النص المفهرس

صفحات 241-260

٥٩٨
القاضي كمال الدين الشهر زوري
أبو الفضل١ محمد بن أبي محمد عبد الله بن أبي أحمد القاسم الشهرزوري الملقب
كمال الدين الفقيه الشافعي - وقد سبق ذكر أبيه وجده في موضعهما٢ - تفقه
كمال الدين ببغداد على أسعد الميهني، وقد سبق ذكره ، وسمع الحديث من أبي
البركات محمد بن محمد بن خميس الموصلي ، وتولى القضاء بالموصل وبنى بها مدرسة
الشافعية ، ورباطاً بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان يتردد في الرسائل
منها إلى بغداد عن عماد الدين زنكي الأتابك - المقدم ذكره٣ - ولما قتل عماد
الدين على قلعة جَعْبَر ، كما ذكرناه في ترجمته ، كان كمال الدين المذكور حاضراً
في العسكر هو وأخوه تاج الدين أبو طاهر يحيى والد القاضي ضياء الدين ، فلما
رجع العسكر إلى الموصل كانا في صحبته .
ولما تولى سيف الدين غازي ولد عماد الدين - وقد تقدم ذكره أيضاً - فوض
الأمور كلها إلى القاضي كمال الدين [وأخيه]٤ بالموصل وجميع مملكته، ثم إنه
قبض عليهما في سنة اثنتين وأربعين واعتقلهما° بقلعة الموصل ، وأحضر نجم الدين
أبا علي الحسن بن بهاء الدين أبي الحسن علي وهو ابن عم كمال الدين ، وكان قاضي
٥٩٨ - ترجمته في المنتظم ١٠: ٢٦٨ والخريدة (قسم الشام) ٢: ٣٢٣ ومرآة الزمان ٨: ٣٤٠
وتاريخ ابن الدبيني: ٥٥ وأماكن متفرقة من الباهر، وطبقات السبكي ٤: ٧٤ والوافي ٣٣١:٣
وعبر الذهبي ٤: ٢١٥ والشذرات ٤: ٢٤٣ والبدر السافر، الورقة: ١١٦ والزركشي ٣: ١٠
١ ن : الفضائل.
٢ انظر ج ٢ : ٣٢٧؛ وج ٤ : ٦٨
٣ انظر ج ٢ : ٣٢٧.
٤ زيادة من ر.
٥ ن : قبض عليه ... واعتقله .
١٦ - ٤
٢٤١

الرحبة١، وولاه القضاء بالموصل وديار ربيعة عوضاً عن كمال الدين. ثم إن الخليفة
المقتفي سيّر رسولاً وشفع في كمال الدين وأخيه فأخرجا من الاعتقال، وقعدا في
بيوتهما وعليهما الترسيم، وحبس بالقلعة جلال الدين أبو أحمد ولد كمال الدين وضياء
الدين أبو الفضائل القاسم بن تاج الدين .
ولما مات سيف الدين غازي في التاريخ المذكور في ترجمته رفع الترسيم عنهما،
وحضرا إلى قطب الدين مودود بن زنكي - وقد تولى السلطنة بعد أخيه سيف
الدين - وكان راكباً في ميدان الموصل، فلما قربا منه ترجلا وعليهما ثياب العزاء
بغير طرحات ، فلما وصلا إليه ترجل لهما أيضاً ، وعزّياه عن أخيه وهنآه
بالولاية ، ثم ركبوا، ووقف كل واحد منهما على جانبه ، ثم عادا إلى بيوتهما بغير
ترسيم ، وصارا يركبان في الخدمة .
ثم انتقل كمال الدين إلى خدمة نور الدين محمود صاحب الشام في سنة
خمسين٢ وخمسمائة، وأقام بدمشق مدة ، ثم عزل زكي الدين عن الحكم ، وتولاه
كمال الدين في شهر صفر سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، واستناب ولده وأولاد
أخيه ببلاد الشام ، وترقى إلى درجة الوزارة ، وحكم في بلاد الشام الإسلامية
في ذلك الوقت ؛ واستناب ولده القاضي محي الدين في الحكم بمدينة حلب ،
ولم يكن شيء من أمور الدولة يخرج عنه ، حتى الولاية وشدّ الديوان وغير
ذلك، وذلك في أيام نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام، وتوجّه من جهته
رسولاً إلى الديوان في أيام المقتفي، وسيّره المقتفي رسولاً للإصلاح٣ بين نور الدين
المذكور وقلج ارسلان بن مسعود صاحب الروم . ولما مات نور الدين وملك
صلاح الدين دمشق أقره على ما كان عليه .
وكان فقيها أديباً شاعراً كاتباً ظريفاً فكه المجالسة ، يتكلم في الخلاف
والأصولين كلاماً حسناً ، وكان شهماً جسوراً كثير الصدقة والمعروف ، وقف
أوقافاً كثيرة بالموصل ونصيبين ودمشق، وكان عظيم الرياسة خبيراً بتدبير الملك،
١
١ ر : وكان قاضياً بالرحبة .
٢ ر : أربع وخمسين ؛ ل لي س من بر : خمس وخمسين .
٣ ن : الصلح .
٢٤٢

لم يكن في بيته مثله ولا نال أحد منهم ما ناله من المناصب مع كثرة رؤساء بيته،
وذكره الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق)).
وله نَظْم جيد ، فمن ذلك ما انشدبي له بعض أهل بيته وهو :
ولقدْ أَتَيْتكُ والنجُومُ رَ وَاصِد١ٌ والفجرُ وهمٌ في ضمير المشرقِ
وركبتُ مِ الأهوالِ كلَّ عظيمةٍ شوقاً إليك لعلّنا أن نلتقي
وقال عماد الدين الكاتب الأصبهاني في (( الخريدة )) في ترجمة القاضي كمال الدين
المذكور : أنشدني لنفسه هذين البيتين في ثالث شهر ربيع الأول سنة إحدى
وسبعين، وقد تذكرت قول أبي يَعْلى ابن الهَبّارية الشريف في معنى الصبح وإبطائه:
كم ليلة بِتُ مطوياً على حُرَق أشكو إلى النجم حتى كادَ يشكوني
والصبحُ قد مطَلَ الشرق العيون٣ به كأنه حاجةٌ في كف٤ مسكينٍ
ثم قال: لو قال ((تقضى المسكين)) لكان أحسن فإنها تمطل [بقضائها] ثم
قال : وكلاهما أحْسَنَ وأجاد .
وقيل: إنه كتب إلى ولده محي الدين وهو بحلب، وذكر في (( الخريدة))
أنها له :
عِندِي كتائِبُ أشواقٍ أُجَهِزُها إِلى جَنَابِك إلا أنها كتبُ
ولي أحاديثُ من نفسي أسر بها إذا ذكرتُك إلا أنها كذِبُ
وقيل : إنه لما ضعف وكبر وقلت حركتُهُ" كان ينشد في كل وقت:
يا ربِّ لا تُحْيِنِي إِلى زَمَنِ أكون فيه كَلاَّ على أحدٍ
١ ت : ولقد ذكرتك والعيون هواجع ؛ من بر : رواكد .
٢ الخريدة ٢ : ٣٢٦.
٣ المختار : العبور .
٤ ن : نفس .
٥ ر والمختار : كبر وضعفت حركته .
٢٤٣

خُذْ بيدي قبل أن أقول لمنْ ألقاهُ عند القيام : خذ بيدي
ولا أعلم هل هذان البيتان له أم لا ، ثم وجدت هذين البيتين من جملة أبيات
لأبي الحسن محمد بن علي بن الحسن بن أبي الصقر الواسطي - وسيأتي ذكره وذكر
البيتين إن شاء الله تعالى - .
وكانت ولادته سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ، بالموصل . وتوفي يوم الخميس
سادس المحرم سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بدمشق، ودفن من الغد يجبل قاسيون
رحمه الله تعالى، وكان عمره حين توفي ثمانين سنة وأشهراً ، ورؤاه ولده محيي الدين
محمد، وأوصى بولاية ابن أخيه أبي الفضائل القاسم بن يحيى بن عبد الله الملقب
ضياء الدين ، فأنفذ السلطان وصيته ، وفوّض القضاء بدمشق إلى ضياء الدين
المذكور ، فأقام به مدة ، ثم عرف أن ميل السلطان إلى الشيخ شرف الدين ابن
أبي عصرون - المقدم ذكره - فسأله الإقالة فأقيل وتولى شرف الدين .
(173) وكان القاضي١ ضياء الدين أبو الفضائل القاسم بن القاضي تاج الدين أبي
طاهر يحيى بن عبد الله المذكور قد سمع الحديث بالإسكندرية من الحافظ أبي
طاهر السلفي ، وروى عن عمارة اليمني الفقيه شيئاً من شعره . وتولى القضاء
بدمشق بعد عمه كمال الدين . ولما انفصل عن القضاء صار يتردد في الرسائل إلى
بغداد ؛ ولما مات السلطان صلاح الدين سيره ولده الملك الأفضل نور الدين علي
صاحب دمشق رسولاً إلى بغداد بهدايا وتحف ، وصار له هناك منزلة ومكانة
جيدة . ثم عاد إلى دمشق وتولى نظر الأوقاف بها، ثم فارق دمشق وقدم
الموصل وتولى القضاء بعد الشيخ عماد الدين أبي حامد محمد بن يونس - الآتي
ذكره إن شاء الله تعالى - وكانت ولاية ضياء الدين في صفر سنة ثلاث وتسعين
وخمسمائة ، ثم فارق بغداد باختياره على القضاء يحكم ويتصرف كما كان ، في شهر
ذي الحجة سنة سبع وتسعين ، ولم يجر هذا لأحد غيره ، وعبر على الموصل ولم
يدخلها ، وانتهى إلى مدينة حماة فولاه الملك المنصور ناصر الدين محمد بن تقي
١. من هنا حتى آخر الترجمة انفردت به ن؛ وانظر ترجمة ضياء الدين في الخريدة (قسم الشام)
٢: ٣٤٣ وطبقات السبكي ٤: ٢٩٨.
٢٤٤

الدين عمر ملكها يومئذ القضاء بها فأقام إلى أن مات ضياء الدين بها في نصف
رجب سنة تسع وتسعين وخمسمائة ، ونقل إلى دمشق ودفن بها ، ومولده سنة
أربع وخمسين وخمسمائة بالموصل ، وقيل إن مولده في جمادى الأولى سنة خمس
وثلاثين ، والله أعلم ؛ وله شعر فمن ذلك :
فارقتكم ووصلتُ مصر فلم يقم أنس اللقاء بوحشة التوديع
وسررت عند قدومها لولا الذي لكمُ من الأشواق بين ضلوعي
(174) وأما والده تاج الدين أبو طاهر يحيى فقد ذكره القاضي عماد الدين
الكاتب الأصبهاني في كتاب (( الخريدة))١ فقال: هو أخو كمال الدين ، وذكر
[بعد] الثناء عليه، أنه توفي بالموصل في سنة ست وخمسين وخمسمائة، [قال]:
وأنشدني ولده ضياء الدين أبياتاً له على وزن بيت مهيار وهو :
وعطل كؤوسك إلا الكبار تجد للصغار أناساً صغارا
فقال :
تضيءُ فتحسب في الليل نارا
وسقِ الندامى عقيقية
وتتبعه حيثما الكاس سارا
تدور المسرة مع كاسها
مى عرست بحمى الغمّ سارا
ولا عيب فيها سوى أنها.
ستلقى ليالي الهموم الطوالَ فبادر ليالي السرور القصارا
قلت : وقد سبق في ترجمة عماد الدين زنكي [ذكر] عمهما القاضي بهاء الدين أبي
الحسن علي بن القاسم والد نجم الدين الحسين قاضي الرحبة المذكور وتاريخ وفاته،
والله أعلم .
١ الخريدة (قسم الشام) ٢: ٣٤٠ وانظر طبقات السبكي ٤ : ٣٢٣.
٢٤٥

