النص المفهرس

صفحات 1-20

وَفَيَاتُ الأَغِيَّات
وَأَنْبَاءُابْنََّاءِ الزَّمَّان
لِأبى العَبَّاسِ شْسِ الدِّين ◌َجْمَدَبْ حَدَ بْن إِبِى بَكِ نْ خَلَكَان
(٠٦٠٨ - ٦٨١ هـ)
حققه
الدكتور احسان عباس
المجلد الخامس
دار صادر
بيروت

١٩٧٧م ١٣٩٧ هـ

وفيات الأعيان
٥

٦٨١
ابن المعلم الشاعر
أبو الغنائم محمد بن علي بن فارس بن علي بن عبد الله بن الحسين بن القاسم ،
المعروف بابن المعلم الواسطي الهُرني ، الملقب نجم الدين ، الشاعر المشهور ؛ كان
شاعراً رقيق الشعر لطيف حاشية الطبع ، يكاد شعره يذوب من رقته ، وهو
أحد من سار١ شعره وانتشر ذكره ونَبُه بالشعر قدره وحسن به حاله وأمره
وطال في نَظْم القريض عمره وساعده على قوله زمانه ودهره ، وأكثر القول في
الغزل والمدح وفنون المقاصد ، وكان سهل الألفاظ صحيح المعاني يغلب على شعره
وصف الشوق والحب وذكر الصبابة والغرام ، فعلق بالقلوب ولطف مكانه عند
أكثر الناس ومالوا إليه وحفظوه٢ وتداولوه بينهم واستشهد به الوعاظ واستحلاه
السامعون .
سمعت جماعة من مشايخ البطائح يقولون : ما سبب لطافة شعر ابن المعلم إلا
أنه كان إذا نظم قصيدة حفظها الفقراء٣ المنتسبون إلى الشيخ أحمد بن الرفاعي
- المقدم ذكره في حرف الهمزة٤ - وغنوا بها في سماعاتهم وطابوا عليها، فعادت
عليه بركة أنفاسهم، ورأيتهم يعتقدون ذلك اعتقاداً لا شك٥ عندهم فيه، وبالجملة
٦٨١ - ترجمته في مرآة الزمان: ٤٥١ وذيل الروضتين: ٩ والوانفي ٤ : ١٦٥ وعبر الذهبي
٤ : ٢٧٩ والشذرات ٤: ٣١٠ والنجوم الزاهرة ٦ : ١٠٢.
١ بر : شارع
٢ ر بر : وتحفظوه .
٣ , والمختار : الشعراء
٤ انظر ج ١: ١٧١
٥ بر من : اعتقاد من لا شك .

فشعره يشبه النوح ، ولا يسمعه مَنْ عنده أدنى هوّى إلا فتنه١ وهاج غرامه .
وكان بين ابن المعلم المذكور وبين ابن التعاويذي المذكور قبله تنافس، وهجاه
ابن التعاويذي بأبيات جيمية أجاد فيها ولا حاجة إلى ذكرها٢ .
ولابن المعلم قصيدة طويلة أولها :
ردوا عليّ شواردَ الأظعان ما الدار إن لم تَفْنَ من أوطاني
منها :
هَزَأْت معاطِفُه بغصن البان
ولكم بذاك الجزع من متمنع
فَمَنِ الوفيّ لنا بوعد ثاني
أبدى تلونه بأولٍ موعدٍ
أبناءُ معركةٍ وأُسدُ طِعَانٍ
خُلقت لغير ذوابلِ المران
في الحيّ غيرَ مُهَنْدٍ وسِنان
ما الصدُ عن ملَلٍ ولا سلوان
بطُوَيَلعِ يا ساكني نعمان
فمتى اللقاء ودونه من قومه
نقلوا الرماحَ وما أظنُّ أكفّهم
وتقلّدُوا بيضَ السيوفِ فما ترى
ولئن صددت فمن مراقبة العدا
يا ساكني نعمانَ أين زمانُنا
وله من أخرى٣ :
كم قلت إياك العقيق فإنه
وأردتَ صيدَ مَها الحجاز فلم يسا
وله من أخرى :
ضَرَيَت جاذره بصيد أسوده
عدك القضاء فرُحْتَ بعض صيوده
أجيرانَنا إن الدموع التي جرت رخاصاً على أيدي النوى لَغَوالي
أقيموا على الوادي ولو عمر ساعة. كلَوْثِ إزار أو كحلٌ عقال
١ رق مج بر: افتتنه ، وأثبتنا ما في بر والمختار .
٢ ديوان ابن التعاويذي : ٧٥ . .
٣ سقط البيتان من برت س، وقد أوردهما المؤلف من قبل في ترجمة التهامي ٣: ٣٨٠ ونسبهما
هنالك التهامي، وهما ثابتان في ترجمة ابن المعلم في ((المختار)) أيضاً.

