النص المفهرس
صفحات 421-440
٦٦٨ ابن هانىء الأندلسي أبو القاسم وأبو الحسن، محمد بن هانىء الأزدي الأندلسي الشاعر المشهور؛ قيل إنه من ولد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صُفْرة الأزدي ، وقيل بل هو من ولد أخيه روح بن حاتم - وقد تقدم ذكر يزيد وأخيه روح في ترجمة روح في حرف الراء١-؛ وكان أبوه هانىء من قرية من قرى المهدية بأفريقية ، وكان شاعراً أديباً، فانتقل إلى الأندلس، فولد له بها محمد المذكور بمدينة إشبيلية ونشأ بها واشتغل، وحصل له حظ وافر من الأدب وعمل الشعر فمهر فيه ، وكان حافظاً لأشعار العرب وأخبارهم، واتصل بصاحب إشبيلية وحَظيَ عنده، وكان كثير الانهماك في الملاذ متهماً بمذهب الفلاسفة ، ولما اشتهر عنه ذلك نقم عليه أهل إشبيلية وساءت المقالة في حق الملك بسببه ، واتهم بمذهبه أيضاً ، فأشار الملك عليه بالغيبة عن البلد مدة ينسى فيها خبره ، فانفصل عنها وعمره يومئذ سبعة وعشرون عاماً . وحديثه طويل ، وخلاصته أنه خرج إلى عُدْوة المغرب ولقي جوهراً القائد مولى المنصور - وقد تقدم ذكره وما جرى له عند توجهه إلى مصر وفتحها للمعز٢ - فامتدحه، ثم ارتحل إلى جعفر ويحيى ابني علي - وقد تقدم ذكر جعفر٣ - وكانا بالمسيلة وهي مدينة الزاب ، وكانا والييها ، فبالغا في إكرامه والإحسان إليه ، فنُمي خبره إلى المعز أبي تميم مَعَدِّ بن المنصور العُبَيدي ٦٦٨ - ترجمته في التكملة ١ : ٣٦٨ والمطمح: ٧٤ والمطرب: ١٩٢ والجذوة: ٨٩ وبغية الملتمس ( رقم: ٣٠١) والنفح ٤: ٤٠ (نقلا عن المطمح) والإحاطة ٢: ٢١٢ ومعجم الأدباء ٩٢:١٩ وعبر الذهبي ٢: ٣٢٨ والشذرات ٣ : ٤١. ١ انظر جـ ٢ : ٣٠٥. ٢ انظر جـ ١ : ٣٧٥ . ٣ انظر جـ ١ : ٣٦٠. ٤٢١ - وسيأتي ذكره١ في هذا الحرف إن شاء الله تعالى - فطلبه منهما ، فلما انتهى إليه بالغ في الإنعام عليه . ثم توجه المعز إلى الديار المصرية - كما سيأتي في خبره - فشيعه ابن هانىء المذكور ورجع إلى المغرب لأخذ عياله والالتحاق به ، فتجهز وتبعه ، فلما وصل إلى برقة أضافه شخص٢ من أهلها ، فأقام عنده أياماً في مجلس الأنس ، فيقال إنهم عربدوا عليه فقتلوه ، وقيل خرج من تلك الدار وهو سكران فنام في الطريق وأصبح ميتاً ولم يعرف سبب موته ، وقيل إنه وجد في سانية من سواني٣ برقة مخنوقاً بتكة سراويله، وكان ذلك في بكرة يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من رجب سنة اثنتين وستين وثلثمائة ، وعمره ست وثلاثون سنة، وقيل اثنتان وأربعون، رحمه الله تعالى، هكذا قيده صاحب كتاب ((أخبار القيروان)) وأشار إلى أنه كان في صحبة المعز، وهو مخالف لما ذكرته أولاً من تشييعه للمعز ورجوعه لأخذ عياله . ولما بلغ المعز وفاته وهو بمصر تأسف عليه كثيراً وقال : هذا الرجل كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق فلم يقدر لنا ذلك . وله في المعز المذكور غُرَر المدائح ونُخَب الشعر ، فمن ذلك قصيدته النونية التي أولهاء : هل من أعِقَّةِ عالجٍ يَبرينُ أم منهما بَقر الحدوج العينُ ولمن ليالٍ ما ذمنا عهدَها مذ كنّ إلا أنهن شُجُون والناعماتُ كأنهن غصون المشرقاتُ كأنهن كواكب بالمسك من طُوَرِ الحسان لجون بيضٌ وما ضحك الصباحُ ، وإنها أدمى° لها المرجانُ صفحة خدِّهِ وبكى عليها اللؤلؤ المكنون ١ ت ل لي مج : خبره ؛ ق : ذكره وخبره . ٢ لي : رجل . ٣ مج ل لي : ثانية من شواني ؛ والسانية : الساقية ؛ والثانية : نوع من السفن . ٤ ديوانه : ١٧١ . ٥ ر والمختار : أدنى ؛ ق : أهدى . ٤٢٢ أعدى الحمامَ تأوّهي من بعدها بانوا سِراعاً للهوادج زَقْرَةٌ فكأنما صبغوا الضحى بقبابهم ماذا على حُلَل الشقيق لوأنها فلأعطشنَّ الروض بعدهمُ ولا أأعيرُ لحظ العين بهجة منظرٍ لا الجوّ جو مُشرق ولو اكتسى لا يبعدنَ إذ العَبيرُ له ثرى أيام فيه العبقري مُفَوَّف والزاعبية شُرّع والمشرفـ والعهد من ظَمْياء إِذ لا قومها حزني لذاك الجوّ وهو أسنة هل يدْنِيَني منه أجردُ سابح ومهندٌ فيه الفِرِنِدُ كأنه عضب المضارب مقفر من أعينٍ قد کان رشحُ حدیده أجلاً ، وما وكأنما يلقى الضريبة دونه ومنها في صفة الخيل : وصواهل لا الهضب يوم مغارها عرفت بساعة سبقها ، لا أنها وأجلُّ علم البرق فيها أنها في الغيث شبه من نداك كأنما فكأنه فيما سَجَعْنَ رنين مما رأينَ وللمطيِّ حنين أو عصفرت فيه الخدود جفون عن لابسيها في الخدود تُبين يُرْويه لي دمع عليه هَتون وأخونهم ؟ إني إذن لخؤون زهراً، ولا الماءُ المعين مَعين والبانُ دَوْح والشموس قَطين والسابريُ مضاعف مَوْضون ـة لمع والمقربات صُفُون خُزْرٌ ولا الحربُ الزبون زَبُون وكناس ذاك الخِشْفِ وهو عرين مرحٌ وجائلة النسوع أمُون ردءٌ له خلْفَ الغرار كمين لكنه من أنفسٍ مسكون صاغت مضاربه الرقاق قيون بأسُ المعز أو اسمه المخزون هضب ولا البيدُ الحزونُ حُزُون علقت بها يوم الرهان عيون مرت يجانحتيه وهي ظُنون مسحت١ على الأنواء منك يَمين ١ ق : سحبت . ٤٢٣ وهذه القصيدة من قصائده الطنانة ، ولولا طولها لأوردتها كلها . [وله أيضاً : والله لولا أن يسفهني الهوى ويقولَ بعض القائلين تصابى لكسرت دملجها بضيق عناقه ورشفت من فيها البرود رضابا]! وفي هذا الأنموذج دلالة على علو درجته وحسن طريقته. وديوانه كبير، ولولا ما فيه من الغلو في المدح والإفراط المفضي إلى الكفر لكان من أحسن الدواوين، وليس في المغاربة٢ من هو في طبقته : لا من متقدميهم ولا من متأخريهم ، بل هو أشعرهم على الإطلاق ، وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة ، وكانا متعاصرين ، وإن كان في المتنبي مع أبي تمام من الاختلاف ما فيه . وما زلت أتطلب تاريخ وفاة ابن هانىء المذكور من التواريخ والمظان التي يطلب منها فلا أجده، وسألت عنه خلقاً كثيراً من مشايخ هذا الشأن فلم أجده، حتى ظفرت به في كتاب لطيف لأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني سماه ((قراضة الذهب))٣ فألفيته كما هو مذكور هاهنا، ونقلت مدة عمره من موضع آخر رأيت بعض الأفاضل قد اعتنى بأحواله فجمعها وكتبها في أول ديوانه ، وذكر مدة العمر ، ولم يذكر تاريخ الوفاة لأنه ما عثر عليه . ويقال إن أبا العلاء المعري كان إذا سمع شعر ابن هانىء يقول : ما أشبه إلا برَحِّى تطحن قروناً، لأجل القعقعة التي في ألفاظه، ويزعم أنه لا طائل تحت تلك الألفاظ ، ولعمري ما أنصفه في هذا المقال ، وما حمله على هذا إلا فرط تعصبه للمتنبي ، وبالجملة فما كان إلا من المحسنين في النظم٤ ، والله أعلم . ١ زيادة من مج . ٢ ت ل لي بر : المغاربة . ٣ طبع في سلسلة الرسائل النادرة ( مكتبة الخانجي ، القاهرة : ١٩٢٦). ٤ تعليق بهامش س : لقد صدق المعري وأخطأ القاضي، ولم يكن له علم بالشعر. ولقد ذكر في هذا الباب في شعراء المغاربة جماعة لا يعد ابن هانىء في طبقتهم ولا يقاربهم ، وحسبك بابن عمار هذا ( انظر الترجمة التالية ) . ٠ ٤٢٤ ٦٦٩ ابن عمار الأندلسي ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن عمار، المَهْري الأندلسي الشَّي الشاعر المشهور؛ هو وابن زيدون القرطبي -المذكور في حرف الهمزة١ - فَرَ سا رهانٍ، ورضيعا لبان ، في التصرف في فنون البيان ، وهما كانا شاعري ذلك الزمان . وكانت ملوك الأندلس تخاف من ابن عمار المذكور لبذاءة لسانه وبراعة إحسانه، لا سيما حين اشتمل عليه المعتمد على الله ابن عَبّاد صاحب غرب الأندلس - الآتي ذكره في هذا الحرف إن شاء الله تعالى - وأنهضه جليساً وسميراً وقدمه وزيراً ومُشيراً ثم خلع عليه خاتم الملك ووجهه أميراً ، وكان قد أتى عليه حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ، فتبعته المواكب والمضارب والنجائب والجنائب والكتائب والجنود ، وضُربت خلفه الطبول ونشرت على رأسه الرايات والبنود ، فملك مدينة تُدْمير ، وأصبح راقي منبر وسرير ، مع ما كان فيه من عدم السياسة وسوء التدبير، ثم وثب على مالك