٥٩٩
القاضي محي الدين ابن الشهرزوري
أبو حامد محمد بن القاضي كمال الدين١ بن الشهرزوري المذكور قبله ، الملقب
محي الدين ؛ وقد تقدم من ذكر رياسة أبيه وما كان عليه من علو المرتبة ما لا
حاجة إلى إعادته . وكان القاضي محيي الدين قد دخل بغداد للاشتغال فتفقه على
الشيخ أبي منصور بن الرزاز وتميّز ، ثم أصعد إلى الشام ، وولي٢ قضاء دمشق
نيابة عن والده ، ثم انتقل إلى حلب وحكم بها نيابة عن أبيه أيضاً في شهر
رمضان سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، وبه عزل ابن أبي جرادة المعروف بابن
العديم ، وقيل كان ذلك في شعبان سنة ست وخمسين ، والله أعلم٣ . وبعد وفاة
والده [تمكن عند الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين صاحب حلب غاية التمكن،
وفوّض إليه تدبير مملكة حلب في شعبان سنة ثلاث وسبعين، واستمر على ذلك،
ثم وشى به أعداؤه وحساده إلى الصالح وجرت أسباب اقتضت أنه لزم بيته ،
ورأى المصلحة في مفارقة حلب والرجوع] إلى بلد الموصل٤ فانتقل إليها، وتولى
قضاءها ودرّس بمدرسة والده وبالمدرسة النظامية بالموصل ، وتمكن عند صاحب
الموصل عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن زنكي - الآتي ذكره إن شاء
الله تعالى - واستولى على جميع الأمور ، وتوجه من جهته رسولاً إلى بغداد
مرارا. وذكر بهاء الدين يوسف المعروف بابن شداد قاضي حلب في كتاب ((ملجأ
٥٩٩ - ترجمته في الخريدة (قسم الشام) ٢: ٣٢٩ وطبقات السبكي ٤: ٩٩ وعبر الذهبي ٤: ٢٥٩
والشذرات ٤ : ٢٨٧ والزركشي ٣ : ٢٩٠.
١ ت : كمال الدين محمد ؛ ل لي س : كمال الدين بن .
٢°ر : وتولى .
٣ وقيل ... أعلم : انفردت به ن ر .
٤ في النسخ ما عدار: وبعد وفاة والده انتقل إلى الموصل ، وما بين معقفين قبله انفردت به ر .
٢٤٦

الحكام عند التباس الأحكام )) أنه كان في خدمة القاضي محي الدين عند توجهه
إلى بغداد في إحدى الرسائل ، وناهيك بمن يكون في خدمته مثل هذا الرجل
- وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى .
وكان محي الدين المذكور جواداً سرياً ، قيل إنه أنعم في بعض رسائله إلى
بغداد بعشرة آلاف ديناز أميرية١ على الفقهاء والأدباء والشعراء والمحاويج، ويقال
إنه في مدة حكمه بالموصل لم يعتقل غريماً على دينارين فما دونها ، بل كان يوفيهما
عنه [ويخلي سبيله]٢ ويحكى عنه مكارم كثيرة ورياسة ضخمة، وكان من النجباء
عريقاً في النجابة تام الرياسة ، كريم الأخلاق رقيق الحاشية ، له في الأدب
مشاركة حسنة وله أشعار جيدة ، فمن ذلك ما أنشدني له بعض الأصحاب في
وصف جرادة٣ ، وهو تشبيه غريب :
لها فخذا بكر وساقا نعامة وقادمتا نَسْرٍ وجوجؤ ضيغم
حبَتْها أفاعي الرمل بطناً وأنعمت عليها جياد الخيل بالرأس والفم
ورأيت له في بعض المجاميع هذين البيتين ، وهما في وصف نزول الثلج
من٤ الغيم :
ولما شاب رأس الدهر غيظاً لما قاساه من فقد الكرامِ
أقام يُمِيطُ هذا الشيب عنه وينثر ما أماط على الأنامِ
وكانت ولادته سنة عشر وخمسمائة تقريباً ، وقال العماد الكاتب في
((الخريدة))°: مولده سنة تسع عشرة، والله أعلم، وزاد في كتاب ((السيل))
في شعبان. وتوفي سحرة يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين
١ أميرية : سقطت من ن من ؛ بر : ميرية .
٢ زيادة من ر .
٣ ر : في الجرادة .
٤ ل لي س بر من : مع .
٥ الخريدة ٢ : ٣٣٠ .
٢٤٧

وخمسمائة، وقيل ثالث عشريه١، هكذا ذكره العماد في ((السيل)) والأول
ذكره ابن الدبيثي٢، وذلك بالموصل ، ودفن بداره بمحلة القلعة ، ثم نقل إلى
مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، رحمه الله تعالى. هكذا رأيته في بعض
التواريخ ، وذكر ابن الدبيني في تاريخه أنه نقل إلى تربة عملت له ظاهر البلد ،
والله أعلم ، ثم حققت٣ ذلك فوجدته كما قال ابن الدبيني ، وتربته خارج باب
الميدان بالقرب من تربة قضيب البان صاحب الكرامات ، رحمه الله تعالى .
(175) وكان٤ لكمال الدين ابن آخر يقال له عماد الدين أحمد توجّه رسولاً
إلى بغداد عن نور الدين في سنة تسع وستين وخمسمائة ، ومدحه ابن التعاويذي
بقصيدة يقول من جملتها° :
وقالوا : رسول أعجزتنا صفاته فقلت : صدقتم هذه صفة الرسل
٦٠٠
فخر الدين الرازي
أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التيمي البكري
١٠ ر : ثالث عشر ذي القعدة؛ من بر: ثالث عشرين.
٢ ن : ابن الأثير .
٣ لي : إني حققت .
٤ من هنا حتى آخر الترجمة انفردت به رن والمختار .
٥ انظر ديوان سبط ابن التعاويذي : ٣٣٧، ومطلع القصيدة :
حللت حلول الغيث في البلد المحل. وإن جل ما تولي يداك عن المثل
٦٠٠ - ترجمته في طبقات السبكي ٥: ٣٣ وذيل الروضتين: ٦٨ ومختصر ابن العبري : ٢٤٠
والوافي ٤: ٢٤٨ وابن أبي أصيبعة ٢: ٢٣ ولسان الميزان ٤: ٢٤٦ وطبقات الحسيبي :
٨٢ وعبر الذهبي ٥ : ١٨ والشذرات ٥ : ٢١
٦ ر والمختار : أبو الفضل .
٢٤٨

