النص المفهرس

صفحات 321-340

ما غيّرَ الجلُّ أخلاقَ الحميرِ ولا نقشُ البراذعِ أخلاقَ البراذينِ!
والمُبرّد: بضم الميم وفتح الباء الموحدة والراء المشددة وبعدها دال مهملة ،
وهو لقب عُرف به ، واختلف العلماء في سبب تلقيبه بذلك ، فالذي ذكره
الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب ((الألقاب)) أنه قال: سئل المبرد: لمَ
لقبت بهذا اللقب ؟ فقال : كان سبب ذلك أن صاحب الشرطة طلبني للمنادمة
والمذاكرة ، فكرهت الذهاب إليه ، فدخلت إلى أبي حاتم السجستاني ، فجاء
رسول الوالي يطلبني٢، فقال لي أبو حاتم : ادخل في هذا ، يعني غلاف مزملة
فارغاً ، فدخلت فيه وغطى رأسه ، ثم خرج إلى الرسول وقال : ليس هو
عندي ، فقال : أخبرت أنه دخل إليك ، فقال : ادخل الدار وفتشها ، فدخل
فطاف كل موضع في الدار ولم يفطن الغلاف المزملة ، ثم خرج فجعل أبو حاتم
يصفق وينادي على المزملة : المبرد المبرد ، وتسامع الناس بذلك فلهجوا به. وقيل
إن الذي لقبه بهذا اللقب شيخه أبو عثمان المازني ، وقيل غير ذلك .
وهَبَنْقة : بفتح الهاء والباء الموحدة والنون المشددة والقاف وبعدها هاء
ساكنة ، وهو لقب أبي الودعات يزيد بن ثروان القيسي، وقيل كنيته أبو نافع ،
وبه يضرب المثل في الحمق فيقال ((أحمق من هبنقة القيسي))٢ لأنه كان قد شَرَدَ
له بعير فقال : من جاء به فله بعيران، فقيل له : أتجعل في بعير بعيرين ؟ فقال:
إنكم لا تعرفون حلاوة الوجدان ، فنسب إلى الحمق لهذا السبب ، وسارت به
الأشعار ، فمن ذلك قول أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي - وسيأتي ذكره إن
شاء الله تعالى - في شيبة بن الوليد العبسي عم دقاقة٤، من جملة أبيات :
١ وكان كثيراً ... البراذين: سقط من س ن ل لي ت ق بر من؛ وسقط من ق قبله الأبيات في ثمالة
لأنها وردت في النص الذي انفردت به ق قبلا .
٢ ق ر بر من والمختار : فطلبني .
٣ مجمع الأمثال ١ : ١٤٦ وأورد أبيات اليزيدي (ص: ١٤٧) وكذلك في الأغاني ٢٠ : ١٩١
وفصل المقال: ٢٣٠ وحماسة البحتري: ١٥٨؛ وقد سقط ضبط ((هبنقة)) من ق .
٤ لي : دفافة؛ بر من : دفاقة ، وفي الأغاني : ذفافة .
٢١ - ٤
٣٢١

عِشِ بِجَدٌّ ولا١ يضرّكَ نَوْكٌ إِنما عيشُ من ترى بالجدود٢ِ
رُبَّ ذي إربةٍ مُقِلّ من المالِ وذي عنجهيةٍ مَجْدود
عش بجَدٍ وكن هبنقةَ القد سيَّ أو مثلَ شيبة بن الوليد
وسبب نظم اليزيدي هذه الأبيات أنه تناظر هو والكسائي في مجلس المهدي،
وكان شيبة بن الوليد حاضراً فتعصب الكسائي وتحامل على اليزيدي ، فهجاه في
عدة مقاطيع هذا المقطوع من جملتها .
ودُغَة : بضم الدال المهملة٣ وفتح الغين المعجمة وبعدها هاء ساكنة، واسمها
مارية بنت مغنج ، بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وفتح النون وبعدها جيم ،
وقيل معنج بكسر الميم وسكون العين المهملة وباقيه مثل الأول ، وهو لقب ،
واسمه ربيعة بن سعد بن عجل بن لجيم - وهي التي يضرب بها المثل في الحمق ،
فيقال ((أحمق من دُغَةَ))٤. وذكر ابن الكلبي في كتاب (( جمهرة النسب)) غير
هذا ، فقال في نسب بني العنبر : فولَدَ جندبُ بن العنبر عدياً وكعباً وعويجاً
أمهم مارية بنت ربيعة بن سعد بن عجل ، ويقال بل هي دُغَة بنت مغنج بن
إياد ، فجعل مارية غير دُغَة، والله أعلم . وإنما نسبت إلى الحمق لأنها ولدت
فصاح المولود ، فقالت لامرأة : أيفتح الجعر فاه ؟ فقالت المرأة : نعم ويسب
أباه ، فسارت مثلاً. والأصل في الجعر أنه رَوْثُ كل ذي مخلب من السباع ،
وقد يستعمل في غيرها بطريق التجوز ، ودُغَة لجهلها لما ولدت ظنت أنه قد
خرج منها المعتاد ، فلما استهلّ المولود عجبت من ذلك وسألت عنه ، فهذا كان
سبب نسبتها إلى الحمق . وكانت متزوجة في بني العنبر بن عمرو بن تميم ، فبنو
العنبر يدعون لذلك بني الجَعْراء ؛ وهذا كله وإن كان خارجاً عن المقصود ،
لكنها فوائد غريبة فأحببت° ذكرها٦.
١ ق : فلن .
٣ سقط ضبط دغة من ق .
٤ مجمع الأمثال ١ : ١٤٧ .
٥ لي : أحببت .
٢ ق : بحدود .
٦ ق : أن أذكرها .
٣٢٢

