النص المفهرس

صفحات 221-240

ومدحه تلميذه أبو المجد حمدان بن كثير البالسي١ بقصيدة يقول فيها :
يا كعبةَ الفضلِ افتِنالمَ لمْ يَجِبْ شَرْعاً على قُصّادِكَ الإحرامُ
ولما تضمخ زائِرِيكَ بطيبٍ ما تُلقيهِ وهْوَ على الحجيج حَرامُ
وقد سبق في مرثية أبي العلاء المعري مثل هذا المعنى .
وكانت ولادته في المحرم سنة تسع وعشرين وأربعمائة بميافارقين . وتوفي في
يوم السبت خامس عشري شوال سنة سبع وخمسمائة ببغداد ، ودفن في مقبرة
باب أبرز٢ ، مع شيخه أبي إسحاق في قبر واحد ، وقيل دفن إلى جانبه٣ ،
رحمهما الله تعالى .
٥٩٠
أبو نصر الأرغياني
أبو نصر محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأرغياني الفقيه الشافعي؛
قدم من بلده إلى نيسابور واشتغل على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني وبرع في
الفقه، وكان إماماً مفنّناً ورعاً كثير العبادة. وسمع الحديث من أبي الحسن علي
ابن أحمد الواحدي صاحب التفاسير ، وروى عنه في تفسير قوله تعالى ﴿ إني
لأجِدُ ريحَ يوسفَ ﴾ ( يوسف: ٩٤) أن ريح الصبا استأذنت ربها عز وجل
أن تأتي بريح يوسف على نبينا وعليهما أفضل الصلاة والسلام قبل أن يأتيه البشير
........
....
١ ن : البانسي ؛ ر والمختار: اليانسي، وقد سقط هذا النص حتى آخر البيتين من النسخ ما عدا :
٢ كذا في المختار ، ر ، وفي النسخ الأخرى : باب شيراز .
ن ر والمختار .
٣ إلى جانبه : كذا في ن والمختار ؛ وفي سائر النسخ : بجنبه .
٥٩٠ - ترجمته في الوافي ٣: ٣٤٨ والأنساب ١: ١٦٨ والمنتظم ١٠: ٤٠ وطبقات السبكي ٤ :
٧١ وطبقات الحسيبي : ٧٨؛ والترجمة موجزة كثيراً في المختار .
٢٢١

بالقميص ، فأذن لها فأتته بذلك ، فلذلك يستروح١ كل محزون بريح الصبا ،
وهي من ناحية المشرق: إذا هبت على الأبدان نعمتها ولينتها، وهيجت الأشواق
إلى الأوطان والأحباب ، وأنشد :
نسيمَ الصَّبَا يَخْلُصْ إليَّ نسيمُها
أيا جَبَلَيْ نَعْمَانَ بالله خَلْيا
على نَفْس مهمومٍ تجلّتْ همومُها
فان الصَّبا ريحٌ إذا ما تنسَّمت
وكانت ولادته في سنة أربع وخمسين وأربعمائة ؛ وتوفي ليلة الرابع والعشرين
من ذي القعدة ، سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بنيسابور ،· ودفن بظاهرها بموضع
يقال له (( الحيرة )) على الطريق ، رحمه الله تعالى .
والفتاوى المستخرجة من كتاب ((نهاية المطلب)) المنسوبة إلى الأرغياني أشك
فيها : هل هي له أم لأبي الفتح سهل بن علي الأرغياني - المقدم ذكره٢ - فإني
بعيد العهد بالوقوف عليها ، وذكرتُ في ترجمة أبي الفتح أنها له، ثم حصل٣ لي
الشك ، والله أعلم .
وقد تقدم الكلام على نسبة الأرغياني في ترجمة أبي الفتح المذكور .
ثم إني ظفرت بالفتاوى المذكورة ، فوجدتها لأبي نصر المذكور ، لا لأبي
الفتح .
١ ن ر : يتروح .
٢ انظر جـ ٢: ٤٣٤ والحاشية رقم : ٤ .
٣ ن : فحصل .
.
٢٢٢

٥٩١
محمد بن يحيى
أبو سعد محمد بن يحيى بن أبي منصور النيسابوري ، الملقب محيي الدين ،
الفقيه الشافعي ؛ أستاذ المتأخرين وأوحدهم علماً وزهداً، تفقه على حجة الإسلام
أبي حامد الغزالي ، وأبي المظفر أحمد بن محمد الخواني - المقدم ذكره١ - وبرع
في الفقه وصنف فيه وفي الخلاف ، وانتهت إليه رياسة الفقهاء بنيسابور ، ورحل
إليه الناس من البلاد ، واستفاد منه خلق كثير صار أكثرهم سنادة وأصحاب
طرق في الخلاف؛ وصنف كتاب ((المحيط في شرح الوسيط)) و ((الانتصاف في
مسائل الخلاف)) وغير ذلك من الكتب .
ذكره الحافظ عبد الغافر الفارسي في ((سياق تاريخ نيسابور )) وأثنى عليه ،
وقال : كان له حظ في التذكير ، واستمداد من سائر العلوم ، وكان يدرس
بنظامية نيسابور ، ثم درس بمدينة هَرَاة في المدرسة النظامية ؛ ومن جملة
مسموعاته ما سمعه من الشيخ أبي حامد أحمد بن علي بن محمد بن عبدوس بقراءة
الإمام أبي نصر عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الكريم القشيري ، في سنة
ست وتسعين وأربعمائة، وحضر بعض فضلاء عصره درسه وسمع فوائده ،
وحسن إلقائه ، فأنشده :
رفات الدين والإسلام يحيا بمحيي الدين مولانا ابن يحيى
كأن الله ربَّ العرش يلقي عليه حين يلقي الدرس وَحْيا
ورأيت في بعض المجاميع بيتين منسوبين إليه ، ثم وجدت في ترجمة الشيخ
شهاب الدين أبي الفتح محمد بن محمود بن محمد الطوسي الفقيه الشافعي نزيل مصر ،
٥٩١ - ترجمته في طبقات السبكي ٤: ١٩٧ والشذرات٤: ١٥١ وعبر الذهبي ٤ : ١٣٣.
١ انظر جـ ١ : ٩٦ .
٢٢٣