الطبرستاني الأصل الرازي المولد ، الملقب فخر الدين ، المعروف بابن الخطيب ،
الفقيه الشافعي ؛ فريد عصره ونسيجُ وَحْدِه ، فاق أهل زمانه في علم الكلام
والمعقولات وعلم الأوائل، له التصانيف المفيدة في فنون عديدة منها تفسير القرآن
الكريم جمع فيه كل غريب وغريبة ، وهو كبير جداً لكنه لم يكله ، وشرح
سورة الفاتحة في مجلد؛ ومنها في علم الكلام (( المطالب العالية)) و(( نهاية العقول))
وكتاب ((الأربعين)) و((المحصل))١ وكتاب « البيان والبرهان في الرد على أهل
الزيغ والطغيان)) وكتاب ((المباحث العمادية في المطالب المعادية)) و(( كتاب
تهذيب الدلائل وعيون المسائل)) وكتاب ((إرشاد النظار إلى لطائف الأسرار))
وكتاب ((أجوبة المسائل التجارية)) وكتاب ((تحصيل الحق)) وكتاب ((الزبدة))
و ((المعالم))، وغير ذلك؛ وفي أصول الفقه ((المحصول)) و((المعالم))؛ وفي الحكمة
((الملخص)) و((شرح الإشارات)) لابن سينا و ((شرح عيون الحكمة)) وغير
ذلك؛ وفي الطلسمات (السر المكتوم))٢ و((شرح أسماء الله الحسنى)) ويقال:
إن له شرح ((المفصل)) في النحو للزمخشري، وشرح (( الوجيز)) في الفقه للغزالي،
وشرح ((سقط الزند)) للمعري، وله مختصر في الإعجاز، ومؤاخذات جيدة على
النحاة ، وله طريقة في الخلاف ، وله في الطب شرح الكليات للقانون ، وصنف
في علم الفراسة ، وله مصنف في مناقب الشافعي٣ ، وكل كتبه ممتعة، وانتشرت
تصانيفه في البلاد ورزق فيها سعادة عظيمة فإن الناس اشتغلوا بها ورفضوا
كتب المتقدمين ، وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه ، وأتى فيها بما لم
يسبق إليه .
وكان له في الوعظ اليد البيضاء ، ويعظ باللسانين العربي والعجمي ، وكان
يلحقه الوَجْدُ في حال الوعظ ويكثر البكاء ، وكان يحضر مجلسه بمدينة هَراة
أرباب المذاهب والمقالات ويسألونه وهو يجيب كل سائل بأحسن إجابة ، ورجع
١ ومنها في علم الكلام ... والمحصل: وقع في ر بعد قوله: ((وكتاب الزبدة)).
٢ كذا في جميع النسخ؛ وفي المطبوعة المصرية ((السر المكنون)).
٣ زاد في المختار : وغير ذلك من المصنفات .
٢٤٩

بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب أهل السنة ، وكان
يلقب بهراة شيخ الإسلام.
وكان مبدأ اشتغاله على والده إلى أن مات، ثم قصد الكمال السمناني واشتغل
عليه مدة ، ثم عاد إلى الري واشتغل على المجد الجيلي ، وهو أحد أصحاب محمد
ابن يحيى، ولما طلب المجد الجيلي إلى مراغة ليدرس بها صحبه فخر الدين المذكور
إليها ، وقرأ عليه مدة طويلة علم الكلام والحكمة ، ويقال إنه كان يحفظ
(الشامل)) لإمام الحرمين في علم الكلام ، ثم قصد خوارزم وقد تمهر في العلوم
فجرى بينه وبين أهلها كلام فيما يرجع إلى المذهب والاعتقاد ، فأخرج من البلد ،
فقصد ما وراء النهر ، فجرى له أيضاً هناك ما جرى له في خوارزم ، فعاد إلى
الري ، وكان بها طبيب حاذق له ثروة ونعمة ، وكان للطبيب ابنتان ، ولفخر
الدين ابنان ، فمرض الطبيب وأيقن بالموت فزوج ابنتيه لولدي فخر الدين ،
ومات الطبيب فاستولى فخر الدين على جميع أمواله ، فمن ثم كانت له النعمة ،
ولازم الأسفار، وعامل شهاب الدين الغوري صاحب غَزْنَةَ في جملة من المال،
ثم مضى إليه لاستيفاء حقه منه فبالغ في إكرامه والإنعام [عليه]١ وحصل له
من جهته مال طائل ، وعاد إلى خراسان ، واتصل بالسلطان محمد بن تكش
المعروف بخوارزم شاه ، وحظي عنده ، ونال أسنى المراتب ، ولم يبلغ أحد
منزلته عنده ، ومناقبه أكثر من أن تعد ، وفضائله لا تحصى ولا تحد .
وكان له مع هذه العلوم شيء من النظم ، فمن ذلك قوله :
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلالُ
وحاصِلُ دنيانا أُذَى ووبال
وأرواحنا في وحشة من جسُومنا
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ولم نستفد من بحثنا طولَ عمرنا
فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا
وكم قد رأينا من رجالٍ ودولة
رجالٌ فزالوا والجبالُ جبال
وكم من جبال قد علت شرفاتها
١ زيادة من ر .
٢٥٠