فكم ثمَّ لي من وقفةٍ لو شَرَيتُها بنفسيَ لم أُغين فكيف بمالي
[وله من أخرى :
كيف يخفي سر الهوى المستهام هي حزوى وما الخيام الخيام
ولئن كانت الخيام وما النا س بها الناس، فالغرام الغرام]١
وله من أخرى :
من قَرْقَفٍ في لؤلؤٍ مكنونٍ
قسماً بما ضُمَّتْ عليه شفاههم
نحي ومن لي أن تَبَرَّ يميني
إن شارف الحادي المُذَيب لأقضینْ
بتلاعِه ما رحت كالمجنون
لو لم يكنْ آثارُ ليلى والهوى
وكان سبب عمل هذه القصيدة أن ابن المعلم المذكور والأبله وابن التعاويذي
المذكورين قبله لما وقفوا على قصيدة صرَّدُرّ - المقدم ذكره في حرف العين٢ -
التي أولها» :
أكذا يُجازى ود كل قرينِ أم هذه شيم الظباء العِينِ
وهي من نُخَب القصائد [وسأذكرها في ترجمة عميد الملك محمد ان شاء الله تعالى]٤
أعجبتهم ، فعمل ابن المعلم من وزنها هذه القصيدة وعمل ابن التعاويذي من
وزنها قصيدة أبدع فيها، وأرسلها إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي ، رحمه الله
تعالى ، وهو بالشام يمدحه بها، وأولها :
إن كان دينك في الصبابة ديني فقِفِ المطيِّ برملتَيْ يَبْرِينِ
وعمل الأبله قصيدة أخرى ، وأحسنُ الكل قصيدة ابن التعاويذي .
١ زيادة من مج .
٢ انظر ج ٣ : ٣٨٥ .
٣ ديوان صردر : ٥٣ .
٤ زيادة من ر ق .
٧

وحكي عن ابن المعلم المذكور أنه قال : كنت ببغداد ، فاجتزت يوماً
بالموضع الذي يجلس فيه أبو الفرج ابن الجوزي للوعظ ، فرأيت الخلق مزدحمين،
فسألت بعضهم عن سبب الزحام فقال : هذا ابن الجوزي الواعظ جالس ، ولم
أكن علمت يجلوسه ، فراحمت وتقدمت حتى شاهدته وسمعت كلامه وهو يعظ
حق قال مستشهداً على بعض إشاراته : ولقد أحسن ابن المعلم حيث يقول :
يزدادُ في مسمعي تَكْرارُ ذكركمُ طيباً، ويحسنُ في عيني تكرّرُهُ
فعجبت من اتفاق حضوري واستشهاده بهذا البيت من شعري ، ولم يعلم
بحضوري لا هو ولا غيره من الحاضرين .
وهذا البيت من جملة قصيدة له مشهورة
ولابن المعلم في أثناء قصيدة أيضاً :
ويستبيح دمي من لا أسميه
يوهي قُوَى جَلَدي مَنْ لا أبوح به
ضعفاً، بلى في فؤادي ما يقاسيه
قسا فما في لساني ما يعاتبه
وفي يوم وقعة الجمل على البصرة ، قبل مباشرة الحرب ، أرسل علي بن أبي
طالب رضي الله عنه ابن عمه عبد الله بن العباس ، رضي الله عنهما، إلى طلحة
والزبير رضي الله عنهما برسالة يكفها عن الشروع في القتال ، ثم قال له : لا
تلقين طلحة فانك إن تلقه تجده كالثور عاقصاً أنفه يركب الصعب ، ويقول :
هو الذلول ، ولكن التى الزبير ، فإنه ألين عريكة منه، وقل له : يقول لك
ابن خالك : عِرفْتَني بالحجاز ، وأنكرتني بالعراق ، فما عدا مما بدا ؟ وعلى ،
رضي الله عنه ، أول من نطق بهذه الكلمة ، فأخذ ابن المعلم المذكور هذا
الكلام وقال :
منجوه بالجزع السلام وأعرضوا بالغَوْر عنه ، فما
وهذا البيت من جملة قصيدة طويلة .
ورسالة عليّ نقلتها من كتاب ((نهج البلاغة))١.
١ وفي يوم وقعة ... البلاغة: لم يرد في بر من س ت مج