٠
٦٣٧
ابن دريد
أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم بن حسن بن حماميّ بن
جرو بن واسع بن وهب بن سلمة بن حاضر بن أسد بن عدي بن عمرو بن مالك
ابن فهم بن غانم بن دوس بن عُدْثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث
ابن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك
ابن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، الأزدي اللغوي
البصري إِمام عصره في اللغة والآداب والشعر الفائق ؛ قال المسعودي في كتاب١
((مروج الذهب)) في حقه٢: ((وكان ابن دريد ببغداد ممن برع في زماننا هذا في
الشعر٣، وانتهى في اللغة، وقام مقام الخليل بن أحمد فيها ، وأورد أشياء في
اللغة لم توجد في كتب المتقدمين ، وكان يذهب بالشعر كل مذهب، فطوراً يُجْزل
وطوراً یرق، وشعره أکثر من ان نحصیه أو نأتي علی أکثره أو یأتي عليه کتابنا
هذا ، فمن جيد شعره قصيدته المشهورة بالمقصورة٤ التي يمدح بها الشاه ابن
ميكال وولده° ، وهما عبد الله بن محمد بن ميكال وولده أبو العباس إسماعيل بن
عبد الله ، ويقال إنه أحاط فيها بأكثر المقصور ، وأولها٦ :
٦٣٧ - ترجمته في نور القبس: ٣٤٢ وعبر الذهبي ٢: ١٨٧ والمحمدون: ٢٠١ وانباه الرواة
٣ : ٩٢ وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى .
١ لي : صاحب كتاب .
٢ مروج الذهب ٤ : ٣٢٠.
٣ ق : في زمانه بالشعر .
٤ ر ق بر من والمختار : قصيدته المقصورة .
٥ ق : وولديه .
٦ ليس هذا أولها ، بل مطلعها :
يا ظبية أشبه شيء بالمها ترعى الخزامى بين أشجار النقا
٣٢٣
٠٠
٠

إِمّا تَرَيْ رأسي حاكى لونُهُ طرّةَ صبحٍ تحتَ أذيالِ الدجى
واشتعل المبيضُّ في مُسوَدّهِ مثلَ اشتعالِ النار في جَزْلِ الفَضى
ثم قال المسعودي : وقد عارضه في هذه القصيدة المعروفة جماعة من الشعراء
منهم أبو القاسم علي١ بن محمد بن أبي الفهم الأنطاكي التنوخي، وعدد جمعاً
ممن عارضها .
قلت أنا: وقد اعتنى بهذه المقصورة خلق من المتقدمين والمتأخرين، وشرحوها
وتكلموا على ألفاظها ، ومن أجود شروحها وأبسطها شرح الفقيه أبي عبد الله
محمد بن أحمد بن هشام بن إبراهيم اللخمي السبتي ، وكان متأخراً توفي في حدود
سنة سبعين وخمسمائة، وشرحها الإمام أبو عبد الله محمد بن جعفر المعروف بالقزاز
صاحب كتاب (( الجامع )) في اللغة - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وشرحها
غير هما أيضاً .
ولابن دريد من التصانيف المشهورة كتاب ((الجمهرة)) وهو من الكتب
المعتبرة في اللغة، وله كتاب ((الاشتقاق)) وكتاب (( السرج واللجام)) وكتاب
(((الخيل)) الكبير، وكتاب ((الخيل)) الصغير، وكتاب ((الأنواء)) وكتاب
((المقتبس) وكتاب ((الملاحن)) وكتاب ((زوار العرب)) ٣ وكتاب ((اللغات))
وكتاب ((السلاح)) وكتاب ((غريب القرآن)) لم يكله، وكتاب (( المجتبى))؛
وهو مع صغر حجمه كثير الفائدة، وكذلك ((الوشاح)) صغير مفيد".
وله نظم رائق جدا٦ًً ، وكان من تقدم من العلماء يقول : ابن دريد أعلم
الشعراء وأشعر العلماء [فمن أول شعر قاله قوله :
١ ق : القاسم بن علي .
٢ قد نشرت المقصورة بشرح التبريزي .
٣ كذا ورد في الأصول؛ وفي الفهرست: رواة العرب؛ ولعله ((أذواء العرب)).
٤ س لي والفهرست : المجتنى، واللفظة غير معجمة في ن ل ت وببعض اعجام في بر من . وقد طبع باسم
((المجتنى)) في حيدر آباد الدكن ( ١٣٦٢).
٥ بعض أسماء كتبه سقطت في ق .
٦ ق : جيد .
٣٢٤

ثوبُ الشبابِ عليّ اليوم بهجته
أنا ابن عشرين ما زادت ولا نقصت
وسوف تنزعه عني يدُ الكبرِ
إِن ابن عشرين من شيب على خطر ]
ومن مليح شعره قوله٢ :
للمشمْسِ عند طلوعها لم تُشْرِقٍ
غراء لو جلتِ الخدود شعاعها
غُصْنٌ على دِعْصٍ تَأوَّدَ فوقه
قمرٌ تألَّقَ تحت ليلٍ مطبق
أو قيل خاطِبْ غَيرَها لم ينطق
لو قيل للحُسْنِ احتكم لم يَعْدُها
وكأننا من وجهها في مشرق
وكأننا من فرعها في مغربٍ
الوَيل حلِّ بمقلةٍ لم تُطبق
تبدو فيهتفُ للعيونِ ضياؤها
ولولا خوف الإطالة لذكرت كثيراً من شعره٣ .
وكانت ولادته بالبصرة في سكة صالح سنة ثلاث وعشرين ومائتين ، ونشأ
بها وتعلم فيها، وأخذ عن أبي حاتم السجستاني والرياشي وعبد الرحمن بن عبد الله
المعروف بابن أخي الأصمعي وأبي عثمان سعيد بن هارون الأشنانداني صاحب
كتاب ((المعاني)) وغيرهم، ثم انتقل عن البصرة مع عمه الحسين عند ظهور الزنج؛
وقتلهم الرياشي - كما سبق في ترجمته٥ - وسكن عمان وأقام بها اثنتي عشرة
سنة ، ثم عاد إلى البصرة وسكنها زماناً ، ثم خرج إلى نواحي فارس وصحب
ابني ميكال، وكانا يومئذ على عمالة فارس، وعمل لهما كتاب ((الجمهرة )) وقلداه
ديوان فارس ، وكانت تصدر كتب فارس عن رأيه ، ولا ينفذ أمر إلا بعد
توقيعه، فأفاد معهما أموالاً عظيمة ، وكان مفيداً مُبيداً لا يمسك درهماً سخاء
وكرماً ، ومدحهما بقصيدته المقصورة فوصلاه بعشرة آلاف درهم ، ثم انتقل من
فارس إلى بغداد ، ودخلها سنة ثمان وثلثمائة بعد عزل ابني ميكال وانتقالهما إلى
١ زيادة من ق .
٢ ديوانه : ٨٦ .
٣ بعد هذه العبارة اختلف ترتيب النص في ق عما هو عليه في النسخ الأخرى .
٤ س : السونج .
٥ انظر ما تقدم ٣ : ٢٧ .
٣٢٥

