النص المفهرس
صفحات 401-420
التاريخ - وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة ابن جرير - . وأبو بكر المذكور أحد الشعراء المجيدين الكبار المشاهير ، كان إماماً في اللغة والأنساب، أقام بالشام مدة وسكن بنواحي حلب ، وكان مُشاراً إليه في عصره . ويحكى أنه قصد حضرة الصاحب ابن عبّاد وهو بأرّجان، فلما وصل إلى بابه قال لأحد حجابه : قل للصاحب على الباب أحد الأدباء وهو يستأذن١ في الدخول ، فدخل الحاجب وأعلمه ، فقال الصاحب ، قل له : قد ألزمت نفسي أن لا يدخل عليّ من الأدباء إلا من يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب، فخرج إليه الحاجب وأعلمه بذلك ، فقال له أبو بكر: ارجع إليه وقل له : هذا القدر من شعر الرجال أم من شعر النساء ؟ فدخل الحاجب فأعاد عليه ما قال ، فقال الصاحب : هذا يريد أن يكون أبا بكر الخوارزمي ، فأذن له في الدخول ، فدخل عليه فعرفه وانبسط له . وأبو بكر المذكور له ديوان رسائل وديوان شعر ، وقد ذكره الثعالبي في كتاب ((البقيمة))٣، وذكر قطعة من نثره ثم أعقبها بشيء من نظمه، فمن ذلك قوله : مُقيماً وإن أعسرت زُرْتَ لماما رأيتك إن أنسرْتَ خيَّمْتَ عندنا فما أنت إلا البَدْرُ إِن قلَّ ضَوؤه أغبَّ وإن زاد الضياء أقاما [يشير إلى قول ابنة عبيد الله بن مطيع لزوجها يحيى بن طلحة: ما رأيت ألأم من أصحابك ، إذا أيسرت لزموك ، وإذا أعسرت تركوك ، فقال : هذا من كرمهم ، يأتوننا في حال القوة منّا عليهم ويعافوننا في حال الضعف منا عنهم ؛ وأنشدني عثمان بن سعيد بن تولوا لنفسه : متواضع كالغصن يدنو مثمراً فإذا أنالك ما عليه ترفها]؛ ١ ق : يستأذن عليك . ٢ أن: سقطت من رمج؛ ق: هذا تراه يكون ؛ وفي رمج والمختار : أبو ؛ بر: هذا يكون أبا . ٣٠ اليتيمة ٤ : ١٩٤ . ٤ زيادة انفردت بها مج . ٢٦ - ٤ ٤٠١ ومن شعره أيضاً : يا من يحاول صرف الراح يشربها ولا يفكّ لما يلقاه قرطاسا الكاسُ والكِيسُ لم يقض امتلاؤهما ففرغ الكيسَ حتى تملأ الكاسا وفيه يقول أبو سعيد أحمد بن شهيب١ الخوارزمي : أبو بكر له أُدَبٌ وفَضْل ولكن لا يدُومُ على الوَفاءِ مَوَدَّتِه إِذا دامَتْ لِخِلٍ فمن وقتِ الصَّباح إلى المساء وملحه ونوادره كثيرة . ولما رجع من الشام سكن نيسابور ومات بها في منتصف شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة . وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أنه توفي سنة ثلاث وتسعين ، والله أعلم ، رحمه الله تعالى٢ . وكان قد فارق الصاحب ابن عباد غير راض فعمل فيه : لا تحمَدَنَّ ابن عباد وإِن هَطَلَتْ يَداه بالجود حتى أخجَلَ الدِّيَما فإنها خَطَرات من وساوسِهِ يُعْطي ويَمْنَع لا بُخلا ولا كَرَما فبلغ ابن عباد ذلك ، فلما بلغه خبر موته أنشد : أقولُ لرَ كَبٍ من خُراسانَ قافلٍ أُماتَ خوار زميِّكم؟ قيل لي: نعَمْ فقلت: اكتبوا بالجصِّ من فوق قبره ألا لَعَنَ الرحمنُ من كَفَرَ النعَمْ قلت : هكذا وجدت هذين البيتين منسوبين إلى أبي بكر الخوارزمي المذكور في الصاحب ابن عباد، ذكر ذلك جماعة من الأدباء في مجاميعهم وفي مذكراتهم . (194) ثم نظرت في كتاب ((معجم الشعراء))٣ تأليف المَرْزُباني، فوجدت ١ ل لي ت بر من : شبيب . ٢ هامش ن: وكان مولده في سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة، هكذا ذكره الثعالبي في ((اليتيمة)). وغيره؛ وقوله: وذكر شيخنا ... تعالى : سقط من س ن لي ل بر من . ٣ معجم المرزباني : ٣١٦ .. ٤٠٢ في ترجمة أبي القاسم الأعمى، واسمه معاوية بن سفيان، وهو شاعر راوية بغدادي أحد غلمان الكسائي ، اتصل بالحسن بن سَهْل يؤدب أولاده ، فعتب عليه في شيء فقال يهجوه : لا تحمَدَنْ حسناً بالجودِ إِن مَطَرَتْ كَفّاهُ غَزْراً ولا تذممه إن زرِما فليس يَمنَعُ إبقاءً على نَشَبٍ ولا يجود لِفَضْلِ الحَمد معتنا لكنَّها خطَرات منْ وساوسه يُعْطي ويَمْنَعُ لا بخلاً ولا كَرَما والله أعلم بذلك١ . وقد تقدم الكلام على الخوارزمي . والطَبَرْ خَزي: بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وسكون الراء وفتح الخاء المعجمة وبعدها زاي، وقد سبق في أول الترجمة الكلام على سبب هذه النسبة . ٦٦٥ السلامي الشاعر أبو الحسن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن يحيى بن خليس بن عبد الله ابن يحيى بن عبد الله بن الحارث بن عبد الله بن الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر٣ بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن ١ قلت : هكذا ... أعلم بذلك : سقط هذا النص من أكثر النسخ . ٦٦٥ - ترجمته في تاريخ بغداد ٢: ٣٣٥ والوافي ٣: ٣١٧ والمنتظم ٧: ٢٢٥ والامتاع ١٣٤:١ والبداية والنهاية ٣٣٣:١١؛ واكتفى صاحب المختار بإيراد الأشعار الواقعة في هذه الترجمة . ٢ ر لي ق بر وتاريخ بغداد: عبيد الله؛ وفي تاريخ بغداد اختلاف في نسبه عما هو هنا، والنسب موجز في كل من س ن ت مج . ٣ ن : عمرو . ٤٠٣ نزار بن معد بن عدنان ، المخزومي السَّلامي الشاعر المشهور ؛ هو من ولد الوليد ابن الوليد بن المغيرة المخزومي ، أخي خالد بن الوليد ، رضي الله عنه . قال الثعالبي في حقه١ : هو من أشعر أهل العراق قولاً بالإطلاق ، وشهادة بالاستحقاق ، وعلى ما أجريته من ذكره ، شاهد عدل من شعره ، والذي كتبت من محاسنه نزه العيون ، ورُقى القلوب، ومُنى النفوس . ومن خبره أنه قال الشعر وهو ابن عشر سنين٢ ، وأول شيء قال٣ في المكتب : بدائع الحسن فيه مفترقَه وأعين الناس فيه متفقه سهامُ ألحاظِهِ مُفَوَّقَةٌ فكلّ مَنْ رام تَحْظه رشَقه قد كتَبَ الحسنُ فوقَ وجنته؛ هذا مليح وحقٍّ من خلقه [وركب في صباه سمارية في دجلة، ولم يكن رأى دجلة قبل ذلك فقال : وميدان تجول به خيولٌ تقود الدارعين ولا تقاد ركبت به إلى اللذات طِرفاً له جسمٌ وليس له فؤاد جرى فظننت أن الأرض وجهٌ ودجلة ناظرٌ، وهو السواد]° ونشأ ببغداد وخرج منها إلى الموصل وهو صبي يوم ذاك٦، فوجد بها جماعة من مشايخ الشعراء ، منهم أبو عثمان الخالدي أحد الخالديين ، وأبو الفرج الببغاء - المقدم ذكره - وأبو الحسن التلعفري، وغيرهم، فلما رأوه عجبوا منه لبراعته مع حداثة سنه ، فاتهموه بأن الشعر ليس له ، فقال الخالدي : أنا أكفيكم أمره، واتخذ دعوة جمع فيها الشعراء وأحضر السلامي المذكور معهم ، فلما توسطوا ١ يتيمة الدهر ٢ : ٣٩٦؛ وهذه الترجمة في أكثرها نقل عن اليتيمة. ٢ ق من : ابن عشرين سنة . ٣ لي : قال وهو . ٤ اليتيمة : عارضه . • زيادة انفردت بها مج . ٦ مج : وخرج من مدينة السلام وورد الموصل وهو صبي حين راهق . ٤٠٤ الشراب أخذوا في التفتيش عن١ بضاعته، فلم يلبثوا أن جاء مطر شديد وبَرَد ستر وجه الأرض، فألقى الخالدي نارنجاً كان بين أيديهم على ذلك البَرَد، وقال: يا أصحابنا ، هل لكم أن نصف هذا ؟ فقال السلامي ارتجالاً : لله در الخالديّ الأوحد الندب الخطيرِ أهدى لماء المزن عند جموده نارَ السعير بُ إليه عن حرّ الصدور حتى إذا صدر العتا بعثت إليه هديّة٢٠ عن خاطري أيدي السرور لا تعذلوه فإنه أهدى الخدودَ إلى الثغور فلما رأوا ذلك منه أمسكوا عنه . وكانوا يصفونه بالفضل ويعترفون له بالإجادة والحذق، إلا التلّعفري فإنه أقام على قوله الأول حتى قال السلامي فيه: سما التَّعْفَرِيُّ إلى وصالي ونفسُ الكلبِ تكبر عن وصاله فعالي أن تضاف إلى فعاله ينافي خلقه خلقي وتأبى وصنعته الخسيسة في قَذاله فصنعتيَ النفيسة في لساني فإن أشعر فما هو من رجالي وإن يُصْفَعْ فما أنا من رجاله٣ وله فيه أهاج كثيرة . ودخل السَّلامي يوماً على أبي تغلب٤ ، وأظنه الحمداني ، وبين يديه درع ، فقال : صفها لي ، فارتجل : يا رُبَّ سابغةٍ حبتني نعمة كافأتها بالسوء غير مفنّدٍ أضحت تصونُ عن المنايا مهجتي وظللت أبذلها لكلّ مهنّد ١ مج : أخذوا في