النص المفهرس
صفحات 301-320
لسبع١ خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة في مجلس الوزير أبي علي محمد بن علي بن مقلة أدام الله توفيقه . وكلّم أبو أيوب السمسار الوزير أبا علي في أمره وسأله في إطلاقه ، وعرفه أنه إن صار إلى منزله قتلته العامة ، وسأله أن ينفذه في الليل سراً إلى المدائن ليقيم بها أياماً ، ثم يدخل إلى منزله ببغداد مستخفياً، ولا يظهر بها أياماً ، فأجابه الوزير إلى ذلك ، وأنفذه إلى المدائن ؛ وتوفي يوم الاثنين لثلاث خلون من صفر٢ سنة ثمان وعشرين وثلثمائة ببغداد، وقيل إنه توفي في محبسه بدار السلطان، رحمه الله تعالى . (183) وتوفي أبو بكر ابن مجاهد المذكور يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة أربع وعشرين وثلثمائة ، ودفن في تربة له بسوق العطش ، وكان مولده سنة خمس وأربعين ومائتين ، رحمه الله تعالى . وشنبوذ : بفتح الشين المعجمة والنون وضم الباء الموحدة وسكون الواو وبعدها ذال معجمة . ٦٢٩ ابن السمّاك أبو العباس محمد بن صبيح المذكر مولى بني عجل ، المعروف بابن السمّاك القاص الكوفي الزاهد المشهور؛ كان زاهداً عابداً حسن الكلام صاحب مواعظ، جمع كلامه وحفظ ، ولقي جماعة من الصدر الأول وأخذ عنهم : مثل هشام بن ١ ر : لتسع . ٢ ت : وتوفي في صفر؛ ن : ثالث صفر . ٦٢٩ - ترجمته في حلية الأولياء ٨: ٢٠٣ وصفة الصفوة ٣: ١٠٥ واللباب (السماك) وطبقات المعتزلة: ٤٢ والوافي ٣: ١٥٨ وعبر الذهبي ١: ٢٨٧ والشذرات ٣٠٣:١ وتاريخ بغداده: ٣٦٥. ٣٠١ عروة والأعمش وغيرهما . وروى عنه أحمد بن حنبل وأنظاره ؛ وهو كوفي قدم بغداد زمن هارون الرشيد فمكث بها مدة ، ثم رجع إلى الكوفة فمات بها . ومن كلامه : خَفِ الله كأنك لم تطعه، وارجُ الله كأنك لم تعصه . وكان هارون الرشيد قد حلف أنه من أهل الجنة ، فاستفتى العلماء فلم يفته أحد بأنه من أهلها فقيل له عن ابن السماك المذكور ، فاستحضره وسأله ، فقال له : هل قدر أمير المؤمنين على معصية فتركها خوفاً من الله تعالى؟ فقال : نعم ، كان لبعض ألزامي جارية فهويتها وأنا إذ ذاك شاب ، ثم إني ظفرت بها مرة ، وعزمت على ارتكاب الفاحشة معها ، ثم إني فكرت في النار وهولها وأن الزنا من الكبائر ، فأشفقت من ذلك ، وكففت عن الجارية مخافة من الله تعالى ، فقال له ابن السماك : أبشر يا أمير المؤمنين فإنك من أهل الجنة ، فقال هارون: ومن أين لك هذا ؟ فقال: من قوله تعالى ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ ( النازعات: ٤٠) فسر هارون بذلك . ودخل على بعض الرؤساء يشفع إليه في رجل فقال له : إني أتيتك في حاجة، وإن الطالب والمطلوب منه عزيزان إن قضيت الحاجة ، ذليلان إن لم تقضها ، فاختر لنفسك عز البذل على ذل المنع ، واختر لي عز النجح على ذل الرد ؛ فقضى حاجته. ومن كلامه: من جرّعته الدنيا حلاوتها بميله إليها جرعته الآخرة مرارتها بتجافيها عنه . وتكلم يوماً وجاريته تسمع كلامه ، فقال لها : كيف سمعت كلامي ؟ فقالت : هو حسن ، لولا أنك تردده ، فقال: أردده کي يفهمه من لم يفهمه ، فقالت : إلى أن يفهمه من لم يفهمه يمله من فهمه ١. وأخباره ومواعظه كثيرة . وتوفي سنة ثلاث وثمانين ومائة بالكوفة ، رحمه الله تعالى . والسَّمّاك : بفتح السين المهملة والميم المشدّدة وبعد الألف كاف، هذه النسبة إلى بَيْع السمك وصيده . ١ وتكلم يوماً ... فهمه : سقط من س ل لي بر من . ٣٠٢ ٦٣٠ أبو طالب المكي أبو طالب محمد بن علي بن عطية، الحارثي الواعظ المكي صاحب كتاب ((قوت القلوب))؛ كان رجلاً صالحاً مجتهداً في العبادة ، ويتكلم في الجامع ، وله مصنفات في التوحيد ، ولم يكن من أهل مكة ، وإنما كان من أهل الجبل وسكن مكة فنسب إليها ، وكان يستعمل الرياضة كثيراً حتى قيل إنه هجر الطعام زماناً. واقتصر على أكل الحشائش المباحة فاخضرّ جلده من كثرة تناولها . ولقي جماعة من المشايخ في الحديث وعلم الطريقة وأخذ عنهم ، ودخل البصرة بعد وفاة أبي الحسن ابن سالم فانتمى إلى مقالته ، وقدم بغداد فوعظ الناس فخلط في كلامه فتركوه وهجروه . وقال محمد بن طاهر المقدسي في كتاب ((الأنساب)): إن أبا طالب المكي المذكور لما دخل بغداد واجتمع الناس عليه في مجلس الوعظ خلط في كلامه ، وحفظ عنه أنه قال: ليس على المخلوقين أضر من الخالق، فبَدَّعَه الناس وهجروه ، وامتنع من الكلام بعد ذلك ؛ وله كتب في التوحيد . وتوفي لست خلون من جمادى الآخرة١ سنة ست وثمانين وثلثمائة ببغداد ، ودفن بمقبرة المالكية ، وقبره بالجانب الشرقي ، وهو مشهور هناك يزار ، رحمه الله تعالى . والحارثي : بفتح الحاء المهملة وبعد الألف راء مكسورة ثم ثاء مثلثة ، هذه النسبة إلى عدة قبائل منها الحارث ومنها الحارثة٢ ولا أدري إلى أيها ينسب ٦٣٠ - ترجمته في تاريخ بغداد ٣: ٨٩ والوافي ٤: ١١٦ وميزان الاعتدال ٣: ٦٥٥ وعبر الذهبي ٣ : ٣٣ والشذرات ٣: ١٢٠ ولسان الميزان ٥ : ٣٠. ١ ت س لي من بر: وتوفي في جمادى الآخرة ؛ ل: في شهر جمادى الآخرة ؛ ن : في سادس جمادى الآخرة . ٢ ت س : حارثة . ٣٠٣ أبو طالب المذكور من هذه القبائل . والمكي : نسبة إلى مكة ، حرسها الله تعالى . ٦٣١ ابن سمعون الواعظ أبو الحسين محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عنبس بن إسماعيل الواعظ البغدادي، المعروف بابن سمعون ؛ كان وحيد دهره في الكلام على الخواطر وحسن الوعظ وحلاوة الإشارة ولطف العبارة . أدرك جماعة من جلة المشايخ وروى عنهم : منهم الشيخ أبو بكر الشبلي ، رحمه الله تعالى وأنظاره . ومن كلامه ما رواه الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد١ - المقدم ذكره - قال: سمعت ابن سمعون يوماً ، وهو على الكرسي في مجلس وعظه يقول : سبحان من أنطق باللحم ، وبصر بالشحم ، وأسمع بالعظم ، إشارة إلى اللسان والعين والأذن ، وهذه من لطائف الإشارات . ومن كلامه أيضاً : رأيت المعاصي نذالة ، فتركتها مروءة فاستحالت ديانة ؛ وله كل معنى لطيف . وكان لأهل العراق فيه اعتقاد كثير ، ولهم به غرام شديد ، وإياه عنى الحريري صاحب المقامات في المقامة الحادية والعشرين وهي الرازية بقوله في أوائلها: ((رأيت بها ذات بكرة، زمرة أثر زمرة، وهم منتشرون انتشار الجراد ، ومُسْتَنُون استنانَ الجياد، ومتواصفون واعظاً يقصدونه ، ويُحِلون ابنَ سمعون دونه )) ولم يأت بعده في الوعاظ مثله٢ . ٦٣١ - ترجمته في تاريخ بغداد ١: ٢٧٤ وتبيين كذب المفتري: ٢٠٠ والمنتظم ٧ : ١٩٨ وصفة الصفوة ٢: ٢٦٦ والشريشي ١: ٣٢٢ وطبقات الحنابلة ٢: ١٥٥ والوافي ٢: ٥١ وعبر الذهبي ٢ : ٣٦ والشذرات ٣ : ١٢٤. ١٠ انظر ج ١ : ٢٢٨ . ٢ ر بر من: ولم يأت بعده في الوعظ مثله، وسقطت ((بعده )» من ر . ٣٠٤ وتوفي في ذي الحجة سنة سبع وثمانين وثلثمائة ، وقيل بل توفي يوم الجمعة منتصف ذي القعدة من السنة المذكورة ببغداد ، ودفن في داره بدرب العتابیین، ثم نقل يوم الخميس حادي عشر رجب سنة ست وعشرين وأربعمائة، ودفن بباب حرب ، وقيل إن أكفانه لم تكن بليت بعد ، رحمه الله تعالى . وسَمْعُون: بفتح السين المهملة وسكون الميم وضم العين المهملة وسكون الواو وبعدها نون ، قيل إن جده إسماعيل غيّر اسمه فقيل سمعون . وعنبس : بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة وبعدها سين مهملة، وهو في الأصل اسم الأسد وبه سمي الرجل وهو فَنْعَلٌ من العبوس، والنون زائدة . ٦٣٢ الشيخ أبو عبد الله القرشي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم القرشي الهاشمي العبد الزاهد١ الصالح من أهل الجزيرة الخضراء٢ ؛ كانت له كرامات ظاهرة ، ورأيت أهل مصر يحكون عنه أشياء خارقة ، ورأيت جماعة ممن صحبه ، وكل منهم قد نما عليه من بركته ، وذكروا عنه أنه وعد جماعته الذين صحبوه مواعيد من الولايات والمناصب العلية، وأنها صحت كلها، وكان من السادات الأكابر، والطراز الأول، وهو مغربي، وصحب بالمغرب أعلام الزهاء وانتفع بهم ، فلما وصل إلى مصر انتفع به من صحبه أو شاهده . ثم سافر إلى الشام قاصداً زيارة البيت المقدس فأقام به إلى أن مات في السادس من ذي الحجة سنة تسع وتسعين وخمسمائة ، ٦٣٢ - ترجمته في الوافي ٢: ٧٨ وعبر الذهبي ٤: ٣٠٩ والشذرات ٤: ٣٤٢ ولم يرد في المختار من هذه الترجمة إلا قوله ((سيروا إلى الله تعالى ... الخ)). ١ ل لي: الزاهد العابد؛ وسقطت لفظة ((العبد)) من ن، ووقعت ((الزاهد)» قبلها في س . ٢ من أهل ... الخضراء: سقطت من ت بر من . ٢٠ - ٤ ٣٠٥ وصلي عليه بالمسجد الأقصى ، وهو ابن خمس وخمسين١ سنة ، رحمه الله تعالى . وقبره ظاهر يقصد للزيارة والتبرك به ٢ . والجزيرة الخضراء في بر الأندلس : مدينة قبالة سبتة من بر العدوة . ومن جملة وصاياه لأصحابه : سيروا إلى الله تعالى عرجاً ومكاسير فإن انتظار الصحة بطالة . ٦٣٣ ابن الأعرابي أبو عبد الله محمد بن زياد ، المعروف بابن الأعرابي الكوفي صاحب اللغة ؛ وهو من موالي بني هاشم ، فإنه مولى٣ العباس بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنه، وكان أبوه زياد عبداً سندياً، وقيل إنه من موالي بني شيبان ، وقيل غير ذلك ، والأول أصح ، وكان أحول ، راوية لأشعار القبائل ناسباً ، وكان أحد العالمين باللغة المشهورين بمعرفتها ، يقال لم يكن في الكوفيين أشبه برواية البصريين منه ، وهو رَبيبُ المفضل بن محمد الضبي صاحب ((المفضليات)) كانت أمه تحته. وأخذ الأدب عن أبي معاوية الضرير والمفضل الضبي والقاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الذي ولاه المهدي القضاء ، والكسائي ، وأخذ عنه إبراهيم الحربي وأبو العباس ١ ن : وستين . ٢ نهاية الترجمة في س ل لي . ٦٣٣ - ترجمته في نور القبس: ٣٠٢ وإنباه الرواة ٣: ١٢٨ وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى؛ وقد جاءت الترجمة موجزة في ت . ٣ ن : فإنه من موالي العباس . ٣٠٦ ثعلب وابن السكيت وغيرهم . وناقش العلماء واستدرك عليهم وخطأ كثيراً من نَقَلة اللغة، وكان رأساً في كلام العرب، وكان يزعم أن أبا عبيدة والأصمعي لا يحسنان شيئاً، وكان يقول: جائزٌ في كلام العرب أن يعاقبوا بين الضاد والظاء ، فلا يخطىء من يجعل هذه في موضع هذه ، وينشد : إِلى اللهِ أشكو من خليلٍ أودّه ثلاثَ خِلالٍ كلها لي غائضُ بالضاد ، ويقول : هكذا سمعته من فصحاء العرب . وكان يحضر مجلسه خلق كثير من المستفيدين ويملي عليهم ؛ قال أبو العباس ثعلب : شاهدت مجلس ابن الأعرابي ، وكان يحضره زهاء مائة إنسان ، وكان يسأل ويقرأ عليه فيجيب من غير كتاب ، ولزمته بضع عشرة سنة ما رأيت بيده كتاباً قط ، ولقد أملى على الناس ما يحمل على أجمال ، ولم ير أحد في علم الشعر أغزر منه١ . ورأى في مجلسه يوماً رجلين يتحادثان، فقال لأحدهما: « من أين أنت ؟ فقال: من إسبيجاب ، وقال للآخر : من أين أنت ؟ فقال : من الأندلس ، فعجب من ذلك وأنشد : رفيقان شتى ألّفَ الدهرُ بيننا وقد يلتقي الشَّتْى فيأتلفانِ ثم أملى على من حضر مجلسه بقية الأبيات وهي : نزلنا على قيسيّةٍ مِنيّةٍ لها نَسَبٌ في الصالحين هجان لأية أرضٍ أم مَنِ الرجلان فقالت وأرخت جانب الستر بيننا تميمٌ، وأما أسرتي فيَماني فقلت لها : أما رفيقي فقومُهُ رفيقانِ شتى ألّفَ الدَّهرُ بَيْنَنا وقد يَلْتَقِي الشَّى فِيَأْتَلِفان ومن أماليه ما رواه أبو العباس ثعلب قال : أنشدنا ابن الأعرابي محمد بن زياد المذكور : ....... ! وكان يسأل ... أغزر منه: تأخر هذا النص في ر والمختار إلى ما بعد الأبيات النونية . ٣٠٧ سَقَى الله حَيّاً دون بُطنان دارهُمْ وبوركَ في مُرْدٍ هناكَ وشيبٍ كخمرٍ بماءٍ في الزجاج مشوبٍ وإني وإياهم على بُعْدِ دارهِم ومن تصانيفه كتاب (النوادر)) وهو كبير، وكتاب (( الأنواء )) وكتاب ((صفة النخل)) وكتاب ((صفة الزرع)) وكتاب ((النبات)) وكتاب ((الخيل)) وكتاب ((تاريخ القبائل)) وكتاب ((معاني الشعر)) وكتاب ((تفسير الأمثال)) وكتاب (( الألفاظ )) و کتاب «نسب الخیل)) و کتاب «نوادر الزبیریین)» و کتاب (((نوادر بني فقعس)) وكتاب ((الذباب)) وغير ذلك، وأخباره ونوادره وأماليه كثيرة . وقال ثعلب : سمعت ابن الأعرابي يقول : ولدت في الليلة التي مات فيها الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، وذلك في رجب سنة خمسين ومائة على الصحيح. وتوفي لأربع عشرة ليلة خلت من شعبان [وقال الطبري في تاريخه : توفي يوم الأربعاء ثالث عشر الشهر المذكور]١ سنة إحدى وثلاثين ومائتين بسر من رأى، وقيل سنة ثلاثين ومائتين ، والأول أصح، وصلى عليه القاضي أحمد بن أبي دواد الإيادي - المقدم ذكره . والأعرابي : بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وفتح الراء وبعد الألف باء موحدة ، هذه النسبة إلى الأعراب ، قال أبو بكر محمد بن عزيز السجستاني المعروف بالعزيزي في كتابه الذي فسر فيه غريب القرآن الكريم : يقال رجل أعجم وأعجمي أيضاً إذا كان في لسانه عجمة ، وإن كان من العرب ، ورجل عجمي منسوب إلى العجم وإن كان فصيحاً ، ورجل أعرابي إذا كان بدوياً وإن لم يكن من العرب ، ورجل عربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدوياً . وإسبيجاب : بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الجيم وبعد الألف باء موحدة ، وهي مدينة من أقصى بلاد الشرق ، وأظنها من إقليم الصين أو قريبة منه . ١ لم يرد إلا في ر . ٣٠٨ وبُطْنان : بضم الباء الموحدة وسكون الطاء المهملة وبين النونين ألف، وهو جمع بطن ، وهو الغامض من الأرض١ . ٦٣٤ الكلبي أبو النضر محمد بن السائب بن بشر، وقيل مبشر، بن عمرو الكلبي [وقال محمد بن سعد : هو محمد بن السائب الكلبي بن بشر بن عمرو بن الحارث بن عبد الحارث بن عبد العزى بن امرىء القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبدون ابن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد بن عبد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب، ثم كشفت كتاب ((النسب)) هشام بن الكلبي فساق نسبهم على هذه الصورة إلا أنه أسقط منه عبد الحارث فقط، والباقي صحيح]٢ الكوفي، صاحب التفسير وعلم النسب ؛ كان إماماً في هذين العلمين . حكى ولده هشام عنه قال : دخلت على ضرار بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي بالكوفة ، وإذا عنده رجل كأنه جرذ يتمرغ في الحر٣ ، وهو الفرزدق الشاعر، فغمزني ضرار وقال: سَلْه ممن أنت ، فسألته فقال : إن كنت نسّاباً فانسبني، فإني من بني تميم ، فابتدأت أنسب تميماً حق بلغت إلى غالب، وهو والد الفرزدق ، فقلت : وولد غالبٌ ١ بطنان: اسم واد بين منبج وحلب ، ويضاف إلى مواضع فيقال : بطنان حبيب ، وبطنان قنسرين ( ياقوت ) . ٦٣٤ - ترجمته في الفهرست: ٩٥ والمعارف: ٥٣٥ والوانفي ٣: ٨٣ وميزان الاعتدال ٣ : ٥٥٦ وعبر الذهبي ١ : ٢٠٦ وتهذيب التهذيب ٩: ١٧٨ والشذرات ١: ٢١٧ وبروكلمان ٣: ٣٠ ( الترجمة العربية)؛ وتشترك نسخة قاضي زاده محمد ورمزها ( ق) مع النسخ الأخرى ابتداء من هذه الترجمة . ٢. ما بين معقفين انفردت به ر . ٣ لي ن ق : الخز . ٣٠٩ هَمّاماً - وهو اسم الفرزدق، كما سيأتي في ترجمته في حرف الهاء إن شاء الله تعالى - فاستوى الفرزدق جالساً وقال : والله ما سماني به أبواي ولا ساعة من النهار ، فقلت : والله إني لأعرف اليوم الذي سماك فيه أبوك الفرزدق ، فقال : وأي يوم ؟ فقلت : بعثك في حاجة فخرجت تمشي وعليك مُسْتُقة١ ، فقال : والله لكأنك فرزدق ، دِمْقان قرية قد سماها بالجبل ، فقال : صدقت والله ، ثم قال : أتروي شيئاً من شعري ؟ فقلت : لا، ولكن أروي لجرير مائة قصيدة ، فقال : تروي٢ لابن المراغة ولا تروي لي ؟ والله لأهجون كلباً سنة أو تروي لي كما رويت لجرير ، فجعلت أختلف إليه أقرأ عليه النقائض خوفاً منه ، وما لي في شيء منها حاجة . قلت : المُسْتُقة، بضم الميم وسكون السين المهملة وضم التاء المثناة من فوقها وهي الفروة الطويلة الكم، والجمع مساتق٣ وفيها لغة أخرى بفتح التاء، وروي عن عمر رضي الله عنه ، أنه كان يصلي وعليه مستقة [من سندس]٤ وروي عن أنس بن مالك أن ملك الروم أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مستقة من سندس فلبسها فكأني أنظر إلى يديه قد بَدَنا، ثم بعث بها إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال : ابعث بها إلى أخيك النجاشي ، وقال النضر بن شميل : المستقة : الجبة الوسعة . وكان الكلبي° المذكور من أصحاب عبد الله بن سبأ الذي يقول إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يمت وإنه راجع إلى الدنيا . وروى عنه سفيان الثوري ومحمد بن إسحاق، وكانا يقولان : حدثنا أبو النضر حتى لا يعرف؛ وشهد الكلبي المذكور دير الجماجم مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، ١ ق : مشنقة؛ وزاد في هذا الموضع تعريف اللفظة . ٢ ق : قال فتروي . ٣ قلت: المستقة ... مساتق: وردت هذه العبارة في النسخ ( ما عدا ر ) في آخر الترجمة ، وسقط من تلك النسخ سائر ما ورد بعد ذلك متصلا بالتعليق على لفظة المستقة . ٤ زيادة من ر . ٥ ر : ابن الكلبي . ٣١٠ وشهد جده بشر وبنوه السائب وعبيد وعبد الرحمن وقعة الجمل وصفّين مع علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ، وقتل السائب مع مصعب بن الزبير١ ، وفيه يقول ابن ورقاء النخعي : علوتُ أخاهُ بالحسامِ المهندِ فمن مبلغٍ عني عبيداً بأنني مقيمٌ لدى الديرين غير مُوَسَّد فإن كنتَ تبغي العلم