رِقّه ومستوجب شكره ومستحقه ، فبادر إلى عقوقه وبخس حقه ، فتحيّل المعتمد عليه وسدّد سهام المكايد إليه ، حق حصل في قبضته قنيصاً ، وأصبح لا يجد مَحيصاً ، إلى أن قتله المعتمد في قصره ليلاً بيده ، وأمر من أنزله في مَلْحَده ، وذلك في سنة سبع وسبعين وأربعمائة بمدينة إشبيلية . وكانت ولادته في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة ، وقصته مشهورة ، ولما ٦٦٩ - ترجمته في بغية الملتمس (رقم: ٢٢٧) والمغرب ١: ٣٨٢ والذخيرة ٢ الورقة : ٧٤ والقلائد : ٨٣ والحلة السيراء ٢ : ١٣١ والمطرب: ١٦٩ والمعجب : ١٦٩ ورايات المبرزين: ٢٥ وأعمال الأعلام: ١٦٠ والنفح ١ : ٦٥٢ (نقلا عن القلائد) والوافي ٤: ٢٢٩ وعبر الذهبي ٣: ٢٨٨ والشذرات ٣: ٣٥٦ والدكتور صلاح خالص مؤلف عنه (ط. بغداد: ١٩٥٧). ١ انظر ج ١ : ١٣٩. ٤٢٥ قتله المعتمد رثاه صاحبه أبو محمد عبد الجليل بن وهبون الأندلسي المُرْسي ١ بقوله من جملة قصيدة : عجباً له أبكيه ملء مدامعي وأقول لا شَكْتْ يمِينُ القاتلِ وقال أبو نصر الفتح بن خاقان صاحب ((قلائد العقيان)) ٢: لقد رأيت عظمي ساقي ابن عمار قد أخرجا بعد سنين من حَفْرٍ حُفر بجانب القصر وأساودهما بهما ملتفة، ولبلَتهما٣ مُشتَفَّة ، ما فغرت أفواههما ، ولا حل التواؤهما ، فرمق الناس العبر ، وصدق المكذب الخبر . يعني بالأساود القيود . ومن مشاهير قصائد ابن عمار المذكور قوله : أدرِ الزجاجَةَ فالنسيمُ قد انبرى والنجم قد صَرَف العنانَ عن السُّرى والصبحُ قد أهدى لنا كافورَهُ لما استردّ الليلُ منا العنبرا ومن مديحها ، وهي في المعتضد٤ بن عباد: ملك إذا ازدحم الملوك بموردٍ ونَحاه لا يَرِدُون حتى يصدُرا وألذ في الأجفان من سِنّةِ الكَرى أنْدى على الأكباد من قطر الندى قدّاح زندِ المجد لا ينفكّ من نارِ الوغى إلا إلى نار القِرى وهي طويلة وفائقة . ومن جيد شعره أيضاً القصيدة الميمية ، وهي أيضاً في المعتضد بن عباده ، وأولها : ١ ترجمته في القلائد : ٢٤٢ والذخيرة ٢ : ١٩٢ وصفحات متفرقة من نفح الطيب . ٢ س : القلائد؛ وانظر هذا المصدر : ٨٣. ٣ س: ولبلهما ؛ رن: وليلتهما ؛ ق: ولبتها ؛ مج : ولبنتهما . ٤ لي بر والمختار : المعتمد ؛ وهو خطأ ، راجع القلائد : ٩٦ . ٥ انظر صلاح خالص : ٢٠٩ . ٤٢٦ : عليّ، وإلا ما بكاءُ الغمائم وفيَّ، وإلا فيمَ نَوْحُ الحمائمِ ومنها أيضاً في وصف وطنه : كساها الحَيا بردَ الشباب، فإنها بلاد بها عقَّ الشَّبَابُ تماثمي قدَحْتُ بنار الشوق بين الحيازم عناني ، ولا أثنيه عن غي هائم وأجني عَذابي من غصون نواعم من النهر ينسابُ انسيابَ الأراقم حواسدُ تمشي بيننا بالنائم هداياه في أيدي الرياح النواسم]٢ ذكرت بها عَهْدَ الصبا فكأنما لياليَ لا ألوي على رُشْد لائم أنال سهادي من عيونٍ نواعس وليل لنا بالسُّدِّ بين معاطف تمرُّ علينا ثم عنا كأنها [ بحيث اتخذنا الرَّوْض جاراً تزورنا وبتنا ولا واشٍ يحسّ كأنما حللنا مكانَ السر من صدر كاتم ومن مديحها : ملوكٌ مُناخُ العز في عرَصاتهم همُ البيت ما غير الظُّبا لبنائه إذا قصر الروعُ الخطا نهضَتْ بهم وأيدٍ أبتْ من أن تؤوب ولم تفز ندامی الوغى يُجرُون بالموت كأسها هناك القنا مجرورة من حفائظ ومنها : ومَنوى المعالي بين تلك المعالِم بأسٍ ولا غير القنا بدعائم طوالُ العَوالي في طوال المعاصم يجز النواصي أو بجز الغلاصم إذا رجعت أسيافهم بالجماجم مهزوزة من عزائم وثَمْ الظا إذا ركبوا فانظره أولَ طاعن وإِن نزلوا فارصده آخر طاعم وهي أيضاً طويلة وطنانة . ١ أيضاً : سقطت من ت س ن بر من ؛ من : في صفة . ٢ زيادة لم ترد في النسخ الخطية . ٤٢٧ ومن جملة ذنوبه عند المعتمد بن عباد ما بلغه عنه من هجائه وهجاء أبيه المعتضد في بيتين ، هما كانا من أكبر أسباب قتله ، وهما : مما يقبِّح عندي ذكر أندلس سماع معتضد فيها ومعتمد أسماء مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد ومحاسن ابن عمار