قال : وأنشدني الإمام أبو سعد محمد بن يحيى النيسابوري لنفسه١ وهما :
وقالوا يصير الشعر في الماء حية إذا الشمس لاقَتْهُ فما خلته صدقا
وقد تَسَعَا قلي تيقنته حقا
فلما ثوی صدغاه في ماء وجهه
وكانت ولادته سنة ست وسبعين وأربعمائة بطُرَيْثِيث . وتوفي شهيداً في
شهر رمضان ، سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، قتلته الغز لما استولوا على نيسابور
في وقعتهم مع السلطان سنجر السلجوقي - كما تقدم ذكره في ترجمته ٢ - أخذته
وَدَسّتْ في فيه التراب حتى مات. وحكى ابن الأزرق الفارقي في تاريخه أن
ذلك كان في سنة ثلاث وخمسين، والأول أصح. ولما مات رؤاه جماعة من العلماء،
من جملتهم أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيهقي ، قال فيه :
يا سافكاً دمَ عالم متبحر قد طار في أقصى المالك صِيتُهُ
تالله قلْ لي يا ظلومُ ولا تخف مَنْ كان محيي الدين كيف تميته٣
رحمه الله تعالى .
(169) وتوفي شهاب الدين الطوسي المذكور ، في العشرين من ذي القعدة
سنة ست وتسعين وخمسمائة بمصر [ودفن بالقرافة ، ومولده سنة اثنتين وعشرين
وخمسمائة، وكان مدرساً بمدرسة منازل العز بمصر، وقدم إلى مصر من مكة سنة
تسعٍ وسبعين وخمسمائة ونزل خانقاه ((سعيد السعداء)) بالقاهرة]٤.
وطريثيث: بضم الطاء المهملة وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر
الثاء المثلثة وسكون الياء المثناة الثانية وبعدها ناء مثلثة ، وهي ناحية كبيرة من
نواحي نيسابور ، خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم .
١ ثم وجدت ... لنفسه: سقط من النسخ ما عدار، ووقع فيها بعد إيراد البيتين.
.......
٢ انظر جـ ٢ : ٤٢٨ .
٣ إلى هنا انتهت الترجمة في المختار .
٤ انفردت به ر .
٢٢٤

٥٩٢
البروي
أبو منصور محمد بن محمد بن محمد بن سعد بن عبد الله البروي الفقية الشافعي ؛
أجد الأئمة المشار إليهم بالتقدم في الفقه والنظر وعلم الكلام والوعظ ، وكان
حلو١ العبارة ذا فصاحة وبراعة ، تفقه على الفقيه محمد بن يحيى المذكور قبله ،
وكان من أكبر أصحابه ، وصنف في الخلاف تعليقة جيدة ، وهي مشهورة ، وله
جدل مليح مشهور سماه (( المقترح في المصطلح)) وأكثر اشتغال الفقهاء به ، وقد
شرحه الفقيه تقي الدين أبو الفتح مظفر بن عبد الله المصري المعروف بالمقترح٢
شرحاً مستوفى٣ وعرف به ، واشتهر باسمه لكونه كان يحفظه فلا يقال له إلا
التقيّ المقترح؛.
ودخل البروي بغداد سنة سبع وستين وخمسمائة فصادف قبولاً وافراً من
العام والخاص ، وتولى المدرسة البهائية قريباً من النظامية وكان يذكر بها كل يوم
عدة دروس، ويحضر عنده الخلق الكثير ، وله حلقة المناظرة يجامع القصر ،
ويحضر عنده المدرسون والأعيان ، وكان يجلس للوعظ بالمدرسة النظامية ،
ومدرسها يومئذ أبو نصر أحمد بن عبد الله الشاشي ، وكان يظهر عليه من
الحركات ما يدل على رغبته في تدريس النظامية ، وكان ينشد في أثناء مجلسه
مشيراً إلى موضع التدريس أبيات المتني ، وهي أوائل قصيد° :
٥٩٢ - ترجمته في الوافي ١: ٢٧٩ والمنتظم ١٠: ٢٣٩ وطبقات السبكي٤: ١٨٢ وعبر الذهبي
٤ : ٢٠٠ والشذرات ٤: ٢٢٤؛ وقد أهملت هذه الترجمة في المختار .
٢ ر : المعتز، وهو كذلك عند الصفدي .
١ ن : حسن .
٣ ر : مشبعاً .
٤ ر : إلا شرح التقي المصري ، وهو موافق لما عندي الصفدي .
٥ ل ن : قصيدة ، وانظر ديوانه : ٥٥ .
١٥ - ٤
٢٢٥