وكان العلماء يقصدونه من البلاد ، وتشد إليه الرحال من الأقطار ؛ وحكى
شرف الدين بن عنين - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - أنه حضر درسه يوماً
وهو يلقي الدروس في مدرسته بخوارزم ودرسه حافل بالأفاضل واليومُ شاتٍ
وقد سقط ثلج كثير وخوارزم بردها شديد إلى غاية ما يكون١، فسقطت
بالقرب منه حمامة وقد طردها بعض الجوارح ، فلما وقعت رجع عنها الجارح
خوفاً من الناس الحاضرين ، فلم تقدر الحمامة على الطيران من خوفها وشدة
البرد ، فلما قام فخر الدين من الدرس وقف عليها ورقَّ لها وأخذها بيده ،
فأنشد ابن عنين في الحال :
يا ابن الكرام المطعمين إذا شَتَوْا في كل مسغبة وثلج خاشِفٍ
العاصمينَ إذا النفوسُ تطايرت" بين الصوارم والوشيجِ الراعف
حرمٌ وأنك ملجأ للخائف
من نَبّأ الورقاء أن محلَّكُم
فحبوتها ببقائها المستأنف
وفدت عليك وقد تدانی حتفها
من راحتيك بنائلٍ متضاعف
ولو أنها تُحْبى بمال لانثنت
والموت يلمع من جناحَيْ خاطف
جاءت سليمانَ الزمان بشكوها
قرم لواه القوت حتى ظله بإزائه يجري بقلب واجف
ولابن عنين المذكور فيه قصيدة من جملتها :
ماتت به بدع تمادى عمرها دهراً وكاد ظلامها لا ينجلي
ورسا سواه في الحضيض الأسفل
فعلا به الإسلام أرفعَ هضبة
هيهات قَصْرَ عن مَداه أبو علي
غلط امرؤٌ بأبي عليّ قاسه
من لفظه لعرته هزة أَفْكَل
لو أن رسطاليسَ يسمعُ لفظة"
برهانه في كلّ شكلٍ مشكل
ولحار بطليموسُ لو لاقاه من
ولوَ آَنَّهُمْ جُمعوا لديه تيقنوا أن الفضيلةَ لم تكنْ للأول
...
١ ن : إلى الغاية .
٢٥١

وقال أبو عبد الله الحسين الواسطي : سمعت فخر الدين بهراة ينشد على المنبر
عقيب كلام عاتب فيه أهل البلد :
المرء ما دام حَيّاً يُسْتَهان به ويعظم الرزء فيه حين يفتقدُ
وذكر فخر الدين في كتابه الذي سماه ((تحصيل الحق )) أنه اشتغل في علم
الأصول على والده ضياء الدين عمر ، ووالده على أبي القاسم سليمان بن ناصر
الأنصاري ، وهو على إمام الحرمين أبي المعالي ، وهو على الأستاذ أبي إسحاق
الإسفرايني ، وهو على الشيخ أبي الحسين الباهلي، وهو على شيخ السنة أبي الحسن
علي بن إسماعيل الأشعري ، وهو على أبي علي الجُبّائي أولاً ثم رجع عن مذهبه
ونصر مذهب أهل السنة والجماعة .
وأما اشتغاله في المذهب فإنه اشتغل على والده، ووالدُه على أبي محمد الحسين
ابن مسعود الفراء البغوي، وهو على القاضي حسين المروزي١ ، وهو على القفال
المروزي ، وهو على أبي زيد المروزي ، وهو على أبي إسحاق المروزي ، وهو
على أبي العباس بن سُرَيْج ، وهو على أبي القاسم الأنماطي ، وهو على أبي
إبراهيم المزني ، وهو على الإمام الشافعي ، رضي الله عنه .
وكانت ولادة فخر الدين في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة أربع
وأربعين ، وقيل ثلاث وأربعين وخمسمائة، بالري ، وتوفي يوم الاثنين، وكان عید
الفطر، سنة ست وستمائة بمدينة هَراة ، ودفن آخر النهار في الجبل المصاقب
لقرية مُزْداخان ، رحمه الله تعالى، ورأيت له وصية أملاها في مرض موته
على أحد تلامذته تدل على حسن العقيدة .
ومُزْداخان: بضم الميم وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وبعد الألف خاء
معجمة مفتوحة وبعد الألف الثانية نون ، وهي قرية بالقرب من هَراة . وقد
تقدم الكلام على هَراة .
١ ت لي س ل : المروروذي .
٢٥٢