خراسان. ولما وصل إلى بغداد أنزله علي بن محمد بن الحوارى في جواره وأفضلَ
عليه ، وعرف الإمام المقتدر خبره ومكانه من العلم ، فأمر أن يُجْرى عليه
خمسون ديناراً في كل شهر ، ولم تزل جارية عليه إلى حين وفاته .
وكان واسع الرواية لم يُرَ أحفظ منه ، وكان يقرأ عليه دواوين العرب
فيُسابق إلى إتمامها من حفظه، وسئل عنه الدارقطني : أثقة هو أم لا ؟ فقال:
تكلموا فيه، وقيل إنه كان يتسامح في الرواية فيسند إلى كل واحد ما يخطر له.
وقال أبو منصور الأزهري اللغوي١: دخلت عليه فرأيته سكران ، فلم أعد
إليه . وقال ابن شاهين : كنا ندخل عليه ونستحبي مما نرى من العيدان المعلقة
والشراب المصفى . وذكر أن سائلاً سأله شيئاً فلم يكن عنده غير دنّ من نبيذ
فوهبه له ، فأنكر عليه أحد غلمانه ، وقال تتصدق بالنبيذ ؟ فقال : لم يكن
عندي شيء سواه ، ثم أهدي له بعد ذلك عشرة دنان من النبيذ ، فقال لغلامه:
أخرجنا دناً فجاءنا عشرة، وينسب إليه من هذه الأمور شيء كثير .
وعرَضَ له في رأس التسعين من عمره فالج سقي له الترياق فبرىء منه وصح
ورجع إلى أفضل أحواله ، ولم ينكر من نفسه شيئاً ورجع إلى إسماع تلامذته
وإملائه عليهم ، ثم عاوده الفالج بعد حول لغذاء ضار تناوله، فكان يحرك يديه
حركة ضعيفة ، وبطل من محزمه إلى قدميه ، فكان إذا دخل عليه الداخل ضج
وتألم لدخوله وإن لم يصل إليه ، قال تلميذه أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي
المعروف بالبغدادي - المقدم ذكره٢ - : فكنت أقول في نفسي: إن الله عز
وجل عاقبه بقوله في قصيدته المقصورة - المقدم ذكرها - حين ذكر الدهر :
مارست مَنْ لو هَوَتِ الأفلاكُ من جوانبِ الجو عليه ما شكا
وكان يصيح لذلك صياح من يمشي عليه أو يسل٣ بالمسال ، والداخل بعيد
منه ، وكان مع هذه الحال ثابتَ الذهن كامل العقل ، يرد فيما يسأل عنه رداً
١ مقدمة التهذيب ١ : ٣١، وما هنا منقول عن القفطي وفيه إيجاز .
٢ انظر ١ : ٢٢٦ .
٣ ت ن : يشك .
٣٢٦

صحيحاً ؛ قال أبو علي : وعاش بعد ذلك عامين ، وكنت أسأله عن شكوكي في
اللغة وهو بهذه الحال فيردّ بأسرع من النفس بالصواب. وقال لي مرة وقد سألته
عن بيت شعر: لئن طفئت شحمتا عيني لم تجد من يشفيك من العلم، قال أبو علي:
ثم قال لي : يا بنيّ ، وكذلك قال لي أبو حاتم وقد سألته عن شيء ، ثم قال
لي أبو حاتم : وكذلك قال لي الأصمعي وقد سألته . وقال أبو علي: وآخر
شيء سألته عنه جاوبني أن قال لي: يا بني حالَ الجريضُ دون القريض، فكان
هذا الكلام آخر ما سمعته منه . وكان قبل ذلك كثيراً ما يتمثل :
فواحزني أن لا حياة لذيذةٌ ولا عملٌ يرضى به الله صالحُ
وقال المرزباني١ ، قال لي ابن دريد : سقطت من منزلي بفارس، فانكسرت
ترقوتي ، فسهرت ليلتي ، فلما كان آخر الليل غمضت٢ عيني فرأيت رجلاً طويلاً
أصفر الوجه كَوْسَجا٣ دخل علي وأخذ بعضادتي الباب وقال : أنشدني أحسن
ما قلت في الخمر، فقلت : ما ترك أبو نواس لأحد شيئاً ، فقال : أنا أشعر منه ،
فقلت : ومن أنت ؟ فقال: أنا أبو ناجية من أهل الشام، وأنشدني؛ :
وحَمْراء قبل المزج صفراء بعده أتت بين ثَوْبَي نرجس وشقائقٍ
حكت وجْنَةَ المعشوق صِرْفاً فسلطوا عليها مزاجاً فاكتست لون عاشقٍ
فقلت له : أسأت، فقال: ولمّ؟ قلت: لأنك قلت ((وحمراء)) فقدمت
الحمرة ثم قلت (( بين ثوبي نرجس وثقائق)) فقدمت الصفرة ، فهلا قدمتها على
الأخرى ، فقال : ما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يا بغيض ؟
وجاء في رواية أخرى أن الشيخ أبا علي الفارسي النحوي قال : أنشدني ابن
دريد هذين البيتين لنفسه، وقال : جاءني إبليس في المنام وقال : أغرت على أبي
١ انظر نور القبس : ٣٤٣.
٢ المرزباني والقفطي : حملتي ؛ بر : أغمضت .
٣ الكوسج : الذي ليس على عارضيه شعر .
؛
٤ ديوانه : ٨٦ .
٣٢٧

