا الاتفاق العجيب في أمور كثيرة. لمّا أُخذت من صلاح الدين ملكها صلاح
الدين وقتل المسلمون بها ثم قتل الكافرون بها ، وأخذت من المسلمين ثاني ساعة من يوم
الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة ، ثم ملكها المسلمون ثاني ساعة من يوم الجمعة سابع
عشر جمادى الأولى ، فسبحان مقدر الأمور .
ثم انحلّت عزائم الفرنج عن أخذ عكا ، فهرب من كان ببيروت وعثليث وهما
حصنان عظيمان لا تتطرق الأوهام إليهما ، وملكهما المسلمون بحول الله وقوته من
غير منازع ، وملكوا أيضاً صيدا وبيروت وحيفا فلم يبق للفرنج على الساحل الشامي
قلعة ولا بلد ولا قرية ولا جزيرة إلا وملك المسلمون ذلك جميعه والحمد لله وحده ]!
وتوفي المعظم توران شاه يوم الاثنين السابع والعشرين من المحرم من سنة
ثمان وأربعين وستمائة رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم .
٦٩٤ ب
الملك الكامل الايوبي
أبو المعالي محمد بن أبي بكر الملقب الملك الكامل ناصر الدين صاحب الديار
المصرية . خطب له اخوته وأهل بيته في بلادهم وضربوا السكة باسمه ؟
وكان محبوباً إلى الناس مسعوداً مؤيداً في الحروب . ولما نزل الفرنج على دمياط
في صفر سنة خمس عشرة اتفق لما يريده الله تعالى وفاة والده العادل ، وجرت
أمور مع ذلك أوجبت خروج السلطان ومن معه من الخيم ليلاً إلى أشموم - حسبما
هو مشروح في ترجمة عماد الدين أحمد بن المشطوب المذكور في حرف الهمزة -
١ من الواضح أن هذا ليس من عمل المؤلف ، لأنه توفي قبل هذه الأحداث .
٦٩٤ ب - هذه الترجمة تنفرد بها مج وهي تختلف عن الترجمة السابقة ، فلذلك أثبتناها في هذا الموضع .

وكان [ الفرنج] قد ساروا عن دمياط في الفارس والراجل، وقصدوا الملك
الكامل فنزلوا مقابله ، وبينهما بحر أشموم وهم يرمون بمناجيقهم وجروخهم إلى
عساكر المسلمين ، وتيقنوا وكل الناس أنهم يملكون الديار المصرية ، فوصل
الأشرف وتلقاه أخواه الكامل والمعظم ، واستبشروا به وكافة المسلمين وتوقعوا
النصرة على الأعداء الكافرين ، ووقع الاتفاق أن يبعثوا في بحر المجلة أسطولاً
يدخل إلى بجر دمياط ليمنع الميرة عن الفرنج، وأمر السلطان بنصب الجسور
وعبر عليها المسلمون إلى جزيرة شرمساح التي الفرنج مخيمون عليها ، وكسروا
النيل عليها ؛ وكان النيل في زيادته ، فركب الماء اكثر تلك الأرض ، ولم يبق
للفرنج جهة يسلكونها ، غير جهة واحدة ضيقة ان أرادوا العود إلى دمياط ،
وعبرت العساكر وملكوا الطريق ، ولم يبق لهم خلاص ، وأيقنوا بالهلكة ،
فراسلوا السلطان الملك الكامل يبذلون له النزول عن دمياط على أن يؤمنهم ،
فأجابهم إلى ذلك ، وشرط عليهم إطلاق من في أيديهم من أسرى المسلمين ،
وأخذ منهم رهائن ملوكهم على تسليم البلد ، وتقرر بينهم صلح مدة ثمان سنين ،
وتسلم السلطان دمياط يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب ، فكانت
مدة ملك الفرنج لها سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوماً؛ وكان يوماً مشهوداً؛
ومن العجيب أن المسلمين لما تساموها وصلت للفرنج نجدة في البحر فلو سبقوا
المسلمين إليها لامتنعوا من تسليم دمياط ليقضي الله أمراً كان مفعولاً . فلما دخلها
المسلمون لم يجدوا فيها من أهلها إلا آحاداً، فبعضهم سار عنها باختياره، وبعضهم
مات . وكان الفرنج قد حصنوها تحصيناً عظيماً بحيث بقيت لا ترام ولا يوصل
إليها ؛ وأعاد الله سبحانه وتعالى الحق إلى نصابه وردّه إلى أربابه ، فالله المحمود
المشكور على ما أنعم به على الإسلام والمسلمين من كف عادية هذا العدو ،
وكفاهم شره .
منقبة للملك الكامل جرت في هذه النوبة : لما وقع الحصار على مدينة
دمياط اتفق أن علجاً منهم ، لعنه الله ، قد ألهج لسانه بسب النبي صلى الله عليه
وسلم ، معلناً به. على خنادقهم ، ومنكياً لمن يليهم من حرس الإسلام ورجالهم ،
وكان أمره قد استفحل، وداء اشتهاره بهذه العظيمة قد أعضل، وقد جعل هذا
٩٠