بکیت یا رَبْئُ حق كدت أبکیکا وجدت بي وبدمعي في مغافيكا
فعم صباحاً لقد هَيَجْتَ لي شَجناً واردد تحيتنا إنا محيُّوكا
بأي حكم زمان صرتَ متخذاً رِيمَ الفَلا بدلاً من ريم أهليكا
فكان الناس يفهمون منه ذلك ، وكان أهلاً له ، ووعد به فأدر كته المنية ؛
وكانت ولادته يوم الثلاثاء خامس عشر ذي القعدة سنة سبع عشرة وخمسمائة
بطوس ؛ وتوفي يوم الخميس بين الصلاتين١ سادس عشر رمضان سنة سبع وستين
وخمسمائة ببغداد ، وصلي عليه يوم الجمعة بجامع القصر الخليفة المستضيء بأمر الله
ودفن في ذلك النهار في تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي بباب أبرز ،
رحمهما الله تعالى .
وذكر الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) أن أبا منصور البروي
المذكور قدم دمشق في سنة خمس وستين وخمسمائة ونزل في رباط السميساطي ،
وقرىء عليه شىء من أماليه
والبروي : بفتح الباء الموحدة والراء وبعدها واو٢ ، لا أعلم هذه النسبة الى
أي شيء هي ، ولا ذكرها السمعاني ، وغالب ظني أنها من نواحي طوس؛
والله أعلم .
١ بين الصلاتين : سقط من س ت .
٢ في الشذرات: والبروي بفتح المعجمة وتشديد الراء المضمومة نسبة إلى برويه، جد ( لعلها: جده).
٢٢٦
١

٥٩٣
ابن الخل
أبو الحسن محمد بن المبارك ، وكنيته أبو البقاء ، ابن محمد بن عبد الله بن محمد
المعروف بابن الخل ، الفقيه الشافعي البغدادي ؛ تفقه على أبي بكر محمد بن أحمد
الشامي المعروف بالمستظهري - المقدم ذكره - وبرع في العلم ، وكان يجلس في
مسجده الذي بالرحبة شرقي بغداد لا يخرج عنه إلا بقدر الحاجة يفتي ويدرّس،
وكان قد تفرد بالفتوى بالمسألة السُّريجيَّة ببغداد وصنف كتاباً سماه ((توجيه
التنبيه)) على صورة الشرح لكنه مختصر، وهو أول من شرح (( التنبيه))، لكن
ليس فيه طائل ، وله كتاب في أصول الفقه . وسمع الحديث من أبي عبد الله
الحسين بن أبي طلحة التعالي١ وأبي عبد الله الحسين البسري٢ وغيرهما . وروى
عنه الحافظ أبو سعد السمعاني وغيره ، وسمعت بعض الفقهاء ينقل عنه أنه كان
يكتب خطأً جيداً منسوباً وأن الناس كانوا يحتالون على أخذ خطه في الفتاوى
من غير حاجة إليها بل لأجل الخط لا غير ، فكثرت عليه الفتاوى وضيقت
عليه أوقاته ، ففهم ذلك منهم ، فصار يكسر القلم ويكتب جواب الفتوى به ،
فأقصروا عنه . [وقيل إن صاحب الخط المليح هو أخوه، والله أعلم]٣ .
وتوفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ببغداد ونقل إلى الكوفة ودفن بها ،
رحمه الله تعالى .
(170) وكان أخوه أبو الحسين أحمد بن المبارك فقيهاً فاضلاً وشاعراً ماهراً،
٥٩٣ - ترجمته في الوافي ٤: ٣٨١ والمنتظم ١٠: ١٧٩ وطبقات السبكي ٤: ٩٦ وعبر الذهبي
٤ : ١٥٠ والشذرات ٤: ١٦٤، وقد اقتصر في المختار على ما ورد في هذه الترجمة عن أحمد
ابن المبارك أخي المترجم به ..
١٠. ل ن : الثعالبي ، وهو خطأ .
٢٠ ر : السري ، وهو خطأ .
٣ انفردت به ر .
٢٢٧

٠
ذكره العماد الأصبهاني في كتاب ((الخريدة)) وأثنى عليه، وأورد له مقاطيع
شعر ودوبيت ، فمن ذلك أبيات في بعض الوعاظ وهي :
١
ومن الشقاوة أنهم ركنوا إلى نزغات ذاك الأحمق التمتام
ونفاقُهُ منهم على أقوام
شيخ يُبهرجُ دينه بنفاقه
أي أن هذا موضعي ومقامي
وإذا رأى الكرسيّ اه بأنفه
غل يواريه بكف عظام
ويدق صدراً ما انطوى إلا على
ويقول أيش أقول مِن حَصَرٍ به لا لازدحام عبارةٍ وكلام
[وله دوبيت :
صوناً لودادَ مَنْ هوى النفس لها
هذا ولهي وكم كتمتُ الولها
يا آخرَ محنيٍ ويا أوَّلها آياتُ غرامي فيك مَنْ أوَّلَها
وله أيضاً :
ساروا وأقامَ في فؤادي الكَمَدُ لم يلقَ كما لقيتُ منهم أحدُ
شوقٌ وجوّى ونارُ وجدٍ تَقِدُ مالي جلد ، ضعفْتُ ما لي جلدُ
وله أيضاً :
ما ضرّ حداةَ عيسهم لو رفقوا لم يبقَ غداة بينهم لي رمقُ
قلبٌ قَلِقٌِ وأدمع تستبقُ أوهى جلدي من الفراق الفرقُ]١
وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة؛ وتوفي سنة اثنتين - أو ثلاث -
وخمسين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى .
١ انفردت به ر .
٢٢٨