ولا حاجة إلى الإطالة بذكر فرائده مع شهرة ديوانه وكثرة وجوده بأيدي
الناس .
وكانت ولادته في ليلة سابع عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسمائة. وتوفي
رابع رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بالهُرْث ، رحمه الله تعالى .
والهُرْتُ: بضم الهاء وسكون الراء وبعدها ثاء مثلثة، وهي قرية من
أعمال نهر جعفر، بينها وبين واسط نحو عشرة فراسخ ، وكانت وطنه ومسكنه
إلى أن توفي بها ، رحمه الله تعالى.
٦٨٢
البحراني الشاعر
أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن قائد، الملقب موفق الدين الإربلي أصلاً
ومنشأ البحراني مولداً الشاعر المشهور ؛ كان إماماً مقدماً في علم العربية ،
مفننا' في أنواع الشعر، ومن أعلم الناس بالعروض والقوافي وأحذقهم بنقد الشعر
وأعرفهم يجيده من رديئه وأدقتهم نظراً في اختياره . واشتغل بشيءٍ من علوم
الأوائل، وحل كتاب إقليدس٢ ، وبدأ ينظم الشعر وهو صبي صغير بالبحرين
جرياً على عادة العرب قبل أن ينظر في الأدب .
وهو شيخ أبي البركات ابن المستوفي صاحب ((تاريخ إربل)) - المقدم ذكره٣-
وعليه اشتغل بعلوم الشعر وبه تخرج، وقد ذكره في تاريخه وعدد فضائله، وقال:
كان شيخنا أبو الحرم مكي الماكسيني؛ النحوي - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى-
٦٨٢ - لم ترد ترجمته في القطعة التي بقيت من تاريخ ابن المستوي.
١٠ رن من: متفنناً.
٢ س ت بر من : أو قليدس.
٣ ٢ ٤ : ٠١٤٧
٤ ت س مج بر من : الماكساني

يراجعه في كثير من المسائل المشكلة في النحو وكان يرجع إليه في أجوبة ما
يورد عليه. وكان قد رحل إلى شَهْرزُورَ وأقام بها مدة، ثم رحل إلى دمشق
ومدح السلطان صلاح الدين ، رحمه الله تعالى، بقصيدة طويلة ، وله ديوان شعر
جيد ورسائل حسنة ، وكان في الشعر في طبقة معاصريه ممن تقدم ذكرهم .
ومن شعره قصيدة يمدح بها زين الدين أبا المظفر يوسف بن زين الدين صاحب
إربل - وقد تقدم ذكره في ترجمة أخيه مظفر الدين في حرف الكاف١ :
رُبَّ دارٍ بالغضا طال بلاهَا عكف الركب عليها فيكاها
سَمَحَ الدهر بها ثم محاها
دَرَسَت إلا بقايا أسطر
فسقى الله زماني وسقاها
كان لي فيها زمانٌ وانقضى
وقَفَتْ فيها الغوادي وقفةٌ
وبكت أطلالها نائبةٌ
قل لجيرانٍ مَوَائیقهمُ
كنت مشغوفاً بكم إذ كنتمُ
لا تبيت الليلَ إلا حولها
وإِذا مُدَّتْ إلى أغصانها
فتراخى الأمرُ حق أصبحت
تخصبُ الأرض فلا أقربها
لا يراني الله أرعى روضة"
وإذا ما طمعٌ أغرى بكم
فصبابات الهوى أولها
لا تظنُّوا لي إليكم رجعةٌ
ألصقت حرّ ثراها بحشاها٢
عن جفوني ، أحسن الله جزاها
كلما أحكمتُهَا رَبَتْ قواها
شجراً لا يبلغ الطير ذُرَاها
حرس ترشح بالموت ظُبّاها
کفُ جانٍ قطعت دون چناها
هَمَلا يطمع فيها من رآها٣
رائداً إلا إذا عز حماها
سهلة الأكناف من شاء رعاها
عرض اليأس لنفسي فئَناها
طمعُ النفسِ وهذا منتهاها
كشف التجريبُ عن عيني عَمَاها
١ ٢ ٤ : ٠١١٣
٢ المختار وبعض النسخ: الغواني؛ ووقع البيت ثالثاً في ت س مج .
٣ بهامش س : يراها ، وكذلك في ق بر .
١٠