٦٠١
الشيخ عماد الدين بن يونس
أبو حامد محمد بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد، الملقب عماد الدين،
الفقيه الشافعي ؛ كان إمام وقته في المذهب والأصول والخلاف ، وكان له صيت
عظيم في زمانه ، وقصده الفقهاء من البلاد الشاسعة للاشتغال١ ، وتخرج عليه
خلق كثير صاروا كلهم أئمة مدرسين يشار إليهم ، وكان مبدأ اشتغاله على أبيه
- وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وذلك بالموصل ، ثم توجه إلى بغداد وتفقه
بالمدرسة النظامية على السديد محمد السَّلَماسي - وقد تقدم ذكره٢ - وكان
معيداً بها، والمدرس يومئذ الشرف يوسف بن بندار الدمشقي٣، وسمع بها
الحديث من أبي عبد الرحمن محمد بن محمد الكشميهني لما قدمها ، ومن أبي حامد
محمد بن أبي الربيع الغرناطي ، وعاد إلى الموصل ودرس بها في عدة مدارس ،
وصنف كتباً في المذهب: منها كتاب (( المحيط في الجمع بين المهذب والوسيط))
وشرح ((الوجيز)) الغزالي، وصنف جدلاً وعقيدة وتعليقه في الخلاف ، لكنه
لم يتمها، وكانت إليه الخطابة في الجامع المجاهدي مع التدريس في المدرسة النورية
والعزية والزينية٤ والبقشية والعلانية، وتقدم في دولة نور الدين أرسلان شاه
٦٠١ - ترجمته في طبقات السبكي ٥: ٤٥ ومرآة الزمان: ٥٥٨ وذيل الروضتين: ٨٠ وعبر
الذهبي ٥: ٢٨ والشذرات ٥: ٣٤ والبدر السافر ، الورقة: ١٨٦
لي : للاشتغال عليه ؛ وزاد بعد هذا الموضع في المختار ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد
١
لطف الله به : وهو شيخ جدي بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان ، ورأيت عند
والدي نسخة ((الوسيط)) للغزالي وعليها خطه أن جدي المذكور قرأها عليه قراءة اتقان ومعرفة
٢. انظر الترجمة : ٥٩٥.
٣ زاد في المختار: ((قلت: أعني كاتبها موسى بن أحمد : وولي جدي المذكور الإعادة بالنظامية
ببغداد بعد ذلك بمدة )) .
٤ س : والزينبية ، وكذلك في الشذرات .
• تن س: والنفيسية؛ الشذرات : والبغشية .
٢٥٣

صاحب الموصل تقدماً كثيراً ، وتوجه عنه رسولاً إلى بغداد غير مرة ، وإلى
الملك العادل ، وناظر في ديوان الخلافة ، واستدل في مسألة شراء الكافر للعبد
المسلم ، وذلك في سنة ست وتسعين وخمسمائة ، وتولى القضاء بالموصل ١ يوم الخميس
رابع شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ، ثم انفصل عنه بأبي الفضائل
القاسم بن يحيى بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري الملقب ضياء الدين - المذكور
في ترجمة عمه كمال الدين - في صفر سنة ثلاث وتسعين، وولي ضياء الدين المذكور
يوم الأربعاء سابع عشر صفر المذكور ، وانتهت اليه رياسة أصحاب الشافعي
بالموصل .
وكان شديد الورع والتقشف لا يلبس الثوب الجديد حتى يغسله ، ولا يمس
القلم للكتابة إلا ويغسل٢ يده، وكان دمث الأخلاق لطيف الخلوة ملاطفاً
بحكايات وأشعار ، وكان كثير المباطنة لنور الدين صاحب الموصل ، يرجع إليه
في الفتاوى ويشاوره في الأمور ، وله صنف العقيدة المذكورة ولم يزل معه حتى
انتقل عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي ، ولم يوجد في بيت أتابك مع
شافعى سواه .
کثرتهم
ولما توفي نور الدين في سنة سبع وستمائة - كما تقدم - توجه إلى بغداد في
الرسالة بسبب تقرير ولده الملك القاهر مسعود - وسيأتي ذكره في ترجمة جده
مسعود إن شاء الله تعالى - فعاد وقد قضى الشغل ومعه الخلعة والتقليد، وتوفرت
حرمته عند القاهر أكثر مما كانت عند أبيه ، وكان مكل الأدوات ، غير أنه لم
يرزق سعادة في تصانيفه ، فإنها ليست على قدر فضائله .
وكانت ولادته بقلعة إربل سنة خمس وثلاثين وخمسمائة ، في بيت صغير منها،
ولما وصل إلى إربل في بعض رسائله دخل ذلك البيت وتمثل بالبيت المشهور ،
وهو :
بلاد بها نِيطَتْ عليَّ تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها
٠
١ ت : وتولى القضاء بالموصل مدة يسيرة (وسقط تعيين اليوم والشهر ) .
٢ ن : حتى يغسل .
٢٥٤

وتوفي يوم الخميس ، تاسع عشر جمادى الآخرة ، سنة ثمان وستمائة بالموصل ،
رحمه الله تعالى .
وكان الملك المعظم مظفر الدين صاحب إِربل ، رحمه الله تعالى ، يقول :
رأيت الشيخ عماد الدين في المنام بعد موته ، فقلت له : أما مت ؟ فقال : بلى،
ولكني محترم .
وقد ذكره ابن الدبيثي في كتاب (( الذيل)) وذكره أبو البركات ابن المستوفي
في ((تاريخ إربل)) - وسيأتي ذكر أخيه الشيخ كمال الدين موسى إن شاء الله
تعالى - وهم أهل بيت خرج منهم جماعة من الأفاضل .
(176) وحفيده١ تاج الدين أبو القاسم عبد الرحيم ابن الشيخ رضي الدين محمد
ابن الشيخ عماد الدين أبي حامد المذكور اختصر كتاب ((الوجيز)) للغزالي
اختصاراً حسناً سماه ((التعجيز في اختصار الوجيز)) واختصر كتاب (( المحصول))
في أصول الفقه، واختصر طريقة ركن الدين٢ الطاوسي في الخلاف ، ومولده
بالموصل في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ، ولما استولى التقر على الموصل كان بها ،
ثم انتقل إلى بغداد فدخلها في شهر رمضان سنة سبعين وستمائة ، وتوفي بها في
سنة إحدى وسبعين وستمائة ٣ ، وكانت وفاته في جمادى الأولى تقديراً من السنة
المذكورة رحمه الله تعالى .
.......
...
١ من هنا حتى آخر الترجمة انفردت به رن والمختار .
٢ ن : زكي الدين .
٣ قوله ((وتوفي بها في سنة إحدى وسبعين وستمائة)) يبدو أنه مصحح لقول ابن المؤلف في المختار:
((سنة سبعين وستمائة وكانت وفاته في جمادى الأولى من السنة تقديراً رحمه اللّه)) ثم عقب على ذلك
بقوله: ((قلت : ينظر تاريخ وفاته، هكذا وجدته في النسخة التي نقلتها ، والصواب في سنة
إحدى وسبعين وستمائة، سمعته من لفظ والدي أحمد قدس الله روحه)).
٢٥٥