٥٩٤
محي الدين بن زکي الدین
أبو المعالي محمد بن أبي الحسن علي بن محمد [أبي المعالي مجد الدين]١ بن يحيى
[أبي الفضل زكي الدين]١ بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد
الرحمن بن القاسم بن الوليد بن القاسم بن عبد الرحمن بن أبان بن [أمير المؤمنين]١
عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، القرشي٢ ، الملقب محيي الدين ، المعروف بابن
زكي الدين ، الدمشقي الفقيه الشافعي ؛ كان ذا فضائل عديدة من الفقه والأدب
وغيرهما ، وله النظم المليح والخطب والرسائل ، وتولى القضاء بدمشق في شهر
ربيع الأول، سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، يوم الأربعاء العشرين من الشهر المذكور،
هكذا وجدته بخط القاضي الفاضل : وكذلك أبوه [زکی الدین]١ وجده [مجد
الدين ، وجد أبيه زكي الدين أيضاً وهو أول من ولي من بيتهم]١ وولداه [زكي
الدين أبو العباس الطاهر ومحيي الدين]١ كانوا قضاتها . وكانت له عند السلطان
صلاح الدين ، رحمه الله تعالى ، المنزلة العالية٣ ، والمكانة المكينة . ولما فتح
السلطان المذكور مدينة حلب٤ ، يوم السبت ثامن عشر صفر، سنة تسع وسبعين
وخمسمائة ، أنشده القاضي محي الدين المذكور قصيدة بائية ، أجاد فيها كل
الإجادة ، وكان من جملتها بيت هو متداول بين الناس ، وهو :
وفتحك القلعة الشهباء في صفر مبشر بفتوح القدس في رجب
٥٩٤ - ترجمته في الوافي٤: ١٦٩ وطبقات السبكي ٤: ٨٩ وعبر الذهبي ٤ : ٢٠٥ والشذرات
٤ : ٣٣٧؛ وسقطت الترجمة من ت.
١ ما بين معقفين زيادات من ر والمختار ، ولم يرد في المطبوعة المصرية .
٢ ر : وبقية النسب معروف؛ الأموي القرشي.
٣ ن : العليا؛ ر : المكانة المكينة والمنزلة العالية .
٤ قد مر هذا في ترجمة عماد الدين صاحب سنجار جـ ٢ : ٣٣١.
٢٢٩

فكان كما قال ، فإن القدس فتحت لثلاث بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين
وخمسمائة ، وقيل لمحي الدين : من أين لك هذا ؟ فقال : أخذته من تفسير ابن
برّجان في قوله تعالى: ﴿ ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم
سيغلبون في بضع سنين﴾ ( الروم: ١ -٣) . ولما وقفت أنا على هذا البيت
وهذه الحكاية لم أزل أتطلب تفسير ابن برجان حتى وجدته على هذه الصورة ،
لكن كان هذا الفصل مكتوباً في الحاشية بخط غير الأصل١، ولا أدري هل كان
من أصل الكتاب أم هو ملحق به ٢، وذكر له حساباً طويلاً وطريقاً في استخراج
ذلك حتى حرره من قوله ﴿ بضع سنين ﴾ .
ولما ملك السلطان صلاح الدين حلب، فوّض الحكم والقضاء بها [في ثالث
عشر ربيع الآخر من السنة]٣ إلى القاضي محي الدين المذكور ، فاستناب بها
زين الدين بنا أبا الفضل بن البانياسي٤.
ولما فتح السلطان القدس الشريف تطاول إلى الخطابة يوم الجمعة كلُّ واحد
من العلماء الذين كانوا في خدمته حاضرين ، وجهز كل واحد منهم خطبة بليغة ،
طمعاً في أن يكون هو الذي يعين لذلك ، فخرج المرسوم إلى القاضي محي الدين
أن يخطب هو ، وحضر السلطان وأعيان دولته ، وذلك في أول جمعة صليت
بالقدس بعد الفتح ، فلما رقي المنبر استفتح بسورة الفاتحة ، وقرأها إلى آخرها ،
ثم قال: ﴿فقُطِع دابرُ القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ (الأنعام:
٤٥) ثم قرأ أول سورة الأنعام ﴿الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل
الظلمات والنور﴾ (الأنعام: ١) ثم قرأ من سورة سبحان ﴿وقل الحمد لله
١ ل لي س بر : بخط الأصل .
٢ بهامش المختار: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به: وقعت في القاهرة ودمشق
على ثلاث نسخ من التفسير المذكور وهذا الفصل المشار إليه لكنه مكتوب على الجميع على الحاشية
بعد خط الأصل . وأخبر ني الشيخ تقي الدين محمد بن زين الدين الشافعي قاضي القضاة بالديار
المصرية رحمه الله تعالى أنه رأى هذا الفصل المعين في نسختين على صورة ما ذكرناه والله أعلم)).
٣ انفردت ر بما بين معقفين .
٤ ل : بنا بن الفضل؛ س لي : نبا بن الفضل ؛ ابن البانيايسي : سقطت من النسخ ما عدار .
٢٣٠