نواس ؟ فقلت : نعم ، فقال: أَجَدْتَ إلا أنك أسأت في شيء ، ثم ذكر بقية
الكلام إلى آخره ، والله أعلم١ .
وتوفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وعشرين
وثلثمائة ببغداد ، رحمه الله تعالى ، ودفن بالمقبرة المعروفة بالعباسية من الجانب
الشرقي في ظهر سوق السلاح بالقرب من الشارع الأعظم . وتوفي في ذلك اليوم.
أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي الجُبّائي المتكلم المعتزلي - المقسدم ذكره٢ -
فقال الناس : اليوم مات علم اللغة والكلام . ويقال إنه عاش ثلاثاً وتسعين سنة
لا غير ، ورثاه جحظة البرمكي - المقدم ذكره٣ - بقوله:
فقدت بابنِ دريدٍ كلَّ فائدةٍ لما غدا ثالثَ الأحجار والتشُرَبِ
فصرتُ أبكي لفقدِ الجودِ والأدبِ
وكنت أبكي لفَقدِ الجود منفرداً
الترب : بفتح الراء ، جمع تربة .
ودريد٤ : بضم الدال المهملة وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها
دال مهملة ، وهو تصغير أدرد ، والأدرد : الذي ليس فيه سن ، وهو تصغير
ترخيم ، وإنما سمي هذا التصغير ترخيماً لحذف حرف الهمزة من أوله كما تقول في
تصغير أسود : سويد ، وتصغير أزهر : زهير .
وعتاهية : بفتح العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف هاء
مكسورة وياء مفتوحة مثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة .
وحنتم : بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها
ميم ، والأصل في الحنتم الجرة المدهونة الخضراء ، وبها سمي الرجل .
وحَمَامي: بفتح الحاء المهملة والميم الخفيفة وبعد الألف ميم مكسورة ثم ياء،
قال الأمير أبو نصر ابن ماكولا : هو أول من أسلم من آبائه . وبقية النسب
١ وجاء في رواية ... أعلم: سقط من س ن ل لي ت ق بر من .
٢ ترجمة الجبائي في ٣ : ١٨٣.
: ٣ ترجمة جحظة في ١ : ١٣٣.
٤ توجز ق في ضبط هذه الكلمات .
٣٢٨

معروف . وحمامي من جملة السبعين راكباً الذين خرجوا مع عمرو بن العاص من
عمان إلى المدينة لما بلغهم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقصة ١ مشهورة.
وقد تقدم الكلام على الأزدي .
وقوله (( حال الجريض دون القريض))٢ هذا مثل مشهور وأول من نطق به
عَبيدُ بن الأبرص أحد شعراء الجاهلية لما لقي النعمان بن المنذر الدَّخْمي آخر
ملوك الحيرة في يوم بؤسه وعزم على قتله ، وكان ذلك عادته ، فأحس به عبيد
فاستنشده شيئاً من شعره، فقال له: ((حال الجريض دون القريض)) فسارت
مثلاً، والجريض : بفتح الجيم وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها
ضاد معجمة، هو الغصة ، والقريض : الشعر ، فكأنه قال : حالت الغصة دون
إنشاد الشعر ، وهذه القصة مشهورة ، فاقتصرت منها على ذكر خلاصتها .
(184) وعبيد : بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة
من تحتها وبعدها دال مهملة ، وهو شاعر مشهور ، وكان في الولادة من أقران
عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
٦٣٨
أبو عمر المطرز الزاهد
أبو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم ، المعروف بالمطرّز، الباوردي٣
الزاهد غلام ثعلب - المقدم ذكره٤ - ؛ أحد أئمة اللغة المشاهير المكثرين ،
١ ر لي ن : والقضية .
٢ انظر فصل المقال: ٣٥٠ والميداني ١: ١٢٠ والعسكري ١ : ٢٣٩ والفاخر : ١٩٠.
٦٣٨ - ترجمته في انباه الرواة ٣: ١٧١ (وفي الحاشية مصادر أخرى) وانظر عبر الذهبي ٢: ٢٦٨
وفي الترجمة متابعة كثيرة لما أورده القفطي ؛ وهذه الترجمة شديدة الإيجاز في ق .
٣ الباوردي : سقطت من س ل لي ت ق بر من .
٤ ترجمة ثعلب في ١ : ١٠٢ .
٣٢٩
1

صحب أبا العباس تعلباً زماناً فعرف به ونسب إليه وأكثر من الأخذ عنه ،
واستدرك على كتابه ((الفصيح)) جزءاً لطيفاً سماه (( فائت الفصيح)) وشرحه أيضاً
في جزء آخر. وله كتاب ((اليواقيت))١ وكتاب ((شرح الفصيح » الثعلب٢ ،
وكتاب ((الجرجاني)) وكتاب ((الموضح)) وكتاب ((الساعات)) وكتاب (( يوم
وليلة)) وكتاب ((المستحسن)) وكتاب ((العشرات)) وكتاب ((الشورى)) وكتاب
((البيوع)) وكتاب ((تفسير أسماء الشعراء)) وكتاب ((القبائل)) وكتاب («المكنون
والمكتوم)) وكتاب ((التفاحة)) وكتاب ((المداخل))٣ وكتاب ((على المداخل))
وكتاب ((النوادر)) وكتاب ((فائت العين)) وكتاب ((فائت الجمهرة)) وكتاب
(( ما أنكرته الأعراب على أبي عبيد فيما رواه أو صنفه)). وكان ينقل غريب اللغة
وحوشيها، وأكثر ما نقل أبو محمد ابن السيد البَطَلْيَوْسي في كتاب ((المثلث))
عنه ، وحكى عنه غرائب . وروى عنه أبو الحسن محمد بن رزقويه وأبو علي ابن
شاذان وغيرهم .
وكانت ولادته سنة إحدى وستين ومائتين . وتوفي يوم الأحد لثلاث عشرة
ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ، وقيل أربع وأربعين وثلاثمائة ،
ودفن يوم الاثنين ببغداد في الصفة التي تقابل معروفاً الكرخي، رضي الله عنه ،
وبينهما عرض الطريق ، رحمه الله تعالى .
وكان اشتغاله بالعلوم واكتسابها قد منعه من اكتساب الرزق والتحيُّل له ،
فلم يزل مُضَيقاً عليه . وكان لسعة روايته وغزارة حفظه يكذبه أدباء زمانه في .
أكثر نقل اللغة ويقولون: لو طار طائر لقال أبو عمر حدثنا ثعلب عن ابن
الأعرابي ، ويذكر في معنى ذلك شيئاً . فأما روايته الحديث فإن المحدثين
يصدقونه ويوثقونه؛ وكان أكثر ما يمليه من التصانيف يلقيه بلسانه من غير صحيفة
يراجعها ، حتى قيل إنه أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة من اللغة ، فلهذا
الإكثار نسب إلى الكذب. وكان يسأل عن شيء قد تواطأت الجماعة على وضعه،
١ راجع ما أورده القفطي عن مراحل تأليفه لهذا الكتاب ؛ وقد سقط من ق ذكر أسماء الكتب بعد
٢ ر : وكتاب الفصيح، وكذلك هو في أصل القفطي.
هذا الموضع .
٣ نشره الميمني بمجلة المجمع الدمشقي ١٩٢٩.
٣٣٠