عنهُ فإنه فأثكلتهُ سفيان بعد محمد وعمداً علوتُ الراس منه بصارم. سفيان ومحمد ابنا السائب . وذكر هشام بن الكلبي المذكور في كتاب (( جمهرة النسب)) أن جدهم عبد العزى كان جميلاً شريفاً، وقد وفد على بعض بني جَفْنَة بأفراس فقبلها وأعجبه حديثه ، وكان يسامره ، فقتلت بنو كنانة ابناً له ، فقال لعبد العزى: ائتني بهم فقال : إنهم قوم أحرار ليس لي عليهم فضل ، وكتب إلى قومه ينذرهم ، فقال في شعر له طويل : جزاني جزاه الله شر جزائه جزاء سنمارٍ وما كان ذا ذنبِ وسنمار هو الذي بنى الخَوَرْنَق على باب الحيرة للنعمان الأكبر ابن امرىء القيس ملك الحيرة فألقاه من أعلاه فقتله ، وقصته طويلة مشهورة فلا حاجة إلى ذكرها . وتوفي محمد الكلبي المذكور سنة ست وأربعين ومائة بالكوفة، رحمه الله تعالى. - وسيأتي ذكر ولده أبي المنذر هشام النسابة في حرف الهاء، إن شاء الله تعالى -. والكلبي : بفتح الكاف وسكون اللام وبعدها باء موحدة ، هذه النسبة إلى كَلْب بن وبرة، وهي قبيلة كبيرة من قضاعة ، يُنسب إليها خلق كثير . والمُسْتُقَة : لفظة فارسية معربة٢ . ١ سقط ما بعد هذا من ق ما عدا ضبط ((الكلبي)). ٢ وردت هذه العبارة في ر وحدها في هذا الموضع ومن حقها أن تجيء في تعريف ((المستقة)) فيما تقدم. ٣١١ ٦٣٥ قطـرب أبو علي محمد بن المستنير بن أحمد النحوي اللغوي البصري، مولى سالم بن زياد، المعروف بقطرب ؛ أخذ الأدب عن سيبويه وعن جماعة من العلماء البصريين ، وكان حريصاً على الاشتغال والتعلم ، وكان يبكر إلى سيبويه قبل حضور أحد من التلامذة، فقال له يوماً: ما أنت إلا قطربُ ليلٍ ، فبقي عليه هذا اللقب، وقطرب : اسم دويبة لا تزال تدب ولا تفتر ، وهو بضم القاف وسكون الطاء المهملة وضم الراء وبعدها باء موحدة . وكان من أئمة عصره ؛ وله من التصانف كتاب ((معاني القرآن )) وكتاب ((الاشتقاق)) وكتاب ((القواني)) وكتاب ((النوادر)) وكتاب ((الأزمنة)) وكتاب ((الفرق)) وكتاب ((الأصوات)) وكتاب ((الصفات)) وكتاب ((العلل)) في النحو وكتاب ((الأضداد)) وكتاب (( خلق الفرس)) وكتاب (( خلق الإنسان )) وكتاب (((غريب الحديث)) وكتاب (الهمز))١ و((فعل وأفعل)) و((الرد على الملحدين في تشابه القرآن » وغير ذلك . وهو أول من وضع المثلث في اللغة ، وكتابه وإن كان صغيراً لكن له فضيلة السبق ، وبه اقتدى أبو محمد عبد الله بن السيد البَطَلْيَوْسي - المقدم ذكره -٢ وكتابه كبير، ورأيت مثلثاً آخر لشخص آخر تبريزي ، وليس هو الخطيب أبو٣ زكريا التبريزي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - بل غيره، ولا أستحضر ٦٣٥ - ترجمته في نور القبس: ١٧٤ وإنباه الرواة ٣: ٢١٩ وفي الحاشية ثبت بأهم المصادر ؛ وهذه الترجمة شديدة الإيجاز في المختار . ١ ن : الهمزة . ٣٢ : ٠٩٦ ٣ كذا في جميع النسخ ؛ وفي ق بر : وما هو الخطيب أبو زكريا ، وهو صواب . ٣١٢ الآن اسمه ، وهو كبير أيضاً وما أقصر فيه، وما نهج لهم الطريق إلا قطرب المذكور . وكان قطرب معلم أولاد أبي دُلَف العجلي - المقدم ذكره١ - وروى له ابن المنجم في كتاب ((البارع )) بيتين وهما : إن كنت لستَ معي فالذكر منك معي يراكَ قلبي وإن غيبت٢َ عن بَصَري والعين ٣ تبصرُ من تهوَى وتفقِدهُ وباطنُ القلبِ لا يخلُو من النَّظَرَ هذان البيتان مشهوران ولا أعلم أنهما له إلا من هذا الكتاب . وتوفي سنة ست ومائتين ، رحمه الله تعالى ؛ ويقال إن اسمه محمد ، وقيل الحسن بن محمد ، والأول أصح ، والله أعلم بالصواب . والمُسْتنير : بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء . ٦٣٦ المبرّد أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمير بن حسان بن سليمان٤ بن سعد ابن عبد الله بن زيد بن مالك بن الحارث بن عامر بن عبد الله بن بلال بن ١ انظر ما تقدم: ٧٣ وعند هذا الحد تنتهي الترجمة في ق مع إضافة ذكر الوفاة والترجيح في الاسم. ٢ س ل بر من : إذا غيبت . ٣ لي : فالعين . ٦٣٦ - ترجمته في نور القبس: ٣٢٤ وعبر الذهبي ٢: ٧٤ وإنباه الرواة ٣: ٢٤١ وفي حاشية الانباه سرد لمصادر أخرى ؛ وقد ورد نسبه موجزاً في س ن ل لي ق . ٤ الجمهرة: سليم؛ وعند المرزباني ((سليمان)). ه عامر بن عبد الله : تكررت في ر . ٣١٣ : عوف بن أسلم ، وهو ثُمالة ، بن أحجن١ بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن النضر