ملاحاته والتفتيش عن قدر . ٢ اليقيمة : بعذره . ٣ سقط البيت من ن . ٤ ن ر ت ل لي : ثعلب . ٤٠٥ وهذا المعنى مأخوذ من قول عبد الله بن المعتز في الخمرة المطبوخة ، وقد سبق ذكر ذلك في ترجمته وهو١ : وقَتنيَ من نار الجحيم بنفسها وذلك من إحسانها ليس يجحدُ وقصد السَّلامي حضرة الصاحب ابن عباد وهو بأصبهان ، فأنشده قصيدته البائية التي من جملتها : تبسطنا على الآثام لما رأينا العفو من ثمر الذنوب وهذا البيت من محاسنه ، وفيه إشارة إلى قول أبي نُواس الحسن بن هانىء من جملة أبيات في الزهد - وقد تقدم ذكرها في ترجمته ٢ - وهو قوله : تعضّ ندامة" كفيك مما - تركتَ مخافة النار السرورا وفيه إلمام أيضاً بقول المأمون : لو علم أرباب الجرائم تلذذي بالعفو لتقربوا إليَّ بالذنوب . ولم يزل السَّلامي عند الصاحب بين خير مستفيض ، وجاه عريض ، ونعم بيض، إلى أن آثر قَصْدَ حضرة عضد الدولة بن بُوَيه بشيراز، فحمله الصاحب إليها وزوّده كتاباً بخطه إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف الكاتب ، وكان أحد البلغاء ، وممن يجري عند عضد الدولة مجرى الوزراء ، ونسخة الكتاب : قد علم مولاي٣ أن باعَة الشعر أكثر من عدد الشَّعر، ومن يُوثَق أن حليته التي يهديها من صَوْغ طبعه، وحلله التي يؤديها من نسج فكره ، أقلُّ من ذلك، وممن خبرته بالامتحان فحمدته٤، وفَرَرته بالاختبار فاخترته ، أبو الحسن محمد ابن عبد الله السَّلامي°، وله بديهة قوية، توفي على الرويَّة، ومذهبٌ في الإجادة ١ أنظر جـ ٣ : ٧٩ . ٢ ج ٢ : ٠٩٨ ٣ فراد في مج : أطال الله بقاءه . ٤ ق ر ل مج : فأحمدته . ٥ زاد في مج : أيده الله . ٤٠٦ يهش السمع لوعيه، كما يرتاح الطرف لرعيه، وقد امتطى أمله، وخِيرَ له١ إلى الحضرة الجليلة رجاء أن يحصل في سواد أمثاله ، ويظهر معهم بياض حاله ، فجهزت منه أمير الشعر في موكبه ، وحليت فرس البلاغة بمركبه ، وكتابي هذا رائده إلى القَطْر ، بل مَشْرَعه إلى البحر، فإن رأى مولاي أن يراعي كلامي في بابه ، ويجعل ذلك من ذرائع إيجابه ، فعل إن شاء الله تعالى . فلما ورد عليه تكفل به أبو القاسم وأفضل عليه وأوصله إلى عضد الدولة ، حتى أنشده قصيدته التي منها٢ : إليك طَوَى عرض البسيطة جاعل قصارى المطايا أن يلوح لها القَصْرُ فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ثلاثة أشباهٍ كما اجتمع النسْر وبشرت آمالي بمَلكٍ هو الوَرى ودار هي الدنيا ، ويوم هو الدهر وقد تقدم ذلك في ترجمة عضد الدولة في حرف الفاء فليطلب هناك - . وقد أخذ القاضي أبو بكر أحمد الأرجاني - المقدم ذكره٣ - معنى البيت الأخير وسبكه في قوله : يا سائلي عنه لما ظلت أمدحه هذا هو الرجل العاري من العار لو زرته لرأيت الناس في رجل والدهر في ساعة والأرض في دار وهذا البيت وإن كان في معنى ذلك البيت لكن ليس فيه رشاقته ولا عليه طلاوته؛ وقد استعمل المتنبي أيضاً هذا المعنى المذكور لكنه لم يكمله فأتى ببعضه في النصف الأخير من هذا البيت وهو قوله : هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق؛ ١ ن : وخيرته ؛ س ت : وخبر له . ٢ لم يرد في رق ، إلا البيت الأول ، ثم أحالتا على ما ورد في ترجمة عضد الدولة . ٣ جـ ١ : ٠٠١٥١ ٤ وقد أخذ القاضي ... الخلائق : ورد في جميع النسخ ما عدا ر ق ، وهو مكرر مع اختلاف يسير ، إذ ورد ما يشبهه في ترجمة عضد الدولة . ٤٠٧ رجعنا إلى خبر السلامي مع عضد الدولة : فاشتمل عليه يجناح القبول ، ودفع إليه مفتاح المأمول ، واختص بخدمته في في مقامه وظعنه، وتوفر من صلاته حظه، وكان عضد الدولة يقول: إذا رأيت السَّلامي في مجلسي ظننت أن عطارد قد نزل من الفلك إليّ ووقف بين يدي . ولما توفي عضد الدولة - في التاريخ المذكور في ترجمته - تراجع طبع السَّلامي ورقت حاله ، ثم ما زالت تتماسك مرة وتتداعى أخرى حتى مات . وله في عضد الدولة كل قصيدة بديعة ، فمن