فيجيب عنه ، ثم يُتْرَك سنة ويسأل عنه فيجيب بذلك الجواب بعينه. ومما
جرى له في ذلك أن جماعة قصدوه للأخذ عنه ، فتذاكروا في طريقهم عند
قنطرة هناك إكثاره ، وأنه منسوب إلى الكذب بسبب ذلك ، فقال أحدهم :
أنا أُصَحْفُ له اسم هذه القنطرة وأسأله عنها، فانظروا ماذا يجيب، فلما دخلوا
عليه قال له : أيها الشيخ ما القِبَطْرَة١ عند العرب؟ فقال: كذا وكذا،
فتضاحكت الجماعة سراً، وتركوه شهرا٢ً، ثم قرروا مع شخص سأله عن القبطرة
بعينها فقال : أليس سئلت عن هذه المسألة منذ مدة كذا وكذا وأجبت عنها
بكذا وكذا ؟ فعجبت الجماعة من فطنته وذكائه واستحضاره للمسألة والوقت
وإِن لم يتحققوا صحة ما ذكره .
وكان معز الدولة بن بويه قد قلد شرطة بغداد لغلام له اسمه خواجا ، فبلغ
أبا عمر الخبر، وكان يملي كتاب ((اليواقيت)) فلما جلس للإملاء قال : اكتبوا
ياقوتة خواجا ، الخواج في أصل لغة العرب : الجوع ، ثم فرع على هذا باباً
وأملاه ، فاستعظم الناس ذلك من كذبه ، وتتبعوه في كتب اللغة . قال أبو
علي الحاتمي الكاتب اللغوي: أخرجنا في أمالي الحامض عن ثعلب عن ابن الأعرابي
((الخواج: الجوع)).
وكان أبو عمر المذكور يؤدب ولد القاضي أبي عمر محمد بن يوسف فأملى يوماً
على الغلام نحواً من مائة مسألة في اللغة وذكر غريبها وختمها ببيتين من الشعر،
وحضر أبو بكر ابن دريد وأبو بكر ابن الأنباري وأبو بكر ابن مقسم عند
القاضي أبي عمر ، فعرض عليهم تلك المسائل ، فما عرفوا منها شيئاً وأنكروا
الشعر ، فقال لهم القاضي : ما تقولون فيها ؟ فقال ابن الأنباري : أنا مشغول
بتصنيف ((مشكل القرآن)) ولست أقول شيئاً، وقال ابن مقسم مثل ذلك، واحتج
باشتغاله بالقراءات ، وقال ابن دريد : هذه المسائل من موضوعات أبي عمر ، ولا
١ كذا في س لي؛ وفي رن من: القنطرة، والباء أو النون غير معجمة في ل بر؛ وفي المطبوعة المصرية
((ما الهرطنق)) وكذلك في معجم ياقوت ؛ وهذا ليس تصحيفاً وإنما هو قلب ؛ وفي أصل القفطي
((القنطرة)) وغيره المحقق ليوافق ما في ياقوت .
٢ س ل لي بر : أشهراً .
٣٣١

أصل لها ولا لشيء منها في اللغة، وانصرفوا ، وبلغ أبا عمر ذلك ، فاجتمع
بالقاضي وسأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعراء عيَّنهم ، ففتح القاضي
خزانته وأخرج له تلك الدواوين ، فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كل مسألة ويخرج
لها شاهداً من بعض تلك الدواوين ويعرضه على القاضي حتى استوفى جميعها ،
ثم قال له : وهذان البيتان أنشدهما ثعلب بحضرة القاضي، وكتبهما القاضي بخطه
على ظهر الكتاب الفلاني، فأحضر القاضي الكتاب فوجد البيتين على ظهره بخطه
كما ذكر أبو عمر بلفظه به .
وقال رئيس الرؤساء١: وقد رأيت أشياء كثيرة مما استنكر على أبي عمر
ونسب فيها إلى الكذب ، فوجدتها مدونة في كتب أهل اللغة ، وخاصة في
((غريب المصنف)) لأبي عبيد. وقال عبد الواحد بن علي بن بَرْهان الأسدي أبو
القاسم٢: لم يتكلم في علم اللغة أحد من الأولين والآخرين أحسن من كلام أبي عمر
الزاهد، وله كتاب ((غريب الحديث)) صنفه على مسند أحمد بن حنبل ، وكان
يستحسنه جداً .
وقال أبو علي محمد بن الحسن الحاتمي : اعتللت فتأخرت عن مجلس أبي عمر
الزاهد ، قال : فسأل عني لما تراخت الأيام ، فقيل له إنه كان عليلاً ، فجاءني
من الغد يعودني ، فاتفق أني كنت قد خرجت من داري إلى الحمام ، فكتب
بخطه على بابي باسفيداج :
وأعجبُ شيءٍ سمعنا بهِ عليلٌ يُعاد فلا يوجد
قال : والبيت له .
وكان مغالياً في حب معاوية وعنده جزء من فضائله ، وكان إذا ورد عليه
مَنْ يروم الأخذ عنه ألزمه بقراءة ذلك الجزء . وكانت فضائله جمة ومعلوماته
غزيرة ، وفي هذا القدر كفاية .
والمطرز : بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشددة وبعدها زاي ،
١ هو أبو القاسم علي بن الحسن بن أحمد المعروف بابن مسلمة ( تاريخ بغداد ١٢ : ٤٩١).
٢ انظر ترجمته في الانباه ٢ : ٢١٣.
٣٣٢