بن الأسد بن الغوث ، وقال ابن الكلبي : عوف بن أسلم هو ثُمالة، والأسد هو الأزد ، المالي الأزدي البصري المعروف بالمبرد النحوي ؛ نزل بغداد ، وكان إماماً في النحو واللغة ، وله التواليف النافعة في الأدب: منها كتاب ((الكامل)) وكتاب ((الروضة)) و((المقتضب)) وغير ذلك. أخذ الأدب عن أبي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني - وقد تقدم ذكرهما - وأخذ عنه نفطويه - وقد تقدم ذكره٢ - وغيره من الأئمة . وكان المبرّد المذكور وأبو العباس أحمد بن يحيى الملقب بثعلب صاحب كتاب ((الفصيح)) عالمين متعاصرين٣ قد ختم بهما تاريخ الأدباء ، وفيها يقول بعض أهل عصرهما من جملة أبيات ، وهو أبو بكر ابن أبي الأزهر؛ : أيا طالبَ العلم لا تَجْهَلَنْ وعُذْ بالمبرّدِ أو ثعلبٍ فلا تكُ كالجملِ الأجرب تجدْ عند هذين علمَ الورى علومُ الخلائقِ مقرونةٌ بهذين في الشرقِ والمغرب وكان المبرّد يحب الاجتماع في المناظرة بثلعب والاستكثار منه ، وكان ثعلب يكره ذلك ويمتنع منه ، وحكى أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الفقيه الموصلي وكان صديقهما ، قال : قلت لأبي عبد الله الدينوري خَتَنِ ثعلب: لم يأبى ثعلب الاجتماع بالمبرّد ؟ فقال: لأن المبرد حسن العبارة حلو الإشارة فصيح اللسان ظاهر البيان ، وثعلب مذهبه مذهب المعلمين ، فإذا اجتمعا في محفل حكم للمبرد على الظاهر إلى أن يعرف الباطن . وكان المبرد كثير الأمالي حسن النوادر ، فمما أملاه أن المنصور أبا جعفر ١ ل لي ن س: أحجر ؛ وما هنا موافق لما في الجمهرة ونور القبس وغيرهما . ٢ انظرج ١ : ٢٨٣ و٢: ٤٣٠ ١ : ٤٧ على التوالي . ٣ في أور القبس: وكان ثعلب والمبرد علمين ختم تاريخ الأدباء بهما . ٤ نسبت هذه الأبيات في نور القبس لعبد الله بن الحسين بن سعد القطر بلي صاحب التاريخ ؛ ولم يرد في ق اسم الشاعر . ٣١٤ ولى رجلاً على الإجراء على العميان والأيتام والقواعد من النساء اللواتي لا أزواج لهن ، فدخل على هذا المتولي بعضُ المتخلفين ومعه ولده ، فقال له : إن رأيت أصلحك الله أن تثبت اسمي مع القواعد ، فقال له المتولي : القواعد نساء فكيف أثبتك فيهن ؟ فقال : ففي العميان ؟ فقال: أما هذا فنعم ، فإن الله تعالى يقول ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ ( الحج : ٤٦) فقال : وتثبت ولدي في الأيتام ، فقال: وهذا أفعله أيضاً، فإنه من تكن أنت أباه فهو يتيم ، فانصرف عنه وقد أثبته في العميان وولده في الأيتام. وطلب١ بعض الأكابر من المبرد معلماً لولده ، فبعث شخصاً وكتب معه : قد بعثت به وأنا أتمثل فيه : إذا زرتُ الملوكَ فإن حسبي شفيعاً عندهم أن يخبروني ومعنى هذا البيت مأخوذ من كلام أحمد بن يوسف كاتب المأمون وقد أهدى إليه ثوب وَشْيٍ في يوم نيروز : قد أهديت إلى أمير المؤمنين ثوب وشي يصف نفسه ، والسلام . [وحكى عنه أبو بكر ابن أبي الأزهر بشيء طريف في هذا قال : حدثني محمد بن يزيد قال : قال لي المازني يا أبا العباس بلغني أنك تنصرف من مجلسنا فتصير إلى مواضع المجانين والمعالجين فما معناك في ذاك ؟ قال: فقلت له : ان لهم أعزك الله طرائف من الكلام وعجائب من الأقسام ، فقال : حدثني بأعجب ما رأيته منهم، فقلت : دخلت يوماً إلى مستقرهم مع ابن أبي خميصة ، وكان المتقلد عليهم النفقة والمتقلد أحوالهم ، فرأيت مراتبهم على مقدار بليتهم ، فمررت على شيخ منهم تلوح صلعته وتبرق بالدهن جبهته ، وهو جالس على حصير نظيف ووجهه إلى القبلة كأنه يريد الصلاة ، فجاوزته إلى غيره ، فناداني: سبحان الله، أين السلام ؟ من أولى به أنا أو أنت ؟ فاستحسنت منه وقلت : السلام عليكم ، فقال: لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا حسن الردّ عليك، على أننا نصرف سوء ..... ١ وطلب بعض ... السلام: سقط من النسخ ما عدار والمختار . ٣١٥ أدبك لأحسن جهاته من العذر ، لأنه كان يقال إن القادم دهشة ، اجلس أعزك الله عندنا، وأومأ إلى موضع من حصيره ينفضه كأنه يوسعه لي ، فعزمت على الدنوّ ، فناداني ابن أبي خميصة: إياك إياك ، فأحجمت عن ذلك ووقفت ناحية أستجلب مخاطبته وأرصد الفائدة منه ؛ ثم قال لي وقد رأى معي محبرة: يا هذا أرى معك آلة رجلين أرجو ألا تكون أحدهما : أتجالس أصحاب الحديث الأغثاث أم الأدباء من أصحاب النحو والشعر ؟ قلت : الأدباء ، قال : أتعرف أبا عثمان المازني ؟ قلت : نعم أعرفه معرفة تامة ، قال : أفتعرف الذي يقول فيه : وفتِّى من مازنٍ ساد أهلَ البصره أُمُّهُ معروفة وأبوهُ نَكِرَة قلت : لا أعرفه ؛ قال : أفتعرف غلاماً له قد نبغ في هذا العصر ، معه ذهن وله حفظ وقد برز في النحو وجلس مجلس صاحبه وشاركه فيه يعرف بالمبرد ؟ فقلت : أنا والله عين الخبير به ، قال : فهل أنشدك شيئاً من غثيثات أشعاره ؟ قلت : لا أحسبه يحسن قول الشعر ، قال : يا سبحان الله ، أليس الذي يقول : حبذا ماءُ العناقي دِ بريقِ الغانيات ودمي أيّ نبات بها ينبتُ لحي من لذيذِ الشهوات أيها الطالبُ أشهى كُلْ بماءِ المزن تفا حَ خدودِ الناعمات قلت : قد سمعته ينشدها في مجلس الأنس ، قال : يا سبحان الله أو يستجب أن ينشد مثل هذا حول الكعبة ؟ ما تسمع الناس يقولون في نسبه ؟ قلت : يقولون إنه من الأزد ، أزد شنوءة ، ثم من ثمالة ، قال : قاتله الله ما أبعد غوره ! أتعرف قوله : سألنا عن ثمالة كلّ حيّ فقال القائلونَ ومن ثماله فقالوا زدتنا بهمُ جهاله فقلت : محمد بن یزید منهم ٣١٦ فقال لي المبرد خلّ قومي فقومي معشرٌ فيهم نذاله فقلت : أعرف هذه الأبيات لعبد الصمد بن المعدل يقولها فيه ؛ قال : كذب من ادعاها غيره ، هذا كلام رجل لا نسب له يريد أن يثبت بهذا الشعر نسباً له . قلت : أنت أعلم ، قال : يا هذا قد غلبت بخفة روحك على قلبي وتمكنت من إنصاتك من استحساني ، وقد أخرت ما كان يجب أن أقدمه ، الكنية أصلحك الله، فقلت : أبو العباس، قال: فالاسم ؟ قلت : محمد، قال: فالأب ؟ قلت: يزيد ، قال : قبّحك الله ، أحوجتني إلى الاعتذار إليك مما قدمت ذكره ؛ ثم وثب باسطاً كفه لمصافحتي، فرأيت القيد في رجله قد شدّ إلى خشبة في الأرض، فأمنت عند ذلك غائلته ، فقال لي : يا أبا العباس، صن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع فليس يتهيأ لك في كلّ وقت أن تصادف مثلي على مثل هذه الحال الجميلة ، أنت المبرد أنت المبرد أنت المبرد ، وجعل يصفق وقد انقلبت عينه وتغيرت حليته، فبادرت مسرعاً خوفاً من أن يبدر لي منه شيء [أو ] بادرة ، وقبلت والله قوله فلم أعاود الدخول إلى محبس ولا غيره . وقال أبو العباس المبرد: ما تنادر أحدٌ [عليّ] ما تنادر به سذاب الوراق، فإني اجتزت يوماً به وهو قاعد بباب داره ، فقال لي : إلى أين ؟ ولاطفني وعرض عليَّ القرى ، فقلت له : ما عندك ؟ فقال : عندي أنت وعليه أنا ، يشير إلى اللحم المبرّد بالسذاب. وذكر أن رجلاً عاد المبرد بالبصرة مع جماعة، فغنت جارية من وراء ستارة: وقالوا لها هذا حبيبكِ معرِضٌِ فقالت ألا إعراضهُ أيسر الخطبِ فما هي إلا نظرة بتبسمٍ فتصطك رجلاهُ ويسقطُ الجنبِ فطرب كلّ من حضر إلا المبرد ، فقال له صاحب المجلس: كنت أحق بالطرب، فقالت الجارية : دعه يا مولاي ، فإنه سمعني أقول هذا حبيبك معرضٌ فظنني لحنت ولم يعلم أن ابن مسعود قرأ ﴿وهذا بعلي شيخ﴾ (هود: ٧٢) قال: فطرب المبرد من قولها إلى أن شق ثوبه]١. ٠ ١ ما بين معقفين زيادة من ق . ٣١٧ وكنت رأيت المبرد المذكور في المنام وجرى لي معه قصة عجيبة فأحببت ذكرها، وذلك أني كنت بالإسكندرية في بعض شهور سنة ست وثلاثين وستمائة وأقمت بها خمسة أشهر، وكان عندي كتاب ((الكامل)) للمبرد، وكتاب ((العقد)) لابن عبد ربه، وأنا أطالع فيهما، فرأيت في ((العقد)) في فصل ترجمه بقوله (( ما غلط فيه على الشعراء))١ وذكر أبياتاً نسبوا أصحابها فيها إلى الغلط وهي صحيحة ، وإنما وقع الغلط ممن استدرك عليهم لعدم اطلاعهم على حقيقة الأمر فيها، ومن جملة من ذكر المبرد فقال: ومثله قول محمد بن يزيد النحوي في كتاب ((الروضة)) ورَدَّ على الحسن بن هانىء - يعني أبا نواس - في قوله : وما لبكر بن وائلٍ عصمٌ إلا بجمقائها وكاذبها فزعم أنه أراد بحمقائها هَبَنّقَة القيسي ، ولا يقال في الرجل حمقاء ، وإنما أراد دُغَةَ العجلية ، وعجل في بكر ، وبها يضرب المثل في الحمق ، هذا كله كلام صاحب ((العقد)) وغرضه أن المبرد نسب أبا نواس إلى الغلط بكونه قال بـ ((حمقائها)) واعتقد أنه أراد هَبَنَّقة، وهبنقة رجل، والرجل لا يقال له حمقاء، بل يقال له أحمق ، وأبو نواس إنما أراد دُغَةَ وهي امرأة ، فالغلط حينئذ من المبرد ، لا من أبي نواس . فلما كان بعد ليال قلائل من وقوفي على هذه الفائدة رأيت في المنام كأني بمدينة حلب في مدرسة القاضي بهاء الدين المعروف بابن شداد، وفيها كان اشتغالي بالعلم، وكأننا قد صلينا الظهر في الموضع الذي جرت العادة بالصلاة فيه جماعَةٌ، فلما فرغنا من الصلاة قمت لأخرج ، فرأيت في أُخْرَياتِ الموضع شخصاً واقفاً يصلي ، فقال لي بعض الحاضرين: هذا أبو العباس المبرد ، فجئت إليه وقعدت إلى جانبه أنتظر فراغه ، فلما فرغ سلمت عليه وقلت له: أنا في هذا الزمان أطالع في كتابك ((الكامل)) فقال لي: رأيت كتابي ((الروضة)) ؟ فقلت: لا ، وما كنت رأيته قبل ذلك ، فقال : قم حتى أريك إياه ، فقمت معه وصعد بي إلى بيته٢ ، فدخلنا فيه ورأيت فيه كتباً ١ العقد ٥ : ٣٩٠ . ٢ ق : وصعدت إلى بيته . ٣١٨ كثيرة ، فقعد قدامها يفتش عليه وقعدت أنا ناحية عنه ، فأخرج منه مجلداً ودفعه إلى ففتحته وتركته في حجري ثم قلت له : قد أخذا عليك فيه ، فقال: أي شيء أخذوا؟ فقلت : أنك نسبت أبا نواس إلى الغلط في البيت الفلاني ، وأنشدته إياه فقال : نعم ، غلط في هذا، فقلت له : إنه لم يغلط ، بل هو على الصواب ، ونسبوك أنت إلى الغلط في تغليطه ، فقال : وكيف هذا ؟ فعرّفته ما قاله صاحب (( العقد )) فعض على رأس سبابته، وبقي ساهياً ينظر إليّ وهو في صورة خجلان ولم ينطق ، ثم استيقظت من منامي وهو على تلك الحال ، ولم أذكر هذا المنام إلا لغرابته . وكانت ولادة المبرد يوم الاثنين عيد الأضحى سنة عشر ومائتين ، وقيل سنة سبع ومائتين . وتوفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة ، وقيل ذي القعدة، سنة ست وثمانين ، وقيل خمس وثمانين ومائتين ببغداد ، ودفن في مقابر باب الكوفة في دار اشتريت له ، وصلى عليه أبو محمد يوسف بن يعقوب القاضي ، رحمه الله تعالى . ولما مات نظم فيه وفي ثعلب أبو بكر الحسن بن علي المعروف بابن العلاف - المقدم ذكره١ - أبياتاً سائرة ، وكان ابن الجواليقي كثيراً ما ينشدها ، وهي : ولَيَذْهَبَنْ إثرَ المبردِ ثعلبُ ذهَبَ المبردُ وانقضَتْ أيامه خَرِباً وباقي بيتها٢ فسيخرب بيتٌ من الآدابِ أُصبحَ نصفه الدهر أنفسكم على ما يسلب فابكوا لما سلبَ الزمانُ ووطنوا شربَ المبردُ عن قريبٍ يشرب وتزوّدوا من ثعلب ، فبکاسِ ما وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسهُ إن كانتِ الْأنفاسُ مما يكتب وقريب من هذه الأبيات ما أنشده أبو عبد الله الحسين بن علي اللغوي البصري ١ ترجمة أبي بكر العلاف في المجلد ٢: ١٠٧ ولكن المرزباني أورد الأبيات في نور القبس : ٣٣٣ ونسبها لمحمد بن علي بن يسار العلاق ( اقرأ : العلاف ) الضرير . ٢ نور القبس : نصفه . ٣١٩ ۔ النمري١ لما مات أبو عبد الله محمد بن المعلى الأزدي، وكان بينهما تنافس وهي : مضى الأزديُّ والنمريُّ يمضي وبعضُ الكلِّ مقرونٌ ببعضٍ أخي والمجتني ثمراتٍ ودّي وإِن لم يحزني قَرضي وفَرضي توفرَ عرضهُ منها وعرضي وكانت بيننا أبداً هَناتٌ وما هانت رجالُ الأزدِ عندي وإن لم تَدْنُ أرضهمُ بأرضي٢ والثاني : بضم الثاء المثلثة وفتح الميم وبعد الألف لام ، هذه النسبة إلى ثمالة، واسمه عوف بن أسلم، وهو بطن من الأزد، قال المبرد في كتاب ((الاشتقاق)): إنما سميت ثمالة لأنهم شهدوا حرباً فني فيها أكثرهم ، فقال الناس : ما بقي منهم إلا ثمالة ، والثالة : البقية اليسيرة . وفي المبرد يقول بعض شعراء عصره وهجا قبيلته بسببه، وذكر أبو علي القالي في كتاب ((الأمالي)) أنها لعبد الصمد ابن المعدل٣ : فقال القائلون : ومن ثماله؟ سألنا عن ثمالة كلَّ حيّ. فقالوا زدتنا بهم جهـاله فقلت محمد بن يزيد منهم فقومي معشرٌ فيهم نذاله فقال لي المبرد خلّ عني ويقال: إن هذه الأبيات للمبرد ، وكان يشتهي أن يشتهر بهذه القبيلة، فصنع هذه الأبيات فشاعت وحصل له مقصوده من الاشتهار . وكان كثيراً ما ينشد في مجالسه : يا من تلبسَ أثواباً يتيهُ بها تيهَ الملوكِ على بعض المساكينِ ١ ذكره صاحب الفهرست: ٨٠ وترجم له صاحب نزهة الألباء: ٢٢٤ وقال إن أبا عبد الله الحسين ابن علي البصري أخذ عنه وأنه صنف كتاباً في أسماء الذهب والفضة وكتاباً في مشكلات الحماسة وأورد الأبيات في رثائه للأزدي ؛ وفي ق : أبو عبد الله محمد النمري . ٢ ق : وأرضي . ٣ الأمالي ١: ١١٢؛ وفي ل س لي بر من: ابن المعدل ( بالدال المهملة) وقال القاضي عياض ( المدارك ١ : ٤٧) كثير من يقوله بدال مهملة وصوابه بمعجمة. ٣٢٠