الذي لم يتخذ ولداً﴾ الآية ( الاسراء: ١١١) ثم قرأ أول الكهف ﴿الحمد لله
الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ ( الكهف: ١) الآيات الثلاث ، ثم قرأ من
النمل ﴿ وقل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ (النمل: ٥٩) الآية،
ثم قرأ من سورة سبأ ﴿الحمد لله الذي له ما في السموات﴾ ( سبأ: ١) الآية،
ثم قرأ من سورة فاطر ﴿الحمد لله فاطر السموات والأرض﴾ ( فاطر: ١)
الآيات ، وكان قصده أن يذكر جميع تحميدات القرآن الكريم ؛ ثم شرع في
الخطبة، فقال: الحمد لله معزّ الإسلام بنصره، ومذلّ الشرك بقهره، ومُصَرِّف
الأمور بأمره ، ومديم النعم بشكره ، ومستدرج الكفار١ بمكره ، الذي قدر
الأيام دولاً بعدله ، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاء على عباده من ظله ،
وأظهر دينه على الدين كله ، القاهر فوق عباده فلا يمانع ، والظاهر على خليفته
فلا ينازع ، والآمر بما يشاء فلا يراجع، والحاكم بما يريد فلا يدافع ، أحمده على
إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره ، وتطهير بيته المقدس من
أدناس الشرك وأوضاره، حَمْدَ من استشعر الحمد باطن سره وظاهر جهاره٢ ،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد
ولم يكن له كفواً أحد ، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه ، وأرضى به ربه ،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله رافع الشك، وداحض٣ الشرك، وراحض الإفك،
الذي أسرى به من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى، وعرج به منهُ إلى
السماوات العلا إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر وما طغى،
صلى الله عليه وعلى خليفته أبي بكر الصديق السابق إلى الإيمان ، وعلى أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان ، وعلى أمير
المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن ، وعلى أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب مزلزل الشرك ومكسر الأوثان، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم
بإحسان .
١ ر : الكفر .
٢ ن : اجهاره .
٣٠ كذا في جميع النسخ؛ وزاد في متن ر : قلت وصوابه : مدحض الشرك لأنه رباعي والثلاثي منه
لازم فليس له مفعول .
٢٣١

أيها الناس ، أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا
لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة، من الأمة الضالة ، وردها إلى
مقرها من الإسلام ، بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريباً من مائة عام، وتطهير
هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه ، وإماطة الشرك عن طرقه
بعد أن امتد عليها رواقه واستقر فيها رسمه ، ورفع قواعده بالتوحيد ، فإنه
بني عليه وشيد بنيانه بالتمجيد١ ، فإنه أسس على التقوى من خلفه ومن بين
يديه، فهو موطن٢ أبيكم إبراهيم، ومعراج نبيكم محمد عليه الصلاة والسلام،
وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام ، وهو مقر الأنبياء ، ومقصد
الأولياء ، ومدفن الرسل ومهبط الوحي ، ومنزل به ينزل الأمر والنهي ، وهو
في أرض المحشر وصعيد المنشر، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه
المبين ، وهو المسجد [الأقصى] ٣ الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالملائكة المقربين، وهو البلد الذي بعث الله إليه عبده ورسوله وكلمته التي ألقاها
إلى مريم، وروحه عيسى الذي كرّمه برسالته وشرّفه بنبوّته ، ولم يزحزحه
عن رتبة عبوديته ، فقال تعالى: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً الله
ولا الملائكة المقربون﴾ ( النساء : ١٧٢ ) كذب العادلون بالله وضلوا ضلالاً
بعيداً ﴿ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق
ولعلا بعضهم على بعض ، سبحان الله عما يصفون﴾ (المؤمنون: ٩١) ﴿لقد
كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ ( المائدة: ١٧) إلى آخر الآيات
من المائدة، وهو أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تُشَدّ؛
الرحال بعد المسجدين إلا إليه ، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، فلولا
أنكم ممن اختاره الله من عباده ، واصطفاه من سكان بلاده ، لما خصكم بهذه
الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مُجار، ولا يباريكم في شرفها مُبار ، فطوبى لكم من
١ ن : بالتحميد .
٢ ن : موطىء ثرى .
٣ زيادة من ر .
٤ ن : الذي لا تشد .
٢٣٢
1

جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية ، والواقعات البدرية ، والعزمات
الصديقية، والفتوحات العُمَرية، والجيوش العثمانية، والفتكات العلوية ، جددتم
للإسلام أيام القادسية ، والملاحم اليرموكية ، والمنازلات الخيرية١، والهجمات
الخالدية ، فجزاكم الله عن نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الجزاء ، وشكر
لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء ، وتقبّل منكم ما تقرّبتم به إليه
من مُهَراق الدماء ، وأثابكم الجنة فهي دار السعداء ، فاقدروا رحمكم الله هذه
النعمة حق قدرها ، وقوموا لله تعالى بواجب شكرها ، فله تعالى المنة عليكم
بتخصيصكم بهذه النعمة ، وترشيحكم لهذه الخدمة ، فهذا هو الفتح الذي فتحت له
أبواب السماء، وتبلجت٢ بأنواره وجوه الظلماء، وابتهج به الملائكة المقربون ،
وقَرَّ به عيناً الأنبياء والمرسلون ، فإذا٣ عليكم من النعمة بأن جعلكم الجيش
الذي يفتح على يديه البيت المقدس في آخر الزمان ، والجند الذي تقوم بسيوفهم
بعد فترة من النبوة أعلام الإيمان ، فيوشك أن يفتح الله على أيديكم أمثاله ، وأن
تكون التهاني لأهل الخضراء ، أكثر من التهاني لأهل الغبراء ، أليس هو البيت
الذي ذكره الله في كتابه، ونص عليه في محكم خطابه ، فقال تعالى : ﴿سبحان
الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ ( الإسراء : ١)
أليس هو البيت الذي عظمته الملل ، وأثنت عليه الرسل ، وتليت فيه الكتب
الأربعة المنزلة من الله عز وجل ؟ أليس هو البيت الذي أمسك الله تعالى لأجله
الشمس على يوشع أن تغرب ، وباعد بين خطواتها ليتيسر فتحه ويقرب ؟ أليس
هو البيت الذي أمر الله عز وجل موسى أن يأمر قومه باستنقاذه فلم يجبه إلا
رجلان ، وغضب الله عليهم لأجله فألقاهم في التيه عقوبة للعصيان ؟ فاحمدوا الله
الذي أمضى عزائمكم لما نكلت عنه بنو إسرائيل ، وقد فضلت على العالمين ،
ووفقكم لما خذل فيه أمم كانت قبلكم من الأمم٤ الماضين ، وجمع لأجله كلمتكم
١ ن : الخيرية .
٢ ن : وسلخت .
٣ ن : فماذا لله .
٤ ن : من قبلكم من الأمم .
٢٣٣