هذه اللفظة تقال لمن يطرّز الثياب، وكانت صناعة أبي عمر المذكور التطريز
فنسب إليها ، وعرف بهذه الصناعة جماعة من العلماء .
وكشفت في كتاب ((الأنساب)) السمعاني في ترجمة المطرز عن أبي عمر المذكور
فلم يذكره ، لكنه ذكر أبا القاسم عبد الواحد بن محمد بن يحيى بن أيوب المطرز
البغدادي الشاعر ، ويحتمل أن يكون والد أبي عمر المذكور ، لأن اسمه موافق
اسم والده ، ويحتمل أن يكون غيره ، لكني لا أعرفه ، وقال : هو مشهور
الشعر سائره ، فمن قوله :
حيارى لتوديعٍ ورَدّ سلامِ
ولما وقفنا بالصراةِ عشيّة
يفضُّ عن الأشواقِ كلّ ختام
وقفنا على رغم الحسود وكلنا
فلما رأى وجدي به وغرامي
وسوَّغني عندَ الوداعِ عناقه
فقلتُ : هلالٌ بعدَ بدرٍ تمام
تَلَثَّمَ مرتاباً بفضلٍ ردائهِ
هي الخمرُ ، إلا أنها بغِدام
وقبَّلتهُ فوقَ اللثامِ فقال لي :
لكن السمعاني وإن كان ما ذكره في هذه الترجمة فقد ذكره في ترجمة غلام
ثعلب ، وقال : هو غلام ثعلب ، كما ذكرته أولاًا .
(185) قلت : ثم بعد هذا بسنين عديدة رأيت بدمشق المحروسة ديوان شعر
أبي القاسم عبد الواحد المعروف بالمطرز المذكور ، وهو بغدادي ، وأكثر شعره
جيد، وكانت ولادته سنة أربع وخمسين وثلثمائة. وتوفي ليلة الأحد مستهل
جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وأربعمائة ، فظهر بهذا أنه ليس والد أبي عمر
المذكور ، وإنما هو مطرز آخر .
والباوردي : بالباء الموحدة وبعد الألف والواو راء ثم دال مهملة ، وهي
بُليدة بخراسان، يقال لها باورد [وأباورد]٢ وأبيوَرْد، ومنها أبو المظفر
الأبيوردي الشاعر - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى .
١ ق: ذكرناه أولا ؛ وهنا تنتهي الترجمة في س ل لي ت بر من .
٢ زيادة من ر .
٣٣٣
:

٦٣٩
الأزهري
أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر [بن]١ طلحة بن نوح بن أزهر ، الأزهري
الهروي اللغوي الإمام المشهور في اللغة ؛ كان فقيهاً شافعي المذهب غلبت عليه اللغة
فاشتهر بها ، وكان متفقاً على فضله وثقته ودرايته وورعه . روى عن أبي الفضل
محمد بن أبي جعفر المنذري اللغوي عن أبي العباس ثعلب وغيره ، ودخل بغداد
وأدرك بها أبا بكر ابن دريد ولم يرو عنه شيئاً، وأخذ عن أبي عبد الله إبراهيم
ابن عرفة الملقب نفطويه - المقدم ذكره٢ - وعن أبي بكر محمد بن السريّ المعروف
بابن السراج النحوي - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وقيل إنه لم يأخذ
عنه شيئاً .
وكان قد رحل وطاف في أرض العرب في طلب اللغة ؛ وحكى بعض الأفاضل
أنه رأى بخطه قال: امتحنت بالأسر سنة عارضت القرامطة الحاجّ بالهَبير، وكان
القوم الذين وقعت في سهمهم عرباً نشؤوا في البادية يتتبعون مساقط الغيث أيام.
النجع ، ويرجعون إلى أعدادِ المياه في محاضرهم زمان القيظ ، ويرعون النعم
ويعيشون بألبانها ، ويتكلمون بطباعهم ولا يكاد يوجد في منطقهم لحن أو
خطأ فاحش ، فبقيت في أسرهم دهراً طويلاً، وكنا نشتتي بالدهناء ونرتبع
بالصَّان ونقيظ بالسّتارين، واستفدت من محاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضاً ألفاظاً
جمة ونوادر كثيرة أوقعت أكثرها في كتابي - يعني ((التهذيب)) - وستراها في
مواضعها، وذكر في تضاعيف كلامه أنه أقام بالصَّمان شتوتَيْنِ [ومما رواه أن
٦٣٩ - ترجمته في معجم الأدباء ١٧: ١٦٤ ونزهة الألباء: ٢٢١ واللباب (الأزهري) ومقدمة
تهذيب اللغة (من تأليفه) وطبقات السبكي ٢: ١٠٦ والشذرات ٣ : ٧٢ وبغية الوعاة: ٨.
١ زيادة من رق وهي ثابتة عند السبكي .
٢ ترجمة نفطويه في ١ : ٤٧ .
٣٣٤

أعرابياً قال : اللهم من ظلمني مرة فاجزه ومن ظلمني مرتين فاجزني واجزه ،
ومن ظلمني ثلاث مرات فاجزني ولا تجزه]١.
وكان أبو منصور المذكور جامعاً لشتات اللغة مطلعاً على أسرارها ودقائقها ،
وصنف في اللغة كتاب ((التهذيب)) وهو من الكتب المختارة يكون أكثر من
عشر مجلدات ، وله تصنيف في غريب الألفاظ التي تستعملها الفقهاء في مجلد
واحد ، وهو عمدة الفقهاء في تفسير ما يشكل عليهم من اللغة المتعلقة بالفقه ،
وكتاب ((التفسير)). ورأى ببغداد أبا إسحاق الزجاج وأبا بكر ابن الأنباري، ولم
ينقل أنه أخذ عنهما شيئاً. وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين ومائتين . وتوفي
في سنة سبعين وثلثمائة في أواخرها ، وقيل سنة إحدى وسبعين بمدينة هَراة ،
رحمه الله تعالى .
والأزهري : بفتح الهمزة وسكون الزاي وفتح الهاء وبعدها راء ، هذه
النسبة إلى جده أزهر المذكور .
وقد تقدم الكلام على الهروي .
والقرامطة٣: نسبتهم إلى رجل من سواد الكوفة يقال له ((قِرْمِط)) -
بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم وبعدها طاء مهملة - ولهم مذهب مذموم،
وكانوا قد ظهروا في سنة إحدى وثمانين ومائتين في خلافة المعتضد بالله ، وطالت
أيامهم وعظمت شوكتهم وأخافوا السبيل ، واستولوا على بلاد كثيرة ، وأخبارهم
مستقصاة في التواريخ .
وكانت وقعة الهَبِير التي أشار إليها في سنة إحدى عشرة وثلثمائة ، وكان
مقدم القرامطة يوم ذاك أبا طاهر الجَنّابي القرمطي، ولما ظهر على الحُجّاج
قتل بعضهم واسترق٤ آخرين ، واستولى على جميع اموالهم ، وذلك في خلافة
المقتدر بن المعتضد ؛ وقيل كان اول ظهورهم في سنة ثمان وسبعين ومائتين ،
١ زيادة من ق .
٢ س : غرائب .
٣ قد أسهب المؤلف في الحديث عن القرامطة في ٢ : ١٤٧ وما بعدها .
٤ ن : وأسر .
٣٣٥