إن زَيْنَ الدين أولاني يداً لم تدع لي رغبة فيما سواها
وهي طويلة أجاد في مدحها١.
وكان أبوه من أهل إربل وصنعته التجارة، وكان يتردد من إربل إلى البحرين
ويقيم بها مدة لتحصيل اللآلىء من المغاصات أسوة التجار ، فاتفق أن ولد له
هناك الموفق أبو عبد الله المذكور ، ثم انتقل إلى إربل فنسب إلى البحرين لهذا
السبب٢.
وله معنى مليح في غلام اسمه السهم وقد التحى :
قالوا التحى السهمُ قلت حصَّنْ حشاك فالآن لا يطيشُ*
فالبهم لا ينفذ الرمايا إلا إذا كان فيه ريش
وتوفي ليلة الأحد ثالث شهر ربيع الآخر٣ سنة خمس وثمانين و خمسمائة بإربل،
ودفن بمقبرة أهله قبلي البَسْت، رحمه الله تعالى. قال المطرزي في كتاب ((المغرب)»:
البست كلمة فارسية وهو مفتح الماء في فم النهر٤ .
والبحراني: بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وفتح الراء وبعد الألف
نون، هذه النسبة إلى البحرين المقدم ذكرها، وهي بليدة بالقرب من هَجَر ،
قال الأزهري : وإنما سميت البحرين لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء
وقرى ٧ هجر بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ ، وقدرت البحيرة ثلاثة
أميال في مثلها ، ولا يغيض ماؤها ، وهو راكد زُعاق . وحدث أبو عبيد عن
أبي محمد اليزيدي قال: سألني المهدي وسأل الكسائي عن النسبة إلى البحرين وعن
الحصنين ، لم قالوا : حصني ، وبحراني ؟ فقال الكسائي: كرهوا أن يقولوا
١ ن : أجاد فيها ؛ بر من: فيها وفي مدحها .
٢ زاد في مج س ت: وتردد إلى البلاد ورحل في آخر عمره إلى الموصل، وتوفي بها ليلة الأحد ...
الخ ، وقد سقط البيتان التاليان من النسخ المذكورة ومن بر من .
٣ ت : الأول .
٤ قال المطرزي ... النهر: زيادة من ن ر ق ؛ وانظر المغرب ١ : ٣٧.
٠

حصناني لاجتماع النونين ، قال : وقلت أنا : كرهوا أن يقولوا بحري فتشبه
النسبة إلى البحر .
والبَسْت : بفتح الباء الموحدة وسكون السين المهملة وبعدها تاء مثناة من
فوقها ، واد عريض في وسط إربل تجري فيه مياه السيول في الشتاء والربيع
وفيه شيء كثير من الحجارة الصغار ، والله أعلم .
٦٨٣
أبو شجاع الفرضي
أبو شجاع محمد بن علي بن شعيب ، المعروف بابن الدهان ، الملقب فخر الدين ،
البغدادي الفرضي الحاسب الأديب ؛ هو من أهل بغداد ، وانتقل إلى الموصل
وصحب جمال الدين الأصبهاني الوزير بها ، ثم تحول إلى خدمة السلطان صلاح
الدين فولاه ديوان مَيَّافارقين، فلم يمش له بها حال مع واليها، فدخل١ إلى
دمشق فأجريَ له بها رزق لم يكن كافياً وكان يزجي به الوقت ، ثم ارتحل إلى
مصر في سنة ست وثمانين وخمسمائة ثم عاد منها إلى دمشق وجعلها دار إقامة .
وله أوضاع الجداول في الفرائض وغيرها، وصنف ((غريب الحديث)) في
ستة عشر مجلداً لطافاً ، ورمز فيه حروفاً يستدل بها على أماكن الكلمات
المطلوبة منه، وكان قامه أبلغ من لسانه ، وجمع تاريخاً وغير ذلك .
وذكره أبو البركات ابن المستوفي في ((تاريخ إربل)» وعده في زمرة الوافدين
عليها ، وقال في حقه: عالم فاضل متفنن٢، وله شعر جيد، وذكر الأبيات التي
٦٨٣ - ترجمته في ذيل الروضتين: ٩ والوافي ٤: ١٦٤ والنجوم الزاهرة ٦ : ٥١٣٦ ١٣٩
وعبر الذهبي ٤ : ٢٧٤ والشذرات ٤: ٣٠٤ وبغية الوعاة : ٧٦ واقتصر من هذه الترجمة
في المختار على ثلاثة أبيات من شعره .
١ ن : فرحل .
٢ بر من: متقن .
١٢