وكانت شق، وأغناكم بما أمضته ( كان) و (قد) عن ( سوف) و ( حق ) ،
فليهنكم أن الله قد ذكركم به فيمن عنده، وجعلكم بعد أن كنثم جنوداً لأهويتكم
جنده، وشكر لكم الملائكة المنزلون ، على ما أهديتم لهذا البيت من طيب
التوحيد ونشر التقديس والتمجيد ، وما أمطتم عن طرقهم فيه من أذى الشرك
والتثليث، والاعتقاد الفاجر الخبيث؛ فالآن تستغفر لكم أملاك السموات، وتصلي
عليكم الصلوات المباركات ، فاحفظوا رحمكم الله هذه الموهبة فيكم، واحرسوا
هذه النعمة عندكم ، بتقوى الله التي من تمسك بها سلم ، ومن اعتصم بعروتها١ نجا
وعصم ، واحذروا من اتباع الهوى ، ومواقعة الردى ، ورجوع القهقرى ،
والنكول عن العدا، وخذوا في انتهاز الفرصة، وإزالة ما بقي من الغصة ،
وجاهدوا في الله حق جهاده ، وبيعوا عباد الله أنفسكم في رضاه إذ جعلكم
من خير عباده ، وإياكم أن يستزلكم الشيطان ، وأن يتداخلكم الطغيان ،
فيخيل لكم أن هذا النصر بسيوفكم الحداد ، وخيولكم الجياد ، ويحلادكم في
مواطن الجلاد، لا والله ما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم، فاحذروا
عباد الله - بعد أن شرفكم بهذا الفتح الجليل ، والمنح الجزيل ، وخصكم
بنصره المبين، وأعلق أيديكم بحبله المتين - أن تقترفوا كبيراً من مناهيه، وأن
تأتوا عظيماً من معاصيه، فتكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، وكالذي
آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ، والجهادَ الجهاد فهو
من أفضل عباداتكم ، وأشرف عاداتكم ، انصروا الله ينصركم ، احفظوا الله
يحفظكم ، اذكروا الله يذكركم، اشكروا الله يزدكم ويشكركم، جدوا في حَسْم
الداء، وقلع شأفة الأعداء، وطهروا بقية الأرض من هذه الأنجاس التي أغضبت
الله ورسوله، واقطعوا فروع الكفر واجتثوا أصوله، فقد نادت الأيام يا الثارات٢
الإسلامية والملة المحمدية ، الله أكبر ، فتح الله ونصر، غلب الله وقهر ، أذل الله
مَنْ كفر، واعلموا رحمكم الله أن هذه فرصة فانتهزوها ، وفريسة فناجزوها،
وغنيمة فحوزوها، ومهمة فأخرجوا لها هممكم وأبرزوها ، وسَيِّروا إِليها
١ ن : الذي من تمسك به ... بعروته .
٢ المختار : بالثارات .
٢٣٤

سرايا عزماتكم وجهزوها ، فالأمور بأواخرها ، والمكاسب بذخائرها ، فقد
أُظفركم الله بهذا العدو المخذول ، وهم مثلكم أو يزيدون ، فكيف وقد أضحى
قبالة الواحد منهم منكم عشرون ، وقد قال الله تعالى : ﴿ إن يكن منكم
عشرون صابرون يغلبوا مائتين ، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين
كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾ ( الأنفال: ٦٥) أعاننا الله وإياكم على اتباع
أوامره ، والازدجار بزواجره، وأيّدنا معاشر المسلمين بنصر من عنده ﴿إن
ينصر كم الله فلا غالب لكم وإن يخذلکم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾ ( آل
عمران: ١٦٠) إن أشرف مقال يقال في مقام، وأنفذ سهام تمرق عن قسي
الكلام ، وأمضى قول تحل به الأفهام ، كلام الواحد الفرد العزيز العلام ، قال
الله تعالى: ﴿وإذا قرىء القرآن فاستمعرا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ، أعوذ
بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ( الأعراف: ٢٩٤) وقرأ
أول الحشر ، ثم قال : آمركم وإياي بما أمر الله به من حسن الطاعة فأطيعوه ،
وأنها كم وإياي عما نهاكم عنه من قبح المعصية فلا تعصوه ، وأستغفر الله العظيم
لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه .
ثم خطب الخطبة الثانية على عادة الخطباء مختصرة ثم دعا للإمام الناصر
خليفة العصر . ثم قال: اللهم وأدم سلطان عبدك الخاضع لهيبتك ، الشاكر
لنعمتك ، المعترف بموهبتك ، سيفك القاطع، وشهابك اللامع ، والمحامي عن
دينك المدافع، والذابِ عن حرمك المانع، السيد الأجل، الملك الناصر، جامع
كلمة الإيمان ، وقامع عَبَدَة الصلبان ، صلاح الدنيا والدين ، سلطان الإسلام
والمسلمين ، مطهر البيت المقدس أبي المظفر يوسف بن أيوب ، محبي دولة أمير
المؤمنين، اللهم عُمَّ بدولته البسيطة ، واجعل ملائكتك براياته محيطة، وأحسن
عن الدين الحنيفي جزاءه ، واشكر عن الملة المحمدية عزمه ومضاءه ، اللهم أبق
للإسلام مهجته ، ووق للإيمان حوزته، وانشر في المشارق والمغارب دعوته، اللهم
كما فتحت على يديه البيت المقدس بعد أن ظنت الظنون، وابتلي المؤمنون، فافتح
على يديه داني الأرض وقاصيها ، وملكه صياصي الكفر ونواصيها ، فلا تلقاه
منهم كتيبة إلا مزقها ، ولا جماعة إلا فرقها ، ولا طائفة بعد طائفة إلا ألحقها
٢٣٥