وأولهم أبو سعيد الجَنّابي كان بناحية البحرين وهجر ، وقتل في سنة إحدى
وثلثمائة ، قتله خادم له ، وقتل أبو طاهر المذكور في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
والجَنّابي: بفتح الجيم والنون المشددة وبعد الألف باء موحدة، هذه النسبة
إلى جَنّابة ، وهي بلدة بالبحرين بالقرب من سيراف على البحر١.
والهبير: بفتح الهاء وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها
راء ساكنة ، وهو الموضع المطمئن من الأرض .
والدهناء : بفتح الدال المهملة وسكون الهاء وبعدها نون مفتوحة ثم ألف تمد
وتقصر، وهي أرض واسعة في بادية العرب في ديار بني تميم ، وقيل هي سبعة
أجبل من الرمل ، وقيل هي في بادية البصرة في ديار بني سعد .
والصَّمّان : بفتح الصاد المهملة والميم المشددة وبعد الألف نون ، وهو جبل
أحمر ينقاد ثلاث ليال ، وليس له ارتفاع ، يجاور الدهناء ، وقيل إنه قرب
رمال عالج ، وبينه وبين البصرة تسعة أيام .
والستاران : تثنية ستار، بكسر السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها
وبعد الألف راء ، وهما واديان في ديار بني سعد ، يقال لهما : سودة٣، ويقال
لأحدهما : الستار الأغبر، وللآخر: الستار الجابري٤، وفيهما عيون فوارة يسقى
تخيلهما منها . وهذا كله وإن كان خارجاً عن المقصود ، لكنها ألفاظ غريبة
فأحببت تفسيرها لئلا تشكل على من يطالع هذا المجموع .
١ وقيل ... على البحر: سقط من س ل لي ت بر من .
٢ لي : يجاوز ؛ س : تجاوز .
٣ ياقوت : السودة ؛ وقال إنهما في ديار بني ربيعة .
٤ اللفظة غير معجمة في ل ن ت ق بر .
٣٣٦
٠٠

٦٤٠
١ أبو عبد الله اليزيدي
أبو عبد الله محمد بن العباس بن محمد بن أبي محمد اليزيدي النحوي - وسيأتي
ذكر جده أبي محمد يحيى بن المبارك العدوي اليزيدي إن شاء الله تعالى -؛ كان
محمد المذكور١ إماماً في النحو والأدب ونقل النوادر وكلام العرب . ومما رواه
أن أعرابياً هوي أعرابية فأهدى إليها ثلاثين شاة وزقاً من خمر مع عبد له أسود
فأخذ العبد شاة في الطريق فذبحها وأكل منها وشرب بعض الزق ، فلما جاءها
بالباقي عرفت أنه خانها في الهدية ، فلما عزم على الانصراف سألها : هل لكِ
من حاجة ؟ فأرادت إعلام سيده بما فعله العبد في الطريق فقالت له : اقرأ عليه
السلام وقل له : إن الشهر كان عندنا محاقاً ، وإن سحيماً راعي غنمنا جاء
مرثوماً، فلم يعلم العبد ما أرادت بهذه الكناية، فلما عاد إلى مولاه أخبره برسالتها
ففطن لما أرادته، فدعا له بالهراوة وقال: لتَصْدُقَنّي وإلا ضربتك بهذه ضرباً
مبرحاً، فأخبره الخبر، فعفا عنه، وهذه من لطائف الكنايات وأحلى الإشارات.
[وروى أبو محمد ابن قتيبة في هذا المعنى عن أبي حاتم عن الأصمعي قال: حدثني
شيخ من بني العنبر قال : أسرت بنو شيبان رجلاً من العرب من بني العنبر ،
فقال لهم : أرسل إلى أهلي ليفدوني فقالوا : ولا تكلم الرسول إلا بين أيدينا ،
فجاءوه برسول فقال له : ايت قومي فقل لهم : إن الشجر قد أورق وإن النساء
قد أشكت ، قال له : أتعقل ؟ قال : نعم ، قال: فما هذا ؟ وأشار بيده ،
فقال: هذا الليل، فقال: أراك تعقل، انطلق فقل لأهلي : عَرُوا جملي الأصهب
واركبوا ناقتي الحمراء واسألوا حارثة عن أمري ؛ فأناهم الرسول ، فأرسلوا إلى
٦٤٠ - ترجمته في انباه الرواة ٣: ١٩٨ (وفي الحاشية ثبت بمصادر أخرى)، وقد جاءت الترجمة
موجزة في المختار ، اقتصر فيها على حكاية الأعرابي .
١ محمد المذكور : سقطت من س ت ق بر من .
٣٣٧
٢٢ - ٤
%