مدح بها الشيخ تاج الدين أبا اليمن زيد بن الحسن الكندي ، وقد ذكرتها في
ترجمة الكندي١ .
وذكره أيضاً العماد الكاتب في ((الخريدة))٢ وأثنى عليه، وأورد له مقاطيع
أحسن فيها ، فمن ذلك قوله في ابن الدهان المعروف بالناصح أبي محمد سعيد بن
المبارك النحوي - وقد سبق ذكره٣ - وكان مخلا باحدى عينيه :
لا يبعد الدهان إن ابنه أدهنُ منه بطريقين
في عجبِ البحر؛ فحدث به بفردٍ عَيْنٍ وبوجهين
ومنه ما كتبه إلى بعض الرؤساء وقد عوفي من مرضه :
نَذَرَ الناسُ يومَ برئك صوماً غير أني نذرتُ وحديّ فطرا
عالماً أن يومِ بُرْئِكَ عيدٌ لا أرى صومه ولو كان نذرا
وله غير ذلك أناشيد حسان. وكانت له اليد الطولى في النجوم وحَلّ
الأزياج. وتوفي في صفر سنة تسعين وخمسمائة بالحلة السيفية ، وكان سبب موته
أنه حج من دمشق وعاد على طريق العراق ، ولما وصل إلى الحلة عثر جمله هناك
فأصاب وجهه بعض خشب المحمل فمات لوقته . وكان شيخاً دمير الخلقة مسنون
الوجه مسترسل اللحية خفيفها، أبيض تعلوه صفرة ، رحمه الله تعالى . وقيل
إنه كان يلقب برهان الدين ، والله أعلم أي ذلك كان .
وقد تقدم الكلام على الحلة فلا حاجة إلى إعادته .
١ انظر ما تقدم ٢ : ٣٤١.
٢ الخريدة ( قسم العراق) ٢: ٣١٢.
٣ جـ ٢ : ٣٨٢.
٤ بر من : من عجب الدهر .
١٣

٦٨٤
ابن عنين الشاعر
أبو المحاسن محمد بن نصر١ بن الحسين بن عُنَيْن الأنصاري، الملقب شرف
الدين، الكوفي الأصل الدمشقي المولد الشاعر المشهور ؛ كان خاتمة الشعراء لم
يأت بعده مثله، ولا كان في أواخر عصره من يقاس به ، ولم يكن شعره مع
جودته مقصوراً على أُسلوب واحد بل تفنن فيه ، وكان غزير المادة من الأدب
مطلعاً على معظم أشعار العرب، وبلغني أنه كان يستحضر نقل٢ كتاب ((الجمهرة)
لابن دريد في اللغة ، وكان مولعاً بالهجاء وثَلب أعراض الناس ، وله قصيدة
طويلة جمع فيها خلقاً من رؤساء دمشق٣ سماها (مقراض الأعراض)). وكان
السلطان صلاح الدين ، رحمه الله تعالى، قد نفاه من دمشق بسبب وقوعه في
الناس ، فلما خرج منها عمل٤ :
فعلامَ أبعدتمْ أخا ثقة لم يحترمْ ذنباً ولا سرقا ؟
انفوا المؤذِّنَ من بلادكمٌ إِن كان يُنْفَى كل من صدقا
وطاف البلاد من الشام والعراق والجزيرة٧ وأذربيجان وخراسان وغَزْنَة
٦٨٤ - انظر مقدمة ديوانه، ففيها إشارات إلى أهم مصادر ترجمته ، وراجع البدر السافر ، الورقة :
١٧٠ .
١ ن ق : محمد بن نصر الله .
٢ نقل: سقطت من ق بر من .
٣ بر من : مصر .
٤ زاد في المختار: عمل هذين البيتين وأنفذهما إلى بعض أصحابه بها وهما، وانظر ديوانه: ٩٤.
٥ بر من : يقترف .
٦ ر : دياركم .
٧ ت س مج : والشرق ، وبهامش س : خ: والجزيرة ؛ وسقطت اللفظة من المختار .
١٤