الأمر ديدن جهاده ، وذهب عنه أن الله تعالى ينتقم لنفسه من عتوّ هذا اللعين
وعناده . فلما كانت الوقعة المشهورة في شعبان من سنة ست عشرة التي أسر فيها
أعلاج الكفر وكنودهم ، وأفاء الله على أهل دينه عدوهم وعديدهم ، واستولى
منهم على ما يناهز ألفي فارس ، عرف هذا العلج في جملة من اشتمل عليه
الاستيلاء منهم حصراً وعدّاً، وعوجل بعقوبة كفره الذي تكاد السموات
يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا ؛ فلما صفد في وثاقه ، وخرست
شقاشق شقاقه ، أشعر السلطان الملك الكامل بموضعه ، فتنوعت المشورات
بصورة قتل هذا الكافر ، واللحاق بروحه إلى الجحيم التي هي مأوى الفاجر ،
فصمم الملك الكامل على إرسال هذا العلج مع من يوصله إلى والي المدينة النبوية ،
على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، وإشعاره بأمره، وأن يباشر بذلك المحل
الشريف تطهير الأرض من كفره . فلما وصل أقيم بين يدي الضريح المطهر ،
ونوجي ذلك المحل الأطهر ، وذلك في عيد الفطر من السنة المذكورة ، وقيل :
يا رسول الله: هذا عدو الله وعدوك ، والمصرح في ملة كفره بسبك وسب
صاحبك ، قد أرسله محمد سلطان مصر ليقتل بين يديك ، ويشكر الله لما وفقه
من مجاهدة الشرك الذين كفروا بما أنزل إليك ، ورام أن يجعله عبرة لمن انتهك
حرمتك واجتراً عليك ، فتهادته أيدي المنايا ضرباً بالسيوف ، وفرح المؤمنون
بنصر الله لدينه على طوائف الشرك وان رغمت منها الأنوف ، والحمد لله رب
العالمين .
لا جرم أنه بعد وفاته أثيب على هذا المقصد السديد ، والتوفيق الذي ما
على النعمة به من مزيد : ان الانبرور ملك صقلية وغيرها من بلاد الفرنج -
وهو اليوم أكبر ملوكهم خطراً وكانت بينه وبين الملك الكامل صداقة ومهاداة
يألفه بها إلى أن تأكدت له محبته وصار ذبُّه عن بلاده من طوائف الكفر ديدنه
وعادته - كان عنده من الأسرى المأخوذين من مدينة ميرقة من الغرب عند
استيلائه عليها جماعة، فأحضرهم الانبرور بين يديه، وقال لهم: يا حجاج ،
قد أعتقتكم عن الملك الكامل ؛ وسيرهم مع قصاد تقودهم إلى عكا وأمرهم بجل
قيودهم عند قبره ، وإطلاق سبيلهم .
٩١