بمن سبقها ، اللهم اشكر عن محمد صلى الله عليه وسلم سَعيه، وأنفذ في المشارق
والمغارب أمره ونَهْيه، اللهم وأصلح به أوساط البلاد وأطرافها، وأرجاء
المالك وأكنافها ، اللهم ذلل به معاطس الكفار ، وأرغم به أنوف الفجّار ،
وانشر ذوائب ملكه على الأمصار ، وابثث سرايا جنوده في سبل الأقطار .
اللهم ثبّت الملك فيه وفي عقبه إلى يوم الدين ، واحفظه في بنيه وبني أبيه الملوك
المیامین١ ، واشدد عضده ببقائهم ، واقض بإعزاز أوليائه وأوليائهم . اللهم كما
أجريت على يده في الإسلام هذه الحسنة التي تبقى على الأيام ، وتتخلد على مر
الشهور والأعوام ، فارزقه الملك الأبدي الذي لا يَنْفَدُ في دار اليقين ، وأجب
دعاءه في قوله ﴿رَبِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديّ،
وأن أعمل صالحاً ترضاه ، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين﴾ ( الأحقاف :
١٥) ثم دعا بما جرت به العادة .
وكانت ولادته سنة خمسين وخمسمائة بدمشق ؛ وتوفي في سابع شعبان سنة
ثمان وتسعين وخمسمائة بدمشق ودفن من يومه بسفح جبل قاسيون ، رحمه الله
تعالى .
(171) وكان والده أبو الحسن علي الملقب زكي الدين على القضاء بدمشق .
وكان كثير الخير والدين ، فاستعفى عن القضاء فأعفي ، فخرج إلى مكة حاجاً،
وعاد إلى بغداد في صفر سنة ثلاث وستين وخمسمائة فأقام بها، وكان عالي الطبقة
في سماع الحديث ، سمع خلقاً كثيراً، وحدّث ببغداد مدة إقامته ، وسمع عليه
الناس ، ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الخميس الثامن والعشرين من شوال سنة أربع
وستين وخمسمائة ، وصلي عليه بجامع القصر، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل ،
رضي الله عنهم أجمعين٢ .
(172) وأما ابن بَرَّجانَ المذكور٣، فهو: أبو الحكم عبد السلام بن عبد
الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن اللخمي ، كان عبداً صالحاً ، وله تفسير القرآن
١ ر : والسلاطين .
٢ هنا تنتهي الترجمة في ن س ل لي بر .
٣ ترجمته في التكملة رقم : ١٧٩٧.
٢٣٦
١

العظيم ، وأكثر كلامه فيه على طريق أرباب الأحوال والمقامات ، وتوفي سنة .
ست وثلاثين وخمسمائة بمدينة مراكش ، رحمه الله تعالى .
وبَرَّجانُ: بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء وبعدها جيم وبعد الألف نون.
٥٩٥
السديد الساماسي
السديد محمد بن هبة الله بن عبد الله السلماسي الفقيه الشافعي ؛ كان إماماً في
عصره١، تولى الإعادة بالمدرسة النظامية ببغداد ، وأتقن عدة فنون، وهو الذي
شهر طريقة الشريف بالعراق، قيل إنه كان يذكر طريقة الشريف و((الوسيط ))
للغزالي و ((المستصفى)) من غير مراجعة كتاب. قصده الناس من البلاد، واشتغلوا
عليه وانتفعوا به ، وخرجوا علماء مدرسين مصنفين ، ومن جملتهم الشيخان
الإمامان : عماد الدين محمد ، وكمال الدين موسى ولدا يونس - وسيأتي ذكرهما
إن شاء الله تعالى - والشيخ شرف الدين أبو المظفر محمد بن علوان بن مهاجر ،
وغيرهم من الأفاضل . وكان مسدداً في الفُتْيا ؛ وتوفي ببغداد في شعبان سنة
أربع وسبعين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى .
والسَّلَماسي : بفتح السين المهملة واللام والميم وبعد الألف سين ثانية ، هذه
النسبة إلى سَلَماس، وهي مدينة من بلاد أذربيجان، خرج منها جماعة مشاهير.
٥٩٥ - ترجمته في طبقات السبكي ٤: ١٩٥، ولم ترد هذه الترجمة في المختار . ومن هنا يبدأ الاعتماد
على نسخة منشستر ورمزها ((من)) .
١ ن : كان أمام عصره .
٢٣٧