كثيرة . والمَهْري : بفتح الميم وسكون الهاء وبعدها راء، هذه النسبة إلى مَهْرة بن حَيْدان بن إلحاف بن قضاعة ، وهي قبيلة كبيرة ينسب إليها خلق كثير . والشّنْي : بكسر الشين المعجمة وسكون اللام وبعدها باء موحدة ، هذه النسبة إلى شِلْبَ ، وهي مدينة بالأندلس على ساحل البحر . وتُدْمير: بضم التاء المثناة من فوقها وسكون الدال المهملة وكسر الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، وهي مدينة مُرْسية، وكان المعتمد ابن عباد قد سيتر إليها أبا بكر ابن عمار المذكور نائباً عنه، فعَصى بها، ولم يزل المعتمد يحتال عليه حتى وقع في قبضته ، وقتله بيده كما تقدم أولاً ، وشهرة هذه الواقعة تغني عن الإطالة في تفصيلها١ . وذكر عماد الدين الأصفهاني الكاتب في كتاب ((الخريدة)) في ترجمة ابن عمار المذكور : وقتله المعتمد ، وكان أقوى الأسباب لقتله أنه هجاه بشعر ذكر فيه أُم بنيه المعروفة بالرميكية ، وهي أبيات منها : تخَيرتَها من بنات الهجان رميكيةٌ لا تساوي عِقالا فجاءت بكلِّ قصير الذراع لئيم النّجارينِ عمّاً وخالا قلت: وهذه الرميكية كانت سُرِّية المعتمد، اشتراها من رميك بن حجاج، فنسبت إليه ، وكان قد اشتراها في أيام أبيه المعتضد فأفرط في الميل إليها وغلبت عليه ، واسمها اعتماد ، فاختار لنفسه لقباً يناسب اسمها ، هو المعتمد ، وتوفيت بأغمات قبل المعتمد بأيام ، ولم ترقا له عبرة ولا فارقته حسرة حتى قضى ١ هنا تنتهي الترجمة في س ل لي ت بر من . ٤٢٨ نحبه أسفاً وحزنا١ً ، وهي التي أغرت المعتمد على قتل ابن عمار ، لكونه هجاها ؛ وقيل إن هذا الشعر ليس لابن عمار٢ً ، وإنما نسبته٣ إليه لكي توغر صدر؛ المعتمد عليه ، والله أعلم . ٦٧٠ أبو بكر ابن الصائغ الأندلسي أبو بكر محمد بن باجه التشُجِيي الأندلسي السَّرَقُسْطي ، المعروف بابن الصائغ ، الفيلسوف الشاعر المشهور ؛ ذكره أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد بن خاقان القيسي، صاحب ((قلائد العقيان)) في كتابه"، ونسبه إلى التعطيل ومذهب الحكماء والفلاسفة وانحلال العقيدة ، وقال في حقه في كتابه الذي سماه ((مطمح الأنفس))٦ ما مثاله: نظر في كتاب التعاليم، وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم، ونبذه من وراء ظهره ثاني عِطْفه، وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واقتصر على الهيئة، وأذكر أن يكون لنا إلى الله فيئة ، وحكم للكواكب بالتدبير ، واحترم على الله اللطيف الخبير ، واحترا عند سماع النهي والإيعاد، واستهزأ بقوله تعالى ﴿إن ١ ق: ولم ترقأ لها ... فارقتها ... قضت نحبها. ٢ ق والمختار : ليس له . ٣ رق والمختار : نسب . ٤ ق : يوغر قلب . ٦٧٠ - ترجمته في المغرب ٢: ١١٩ والنفح ١٧:٧، ٢٧ - ٣٠ وتاريخ الحكماء: ٤٠٦ وابن أبي أصيبعة ٢ : ٦٢ والشذرات ٤ : ١٠٣. ٥ انظر القلائد : ٣٠٠ - ٣٠٦ . ٦ هذا النص موجود في قلائد العقيان ، وليس له وجود في المطمح المطبوع . ٤٢٩ الذي فرض عليك القرآن الرادك إلى معاد﴾ ( القصص: ٨٥) فهو يعتقد أن الزمان دَوْر، وأن الإنسان نبات أو نَوْر، حمامه تمامه ، واختطافه قطافه ١، قد مُحي الإيمان من قلبه فما له فيه رسم ، ونسي الرحمن لسانه فما يمر عليه له اسم. ولقد بالغ ابن خاقان في أمره وجاوز الحد فيما وصفه به من هذه الاعتقادات الفاسدة ، والله أعلم بكُنه حاله، وأورد له مقاطيع من الشعر، فمن ذلك قوله: أسكانَ نعمان الأراك تيقنوا بأنكُمُ في ربع قليَ سكانُ بلينا بأقوام إذا استؤمنوا خانوا ودوموا على حفظ الوداد فطالما هل اكتحلَتْ بالغمض لي فيه أجفان سلوا الليل عني مذ تناءت دياركم وهل جَرَّدَتْ أسيافَ برقٍ سماؤكم فكانت لها إلا جفونيَ أجفان وكان قد أنشدني هذه الأبيات بعض٢ أشياخ المغاربة الفضلاء بمدينة حلب منسوبة إلى ابن الصائغ المذكور، ثم وجدتها بعد ذلك بعينها في ديوان أبي الفتيان محمد بن حيوس - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فبقيت