وكانت وفاته بدمشق يوم الأربعاء آخر النهار ، ودفن يوم الخميس في الساعة
الثانية منه ، وذلك لتسع بقين من شهر رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة بالكلاسة
رحمه الله تعالى .
ولما توفي كان ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب بالبلاد الشرقية، وهي التي
كانت بيده في حياة والده، وكان ولده الملك العادل سيف الدين أبو بكر بالديار
المصرية ؛ ولما بلغ بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وفاة السلطان ، قصد سنجار
مريداً حصارها، وبها الملك الصالح نجم الدين ، فنازلها وزحف إليها ، فأرسل
عليهم الخوارزمية ، فأوقعوا بهم واستولوا على جميع ما معهم من الأثقال ، ثم
جرت مراسلات آخرها أنهم انقادوا لأمره ودخلوا في طاعته ؛ وكانت هذه
الواقعة من الوقائع العجيبة
ولما كان مستهل جمادى الآخرة وصل الملك الصالح المذكور إلى دمشق ودخلها
في الساعة الخامسة من النهار ، وقد تقدم في ترجمة بهاء الدين زهير المذكور
طرف من حديثه وملكه للديار المصرية ، حسبما شرحناه ثم .
٦٩٥
محمد بن عبد الله بن طاهر
أبو العباس محمد بن عبد الله بن طاهر الخزاعي ؛ كان شيخاً فاضلاً وأديباً
شاعراً ، وهو أمير ابن أمير ابن أمير ، ولي إمارة بغداد في أيام المتوكل ، وكان
مألفاً لأهل العلم والأدب ؛ وقد أسند حديثاً عن أبي الصلت
قال أحمد بن يزيد المهلبي : كانت لأبي حاجة الى محمد بن عبد الله بن طاهر
فكتب إليه :
ألا مبلغٌ عني الأمير محمداً مقالاً له فضلٌ على القول واسعُ
٦٩٥ - انفردت مج بهذه الترجمة .
٩٢

وإن هي لم تمكن فعذرك واسع
لنا حاجة إن أمكنتك قضيتها
فلست بمعطي الناس ما الله مانع
فأنت وإن كنت الجواد بعينه
فإن يورِ زندُ الطاهري فبالحرى وإلا فقد تنبو السيوف القواطع
وقيل : كان الحسن بن وهب عند محمد بن عبد الله بن طاهر فعرضت سحابة
وبرقت ومطرت ، فقال كل من حضر فيها شيئاً ، فقال الحسن :
هطلتنا السماء هطلا دراكا عارض المرزمان فيها السماكا
يا زناد السماء من أوراكا
قلت للبرق إذ توقد فيها
فهو العارض الذي استبكاكا
أحبيب نأيته فجفاكا
أم تشبهت بالأمير أبي العبـ ـاس في جوده ، فلست هناكا
قال إبراهيم بن عرفة : في سنة ثلاث وخمسين ومائتين لإحدى عشرة ليلة
خلت من ذي القعدة انكسف القمر في أول الليل حق ذهب أكثره فلما انتصف
الليل مات محمد بن عبد الله بن طاهر ، وكان به خراج في حلقه واشتد حتى
عولج بالفتائل ؛ وفي وفاته يقول أخوه عبد الله بن عبد الله بن طاهر :
هدّ ركن الخلافة الموطود زال عنها السرادق الممدود
كسف البدر والأمير جميعاً وانجلى البدر والأمير عميد
ودفن في مقابر قريش رحمه الله تعالى .
٩٣

٦٩٦
الوزير ابن الزيات
أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة ، المعروف بابن الزيات ، وزير
المعتصم؛ كان جده أبانُ رجلاً من أهل جَبُّل من قرية كان بها يقال لها الدسكرة
يجلب الزيت من مواضعه إلى بغداد، فسَمَتْ بمحمد المذكور همته - على ما
يأتي ذكره فيه - وكان من أهل الأدب الظاهر والفضل الباهر ، أديباً فاضلاً
بليغاً عالماً بالنحو واللغة .
ذكر ميمون بن هرون الكاتب أن أبا عثمان المازني لما قدم بغداد في أيام
المعتصم كان أصحابه وجلساؤه يخوضون بين يديه في علم النحو ، فإذا اختلفوا
فيما يقع فيه الشك يقول لهم أبو عثمان: ابعثوا إلى هذا الفق الكاتب، يعني محمد بن
عبد الملك المذكور ، فاسألوه واعرفوا جوابه ، فيفعلون ويصدر جوابه بالصواب
الذي يرتضيه أبو عثمان ويوقفهم عليه .
وقد ذكره دعبيل بن علي الخزاعي المقدم ذكره في كتاب ((طبقات الشعراء))
وذكره أبو عبد الله هرون بن المنجم - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - في كتاب
((البارع)) وأورد له من شعره عدة مقاطيع.
وكان في أول أمره من جملة الكتاب، وكان أحمد بن عمّار بن شاذي البصري
وزير المعتصم ، فورد على المعتصم كتاب من بعض العمال فقرأه الوزير عليه ،
وكان في الكتاب ذكر الكلا، فقال له المعتصم : ما الكلا ؟ فقال: لا أعلم ،
وكان قليل المعرفة بالأدب ، فقال المعتصم : خليفة أمي ووزير عامي ؟! وكان
المعتصم ضعيف الكتابة ، ثم قال : أبصروا من بالباب من الكتاب ، فوجدوا
٦٩٦ - أخباره في تاريخ الطبري والمسعودي وابن الأثير وتاريخ بغداد ٢: ٣٤٢ ومعجم المرزباني :
٣٦٥ والخزانة ١: ٢١٥ والأغاني ٢٢: ٤٦٣ والفهرست: ١٢٢ والوافي ٤: ٣٢ وعبر
الذهبي ١: ٤١٤ والشذرات ٢ : ٧٨ .
٩٤