٥٩٦
حفدة
أبو منصور محمد بن أسعد بن محمد بن الحسين بن القاسم العطاري الطوسي
الأصل ، المعروف بحَفَدَة ، الملقب عمدة الدين ، الفقيه الشافعي النيسابوري ؛
كان فقيهاً فاضلاً واعظاً فصيحاً أصولياً، تفقه بمرو على أبي بكر محمد بن منصور
السمعاني والد الحافظ المشهور ، ثم انتقل إلى مروالروذ ، واشتغل على القاضي
حسين بن مسعود الفراء المعروف بالبغوي صاحب ((شرح السنة)) و((التهذيب))
- وقد سبق ذكره١ - ثم انتقل إلى بخارا واشتغل بها على البرهان عبد العزيز
ابن عمر بن مارة الحنفي، ثم عاد إلى مَرْوَ وعقد له بها مجلس التذكير ، وأقام
بها مدة ، ثم في فتنة الغز٢ - وكانت فتنة الغز سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، كما
ذكرته في ترجمة الفقيه محمد بن يحيى - خرج٣ إلى العراق ومنها إلى أذربيجان
والجزيرة ومنها إلى الموصل ، واجتمع الناس عليه بسبب الوعظ ، وسمعوا منه
الحديث ، ومن أماليه :
مَثَلُ الشافعي في العلماء مَثَلُ الشمس في نجوم السماء
قُلْ لمن قاسهُ بغير نظير أيقاسُ الضياء بالظلماء
وأنشد يوماً على الكرسي من جملة أبيات :
٥٩٦ - ترجمته في المنتظم ١٠: ٢٧٩ والوافي ٢: ٢٠٢: وطبقات السبكي ٤: ٦٥ وعبر الذهبي
٤ : ٢١٣ والشذرات ٤: ٢٤٠؛ وهي موجزة كثيراً في المختار ، اقتصرت على إيراد الأبيات
الأربعة المذكورة في الترجمة .
١ انظرج ٢ : ١٣٦ وفي من بر: المعروف بالفراوي.
٢ س ن ل لي من: مدة في فترة الغز ؛ ر : الأخر ؛ بر: ثم في فترة الغز خرج
٣ س ن ل لي : ثم خرج ؛ من : وخرج .
٢٣٨

تحية صَوْبِ المزن يقرؤها الرعد على منزل كانت تحُلُّ به هندُ
فأت فأعّرْناما القلوبَ صَبَابَةٌ وعاريةُ العشاق ليس لها ردُ
وكانت مجالسه في الوعظ من أحسن المجالس . وتوفي في شهر ربيع الآخر
سنة إحدى وسبعين وخمسمائة بمدينة تبريز ، وقيل إنه توفي في رجب سنة
ثلاث وسبعين ، رحمه الله تعالى، والله أعلم بالصواب .
وَحَفَدَةُ: بفتح الحاء المهملة والفاء والدال المهملة، ولا أعلم لمّ سمي بهذا
الاسم مع كثرة كشفي عنه .
وتبريز : بكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الباء الموحدة وكسر الراء
وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها زاي ، وهي من أكبر مدن أذربيجان .
٥٩٧
نجم الدين الخبوشاني
أبو البركات محمد بن الموفق بن سعيد بن علي بن الحسن بن عبد الله الخبوشاني،
الملقب نجم الدين الفقيه الشافعي ؛ كان فقيهاً فاضلاً كثير الورع ، تفقه على محمد
"ابن يحيى - المقدم ذكره - وكان يستحضر كتابه ((المحيط في شرح الوسيط))
على ما قيل ، حق نقل عنه أنه عدم الكتاب فأملاه من خاطره ، وله كتاب
(تحقيق المحيط)) وهو كبير، رأيته في ستة عشر مجلداً. وقد تقدم ذكره في
في ترجمة العاضد عبد الله العُبَيدي صاحب مصر وما جرى له معه ١ . ولما استقل
٥٩٧ - ترجمته في طبقات السبكي ٤: ١٩٠ وحسن المحاضرة ١ : ١٧٠ وعبر الذهبي ٤ : ٢٦٢
والشذرات ٤: ٢٨٨ (وفيات ٥٨٦) والنجوم الزاهرة ٦ : ١١٥ ومرآة الزمان: ٤١٤ والبدر
السافر ، الورقة : ١٧٣ .
١ انظرج ٣ : ١١١ .
٢٣٩

السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى بملك الديار المصرية قرّبه وأكرمه ، وكان
يعتقد في علمه ودينه ، ويقال إنه أشار عليه بعمارة المدرسة المجاورة لضريح
الإمام الشافعي، رضي الله عنه، فلما عمرها فوض تدريسها إليه ، وعمرها في سنة
اثنتين وسبعين وخمسمائة ، وفي هذه السنة بنى البيمارستان في القصر بالقاهرة .
ورأيتُ جماعة من أصحابه وكانوا يصفون فضله ودينه وأنه كان سليم الباطن قليل
المعرفة بأحوال الدنيا .
وكانت ولادته في الثالث عشر١ من رجب سنة عشر وخمسمائة ، باسْتُوى
خبوشان ؛ وتوفي يوم الأربعاء ثاني عشر ذي القعدة سنة سبع وثمانين وخمسمائة ،
بالمدرسة المذكورة ، ودفن في قبة تحت رجلي الإمام الشافعي ، وبينهما شباك ،
رحمهما الله تعالى.
والخُبُوشاني : بضم الخاء المعجمة والباء الموحدة وفتح الشين المعجمة وبعد
الألف نون ، هذه النسبة إلى خُبُوشان ، وهي بُليدة بناحية نيسابور .
وأُسْتَوى : بضم الهمزة وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها
أو ضمها ، ناحية٢ كثيرة القرى من أعمال نيسابور.
١ ل بر: في ثالث عشرين؛ ن: في ثاني عشرين؛ س: في ثالث عشر ( وفي الهامش: عشرين)؛
لي من : ثالث وعشرين .
٢ ن : ناحية كبيرة .
٢٤٠