حارثة فقصَّ عليه الرسول القصة ، فلما خلا معهم قال : أما قوله : ان الشجر
قد أورق فإنه يريد أن القوم قد تسلحوا، وقوله : ان النساء قد [أشكت أي]
اتخذت الشكاء للغزو وهي أسقية، وقوله: هذا الليل؛ يريد يأتونكم مثل الليل،
أو في الليل، وقوله : عروا جملي الأصهب ، يريد : ارتحلوا عن الصمان ، وقوله :
اركبوا ناقتي [الحمراء] يريد: اركبوا الدهناء . فلما قال لهم ذلك تحملوا من
مكانهم ، فلما أتاهم القوم لم يجدوا منهم أحداً .
وحكي عن ابن الأعرابي قال : أسرت طيء رجلً شاباً من العرب ، فقدم
عليه أبوه وعمه ليفدياه ، فاشتطوا عليها في الفداء فأعطيا به عطيةً لم يرضوا بها،
فقال أبوه : لا والذي جعل الفرقدين يصبحان ويمسيان على جبل طيء لا أزيدكم
على ما أعطيتكم . ثم انصرفا ، فقال الأب للعم : لقد ألقيت إليه كلمة لئن كان
فيه خير لينجون ، فما لبث أن نجا وطرد قطعة من إبلهم فذهب بها، كأنه قال
له : الزم الفرقدين على جبلي طيء فإنهما طالعان عليه ولا يغيبان عنه]١.
والمرثوم : بفتح الميم وسكون الراء وضم الثاء المثلثة ، المكسور الأنف
الملطخ٢ بالدم، والرثم: البياض في جَحْفَلة الفرس العليا، وهو في الزق مستعمل
على سبيل الاستعارة .
وله تصانيف، فمن ذلك كتاب ((الخيل)) وكتاب (( مناقب بني العباس))
وكتاب ((أخبار اليزيديين)) وله مختصر في النحو. وكان قد استدعي في آخر
عمره إلى تعليم أولاد المقتدر بالله فلزمهم مدة ، ولقيه بعض أصحابه بعد اتصاله
بالخليفة فسأله أن يقرئه فقال : أنا في شغل عن ذلك٣ . وتوفي أبو عبد الله
المذكور ليلة الأحد أول الليل لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة
عشر وثلثمائة ، وعمره اثنتان وثمانون سنة وثلاثة أشهر ، رحمه الله تعالى .
١ ما بين معقفين زيادة من ق وانظر السمط : ٢٦ وما بعدها .
٢ ر : الملطوخ .
٣ في القفطي أنه قال له : تجاوزت الأحص وشبيئاً أي أنا مشتغل عن ذلك . وقوله : المرثوم ...
ذلك : سقط من ق .
٣٣٨

واليزيدي : نسبة إلى يزيد بن منصور١ - وسيأتي الكلام على ذلك في ترجمة
جده أبي محمد يحيى بن المبارك ، إن شاء الله تعالى .
٦٤١
أبو بكر ابن السرَّاج النحوي
أبو بكر محمد بن السّريّ بن سَهْل٢ النحوي المعروف بابن السّرّاج؛ كان
أحد الأئمة المشاهير ، المجمع على فضله ونبله وجلالة قدره في النحو والآداب ،
أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد - المقدم ذكره - وغيره ، وأخذ عنه جماعة
من الأعيان منهم : أبو سعيد السيرافي وعلي بن عيسى الرماني وغيرهما ، ونقل
عنه الجوهري في كتاب ((الصحاح)) في مواضع عديدة .
وله التصانيف المشهورة في النحو: منها كتاب ((الأصول)) وهو من أجود
الكتب المصنفة في هذا الشأن ، وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه ،
وكتاب ((جمل الأصول)) وكتاب ((الموجز)) صغير، وكتاب ((الاشتقاق))
وكتاب ((شرح كتاب سيبويه)) وكتاب ((احتجاج القراء)) وكتاب ((الشعر
والشعراء)) وكتاب ((الرياح والهواء والنار)) وكتاب ((الجمل)) وكتاب
((المواصلات)) ٣ .
وكان يلثغ في الراء فيجعلها غيناً، فأملى يوماً كلاماً فيه لفظة بالراء، فكتبوها
عنه بالغين ، فقال : لا، بالغاء ، لا، بالغاء يريد بالراء ، وجعل يكررها على
هذه الصورة٤ .
١ ق : واليزيدي نسبة إلى يزيد وهم أشخاص عديدة ولا أعلم إلى أيهم ينسب المذكور .
٦٤١ - ترجمته في نور القبس: ٣٤٢ وعبر الذهبي ٢: ١٦٥ والمحمدون: ٣٤٣ وأنباه الرواة
٣ : ١٤٥ ( ومصادر أخرى في حاشية الانباه) .
٢ ابن سهل: سقطت من ل لي س ت بر من. ٣ لم يذكر من مؤلفاته في ق إلا كتاب الأصول.
؛ وكان يلشغ ... الصورة: ثبت في ن ر والمختار .
٣٣٩

ورأيت في بعض المجاميع أبياتاً منسوبة إليه ولا أتحقق صحتها ، وهي
سائرة بين الناس في جارية كان يهواها ، وهي : .
مَيِّزتُ بين جمالها وفعالها فإذا الملاحةُ بالخيانة لا تفي
فكأنما حَلَفَتْ لنا أن لا تفي
حَلَفَتْ لنا أن لا تخون عهودنا
والله لا كَلَمَتُها ولَوَآنها كالبدرِ أو كالشمسِ أو كالمكتفي
وبعد الفراغ من هذه الترجمة وجدت هذه الأبيات له ، ولها قصة عجيبة١ ،
وهي أن أبا بكر المذكور كان يهوى جارية فجفته، فاتفق وصول الإمام المكتفي
في تلك الأيام من الرقة ، فاجتمع الناس لرؤيته ، فلما رآه أبو بكر استحسنه ،
وأنشد لأصحابه الأبيات المذكورة ، ثم إن أبا عبد الله محمد بن إسماعيل بن زنجي
الكاتب أنشدها لأبي العباس ابن الفرات ، وقال : هي لابن المعتز، وأنشدها أبو
العباس للقاسم بن عبيد الله الوزير ، فاجتمع الوزير بالمكتفي وأنشده إياها فقال
لمن هي ، فقال : لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فأمر له بألف دينار، فوصلت
إليه فقال ابن زنجي : ما أعجب هذه القصة ! يعمل أبو بكر ابن السراج أبياتاً
تكون سبباً لوصول الرزق إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر .
وتوفي أبو بكر المذكور يوم الأحد لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ست
عشرة وثلثمائة ، رحمه الله تعالى .
والسَّرّاج: بفتح السين المهملة والراء المشددة وبعد الألف جيم ، هذه النسبة
إلى عمل السروج .
١ أورد القفطي هذه القصة بتفصيل في الانباه : ١٤٧ والمحمدون : ٣٤٤، وقد سقطت هذه
القصة من ق .
٣٤٠