محمد بن عبد الملك المذكور ، فأدخلوه إليه فقال له : ما الكلأ ؟ فقال الكلأ
العشب على الإطلاق ، فإن كان رطباً فهو الخَلا، فإذا يبس١ فهو الحشيش،
وشرع في تقسيم أنواع النبات ، فعلم المعتصم فضله، فاستوزره وحكمه
وبسط يده .
وقد ذكرنا ما كان بينه وبين القاضي أحمد بن أبي دواد الإيادي في ترجمته .
وحكى أبو عبد الله البيارستاني أن أبا حفص الكرماني كاتب عمرو بن مسعدة
كتب إلى محمد بن عبد الملك الزيات المذكور : أما بعد ، فانك ممن إذا غرس
سقى، وإذا أسس بنى ليستتم بناء أسه ويجتني ثمرة غرسه ، وبناؤك في وُدِّي
قد وهى وشارف الدروس، وغرسك عندي قد عطش وأشفى على اليبوس ،
فتدارك بناء ما أسست وسَقْي ما غرست ، فقال البيارستاني : فحدثت بذلك
أبا عبد الرحمن العطوي ، فقال في هذا المعنى يمدح محمد بن عمران بن موسى بن
يحيى بن خالد بن برمك ، ثم وجدت الأبيات٢ في ديوان أبي نواس ، صنعة
الأصبهاني ، وهي :
إن البرامكة الكرام تعلموا فعل الجميل وعلموه الناسا
لا يهدمون لما بنوه أساسا
كانوا إذا غرسوا سَقَوْا وإذا بنوا
جعلوا لها طولَ البقاء لباسا
وإذا همُ صنعوا الصنائع في الورى
كأس المودة - من جفائك كاسا
فعلام تسقيني - وأنت سقيتني.
آنستني متفضلاً، أفلا ترى أن القطيعة توحش الإيناسا ؟
وقد تقدم في ترجمة عبد المحسن الصوري هذا المعنى أيضاً .
ولابن الزيات المذكور أشعار رائقة، فمن ذلك قوله٣ :
سماعاً يا عباد الله مني وكفوا عن ملاحظة الملاح
١ ن : وان كان يبساً.
٢٠٠٠ ن ر ق من بر: هذه الأبيات الثلاثة.
٣ هذه القطعة غير موجودة في ديوانه .
٩٥

فإن الحب آخره المنايا وأوله يتج بالمزاح
ونم فالليل مسود الجناح
وقالوا دع مراقبة الثريا
فقلت وهل أفاق القلب حتى أفرق بين ليلي والصباح
وله على ما نقلته من خط بعض الأفاضل١ :
ظالم ما علمته معتد لا عدمته
مُطْمع في الوصال م ستنع حين رمته
قال إذ أفصح البكاء بما قد كتمته
لو بكى طول عمره بدم ما رحمته
ـه وغيظ كظمته
ربَّ هم طويت في
وحياة سئمتها والهوى ما سئمته
وذكر الخطيب في ((تاريخ بغداد))٢ أن ابن الزيات المذكور كان يعشق جارية
من جواري القيان ، فبيعت من رجل من أهل خراسان، فأخرجها، قال :
فذهل عقل ابن الزيات حتى غشي عليه ، ثم إنه أنشأ يقول٣ :
وطول رعيته النجم في السدف
يا طول ساعات ليل العاشق الدنف
كأنما الجسم منه دقة الألف
ماذا تواري ثيابي من أخي حُرَقِ
ما قال يا أسفا يعقوبُ من كمد إلا لطول الذي لاقى من الأسف
مَنْ سره أن يرى مَيْت الهوى دنفا فليستدل على الزيات وليقف
ومن شعره ما ذكره في كتاب ((البارع)) يرئي جاريته، وقد خلفت له ابن
ثمان سنين ، وكان يبكي عليها فيتألم بسببه وهو؛ :
١ ديوانه : ٨٠.
٢ تاريخ بغداد ٢ : ٣٤٣
٣ لم أجدما في ديوانه
٤ ديوانه : ٦٧ .