وخوارزم وما وراء النهر، ثم دخل الهند واليمن وملكُهَا يومئذ سيف الإسلام
طفتكين بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين ، رحمه الله تعالى - المذكور في
حرف الطاء١ - وأقام بها مدة ، ثم رجع الى الحجاز والديار المصرية، وعاد إلى
دمشق ، وكان يتردد منها إلى البلاد ويعود إليها . ولقد رأيته بمدينة إربل في
سنة ثلاث وعشرين وستمائة ولم آخذ عنه شيئاً ، وكان قد وصل إليها رسولاً عن
الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل صاحب دمشق ، وأقام بها قليلاً،
ثم سافر وكتب من بلاد الهند إلى أخيه وهو بدمشق هذين البيتين، والثاني منهما
لأبي العلاء المعري استعمله مضمناً فكان أحق به ، وهما٢ :
سامحت كُتْبَكَ في القطيعة عالماً أن الصحيفةَ لم تجدْ من حامل
((وعَذَرْتُ طيفك في الجفاء لأنه يسري فيصبح دوننا بمراحل»٣
لله دره فما أحسن ما وقع له هذا التضمين . وقد كرر هذا المعنى في مواضع
من شعره : فمن ذلك قوله من جملة قصيدة طويلة٤ :
ألا يا نسيم الريح من تل راهط وروض الحمى، كيف اهتديتَ إلى الهند
و قوله من أبیات وهو في عدن اليمن :
أأحبابنا لا أسأل الطيف زورة وهيهات ، أين الديلميات من عدن ؟
الديلميات وقل راهط والحمى : أسماء مواضع من ضواحي دمشق ، والبيت
الذي للمعري قبله° :
وسألتُكم بين العقيقِ إلى الحمى فعجبت من بُعْدِ المدى المتطاولِ
١ = ٢ : ٠٥٢٣
٢ ديوانه : ٨٦ .
٣ علق صاحب المختار بعد هذا بقوله: ((قلت أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: كونه
لم ينبه على أنه مضمن عيب عند أهل الأدب، والله أعلم)).
٤ ديوانه : ٧٣ .
٥ شروح السقط : ٧٣٤ .
١٥

والمعري أخذ هذا المعنى من دِعْبل بن علي الخُزَاعي الشاعر - المقدم
ذكره١ - فإنه كان قد هجا الخليفة المعتصم بالله بن هارون الرشيد ، فطلبه ،
فهرب من العراق إلى الديار المصرية وسكن [بأسوان]٢ في آخر بلادها ، وقال
في ذلك٣ :
وإن امرءاً أضْحَتَ مَطارحِ سَهْمِهِ بأَسْوَانَ لم يترك من الحزم معلما
ويعجز عنه الطيفُ أن يتجنّما
حَلَلْتُ مَحَلاَ يُحسرُ الطرفُ دونه
وقد خرجنا عن المقصود ولكن ساق الكلام بعضه بعضاً؛ .
ولما مات السلطان صلاح الدين وملك الملك العادل دمشق كان غائباً في السفرة
التي نفي فيها ، فسار متوجهاً إلى دمشق ، وكتب إلى الملك العادل قصيدته
الرائية يستأذنه في الدخول إليها ويصف دمشق ويذكر ما قاساه في الغربة ،
ولقد أحسن فيها كل الإحسان واستعطفه أبلغ استعطاف٥، وأولها٦:
ماذا على طيف الأحبة لو سَرى وعليهمُ لو سامحوني بالكرى
ووصف في أوائلها دمشق وبساتينها وأنهارها ومستفزهاتها٧ ، ولما فرغ من
وصف دمشق قال مشيراً إلى النفي منها :
فارقتُها لا عن رِضاً، وهَجَرْتُها لا عن قِلَّى، ورحلْتُ لا متخيرا
·ومن العجائب أن يكون مُقَتَّرا
أسعى الرزقٍ في البلاد مشتْتٍ
وأكفُّ ذيل مطامعي متسترا
وأصون وَجْهَ مدائحي متقناً
١ = ٠ ٢ : ٢٦٦ ٠
٢ زيادة من المختار .
٣ ديوان دعبل : ١٣٩ .
٤ وقد كرر ... بعضاً : سقط من بر ت س من
٥ من ر ق بر : الاستعطاف.
٦ ديوانه : ٣ .
٧ بر: وموضع مستنزهاتها .
١٦