ذلك قوله من جملة قصيد١ : عبرت بنا الشعرى العبور نبهتُ ندماني وقد والبدرُ في أُفق السماءِ كروضة فيها غدير م فإنما الدنيا غروراً ب فنام وانتبه السرور هُبُّوا إلى شرب المدا هُبُّوا فقد عي الرقيـ وأشار إبليس فقد نا كلنا : نعم المشير الوحش عنا والنسور صَرْعَى بمعركة تعفّ نوّار رَ وْضتنا خدو والعيش أستر ما يكو دٌ والغُصُونُ بها خُصُور ن إذا تهتكت الستور طاف السُّقاة بها كما أهدَت لك الصَّيْد الصُّقور عذراء يكتمها المزا جُ كأنها فيه ضمير وتظُنُّ تَحْتَ حَبابها خَدّاً تقبله. ثغور حتى سَجَدَنا والإما مُ أمامنا بم٣ّ وزير وله فيه أيضاً من جملة أبيات : يزور نائلك العافي وصارمك العاصي فتحويهما أيدٍ وأعناقُ ١ اليقيمة : ٤١٦ . ٢ تأخر عن هذا الموضع في اليتيمة، وسقط من مج ل . ٣ مج واليقيمة : مثنى. ٤٠٨ أ في كل يوم لبيت الجد منك غِنِى وثروة، ولبيت المال إِمْلاقُ وله فيه أيضاً : تشبهه المدَّاحُ في البَأسِ والنَّدى يَمَنْ لو رآه كان أصغَرَ خادِمٍ ففي جَيْشه خَمسُون ألفاً كعَنتَر وأمضى، وفي خُزّانه١ ألفُ حاتمٍ ومن شعره أيضاً : لمّا أُصيبَ الخدّ منك بعارضٍ أضحى بسلسلة العذار مقيَّدا ومن هاهنا أخذ ابن التلعفري قوله : هب أن خدّك قد أُصيب بعارضٍ فعَلامَ صُدْغك راح وهو مسلسلُ وأنشدني ابن التلعفري - وهو الشهاب محمد بن يوسف بن مسعود الشيباني - أبياته التي من جملتها هذا البيت . وبالجملة فأكثر شعره نُخَب وغُرَر٢ . وكانت ولادته آخر نهار الجمعة لست خلون من رجب سنة ست وثلاثين وثلثمائة في كرْخ بغداد . وتوفي يوم الخميس رابع جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة ، رحمه الله تعالى . والسَّلامي : نسبة إلى دار السلام بغداد - وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة محمد بن ناصر الحافظ٣ . ١ ق : وفي جيرانه . ٢ وقعت هذه الجملة في ق قبل البيت الدالي ، وسقطت من ر . ٣ انظر هذا الجزء : ٢٩٤ . ٤٠٩ ٦٦٦ ابن سكرة الشاعر أبو الحسن محمد بن عبد الله بن محمد ، المعروف بابن سكرة الهاشمي البغدادي الشاعر المشهور ، وهو من ولد علي بن المهدي بن أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي ؛ قال الثعالبي في ترجمته١ : هو شاعر متسع الباع في أنواع الإبداع ، فائق في قول الطرف والملح على الفحول والأفراد ، جار في ميدان المجون والسخف ما أراد ، وكان يقال ببغداد: إن زماناً جاد بمثل ابن سكرة وابن حجاج لسَخيِّ جداً، وما شُبِّها إِلا يجرير والفرزدق في عصرهما . ويقال إن ديوان ابن سكرة يُرْبي على خمسين ألف بيت٢ ، فمن بديع تشبيهه ما قاله في غلام رآه وفي يده غصن وعليه زهر ، وهو : غصنُ بانٍ بدا وفي اليد منه غُصُنٌ فيه لؤلؤ منظومُ ٦٦٦ - ترجمته في تاريخ بغداد ٥: ٤٦٥ والمنتظم ٧: ١٨٦ والوافي ٣: ٣٠٨ وعبر الذهبي ٣: ٣٠ والشذرات ٣ : ١١٧ . ١ اليتيمة ٣ : ٣ . ٢ زاد هنا في مج زيادة نستبعد أن تكون من عمل المؤلف ولهذا نثبتها في الحاشية لا في المتن وهي : ((منها في قينة سوداء تسمى خمرة أكثر من عشرة آلاف بيت ؛ وحكى أبو طاهر ميمون بن سهل الواسطي أن ابن سكرة حلف بطلاق امرأته وهي بنت عمه أنه لا يخلي بياض يوم من سواد شعر في هجاء خمرة ، ولما شعرت امرأته بالقصة كانت كل يوم إذا انفتل زوجها من الصبح تجيئه بالدواة والقرطاس وتلزم مصلاه لزوم الغريم ، فلا تفارقه ما لم يقرض ولو بيتاً في ذكرها وهجائها ، وكان يقول ابن سكرة : ما رأيت هجاء بمستحث غير هذا ، فمن قوله فيها : أقامت مع مؤاجرها زمانا عجبت لخمرة البخراء أنى ( یبیك ) به و یر دفه لسبانا وليس (لفعله) طول ولكن لساناً ربما درس القرانا )» لحاه اللّه كيف يدس فيها قلت : وانظر جانباً من هذا الخبر في الهفوات النادرة : ٣٧٧ - ٣٧٨. ٤١٠ فتحيرتُ بين غصنين في ذا قمرٌ طالعٌ وفي ذا نجومُ ومن شعره : قالوا : التحى وستسلو عنه قلت لهم: هل يحسن الروض ما لم يطلع الزهرُ هَلِ التَحى طرفه الساجي فأهجره ؟ أم هل تزحزحَ عن أجفانه الحَوَرُ ؟ وله في غلام أعرج : قالوا بليتَ بأعرج فأجبتهم أَلعَيبُ يحدث في غصون البانِ إني أحب حديثه وأريده للنوم لا الجري في الميدانِ وله أيضاً : أنا والله هالك آيس من سلامتي أو أرى القامة التي قد أقامت قيامتي١ وقال أبو الحسن علي بن محمد بن الفتح المعروف بابن أبي العصب - ويقال ابن العصب٢ - الأشناني الملحي البغدادي الشاعر: كتب إليّ ابن سكرة الهاشمي : يا صديقاً أفادنيه زمان فيه ضَنَّ بالأصدقاء وشُحُ بين شخصي وبين شخصك بُعْدٌ غير أن الخيال بالوصل سَمْحُ ١ سقط هذان البيتان من مج وورد في موضعهما: (( وله في غلام يعرف بابن برغوث : متى ما قلت من هو يعشقوه بليت ولا أقول بمن لأني فإن غمضت أيقظني أبوه حبيب قد نفى عي رقادي وحدث ابن أبي الجوائز الواسطي قال : سمعت محمد بن سكرة الهاشمي يقول : دخلت حماماً وخرجت وقد سرق مداسي فعدت إلى داري حافياً وأنا أقول : وإن فاق المنى طيباً وحرا إليك أذم حمام ابن موسى . لتخفي من يطوف به ويعرى تكاثرت اللصوص عليه حتى دخلت محمداً وخرجت بشرا ولم أفقد به ثوباً ولكن يريد النبي عليه السلام وبشراً الحافي )). ٢ ن : العصيب ؛ ت : العضب . ٤١١ ٠ إنما أوجب التباعدَ منا أنني سُكّر وأنك مِلْحُ فكتب إليه : هل يقول الإخوان يوماً خِلّ. بيننا سكر فلا تفسدنه وله يهجو بعض الرؤساء : شاب منه مَحْضَ المودة قَدْحُ أم يقولون : بيننا وبينك ملحُ! تهت علينا ولست فينا وليَّ عهدٍ ولا خليفه فَتِهْ وزد ما عليَّ جارٍ يُقْطع عني ولا وظيفه قد تقذف الحرة العفيفة ولا تقل ليس فيَّ عيبٌ والشعر نارٌ بلا دخان وللقوافي رُقَى لطيفه هَوَتْ به أحرف خفيفه كم من ثقيل المحَلِّ سامٍ لكلّ مدحٍ لصار جيفه لو هُجيَ المسك وهو أهل وله أيضاً : قيل : ما أعددت للبر ، فقد جاء بشدّة قلت : دراعة عُرْيٍ تحتها حبة رِعْدَهْ وله البيتان اللذان ذكرهما الحريري في المقامة الكرجية٢ ، وهما : جاء الشتاء وعندي من حوائجه سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبا ١ ورد بعد هذا في النسخ ن س ل لي بر من: ذكره العماد في الخريدة وقال: لقيته بدمشق سنة ثلاث وستين وخمسمائة ، وتوفي بعد ذلك بقليل ؛ والكلام بحسب موقعه ينصرف إلى ابن أبي العصب ، وهو واضح الخطأ، ولهذا ورد في هامش ن تعليق بخط غير خط الأصل يقول فيه المعلق ((لعل هذا سهو من قلم الناسخ إذ لو كان تاريخ وفاة الملحي ذاك ، كيف يمكن المطارحة بينه وبين ابن سكرة ... )) والترتيب كما أثبتناه عن نسخة ر يصحح هذا الوهم ، فإن كلام العماد ينصرف إلى أبي الثناء محمود لا إلى ابن سكرة . ٢ مقامات الحريري : ٢٥٤ - ٢٥٥. ٤١٢ کن وکیس وكانون وكاس طلا بعد الكباب وكس ناعم وكسا وقد نسج ابن التعاويذي - الآتي ذكره في المحمدين إن شاء الله تعالى - على منواله ، فقال : إذا اجتمعت في مجلس الشرب سبعة فما الرأي في التأخير عنه صوابُ شِواءُ وشَمّامٌ وَشَهْدٌ وشاون وشمع وشادٍ مطربٌ وشراب وقال أبو الثناء محمود بن نعمة بن أرسلان النحوي الشيزري١ : يقولون كافات الشتاء كثيرة وما هي إلا واحد غير مُفْتَرَى٢ إذا صح كافُ الكيس فالكل حاصل لديك، وكل الصيد يوجد في الفَرا٣ وله٤ في الشباب أيضاً : لقد بان الشبابُ وكان غصناً له ثمر وأوراقٌ تظلك وكان البعض منك فمات فاعلم متى ما مات بعضك مات كلك ومحاسن شعره كثيرة . وتوفي يوم الأربعاء حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وثلثمائة رحمه الله تعالى . (195) وكانت ولادة ابن أبي العصب المذكور بعد سنة خمس وثمانين ومائتين، وسمع منه الحسن بن علي الجوهري هذه الأبيات سنة أربع وسبعين وثلثمائة . وتوفي أبو الثناء محمود بن نعمة المذكور سنة خمس وستين وخمسمائة بدمشق، ١ ترجمته في الخريدة ( قسم الشام ) ١ : ٥٧٥ - ٥٧٩ . ٢ الخريدة : وما هي إلا