ألا من رأى الطفل المفارق أمه بُعَيْدَ الكرى عيناه تنسكبان
يبيتان تحت الليل ينتجيان
رأى كل أم وابنها غير أمه
بلابلُ قلب دائم الخفقان
وبات وحيداً في الفراش تجيبه
جليد ، فمن للصبر بابن ثمان ؟
فهيني أطلت الصبر عنها لأنني
ضعيف القوى لا يعرف الصبر جسمه ولا يأتسي بالناس في الحَدَثان
وله دیوان رسائل جيد .
ومدحه البحتري بقصيدته الدالية وأحسن في وصف خطه وبلاغته ، وقال
في آخرها١ :
وأرى الخلق مجمعين على فض لمك من بين سيد وَمَسُودِ
عرف العالمون فضلك بالعل ـم وقال الجهال بالتقليد
ولأبي تمام فيه مدائح وجماعة من شعراء عصره ، ولإبراهيم بن العباس الصولي
المقدم ذكره فيه مقاطيع يعبث به فيها ، فمن ذلك قوله٢ :
أخ كنت آوي منه عند ادكاره إلى ظل آباء من العز شامخ
فأقلعن منه عن ظلوم وصارخ
سعت نُوَبُ الأيام بيني وبينه
كملتمسٍ إطفاءَه ثار نافخ
وإني وإعدادي لدهري محمداً.
ومن ذلك قوله أيضاً :
دعوتك عن بلوى ألمت ضرورة فأوقدت عن طعن علي سعيرَها
كداعيةٍ عند القبور نصيرَها
وإني إذا أدعوك عند مامة
وله أيضاً فیه : +
أبا جعفر خَفْ نَبْوة بعد دولة وقصّر قليلاً عن مدى غُلَوائكا
١ ديوان البحتري : ٦٣٨ .
٢ الطرائف الأدبية : ١٥٧، ١٥٦، ١٦١، ١٥٨ ، ١٦٥.
٧ - ٥
٩٧

فإن يك هذا اليوم يوماً حويته فإن رجائي في غدٍ کرجائكا
وله فيه أيضاً :
قلت لهاحين أكثرت عَذَلي: ويحك ! أزرت بنا المروءاتُ
قالت: فأين السراة؟ قلت لها : لا تسألي عنهمُ فقد ماتوا
قالت: ولم ذلك ؟ قلت لها : هذا وزير الإمام زيات
وله أيضاً فيه :
بمنع لقد فارقته ومعي قَدْري
لئن صدرت بي زورة عن محمد
أليست يداً عندي لمثل محمد صيانته عن مثل معروفه شكري
وله فيه أيضاً :
فإن تکن الدنیا أثالتك ثروة فأصبحت ذا يسر وقد كنت ذا عسر
فقد كشف الإثراءُ منك خلائقاً من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر
وله فيه أيضاً :
من يشتري من إخاء محمد أم من يريد إخاءه مَجَّانا
أم من يخلّص من إخاء محمد وله مناه كائناً من كانا
وله أشياء غير ذلك ، وما زالت الأشراف تهجى وتمدح .
وفيه يقول بعضهم ، ولا أذكره الآن ، ثم ظفرت به بعد ذلك، وهو القاضي
أحمد بن أبي دواد الإيادي - المقدم ذكره١ - وكان ابن الزيات المذكور قد هجاه
بتسعين بيتاً ، فعمل القاضي أحمد فيه بيتين وهما :
أحسن من تسعين بيتاً سدى جمعك معناهن في بيت
ما أحوجَ الملك إِلى مَطْرةٍ تغسل عنه وضَرَ الزيت
١ انظر ج ١ : ٨١ ٠
٩٨