شاكاً فيما أنشدني ذلك الشيخ ، وقلت : لعله وهم في نسبتها إلى ابن الصائغ ، إلى أن وجدتها في كتابه٣ ((( مطمح الأنفس))٤ أيضاً منسوبة إلى ابن الصائغ المذكور ، والله تعالى أعلم لمن هي منهما . ولهه : ضربوا القبابَ على أقاحة روضةٍ خطر النسيمُ بها ففاح عبيرا دامي الكلوم يسوق تلك العِيرا وتركتُ قلبي سار بين حمولهم هلا سألت أسيرهم هل عندهم عانٍ يفك ولو سألت غيورا ١ ق : اقتطافه . ٢ رت ل مج بر من : أحد . ٣ ر ل لي بر من : كتاب . ٤ ر بر من : المطمح . ٥ ق : وله أيضاً . ٤٣٠ لا والذي جعل الغصونَ مَعاطفاً لهمُ وصاغ الأقحوانَ ثغورا ما مرَّ بي ريحُ الصبا من بعدهم إلا شهقت له فعاد سعيرا١ ولما حضرته الوفاة كان ينشد : فراغت فراراً منه يُسرى إلى يمنى أقول لنفسي حين قابلها الردى فقد طالما اعتدتِ الفرار إلى الأهنا قفي تحملي بعض الذي تكرهينه وتوفي في شهر رمضان المعظم سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة ، وقيل سنة خمس وعشرين وخمسمائة مسموماً في باذنجان بمدينة فاس ، رحمه الله تعالى . وباجته : بالباء الموحدة وبعد الألف جيم مشددة ثم هاء ساكنة، وهي الفضة بلغة فرنج المغرب . والتجيبي٢ : بضم التاء المثناة من فوقها وفتحها وكسر الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها باء موحدة ؛ هذه النسبة إلى تجيب ، وهي أم عدي وسعد ابني أشرس بن شبيب بن السكون ، نسب ولدها إليها ، وهي تجيب بنت ثوبان بن سليم بن مذحج . والسَّرَ قُسطي : بفتح السين المهملة والراء وضمّ القاف وسكون السين المهملة - وبعدها طاء مهملة، هذه النسبة إلى سرقسطة، وهي مدينة بالأندلس خرج منها جماعة من العلماء واستولى عليها الفرنج سنة اثنتي عشرة وخمسمائة . ١ سقط البيت من ت مج . ٢ سقط هذا التعريف من مج . ٤٣١ ٦٧١ الرصافي الشاعر أبو عبد الله محمد بن غالب الرفّاء الأندلسي الرصافي الشاعر المشهور ؛ له أشعار ظريفة ومقاصد في النظم لطيفة ، وشعره سائر في الآفاق ، ومن أشهر شعره أبياته التي نظمها في غلام صنعته النسج فأجاد فيها كل الإجادة ١ ، وهي : قالوا وقد أكثروا في حبه عذلي لو لم تَهمْ بمذال القدر مبتذلٍ لاخترت ذاك ولکن ليس ذلك لي فقلت لو كان أمري في الصبابة لي حلو اللمى ساحر الأجفان والمقل أحببته حَبَيَّ الثغر عاطره بنانه جولان الفكر في الغزل غُزَيّلاً لم تزل في الغزل جائلة على السدى لعب الأيام بالدول٢ جذلانَ يلعب بالمحواك أمله جذباً بكفيه أو فحصاً بأخمصه تخبّطَ الظبي في أشراك محتبل وله غير هذا المقطوع أشياء رائقة، فمن ذلك قوله في غلام يبلّ عينيه بريقه ويظهر انه يبكي وليس بباك : عذيريَ من جذلانَ يبكي كآبةً وأضلعه مما يحاوله صِفْرُ يبلّ مآتي زهرتيه بريقه ويحكي البكا عمداً كما ابتسم الزهر ... ٦٧١ - ترجمته في المعجب: ٢٨٦ والتكملة ٢: ٥٢٠ والمغرب ٢: ٣٤٢ والمقتضب من التحفة: ٥٦ ورايات المبرزين: ٨٤ وجذوة الاقتباس : ١٦٤ وأدباء مالقة لابن عسكر، الورقة : ١٨ وأماكن متفرقة من نفح الطيب ، والوافي ٤: ٣٠٩ والشذرات ٤ : ٢٤١ ومقدمة ديوانه ( ط . دار الثقافة ١٩٦١ ) . ١ فأجاد ... الإجادة: سقط من ق ر بر مج . ٤ ٢ مج ر ت ل ق بر من : بالأمل . ٤٣٢ ويوهمُ أن الدمعَ بَلَّ جفونَه وهل عُصرتْ يوماً من النرجسِ الخمر وله أيضاً : ومهفهفٍ كالغصن إلا أنه تتحيّر الألباب عند لقائهِ أضحى ينام وقد تكلّلَ خدُّهُ عرقاً ، فقلت : الورد١ رش بمائهٍ وتوفي في شهر رمضان ، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بمدينة مالَقَة ، رحمه الله تعالى . والرُّصافي: بضم الراء وفتح الصاد المهملة وبعد الألف فاء ، هذه النسبة إلى الرُّصافة، وهي بُليدة صغيرة بالأندلس عند بلَنسِيَة، وبالأندلس أيضاً بُليدة أخرى صغيرة اسمها الرصافة٢، وهي عند قرطبة، أنشأها عبد الرحمن بن معاوية ابن هشام بن عبد الملك الأموي أول ملوك الأندلس من بني أُمية ، ويعرف بالداخل ، لأنه دخل إلى الأندلس من بلاد الشام خوفاً من أبي جعفر المنصور العباسي ، وقصته مشهورة ، فلما دخلها ملكها وبويع له بقرطبة يوم عيد الأضحى سنة ثمان وثلاثين ومائة ، وعمره يومئذ خمس وعشرون سنة ، وبنى هذه الرصافة وسماها برصافة جده هشام بن عبد الملك بن مروان ، وهي بُليدة مشهورة بالشام ، كذا قاله ياقوت الحموي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - في كتابه المسمى بـ ((المشترك وضعاً المختلف صقعاً)) وذكر أن الرصافة اسم تسع مواضع، وعدَّدها ، ولولا خوف التطويل لذكرتها ، غير أنه لم يذكر رصافة بلنسية ، وبهذه الرصافة تكون عشرة٣ مواضع ، والله تعالى أعلم . ١ لي : الخمر . ٢ ل : رصافة . ٣ في النسخ الخطية جميعاً: عشر . ٤٣٣ ٢٨ - ٤ ٦٧٢ أبو بكر ابن زهر أبو بكر محمد بن أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زُهْر بن أبي مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد بن مروان بن زُهْر الإيادي الأندلسي الإشبيلي؛ كان من أهل بيت كلهم علماء رؤساء حكماء وزراء، نالوا المراتب العلية وتقدموا عند الملوك ونفذت أوامرهم . قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه المسمى ((المطرب من أشعار أهل المغرب))١: وكان شيخنا أبو بكر - يعني ابن زُهْر المذكور - بمكان من "اللغة مكين، ومورد من الطب٢ عذب معين، كان يحفظ شعر ذي الرمة، وهو ثلث لغة العرب مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب والمنزلة العليا عند أصحاب المغرب ، مع سمو النسب، وكثرة الأموال والنشب ، صحبته زماناً طويلاً ، واستفدت منه أدباً جليلاً . وأنشد من شعره : وموسّدين على الأكف خدودَهم قد غالهم نومُ الصباح وغالني ما زلت أسقيهم وأشرب فَضلهم حتى سَكرت ونالهم ما نالني والخمر تعلم حين تأخذ ثارها أني أُمَلْتُ إناءها فأمالني ثم قال: سألته عن مولده فقال : ولدت سنة سبع وخمسمائة ، وبلغتني وفاته ٦٧٢ - ترجمته في المغرب ١: ٢٦٦ وزاد المسافر: ٧١ والذيل والتكملة ٦ : ١٦٠ (نسخة باريس) والتكملة: ٢٥٥ والمعجب: ١٤٥ وابن أبي أصيبعة ٢: ٦٧ والنفح ٢: ٢٤٧ ومعجم الأدباء ١٨: ٢٥٦ والوافي ٤: ٣٩ وعبر الذهبي٤: ٢٨٨ والشذرات ٤: ٣٢٠ وله موشحات في دار الطراز . ١ المطرب : ٢٠٦ . ٢٠ ر برمج من والمطرب : الطلب. ٤٣٤ في آخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى؛ انتهى كلام ابن دحية . قلت أنا : وقد ألم ابن زُهْر المذكور في هذه الأبيات بقول الرئيس أبي " ... غالب عبيد الله بن هبة الله بن الاصباغي وهو : عقَرَتْهُمُ مشمولة لو سالمت شُرّابها ما سميت بعُقارِ ذكرت حقائدها القديمة إذ غدَتْ صَرْعى تداس بأرجل العَصّار لانَتْ لهم حتى انتشَوْا وتمكنت منهُمْ، وصاحتْ فيهِمُ بالمثار ومن المنسوب إليه أيضاً في كتاب جالينوس الحكيم المسمى ((حيلة البرء)) - وهو من أجل كتبهم وأكبرها - قوله : حيلة البرء صنفت لعليل يترجى الحياة أو لعليله فإذا جاءت المنيّة قالت: حيلة البرء ليس في البرء حيله ١ ومن شعر ابن زُهْر أيضاً يتشوق ولداً له صغيراً : ولي واحدٌ مثلُ فرخ القطا صغيرٌ تخلّفَ قلبي لديه نأت عنهُ داري فيا وحشنا لذاكَ الشخيص وذاك الوجيه تَشَوّقني وتَشَوَّقته فيبكي عليّ وأبكي عليه لقد تعب الشوق ما بيننا فمنه إليّ ومني إليه وله وقد شاخ وغلب عليه الشيب : إني نظرْتُ إلى المرآة إذ جليت رأيتُ فيها شُيَيْخاً لست أعرفه فقلت : أين الذي بالأمس كان هنا فاستضحكت ثم قالت وهي معجبة: کانت سلیمی تنادي يا أخيّ وقد فأنكرت مقلتايَ كل ما رأتا وكنت أعهده من قبل ذاك فتى متى ترحل عن هذا المكان متى ؟ إن الذي أنكرَتهُ مقلتاك أتى صارت سلیمی تنادي اليوم يا أبتا ١ ومن المنسوب ... حيله: سقط من مج س ل لي ت والمختار . ٤٣٥ والبيت الأخير من هذه الأبيات ينظر إلى قول الأخطل الشاعر المشهور١ : وإذا دعونكَ عمهنّ فإنهُ نسَبٌ يزيدُكَ عندهن خَبالا وإذا دعونكَ يا أخيّ فإنهُ أدنى وأقربُ خلة ووصالا وأوصى أنه إذا مات يكتب على قبره هذه الأبيات ، وفيها إشارة إلى طبه ومعالجته للناس ، وهي : تأمل بحقك يا واقفاً ولاحِظْ مكاناً دُفعنا إليه كأني لم أمش يوماً عليه ترابُ الضريح على وجنتيّ أداوي الأنام حذار المنون وها أنا قد صرت رهناً لديه وهذه المقاطيع إنما أخذتها من أفواه العلماء منسوبة إلى ابن زُهْر المذكور ، والله أعلم بصحتها ، والعهدة عليهم في نقلها . وقال ابن دحية أيضاً في حقه٢ : والذي انفرد به شيخنا وانقادت لتخيله طباعه وصارت النبهاء فيه خولُهُ وأتباعه ، الموشحات ، وهي زبدة الشعر ونخبته وخلاصة جوهره وصفوته ، وهي من الفنون التي أغربت بها أهل المغرب على أهل المشرق ، وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق ؛ وأورد له موشحاً حسناً . (198) وقال في حق جده أبي العلاء زُهْر: إنه كان وزير ذلك الدهر وعظيمه ، وفيلسوف ذلك العصر وحكيمه ، وتوفي ممتحناً من نغلة٣ بين كتفيه سنة خمس وعشرين وخمسمائة بمدينة قرطبة . (199) ثم قال في حق جد أبيه عبد الملك٤: إنه رحل إلى المشرق ، وبه تطبَّب زماناً طويلاً، وتولى رياسة الطب ببغداد ثم بمصر ثم بالقيروان، ثم استوطن ١ انظر ديوان الأخطل: ٣؛ وسقط بيتا الأخطل من س ل لي ت مج بر من . ٢ المطرب : ٢٠٤. ٣ كذا في المطرب ور ؛ وفي النسخ الأخرى : بعلة . ٤ المصدر نفسه : ٢٠٣ . ٤٣٦ مدينة دانية وطار ذكره منها إلى أقطار الأندلس والمغرب ، واشتهر بالتقدم١ في علم الطب حتى بذ أهل زمانه ، ومات بمدينة دانية . (200) ثم قال في حق جد جده محمد بن مروان: إنه كان عالماً بالرأي حافظاً للأدب ، فقيهاً حاذقاً بالفتوى مقدماً في الشورى ، متفنناً في الفنون ، وسيماً فاضلاً ، جمع الرواية والدراية ، وتوفي بطلبيرة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة ، وهو ابن ست وثمانين سنة ، حدث عنه جماعة من العلماء الأندلسيين٢ ووصفوه بالدين والفضل والجود والبذل ، رحمه الله تعالى . وقد تقدم الكلام على الإيادي وعلى طلبيرة فلا حاجة إلى الإعادة . وزُهْر : بضم الزاي وسكون الهاء وبعدها راء٣ . وذكر عماد الدين الكاتب في كتاب (( الخريدة)) لأبي الطيب ابن البزاز٤ في بعض بني زُهر وكنيته أبو زيد ، ولم يذكر اسمه ، قوله° : قل للوَبا انت وابن زُهْر جاوزتما الحد في النكايَهْ ترفقاً بالورى قليلاً فواحد منكما كفايه (201) ثم وجدت هذين البيتين لأبي بكر أحمد بن محمد الأبيض٦، وأنه توفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة رحمه الله تعالى ، والله أعلم . ١ ر : بالتقدمة . ٢ ر والمطرب : علماء الأندلس ؛ بر : من العلوم بالأندلس . ٣ هنا تنتهي الترجمة في من ل لي ت مج . ٤ ق ن : البزار . ١ ٥ أوردهما المقري في النفح ٣: ٤٣٤ ونسبهما لابن باجه، وقد سقطا مع سائر النص من س ل لي ت بر من ووردا في زاد المسافر: ١١١ منسوبين للأبيض وقال: وينسب أيضاً لابن الصائغ ( أي ابن باجه). ٦ سماه في زاد المسافر: ١٠٨ أحمد بن محمد الأبيض وكنيته أبو بكر، وفي المطرب : ٧٦ والمغرب ٢ : ١٢٧ والنفح ٣: ٤٨٩ أنه محمد بن أحمد الأنصاري المشهور بالأبيض؛ وفي ق: محمد بن محمد الأبيض . ٤٣٧ ٦٧٣ ابن حيوس الشاعر أبو الفتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حَيُّوس بن محمد بن المرتضى بن محمد بن الهيثم بن عدي بن عثمان الغنوي الملقب مصطفى الدولة ، الشاعر المشهور ؛ كان يدعى بالأمير لأن أباه كان من أمراء العرب ، وهو أحد الشعراء الشاميين المحسنين ومن فحولهم المجيدين ، له ديوان شعر كبير . لقي جماعة من الملوك والأكابر ومدحهم وأخذ جوائزهم، وكان منقطعاً إلى بني مِرْداس أصحاب حلب- ذكر الجوهري في الصحاح في فصل (ردس) ((المرداس: حجر يرمى به في البئر ليعلم أفيها ماء أم لا ، وبه سمي الرجل)) - وله فيهم القصائد الأنيقة . وقضيته مشهورة مع الأمير جلال الدولة وصحصامها أبي