٦٠٢
المعين الجاجرمي
أبو حامد محمد بن إبراهيم بن أبي الفضل، السهلي الجاجر مي الفقيه الشافعي،
الملقب معين الدين ؛ كان إماماً فاضلاً متفتنا١ً مبرزاً ، سكن نيسابور ودرس
بها، وصنف في الفقه كتاب ((الكفاية)) وهو في غاية الإيجاز مع اشتماله على
أكثر المسائل التي تقع في الفتاوى، وهو في مجلد واحد، وله كتاب ((إيضاح
الوجيز )) أحسن فيه، وهو في مجلدين، وله طريقة مشهورة في الخلاف والقواعد
المشهورة منسوبة إليه ، واشتغل عليه الناس وانتفعوا به وبكتبه من بعده ،
خصوصاً القواعد، فإن الناس أكبوا على الاشتغال بها. وتوفي بكرة نهار٢ الجمعة
حادي عشر٣ رجب سنة ثلاث عشرة وسمائة بنيسابور ، رحمه الله تعالى .
والجاجرمي: بفتح الجيمين بينهما ألف وسكون الراء وبعدها ميم، هذه النسبة
إلى جاجَرْمَ ، وهي بلدة بين نيسابور وجرجان، خرج منها جماعة من العلماء؛.
ورأيت بمدينة دمشق خطه على كتاب شرح فيه الأحاديث المسطورة في
((المهذب)) والألفاظ المشكلة، وقد سمعه عليه جماعة من الفقهاء بنيسابور في
الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة وستمائة .
٦٠٢ - ترجمته في طبقات السبكي ٥ : ١٩ وعبر الذهبي ٥ : ٦؛ والشذرات ٥ : ٥٦.
١٠ ر : متقناً .
٢٠ ن : يوم .
٣ رَ : حادي عشرين .
؛ نهاية الترجمة في س ل لي ت .
٢٥٦

٦٠٣
العميدي
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد - وقيل أحمد - العميدي ، الفقيه الحنفي
المذهب السمرقندي، الملقب ركن١ الدين؛ كان إماماً في فن الخلاف، خصوصاً
الجَسْت٢ُ، وهو أول من أفرد، بالتصنيف ومن تقدمه كان يمزجه بخلاف
المتقدمين ، وكان اشتغاله فيه على الشيخ رضي الدين النيسابوري ، وهو أحد
الأركان الأربعة ، فإنه كان من جملة المشتغلين على رضي الدين٣ أربعة أشخاص
تميزوا وتبحروا؛ في هذا الفن، وكل واحد منهم يُنعت بالركن ، وهم : ركن
الدين الطاوسي - وقد سبق ذكره - والعميدي المذكور ، وركن الدين إمام
زادا ، وقد شذ عني من هو الرابع ، وصنف العميدي في هذا الفن طريقة ،
وهي مشهورة بأيدي الفقهاء، وصنف ((الإرشاد)) واعتنى بشرحها" جماعة من
أرباب هذا الشأن: منهم القاضي شمس الدين أبو العباس أحمد بن الخليل بن سعادة
ابن جعفر بن عيسى الفقيه الشافعي الخويي قاضي دمشق - کان - رحمه الله تعالى،
والقاضي أوحد الدين الدوني قاضي منبج ، ونجم الدين المرندي وبدر الدين
المراغي [المعروف بالطويل]٦ وغيرهم، وصنف كتاب ((النفائس)) أيضاً،
٦٠٣ - ترجمته في الجواهر المضية ٢: ١٢٨ والوافي ١: ٢٨٠ وعبر الذهبي ٥ : ٥٧ والشذرات
٥ : ٦٤ وتاج التراجم : ٠٥٨
١ ل : زكي ، حيثما وقعت .
٢ الجست : لفظة فارسية معناها البحث، وقد أصبحت تطلق على نوع من فروع الخلاف؛ وقد جاءت
الجيم مضمومة في المختار .
٣ ن : فإنه كان من جملة ... رضي الدين فإنه اشتغل عليه".
٤ ر : وتحرروا .
٥ كذا في جميع النسخ، ولعل الضمير يعود إلى ((طريقة))، وفي الصفدي : بشرحه.
٦ زيادة من المختار، وزاد بعدها قوله: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: رأيت =
١٧ - ٤
٢٥٧

:
واختصره شمس الدين الخوبي المذكور، وسماه (( عرائس النفائس)» وصنف أشياء
مستملحة على هذا الأسلوب . واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به من جملتهم :
نظام الدين أحمد ابن الشيخ جمال الدين أبي المجاهد محمود بن أحمد بن عبد السيد
ابن عثمان بن نصر بن عبد الملك البخاري التاجري١ الحنفي المعروف بالحصيري
صاحب الطريقة المشهورة وغيره .
وكان [العميدي] كريم الأخلاق كثير التواضع طيب المعاشرة. وتوفي
ليلة الأربعاء تاسع جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة ببخارا ، رحمه الله
تعالى .
(177) وتوفي شمس الدين الخوبي٢ المذكور يوم السبت سابع شعبان سنة سبع
وثلاثين وستمائة بمدينة دمشق ، ودفن بسفح جبل قاسيون ، ومولده في شوال
سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى .
(178) وتوفي أوحد٣ الدين بحلب عقيب أخذ التتر لقلعة حلب، وكان أخذ
القلعة بعد أخذ البلد بتسعة وعشرين يوماً، وأخذ البلد في عشر صفر سنة ثمان
وخمسين وستمائة، ومولد أوحد الدين سنة ست وثمانين وخمسمائة، رحمهم الله تعالى.
والعميدي : بفتح العين المهملة وكسر الميم وسكون الياء المثناة من تحتها
وبعدها دال مهملة ، ولا أعرف هذه النسبة إلى ماذا ، ولا ذكرها السمعاني .
(179) ونظام الدين الحصيري٤ قتلته التقر بمدينة نيسابور عند أول خروجهم
=بدر الدين المراغي المذكور بدمشق وهو معيد عند والدي قدس الله روحه بالمدرسة العادلية السيفية
وكان مقيماً بها ، وتوفي بها في سنة اجتماعي به وهي سنة ستين وستمائة رحمه الله تعالى ، وعمري
يومئذ عشر سنين ، فإن مولدي وقت طلوع الشمس من نهار السبت حادي عشر صفر سنة إحدى
وخمسين وستمائة بالقاهرة بالديار المصرية بحارة الباطلية بخط الجامع الأزهر».
١ التاجري : غير معجمة في ل ن .
٢ ترجمة الخويي في ذيل الروضتين : ١٦٩ .
٣ تأخرت هذه الفقرة في ن فوقعت في آخر الترجمة ، وسقطت من ت .
٤ في جميع النسخ: ابن الحصيري ؛ وانظر ترجمته في الجواهر المضية ١: ١٢٤ (الحصري)
وذكر أن وفاته كانت سنة ٦٩٨ وهو وهم ؛ وذكر في ترجمة محمود بن أحمد أنه توفي سنة
٦٣٦، وهو ما ذكره المؤلف في ترجمة الابن، وانظر ترجمة محمود الحصيري (الابن)
في ذيل الروضتين : ١٦٧ .
٢٥٨
٠