ونسب صاحب ((العقد))١ هذين البيتين إلى علي بن الجهم ، والأول حكاه في
((الأغاني)) والله تعالى أعلم؛ [ فأجابه ابن الزيات عن بيتيه بقوله، معرضاً بأن
بعض أجداد القاضي كان يبيع القار :
يا أيها الطامع في هجونا نفسك قد عرضت للموتِ
الزيت لا يزري بأحسابنا أحسابنا معروفة البيت
قير تم الملك فلم ننقه حتى غسلنا القار بالزيت]٢
ولما مات المعتصم وقام بالأمر ولده الواثق هارون أنشد ابن الزيات المذكور؟:
قد قلت إذ غَيْبُوكَ وانصرفوا في خير قبر لخير مدفون
لن يجبرَ الله أمّة فقدت مثلك إلا بمثل هارون
وأقره الواثق على ما كان عليه في أيام المعتصم ، بعد أن كان متسخطاً عليه
في أيام أبيه وحلف يميناً مغلظة أنه ينكبه إذا صار الأمر إليه ، فلما ولي أمر
الكتاب أن يكتبوا ما يتعلق بأمر البيعة ، فكتبوا فلم يرض ما كتبوه، فكتب
ابن الزيات نسخة رضيها، وأمر بتحرير المكاتبات عليها ، فكفر عن يمينه وقال :
عن المال والفدية عن اليمين عوض ، وليس عن الملك وابن الزيات عوض . فلما
مات وتولى المتوكل كان في نفسه منه شيء كثير، فسخط عليه بعد ولايته بأربعين
يوماً، فقبض عليه واستصفى أمواله ، وكان سبب قبضه عليه أنه لما مات
الواثق بالله أخو المتوكل أشار محمد المذكور بتولية ولد الواثق ، وأشار القاضي
أحمد ابن أبي دواد المذكور بتولية المتوكل ، وقام في ذلك وقعد حتى عممه بيده
وألبسه البردة وقبله بين عينيه ، وكان المتوكل في أيام الواثق يدخل على الوزير
المذكور فيتجهمه ويغلظ عليه في الكلام ، وكان يتقرب بذلك إلى قلب الواثق
فحقد المتوكل ذلك عليه ، فلما ولي الخلافة خشي إن نكبه عاجلاً أن يستر أمواله
فيفوته ، فاستوزره ليطمئن، وجعل القاضي أحمد يغريه ويجد لذلك عنده موقعاً،
١ العقد ٣ : ١٩٤ .
٢ زيادة من ر ، وانظر ديوانه : ١٢ .
٣ ديوانه : ٧٦ .
٩٩

فلما قبض عليه ومات في التنور - كما سيأتي ذكره - لم يجد من جميع أملاكه
وضياعه وذخائره إلا ما كانت قيمته مائة ألف دينار ، فندم على ذلك ولم يجد
عنه عوضاً، وقال القاضي أحمد : أطمعتني في باطل وحملتني على شخص لم أجد
عنه عوضاً .
وكان ابن الزيات المذكور قد اتخذ تنوراً من حديد وأطراف مساميره المحدّدة
إلى داخل ، وهي قائمة مثل رؤوس المسالّ ، في أيام وزارته ، وكان يعذب فيه
المصادرين وأرباب الدواوين المطلوبين بالأموال، فكيفما انقلب واحد منهم أو
تحرك من حرارة العقوبة١ تدخل المسامير في جسمه ، فيجدون لذلك أشد الألم
ولم يسبقه أحد إلى هذه المعاقبة، وكان إذا قال له أحد منهم أيها الوزير ارحمني،
فيقول له: الرحمة خَوَر في الطبيعة، فلما اعتقله المتوكل أمر بإدخاله في التنور ،
وقيده بخمسة عشر رطلاً من الحديد فقال : يا أمير المؤمنين ارحمني ، فقال له :
الرحمة خور في الطبيعة ، كما كان يقول٢ للناس ، فطلب دواة وبطاقة فأحضرنا
إليه فكتب٣ :
هي السبيل فمن يوم إلى يوم كأنه ما تُريك العينُ في النومِ
لا تجزعنَّ، رويداً إنها دول دنيا تَنَقَّلُ من قوم إلى قومٍ
وسيرها إلى المتوكل، فاشتغل عنها ولم يقف عليها إلا في الغد ، فلما قرأها
المتوكل أمر بإخراجه، فجاؤوا إليه فوجدوه ميتاً، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين
ومائتين ، وكانت مدة إقامته في التنور أربعين يوماً ، وكان القبض عليه لثمان
مضين من صفر من السنة المذكورة .
ولما مات وجد في التنور مكتوب بخطه قد خطَّه بالفحم على جانب
التنور يقول :
من له عهدٌ بنوم يرشد الصب إليهِ
١ ق : حرارة النار والعقوبة .
٢ ر : كنت تقول .
٣ ديوانه : ٦٦ ٠