فرد كاف بلا مرا . ٣ قوله ((وقد نسج ... الفرا)) سقط من النسخ ما عدا رق والمختار . ٤ هنا يعود الضمير إلى ابن سكرة ؛ ولذلك قال في المختار : ولابن سكرة المذكور في الشباب . ٥ ترجم له المؤلف ترجمة عارضة في ٠ ١ : ٥٢٥، ونقل عن العماد قوله إنه توفي بعد سنة خمس وستين وخصمائة . ٤١٣ وذكر عماد الدين الكاتب في كتاب (( الخريدة)) أنه رآه بدمشق سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وأنشده عدة مقاطيع له١ . وسكرة : بضم السين المهملة وتشديد الكاف وفتح الراء وبعدها هاء ساكنة، وهي معروفة فلا حاجة إلى تفسيرها٢ . ٦٦٧ الشريف الرضي الموسوي الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، المعروف بالموسوي صاحب ديوان الشعر؛ ذكره الثعالبي في كتاب ((اليتيمة)) فقال في ترجمته٣: ابتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل، وهو اليوم أبدع أنشاء الزمان ، وأنجب سادة العراق ، يتحلى مع محتده الشريف ومفخره المنيف، بأدب ظاهر وفضل باهر وحظ من جميع المحاسن وافر ، ثم هو أشعر الطالبيين مَنْ مضى منهم ومن غَبَر، على كثرة شعرائهم المفلقين ، ولو قلت إِنه ١ وتوفي ... له: سقط من س لي ل ت مج بر من . ٢ عند هذا الموطن ينتهي الجزء الثاني من نسخة ولي الدين (ن) وقد جاء هنالك ((وكان الفراغ من نسخ هذا المجلد يوم الثلاثاء بعد العصر الخامس والعشرين من شهر رجب الفرد الحرام سنة إحدى وثمانين وثمانمائة من الهجرة النبوية على ساكنها (؟) أفضل الصلاة والسلام؛ وعلقه لنفسه لينظر فيه أقل عبيد اللّه عملا وأكثرهم زللا المعترف بذنبه الراجي عفو ربه محمد بن يوسف ابن ناصر الدين محمد الميدومي المالكي البرساوي منشأ نزيل طرا غفر الله ولوالديه ... الخ)) قلت : وتستمر نسخة ن حتى آخر الكتاب . . ٦٦٧ - انظر دراسة عنه للدكتور إحسان عباس ( بيروت : ١٩٥٧) وفيها ذكر لمصادر ترجمته . ٣ اليتيمة ٣ : ١٣٦ . ٤١٤ أشعر قريش لم أبعد عن الصدق، وسيشهد بما أخبر به١ شاهد عدل من شعره العالي القِدْح الممتنع عن القَدْح ، الذي يجمع إلى السلاسة متانة وإلى السهولة رصانة ويشتمل على معانٍ يقرب جناها ويبعد مَداها . وكان أبوه يتولى قديما٢ً نقابة نقباء الطالبيين ، ويحكم فيهم أجمعين ، والنظر في المظالم والحج بالناس ، ثم رُدَّت هذه الأعمال كلها إلى ولده الرضي المذكور في سنة ثمان وثمانين وثلثمائة وأبوه حي . ومن غرر شعره ما كتبه إلى الإمام القادر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدر من جملة قصيدة٣ : عَطفاً أميرَ المؤمنين فإننا في دوحةِ العلياء لا نتفرقُ أبداً ، كلانا في المعالي مُعْرِقٍ ما بيننا يوم الفخار تفاوت أنا عاطل منها وأنت مطوق إلا الخلافة ميزتك ، فإنني ومن جيد شعره قوله أيضاً؛ : رُمْتُ المعالي فامتنعن ولم يزل أبداً يُمانعُ عاشقاً معشوق وصبَرْت حتى نلتهن ولم أقل ضجراً : دواء الفارك التطليق وله من جملة أبيات° : يا صاحبيَّ قفالي واقضيا وطَراً وحَدَّثانيَ عن نجدٍ بأخبارٍ خميلة الطلح ذات البان والغار هل روضت قاعة الوعساء أم مطرت أم هل أبيت ودار دون كاظمة داري، وسُمّار ذاك الحي سُمّاري ١ ر ل لي ق : أخبرته ؛ اليتيمة: أجريه ؛ مج: أجريه من ذكره . ٢ لي : قديماً متولي . ٣ ديوانه ٢ : ٤٢ . ٤ ديوانه ٢ : ٥٠؛ ق مج بر : ومن جيد قوله أيضاً . ٥ ديوانه ١ : ٥١٧؛ وقد وردت الأبيات في ر بعد قوله ((وديوان شعره ... ذكره)) وسقطت من النسخ الأخرى . ٤١٥ تَضُوعُ أرواح نجدٍ من ثيابهمُ عند القدوم لقرب العهد بالدار وديوان شعره كبير يدخل في أربع مجلدات ، وهو كثير الوجود فلا حاجة إلى الإكثار من ذكره . وذكر أبو الفتح ابن جني النحوي - المقدم ذكره١ - في بعض مجاميعه أن الشريف الرضي المذكور أحضِرَ إلى ابن السيرافي النحوي وهو طفل جداً لم يبلغ عمره عشر سنين فلقنه النحو، وقعد معه يوماً في حلقته٢ ، فذا كره بشيء من الإعراب على عادة التعليم، فقال له: إذا قلنا ((رأيت عمر)) فما علامة النصب في عمر ؟ فقال له الرضي : بُفْضُ علي؛ فعجب السيرافي والحاضرون من حدة خاطره . وذكر أنه تلقن القرآن بعد أن دخل في السن فحفظه في مدة بسيرة . وصنف كتاباً في معاني القرآن الكريم يتعذر وجود مثله دل على توسعه في علم النحو واللغة، وصنف كتاباً في ((مجازات القرآن)) فجاء نادراً في بابه . وقد عني يجمع ديوان الشريف الرضي المذكور جماعة ، وأجود ما جمع الذي جمعه أبو حكيم الخبري٣ . ولقد أخبرني بعض الفضلاء؛ أنه رأى في مجموع أن بعض الأدباء اجتاز بدار الشريف الرضي المذكور بسر من رأى٥ ، وهو لا يعرفها، وقد أخنى عليها الزمان وذهبت بَهْجتها وأخلقت ديباجتها ، وبقايا رسومها تشهد لها بالنَّضارة وحسن الشارة ، فوقف عليها متعجباً من صروف الزمان وطوارق الحدثان ، وتمثل بقول الشريف الرضي المذكور٦ : ١ = ٢ : ٠٢٤٦ ٢ ر : الحلقة . ٣ الخبري : بفتح الخاء وإسكان الباء نسبة إلى خبر وهي قرية من قرى شيراز نسب إليها أبو حكيم عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله المعلم ( الأنساب واللباب: الخبري) قلت: والنسخة التي جمعها الخبري من ديوان الشريف لا تزال موجودة، وقد اعتمدت عليها في دراستي لشعر الرضي . ٤ ن : جماعة الفضلاء . ه ل لي ت مج بر : ببغداد . ٦ ديوانه ١ : ١٨١ . ٤١٦ وطلولُها بيد البِلِى نَهْبُ ولقد وقفتُ على ربوعهمُ نِضْوي ولج بعذليّ الركب فبكيتُ حتى ضج من لَغَب عني الطلول تلفَّتَ القلب وتلفتت عيني فمذ خفيت فمر به شخص وسمعه وهو ينشد الأبيات ، فقال له : هل تعرف هذه الدار لمن هي ؟ فقال : لا ، فقال : هذه الدار لصاحب هذه الأبيات الشريف الرضي ، فتعجبا١ من حسن الاتفاق . ولقد أذكرتني هذه الواقعة حكاية هي في معناها ذكرها الحريري٢ في كتاب ((درة الغواص في أوهام الخواص))٣ وهي على ما رواه أن عبيد بن شَرية الجرهمي عاش ثلثمائة سنة وأدرك الإسلام فأسلم ودخل على معاوية بن أبي سفيان بالشام وهو خليفة ، فقال له : حدثني بأعجب ما رأيت ، فقال : مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتاً لهم ، فلما انتهيت إليهم اغرورقَتْ عيناي بالدموع فتمثلت بقول الشاعر : فاذكر وهل يَنفَعَنْكَ اليوم تذكيرُ يا قلب إنك من أسماء مغرورٌ حتى جرت لك أطلاقاً محاضير قد بُحْتَ بالحب ما تخفيه من أحد أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير فلست تدري وما تدري أعاجلها فبينما العسرُ إذ دارت مياسير فاستَقدِرِ الله خيراً وارضَيَنَّ به إذا هو الرَّمسُ تعفوه الأعاصير وبينما المرء في الأحياء مغتبطٌ وذو قرابته في الحي مسرور يبكي الغريبُ عليه ليس يعرفه قال ، فقال لي رجل : أتعرف من يقول هذا الشعر ؟ فقلت : لا ، قال : إن قائله هو الذي دفنّاه الساعة ، وأنت الغريب الذي تبكي عليه ولست ؛ ١ ل ن مج : فتعجبنا ؛ ت : فبقي متعجباً ؛ ق : فعجبنا . ٢ ر : ابن الحريري . ٣ درة الغواص : ٥٥ - ٥٦ . ٤ لي : وليس ؛ وكذلك في الدرة . ٢٧ - ٤ ٤١٧ تعرفه ، وهذا الذي خرج من قبره أمسُّ الناس رحماً به وأسرهم بموته ، فقال له معاوية : لقد رأيت عجباً، فمن الميت ؟ قال: هو عِثِيَرُ بن لبيد العذري. [ويقرب من هذا ما ذكره الأمير المسبحي في كتاب ((الحمّة)) الذي ألفه للظاهر بن الحاكم سنة اثنتي عشرة وأربعمائة قال ، قال محمود المادرائي : كنت متوجهاً إلى الديوان ، فدخلنا الأبلة فصعدت من السفينة لحاجة ، ووقفت على تل رماد عتيق وعنْ لي أن أنشدت قول الشاعر : يا رب قائلة يوماً وقد لغبت كيف الطريق إلى حمام منجابٍ وكان شيخ من أهل الأبلة جالساً على قرب من الموضع ، فقال لي : يا فق، تعرف حمام منجاب ؟ قلت : لا ، قال : فأنت واقف على مستوقده ؛ فعجبت من الاتفاق في ذلك]١ . ومثل هاتين القضيتين ما ذكره الخطيب أبو زكريا التبريزي في كتاب ((شرح الحماسة:٢ وذكره غيره أيضاً أن عمرو بن شاس الأسدي الشاعر المشهور كانت له امرأة من قومه، وابنٌ من أمة سوداء يقال له عَرَار ، فكانت تعيّر به أباه وتؤذيه ويؤذيها ، فأنكر عمرو عليها أذاها له وقال : أرادت عَراراً بالهوان ومن يُرِدْ عَراراً لعمري بالهوان لقد ظلمْ وإِن عَراراً إن يكن غير واضح فإني أحبُّ الجون ذا المنكب العَمَمْ وهي عدة أبيات في الباب الأول من كتاب ((الحماسة)) - والجون: الأسود ، والعمم : التام - وكان عَرار أحد فصحاء العقلاء ، وتوجه من عند المهلب بن أبي صفرة إلى الحجاج بن يوسف الثقفي رسولاً في بعض فتوحه فلما مَثّل بين يدي الحجاج لم يعرفه وازدراه ، فلما استنطقه أبان وأعرب ما شاء وبلغ الغاية والمراد في كل ما سئل عنه ، فأنشد الحجاج متمثلاً : ١ زيادة انفردت بها مج ، وقد حذفت منها القصة التالية المتعلقة بعمرو بن شأس وابنه عرار ، وقصة عرار أشار إليها في المختار ولكنه لم يشر إلى هذه القصة المنقولة عن المسبحي . ٢ شرح التبريزي ١ : ١٤٩؛ وقد سقطت هذه القصة من س ل لي ت مج بر من . ٤١٨ أرادت عَراراً بالهوان ومن يرد عَراراً لعمري بالهوان لقد ظلم فقال عرار : أنا - أيد الله الأمير - عرار ، فأعجب به وبذلك الاتفاق . وشاس : المكان الغليظ . (196) وعمرو المذكور من أسد بن خزيمة ، وهو مخضرم أدرك الإسلام وهو شيخ كبير . وعَرار من قولهم ((عارَّ الظليمُ)) بتشديد الراء ((يعار عرارا))١ إذا صاح؛ يقول : أرادت امرأتي إهانة عرار ، ومن طلب ذلك من مثله فقد وضع الشيء في غير محله ، وهو الظلم . واجتهد عمرو بن شاس أن يصلح بين امرأته وابنه فلم يمكنه ذلك فطلقها فندم وقال في ذلك شعراً تركته لعدم الحاجة وخشية الإطالة . رجعنا إلى ذكر الشريف : قال الخطيب في ((تاريخ بغداد))٢: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله الكاتب بحضرة أبي الحسين ابن محفوظ ، وكان أوحد الرؤساء ، يقول : سمعت جماعة من أهل العلم بالأدب يقولون : الرضي أشعر قريش ، فقال ابن محفوظ : هذا صحيح ، وقد كان في قريش من يجيد القول ، إلا أن شعره قليل ، فأما مجيد مكثر فليس إلا الرضي . وكانت ولادته سنة تسع وخمسين وثلثمائة ببغداد ؛ وتوفي بكرة يوم الأحد٣ سادس المحرم - وقيل صفر - سنة ست وأربعمائة ببغداد، ودفن في داره بخطّ مسجد الأنباريين بالكرخ، وقد خربت الدار ودرس٤ القبر. ومضى أخوه المرتضى أبو القاسم إلى مشهد موسى بن جعفر لأنه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته ودَفْنه، وصلى عليه الوزير فخر الملك في الدار مع جماعة كثيرة ، رحمه الله تعالى . ١ هذا وجهه بكسر العين ، وعرار - اسم الرجل - بفتحها . ٢ تاريخ بغداد ٢ : ٢٤٦ . ٣ ر : الخميس . ٤ ن ر ق : ودثر . ٤١٩ (197) وكانت ولادة والده الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين سنة سبع وثلثمائة ، وتوفي في جمادى الأولى سنة أربعمائة ، وقيل توفي سنة ثلاث وأربعمائة ببغداد ودفن في مقابر قريش بمشهد باب التبن ، ورثاه ولده الرضي ، ورثاه أيضاً أبو العلاء المعري بقصيدته التي أولها١ : أودى فليت الحادثات كَفافٍ مالُ المُسِيفِ وعنبر المُستافِ وهي طويلة أجاد فيها كل الإجادة . وقد تقدم ذكر أخيه الشريف المرتضى أبي القاسم علي٢. وعَبيد : بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة . وشرية : بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة . والجرهمي : بضم الجيم وسكون الراء وضم الهاء وبعدها ميم ، هذه النسبة إلى جرهم بن قحطان ، وهي قبيلة كبيرة مشهورة باليمن . وعِثِيَر : بكسر العين المهملة وسكون الثاء المثلثة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها راء ، وهو في الأصل اسم للغبار ، وبه سمي الرجل . ولبيد : اسم علم مشهور فلا حاجة إلى ضبطه . وقد تقدم الكلام على العذري ، والله أعلم . ١ شروح السقط : ١٢٦٤. ٢ انظر جـ ٣ : ٣١٣ . ٤٢٠