إلى البلاد ، وذلك في سنة ست عشرة وستمائة ، رحمه الله تعالى .
(180) وكان ولده من أعيان العلماء ، اجتمعت به عدة دفوع بدمشق ،
وكان يدرس بالمدرسة النورية ولم يكن في عصره من يقاربه في مذهب الإمام
أبي حنيفة؛ وبلغني أنه كان ينكر على والده نظام الدين المذكور تضييع فكره
وذهنه ، وكان من أشد الناس ذهناً وإدراكاً وهو عند ذلك شاب ، وكان ابنه
يقول عنه لاقتصاره على المذهب فقط : أبي شيخ كودن ؛ ومولد الحصيري
ببخار سنة ست وأربعين وخمسمائة في رجب ، وتوفي ليلة الأحد الثامن من
صفر سنة ست وثلاثين وستمائة بدمشق ، ودفن من الغد بمقبرة الصوفية خارج
باب النصر، وكان يقول: كان أبي يعرف بالتاجري١، وإنما ببخارا محلة يعمل
فيها الحصر ، وكنا نحن بها .
٦٠٤
محمد بن داود الظاهري
أبو بكر محمد بن داود بن علي بن خلف الأصبهاني المعروف بالظاهري ؛ كان
فقيهاً أديباً شاعراً ظريفاً، وكان يناظر أبا العباس ابن سُرَيْج -وقد سبق خبره
معه في ترجمته٢ - ولما توفي أبوه في التاريخ المذكور في ترجمته جلس ولده أبو
بكر المذكور في حلقته ، وكان على مذهب والده ، فاستصغروه ، فدسوا إليه
رجلاً وقالوا له : سله عن حد السكر، فأتاه الرجل فسأله عن السكر : ما
هو ؟ ومتى يكون الإنسان سكران ؟ فقال: إذا عزبت عنه الهموم ، وباح
١ في الجواهر المضية (٢: ١٥٥) ووالده يعرف بالتاجر.
٦٠٤ - ترجمته في الفهرست: ٢١٧ وتاريخ بغداد ٥: ٢٥٦ وطبقات الشيرازي : ١٧٥ والوافي
٣ : ٥٨ وعبر الذهبي ٢: ١٠٨ والشذرات ٢: ٢٢٦.
٢ انظر ج ١ : ٦٦ .
٢٥٩

بسره المكتوم؛ فاستحسن ذلك منه، وعلم موضعه من العلم، وصنف في عنفوان
شبابه كتابه الذي سماه (( الزهرة )) وهو مجموع أدب أتى فيه بكل غريبة ونادرة
وشعر رائق .
واجتمع يوماً هو وأبو العباس ابن سُرَيْج في مجلس الوزير ابن الجراح فتناظرا
في الإيلاء، فقال ابن سريج: أنت بقولك ((مَنْ كثرت لحظاته دامت حسراته))
أبْصَرُ منك بالكلام في الإيلاء ، فقال له أبو بكر : لئن قلت ذلك فإني أقول :
وأمنع نفسي أن تنالَ محرما
أنزه١ في روض المحاسن مقلتي
يُصَبُّ على الصخر الأصم تهدما
وأحملُ من ثقل الهوى ما لوَ أنه
فلولا اختلاسي رده لتكلما
وينطقُ طرفي عن مترجم خاطري
فما إن أرى حباً صحيحاً مسلما
رأيت الهوی دعوی من الناس كلهم
فقال له ابن سريج : وبمَ تفتخر علي ولو شئت أنا لقلت :
ومساهرٍ بالفنج من لحظاته قد بت أمنعه لذيذ سناتِهِ
ضنا بحسن حديثه وعتابه وأكرر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبحُ لاح عموده ولى بخاتم ربه وبَراته
فقال أبو بكر : يحفظ الوزير عليه ذلك حتى يقيم شاهدي عدل أنه ولى
بخاتم ربه ، فقال أبو العباس ابن سريج : يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك :
أنزه في روض المحاسن مقلتي وأمنع نفسي أن تنال محرما
فضحك الوزير وقال : لقد جمعتما ظَرْفاً ولطفاً وفهماً وعلماً.
ورأيت في بعض المجاميع هذه الأبيات منسوبة إليه :
لكل امرىء ضيف يسر بقربه وما لي سوى الأحزان والهم من ضيفٍ
له مقلة ترمي القلوبَ بأسهم أشد من الضرب المدارك بالسيف
١ الوافي : أكرر .
٢٦