ومنها يشكو الغربة وما قاساه فيها :
أشكو إليك نوَّى تمادى عُمْرُها حتى حَسْبْتُ اليومَ منها أشهرا
لا عيشتيّ تصفُو، ولا رَسْمُ الهوى يعفو، ولا جَفْني يصافحه الكرى
وأبيت عن ورد النمير مُنفّرا
أضحي عن الأحوى المَريع محلاً!
ومن العجائب أن يُقيِّلَ ظلكم٢ كل الورى، ونبذت وحدي بالعَرا
وهذه القصيدة من أحسن الشعر ، وعندي هي خير من قصيدة أبي بكر ابن
عمار الأندلسي التي أولها - وهي على وزنها ورويها وقد تقدم ذكر شيء منها
في ترجمته - :
أدِرِ الزجاجَةَ فالنسيم قد انبرى
فلما وقف عليها الملك العادل أذن له في الدخول إلى دمشق، فلما دخلها قال٣:
هجوتُ الأكابرَ في جِلْقٍ ورُعْتُ الوضيحَ بسبِّ الرفيعِ
وأُخرجتُ منها ولكنني رجَعْتُ على رغم أنف الجميع
وكان له في عمل الألغاز وحلها اليد الطولى، فمتى كتب إليه بشيء منها حله
في وقته وكتب الجواب أحسن من السؤال؛ نظماً. ولم يكن له غرض في جمع
شعره ، فلذلك لم يدونه ، فهو يوجد مقاطيع في أيدي الناس، وقد جمع له بعض
أهل دمشق ديواناً صغيراً لا يبلغ عُشر ما له من النظم ، ومع هذا ففيه أشياء
ليست له .
وكان من أظرف الناس وأخفهم روحاً وأحسنهم مجوناً ، وله بيت عجيب
من جملة قصيدة يذكر فيها أسفاره ويصف توجهه إلى جهة الشرق ، وهو° :
١ ق ن : محولا ، ر : محللا .
٢ ق : يقيل بظلكم .
٣ ديوانه : ٩٤ ٠
٤ ر : أحسن ما يكون .
٥ ر : وهو قوله، انظر ديوانه : ٢٩ .
٢ -٥
١٧

أُشقّقُ قلب الشرق حتى كأنني أفتِّش في سَوْدائه عن سَنا الفجر
وبالجملة فمحاسن شعره كثيرة .
وكنت قد رأيته في المنام في بعض شهور سنة تسع وأربعين وستمائة ، وأنا
يوم ذاك بالقاهرة المحروسة، وفي يده ورقة حمراء ، وهي عريضة ، وفيها
مقدار خمسة عشر بيتاً تقريباً ، وهو يقول : عملت هذه الأبيات في الملك المظفر
صاحب حَمَاة، وكان الملك المظفر في ذلك الوقت ميتاً أيضاً ، وكان في المجلس
جماعة حاضرون ، فقرأ علينا الأبيات ، فأعجبني منها بيت فرددته في النوم ،
واستيقظت من المنام وقد علق بخاطري ، وهو :
والبيت لا يَحْسُن١ إنشاده إلا إذا أحْسَنَ مَنْ شادَهُ
وهذا البيت غير موجود في شعره .
وقد تقدم ذكره في ترجمة الإمام فخر الدين الرازي وأبياته الفائية وكذلك
في ترجمة سيف الإسلام .
وكان وافر الحرمة عند الملوك ، وتولى الوزارة بدمشق في آخر دولة الملك
المعظم ومدة ولاية الملك الناصر ابن المعظم ، وانفصل عنها لما ملكها الملك
الأشرف وأقام في بيته ، ولم يباشر بعدها خدمة . وكانت ولادته بدمشق يوم
الاثنين تاسع شعبان سنة تسع وأربعين وخمسمائة ، وتوفي عشية نهار الاثنين
لعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وستمائة بدمشق أيضاً ، ودفن من الغد
بمسجده الذي أنشأه بأرض المزة ، وهي - بكسر الميم وتشديد الزاي - قرية
على باب دمشق ، رحمه الله تعالى .
قال ابن الدبيئي : سمعته يقول : إن أصلنا من الكوفة من موضع يعرف
بمسجد بني النجار ، ونحن من الأنصار؛ قلت : هكذا نقلته أولاً ، ثم إني زرت
قبر بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقابر باب الصغير ظاهر دمشق ،
فلما خرجت من تربته وجدت على الباب قبراً كبيراً فقيل لي : هذا قبر ابن
عُنَين ، فوقفت وترحمتُ عليه .
١ ق : يصلح .
١٨