المظفر نصر بن محمود ابن شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس الكلابي صاحب حلب ، فإنه كان قد مدح أباه محمود بن نصر فأجازه ألف دينار ، فلما مات وقام مقامه ولده نصر١ المذكور قصده ابن حَيُّوس المذكور بقصيدته الرائية يمدحه بها ويعزيه عن أبيه، وهي٢ : كفى الدينَ عزاً ما قضاه لك الدهر فمن كان ذا نذرٍ فقد وجب النذرُ ومنها : ثمانيةٌ لم تفترق مذ جمعتها فلا افترقت ما ذَبَّ عن ناظر شفر ٦٧٣ - ترجمته في زبدة الحلب ٢: ٤٠ والوافي ٣: ١١٨ ومعاهد التنصيص ٢: ٢٧٨ وعبر الذهبي ٣ : ٢٧٩ والشذرات ٣: ٣٤٣ ومقدمة ديوانه ( ط . دمشق ١٩٥١). ١ ق : المنصور نصر . ٢ ديوانه ١ : ٢٤٢. ٤٣٨ يقينك والتقوى، وجودُك والغنى، ولفظك والمعنى، وعزمك والنصر يذكر فيها وفاة أبيه وتوليته الأمر من بعده بقوله : صبرنا على حكم الزمان الذي سطا على أنه لولاك لم يكنِ الصبر غزانا ببؤسى لا يماثلها الأسى تقارن نعمى لا يقوم بها الشكر ومنها : تباعدت عنكمْ حرْفَةٌ لا زهادة وسرت إليكم حين مَسَّنِيَ الضرُّ يصد ، وبابَ العز ما دونه سِتِر فلاقيتُ ظل الأمن ما عنه حاجز وطال مقامي في إسار جميلكم وأنجز لي ربُّ السموات وعده الـ فجاد ابن نصر لي بألف تصَرَّمَتْ لقد كنتَ مأمورا٢ً ترجَّى لمثلها وما بي إلى الإلحاح والحرص٤ حاجة واني بآمالي لديك مُخَيِّم وعندك ما أبغي بقولي تصنعاً فدامت معاليكم ودام ليَ الأسر كريم بأن العسر يتبعه١ اليسر وإني عليمٌ أن سيخلفها نصر فكيف وطوعا أمرك النهي والأمر٣ وقد عرف المبتاع وانفصل السعر وكم في الورى ثاوٍ وآماله سَفْر بأيسر ما توليه يستعبد الحرّ فلما فرغ من إنشادها قال الأمير نصر: والله لو قال عوض قوله («سيخلفها نصر»: سيضعفها نصر ، لأضعفتها له ، وأعطاه ألف دينار في طبق فضة . وكان قد اجتمع على باب الأمير نصر المذكور جماعة من الشعراء، وامتدحوه وتأخرت صلته عنهم ، ونزل بعد ذلك الأمير نصر إلى دار بولص النصراني ، وكانت له عادة بغشيان منزله، وعقد مجلس الأنس عنده، فجاءت الشعراء الذين ١ الديوان : من بعده . ٢ ن : مأمولا . ٣ الديوان : النفع والضر . ٤ الديوان : الأشطاط في السوم . ٤٣٩ تأخرت جوائزهم إلى باب بولص ، وفيهم أبو الحسن١ أحمد بن محمد بن الدويدة المعري الشاعر المعروف٢ ، فكتبوا ورقة فيها أبيات اتفقوا على نظمها ، وقيل بل نظمها ابن الدويدة المذكور، وسيروا الورقة إليه ، والأبيات المذكورة هي : على بابك المحروس منا عصابةٌ مفاليس فانظر في أمور المفاليسِ بعشر الذي أعطيته لابن حَيُّوس وقد قَنِعَتْ منك الجماعة كلها وما بيننا هذا التفاوت كله ولكنْ سعيدٌ لا يقاس بمنحوس فلما وقف عليها الأمير نصر أطلق لهم مائة دينار ، فقال : والله لو قالوا ((بمثل الذي أعطيته لابن حيوس)) لأعطيتهم مثله . وذكر العماد٣ في ((الخريدة)) أن هذه الأبيات لأبي سالم عبد الله بن أبي الحسن٤ أحمد بن محمد بن الدويدة وأنه كان يعرف بالقاقه ، والله أعلم . (202) وكان الأمير نصر سخياً واسع العطاء، ملك حلب بعد وفاة أبيه محمود في سنة سبع وستين وأربعمائة، ولم تطل مدته حتى ثار عليه جماعة من جنده فقتلوه في ثاني شوال سنة ثمان وستين وأربعمائة - وقد تقدم ذكر جد أبيه صالح بن مرداس في حرف الصاد٦ - . وقدم ابن حَيُّوس حلب في شوال سنة أربع وستين وأربعمائة ، وداره بها هي الدار المعروفة الآن بالأمير علم الدين سليمان بن حيدر . ومن محاسن شعر ابن حَيُّوس القصيدة اللامية التي مدح بها أبا الفضائل سابق ١ ق مج بر : أبو الحسين . ٢ قال العماد ( الخريدة - قسم الشام ٢: ٥٢) شعراء بني الدويدة فيهم كثرة ، قد أورد منهم الباخرزي في دمية القصر جماعة فمن جملتهم أحمد بن محمد بن الدويدة وله ثلاثة أبناء : هم علي ومحمد وعبد الله الملقب بالقاق . ٣ ق : العماد الكاتب . ٤ ق : أبي الحسين . ٥ لي س : بالواف ؛ ل : بالعاف، بر : بالقاف؛ وانظر الخريدة ٢ : ٥٤ . ٦ انظر جـ ٢ : ٤٨٧ . ٤٤٠