وعُنَيْن: بضم العين المهملة وفتح النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها
نون ، والله أعلم .
٦٨٥
القائم ابن المهدي
١
أبو القاسم محمد ، ويدعى نزار ، ابن المهدي أبي محمد عبيد الله القائم بالمغرب،
كان أبو القاسم المذكور يلقب بالقائم - وقد تقدم ذكر والده المهدي في
حرف العين وذكر ولده المنصور إسماعيل في حرف الهمزة١ -وكان أبوه المهدي قد
بايع له بولاية العهد في حياته بإفريقية وما معها ، وكانت الكتب تكتب باسمه،
والمظلة تحمل على رأسه ، ولما توفي أبوه في التاريخ المذكور في ترجمته جُدِّدت
له البيعة . وكان جهزه أبوه إلى مصر ليأخذها مرتين : المرة الأولى في الثامن
عشر من ذي الحجة سنة إحدى وثلثمائة ، فوصل إلى الإسكندرية وملكها٢
والفيوم ، وصار في يده أكثر خراج مصر ، وضيق على أهلها ، والمرة الثانية
وصل إلى الإسكندرية في شهر ربيع الأول سنة سبع وثلثمائة في عسكر عظيم ،
فخرج عامل الإمام المقتدر عنها ودخلها القائم المذكور ، ثم خرج إلى الجيزة في
خلق عظيم ووردت الأخبار بذلك إلى بغداد ، فجهز المقتدر مؤنساً الخادم إلى
محاربته بالرجال والأموال ، فجدًّ في السير ، فلما وصل إلى مصر كان القائم قد
ملك الجيزة والأشمونين وأكثر بلاد الصعيد ، فتلاقيا، وجرت٣ بين العسكرين
٦٨٥ - أخباره في تاريخ ابن الأثير (ج: ٨) والبيان المغرب (جـ: ١) وأعمال الأعلام ٣: ٥٣
والدرة المضية: ١١٠ واتعاظ الحنفا ورسالة افتتاح الدعوة وعيون الأخبار للداعي إسماعيل
وغير ذلك ؛ وسقطت هذه الترجمة من المختار .
١ أنظر جـ ٣ : ١١٧، جـ ١ : ٢٣٤.
٢ ر : وتملكها ؛ ق : فملكها .
٣ ن ر ق : وجرى .
١.٥٠
١٩
سعة:
:

حروب لا توصف ، ووقع في عسكر القائم الوباء والغلاء فمات الناسُ والخيل،
فرجع إلى إفريقية وتبعه عسكر مصر إلى أن تباعد عنهم١، وكان وصوله إلى
المهدية يوم الثلاثاء الثالث من رجب من السنة المذكورة ، وفي أيامه خرج أبو
يزيد مخلد بن كيداد٢ الخارجي - وقد تقدم ذكره وما جرى له وكيف مات
في الأسر في ترجمة المنصور - والشرح في ذلك يطول .
وكانت ولادة القائم بمدينة سلمية - المذكورة في ترجمة والده المهدي - في
المحرم سنة ثمانين ، وقيل سنة اثنتين وثمانين ، وقيل سبع وسبعين ومائتين ،
واستصحبه والده معه عند توجهه إلى بلاد المغرب ؛ وتوفي يوم الأحد ثالث عشر
شوّال سنة أربع وثلاثين وثلثمائة ، رحمه الله تعالى بالمهدية وأبو يزيد الخارجي
محاصر له ، فقام بالأمر ولده المنصور إسماعيل ، وكتم خبر موته خوفاً من
الخارجي أن يطلع عليه فيطمع فيه ، وكان بالقرب منه على مدينة سوسة ،
فأبقى الأمور على حالها وأكثر من العطايا والصلات ولم يتسمَّ بالخليفة ، وكانت
كتبه تنفذ من الأمير إسماعيل ولي عهد المسلمين ، والله أعلم .
١ بدله في مج: فلقيه بالفيوم فهزمه وقتل عسكره وقيل ان عدد القتلى كان خمسين ألفاً، والأرض
التي كانت الوقعة فيها تعرف إلى الآن بأرض الخمسين، فرجع إلى إفريقية وتبعه عسكر مصر
إلى أن تباعد عنهم .
٢ بر من : كنداد ؛ ر : كيدار ؛ ن : كندار .
٢